76 ــ الشريف الرضي (359 ــ 406 هـ / 969 ــ 1015م)

كربلاء الحسين

2020-04-22

357 زيارة

قال من قصيدة في رثاء الحسين تبلغ (60) بيتاً:

(كربلا) لا زلتِ كرباً وبلا * ما لقي عندكِ آلُ المصطفى

كم على تربِكِ لمَّا صُرِّعوا * من دمٍ سالَ ومن دمعٍ جرى

      كم حصانَ الذيلِ يروي دمعُها * * خدَّها عند قتيلٍ بالظما      

ومنها:

ضارباً في (كربلا) خيمته *** ثم ما خــيّمَ حتـى قوِّضا

كيفَ لم يستعجلِ اللهُ لهمْ بانقلابِ الأرضِ أو رجمِ السما

لو بسبطي قيصرٍ أو هرقلٍ *** فعلوا فعـلَ يزيدٍ ما عدا

الشاعر

أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم االسلام) الملقب بـ (الشريف الرضي).

كانت بغداد على موعد مع ولادة نجم لامع في سماء الأدب العربي، شعّ على دجلتها، فتلألأ ماؤها بنوره، وتمايل نخيلها على أنغامه، وتنسّم هواؤها بنفحاته، فقد احتضنت أرضها مفخرة من مفاخر العترة الطاهرة وإماماً من ائمة العلم والأدب.

نشأ الشريف الرضي نشأة علمية ودرس النحو والفقه والحديث على يد أساتذة هذه العلوم فتتملذ على كبار العلماء منهم: السيرافي، وابن نباتة، والمرزباني، وغيرهم من الأعلام، كما تتلمذ على يد الشيخ المفيد محمد بن النعمان الذي كان أستاذه وأستاذ أخيه الشريف المرتضى (علم الهدى)، وقد قيل (لولا الرضي لكان المرتضى أشعر الناس ولولا المرتضى لكان الرضي أعلم الناس).

ويقول الدكتور زكي مبارك في كتابه (عبقرية الشريف الرضي): (طلب إليَّ أن أكتب عن أعظم شاعر أنجبته العربية فكتبت عن الشريف الرضي). (1)

لم يتربّع الشريف الرضي على عرش إمارة الشعر فقط، بل حاز على قصب السبق في باقي مضامير التأليف، فقد كان عمره خصباً بإنتاجه العلمي والأدبي، ويؤدينا الحساب الدقيق لسني عمره إلى أن إنتاجه لتلك المؤلفات القيمة التي تحتاج إلى مادة علمية غزيرة واطلاع واسع كان على حد الإعجاز، فقد كانت مؤلفاته تتشابه في قوة المنطق وأساليب البيان، ولعل أهم مؤلفاته هو جمعه لنهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف من كلام امير المؤمنين وسيد البلغاء والمتكلمين من خطب ورسائل وحكم ومواعظ، ومن مؤلفاته أيضاً: (خصائص الأئمة)، و(مجازات الآثار النبوية)، و(تلخيص البيان عن مجاز القرآن)، و(حقائق التأويل في متشابه التنزيل)، و(معاني القرآن)، و(تعليق خلاف الفقهاء)، و(تعليقه على إيضاح أبي علي الفارسي)، و(أخبار قضاة بغداد)، و(سيرة والده الطاهر)، وله كتاب جمع فيه رسائله في ثلاثة مجلدات، كما ألف في الشعر، فاختار فيها أشعار بعض الشعراء، ومما ألف كتاب (الحسن من شعر الحسين)، و(الزيادات في شعر أبي تمام) و(مختار شعر أبي إسحق الصابي)، و(ما دار بينه وبين أبي إسحق من الرسائل شعراً)، و(انشراح الصدر في مختارات من الشعر)، و(طيف الخيال).

اجتمعت في الشريف الرضي خصال نادرة قلّما اجتمعت عند أفذاذ الرجال، ومن يطلع على المناصب التي تولاها في حياته يجد ما تتمتع به شخصيته من المؤهلات العلمية والنفسية الكريمة، فقد تولّى نقابة الطالبيين وإمارة الحج والنظر في المظالم وهو في عمر (21) سنة، ومن يقرأ شعره يجد صورة ناطقة عن نفسيته العظيمة ويتجسد له ما تحمل تلك الشخصية الفذة من خصال، فالعلم والفقه والحكم وعزة النفس والعزم والعفة والكرم والإباء قد حُلّيت بالشعر وانتظمت في ديوانه الذي طفح بشاعرية قلّ نظيرها، وقد أجمع أكثر المؤرخين والمؤلفين على أنه: (أشعر قريش من مضى منهم ومن غبر) كالخطيب البغدادي (2) والعمري (3) والثعالبي (4) وابن الجوزي (5) والباخرزي والذي يقول عنه: (له صدر الوسادة بين الأئمة والسادة وأنا إذا مدحته كنت كمن قال لذكاءٍ: ما إنورك! ولخضاره: ما أغزرك وله شعر إذا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه وعقد بالنجم نواصيه وإذا نسب انتسب رقة الهواء إلى نسيبه وفاز بالقدح المعلى في نصيبه) (6) ويقول عنه الرفاعي: (كان أشعر قريش وذلك لأن الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر والمكثر ليس بمجيد والرضي قد جمع بين فضلي الإكثار والإجادة وكان صاحب ورع وعفة وعدل في الأقضية وهيبة في النفوس). (7)

حفل شعر الشريف بالعديد من الأغراض وتفرّعت أبوابه وسنطرق منه باباً لنختار ما أفاضت قريحة الشريف في رثاء جده سيد الشهداء (عليه السلام)، فللشريف في هذا الشأن قصائد عديدة التهبت بها زفراته وهاجت بها أحزانه، ففي قصيدته الرائية يطلق الشريف الرضي صوته من أعماق قلبه ليملأ الصحراء ويتردد صداه مع رياحها ليصل إلى كربلاء ويصبح هذا الصوت انعكاساً لصورة الشهادة بأدق صورها:

يومٌ حدا الظعنُ فيه بابن فاطمةٍ * سنانَ مطّرد الكعبينِ مطرورِ

وخرّ للموتِ لا كفٌّ تقـلبه *** إلا بوطئً من الجردِ المحاضيرِ

ظمآن سلّى نجيعُ الطعنِ غلّتَه عن باردٍ من عبابِ الماءِ مقرورِ

كأنَّ بيضَ المواضي وهي تنهبُه نارٌ تحكّمُ في جســمٍ من النورِ

للهِ ملقىً على الرمضاءِ عضّ به * فمُ الردى بين أقدامٍ وتشميرِ

تحنو عليه الربى ظلاً وتسترُه * عن النواظرِ اذيالُ الأعاصيرِ

تهابُه الوحش أن تدنو لمصرعه *** وقد أقامَ ثلاثاً غير مقبورِ

ويستبد الحزن بالشريف حتى يصبح هذا الحزن داءً ينهش قلبه ويقرح كبده، فصورة سيد الشهداء وهو ظمآن ولا يسقى بغير الرماح والسيوف تتغلغل في نفسه وتمتزج بدمه لتصبح جذوة من الغضب والحزن ولتنطلق ضاجّة من الوحشية الأموية:

ولي كبدٌ مقروحةٌ لو أضاعها * من السقمِ غيري ما بغاها بناشدِ

تأوّبني داءٌ من الهـمِّ لم يـزلْ *** بقلبي حتى عادني منه عائدي

تذكّرتُ يومَ السبطِ من آلِ هاشمٍ *وما يومنا من آلِ حربٍ بواحدِ

وظامٍ يريغُ الماءَ قد حيلَ دونه *** سقوه ذباباتِ الرقاقِ البواردِ

أتاحوا له مرَّ المواردِ بالقنا * على ما أباحوا من عذابِ المواردِ

ويشيع هذا الحزن عند الشريف فيصبح شغله الشاغل فهو حزن الإنسان وثورته اللاهبة:

لم يبقَ ذخــرٌ للمــدامـعِ عنكمُ *** كلا ولا عـيــنٌ جرى لرقادِها

شغل الدموعَ عن الديارِ بكاؤنا ***  لبكــاءِ فاطمةٍ على أولادِها

لم يخلفوها في الشهيد وقد رأى * دفـع الفراتِ يُذادُ عن أورادِها

أترى درتْ أنَّ الحسينَ طريدةٌ * لقنا بني الطـرداء عند ولادِها؟

كانتْ مــآتمُ بالعـــراقِ تعـدّها *** أمــوية بالشــامِ من أعيــادِها

ما راقبت غضبَ النبيِّ وقد غدا *زرعُ النبيِّ مضـنّة لحصـادِها

نسلُ النبيِّ على صعابِ مطيها ودمُ النبيِّ على رؤوسِ صعادِها

ورغم ان هذا الحزن يطبع على قلب الشاعر والمأساة تقيم في نفسه إلا أن صرخته تنطلق إنسانية واعية كبيرة في عطائها دفيقة بالحزن الشغيف:

يا حســاماً فــلّت مضــاربَه الهــامُ وقد فلّه الحســامُ الصقيـلُ

يا جــواداً أدمى الجوادَ مــن الطــعنِ وولــى ونحــرُه مبلـولُ

حجلَ الخيلَ من دماءِ الأعادي يومَ يبدو طعنٌ وتُخفى حجولُ

أتراني أعيرُ وجــهيَ صوناً *** وعلى وجههِ تجولُ الخيولُ

أتراني ألذُّ مــاءً ولمــا *** يروَ من مـهجــةِ الإمــامِ الغليـــلُ

قبّــلتــه الــرماحُ وانتضلتْ فيه المنــايا وعانـــقته النصـــولُ

يا غريبَ الديارِ صبري غريبٌ * وقتيلُ الأعـداءِ نومي قتيلُ

بي نزاعٌ يطغى إليكَ وشـوقٌ *** وغــرامٌ وزفـــرةٌ وعـويلُ

ليتَ أنّي ضجيــعُ قبـــرِكَ أو أن ثراهُ بمدمـــعي مطـــلـــــولُ

ويسقط الشاعر عصارة روحه في مقصورته المشهورة التي تأتي بكلمات مباشرة لكنها كالمطر في عطائها الفني معبرة عن الألم والحزن العميقين بروح أكثر أفقاً، فكانت هذه المقصورة عبارة عن لوحة تراجيدية لذلك اليوم المأساوي على إيقاع حزين كان الشاعر أكثر التحاماً وتداخلاً مع صور مشهد الطف، ويمكننا أن نطلق على (مقصورته) بنشيد الطف:

كربلا لا زلـــتِ كرباً وبلا *** مالـــقي عندكِ آلُ المصـطفى

كم على تربِكِ لمَّا صُرِّعوا ***  من دمٍ سالَ ومن دمعٍ جرى

كم حَصانَ الذيلِ يروي دمعُها *** خدَّهـــــا عند قتيلٍ بالظما

تمسحُ التربَ على أعجـــالِها ** عن طــلى نحرٍ رميلٍ بالدما

وضيــوف لفـــلاةٍ قفرةٍ *** نزلــــوا فيها على غيـــــر قرى

لم يذوقوا الماءَ حتى اجتمعوا بجدى السيف على وردِ الردى

تكسفُ الشمسُ شمــوساً منهم *** لا تـــدانيـها ضياءً وعــلا

وتنوشُ الوحشُ من أجسادِهم * أرجلَ السبـــقِ وإيمانَ الندى

ووجوهاً كالمصابيحِ فمِن *** قمرٍ غابَ ونجـــمٍ قد هــــوى

وتتصاعد هذه النبرة الحزينة عند الشاعر فهو هنا يستعين بالخطابية فيراه الطريق المباشر للتعبير عمّا بداخله:

يا رسولَ اللهِ لو عــاينتهم *** وهـــمُ ما بيـــنَ قتــلى وسـبا

من رميضٍ يُمنع الظلُّ ومن *** عاطشٍ يُسقى أنابيبَ القنا

ومسوقٍ عاثرٍ يسعى به *** خـلفَ محمولٍ على غيرِ وطا

لرأتْ عيناكَ منهمْ منظراً *** للحشى شجــواً وللعيـن قذى

وتصبح اللوحة ملحمية في استرسال القصيدة المتصاعد حدة وغضباً وحزناً وألماً فالمشهد يذكي أحاسيس الشاعر ويؤجِّج انفعالاته:

يا قتيلاً قــوّضَ الــدهرُ به *** عمدَ الدينِ وأعلامَ الهدى

قتــلوهُ بــعدَ علمٍ مــنهـمُ *** أنّه خــامسُ أصحابِ الكسا

وصريعاً عالجَ الموتَ بلا *** شــدِّ لحييـن ولا مدِّ ردى

غسلوهُ بدمِ الــطعــنِ ومـا *** كفنوه غيـر بوغاء الثرى

كيفَ لم يستعجلِ اللهُ لهم بانقلابِ الأرضِ أو رجمِ السما

وبقي يوم الطف يتجلى في إحساس الشاعر فيهز كيانه ويملأ عينيه بالدموع وتفيض روحه ألماً وحسرة حتى فاضت تلك الروح الطاهرة إلى بارئها وحضر عند وفاته الوزير فخر الدولة وسائر الوزراء والأعيان والأشراف والقضاة حفاة مشاة وصلى عليه الوزير فخر الدولة ودفن في داره الكائنة في الكرخ قرب مسجد الأنباريين.

وقد ذكر كثير من المؤرخين نقل جثمانه إلى كربلاء بعد دفنه في داره. وذلك ليس ببعيد لأن بني إبراهيم المجاب قطنوا حائر الحسين (ع) مجاورين لجدهم (ع) واتخذوا تربته مدفناً لهم، وأما من قطن في غير الحائر من سائر المدن فإن جثمانه ينقل بعد موته إلى الحائر قرب جده الحسين (عليه السلام) وقد نقل جثمان والد الشريف الرضي إلى الحائر بعد وفاته في بغداد سنة 400 هـ ولم يدفن في بغداد ويشهد لذلك أبو سعيد علي بن محمد الكاتب عندما رثاه بقوله:

يا برقُ حامَ على حياكَ وغائرِ *** أن تستهلَّ بغيرِ أرضِ الحائرِ

فلا بدع لو نقل جثمان الشريف الرضي على عادة بني إبراهيم المجاب إلى الحائر الحسيني وقد رثى الشريف كبار الشعراء في عصره منهم: مهيار الديلمي بقصيدتيه الدالية والميمية، وهما مثبتتان في ديوانه وممن رثاه أيضاً سليمان بن فهد، وأخو الشريف الرضي الشريف المرتضى (علم الهدى) بقصيدة مطلعها:

يا للرجال لفجعةٍ جذمت يدي *** ووددتُ لو ذهبتْ عليَّ براسي

ويقول فيها:

لا تنكروا من فيضِ دمعي عبرةً *** فالدمعُ غير مساعدٍ ومواسي

للهِ عمركَ من قصيـــرٍ طــاهرٍ *** ولرب عمــرٍ طــالَ بالأدناسِ

محمد طاهر الصفار

...............................................................

الهوامش

1 ــ عبقرية الشريف الرضي ص 65

2 ــ تاريخ الخطيب ج 2 ص 246

3 ــ المجدي ص 126

4 ــ يتيمة الدهر ج 3 ص 155

5 ــ المنتظم ج 7 ص 279

6 ــ دمية القصر ج 1 ص 292

7 ــ صحاح الأخبار ص 61

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً