غارة المشعشعين على ضريح الإمام الحسين (عليه السلام)

كربلاء الحسين

2018-12-11

2111 زيارة

في عام (857هـ) أغار علي بن محمد بن فلاح المشعشعي من أمراء الدولة المشعشعية على كربلاء, وكان يدعي الإلوهية فقتل أهلها (قتلاً ذريعاً) دون رحمة, وأسر النساء وسرق ما في ضريح الحسين من المجوهرات وأخذها إلى مركز حكمه في البصرة والأهواز, وكان أبوه قد فعل في النجف مثل فعله في كربلاء.
ويعلق السيد عبد الجواد الكليدار على هذه الحادثة بالقول: (إننا وإن لم نتوصل إلى تفاصيل أوسع عما اقترفه علي بن محمد بن فلاح على نحو ما فعله ضبة بن محمد الأسدي من قبل من نهب أموال الضريح وقتل جم غفير من الزائرين والسكان الآمنين قتلاً ذريعاً وأسر من بقي منهم وسوقهم إلى مقر حكمه في الجزائر والبصرة, إلا أننا نستطيع أن نقدر حسب القرائن التاريخية بأن خسائر الضريح في هذه المرة كانت فادحة للغاية تفوق بكثير ما أصابه في سنة (526), لأن الضريح في هذه الفترة الطويلة من الزمن من بعد المسترشد (526هـ) إلى سنة (858هـ) كان قد توسّعت معالمه, وكثرت موارده وأوقافه, وامتلأت خزائنه بالنفائس الجليلة والهدايا الثمينة التي تقدم بها الأمراء والملوك والسلاطين من متأخري الخلفاء العباسيين, لا سيما أحمد الناصر, ومن ملوك الشيعة أمثال محمود غازان (694ــ703هـ), والشاه محمد خدابنده (703ــ716هـ), وابنه بهادر خاب أبي سعيد (716ــ736هـ), ثم السلطان أويس الجلائري (757ــ775هـ), وولديه السلطان حسين (775ــ784هـ), والسلطان أحمد (784ــ808هـ), وقد ترك كل واحد من هؤلاء الثلاثة الأخيرين من الجلائريين آثاراً عظيمة للضريح الشريف.
ولم يكن حظ ملوك الدولة القراقويونلية من قرا يوسف (815ــ 827هـ), وولديه الإسكندر (827ــ840هـ), والميرزا جهانشاه (840ــ872هـ), وابن هذا الأخير حسين علي شاه (872ــ873هـ), بأقل من غيرهم في خدمة الضريح وإعلاء شأنه, ولذلك كان الضريح في هذا الدور من القرن التاسع على جانب عظيم من الجلال والأبهة, وكانت خزائنه مملوءة بثروة طائلة من الهدايا والنفائس الثمينة والنادرة الوجود). (1)
ويؤكد ما ذهب إليه الكليدار من مجمل هذا القول ابن بطوطة الذي زار كربلاء قبل حادثة المشعشعين, وذلك عام (727هـ), فوصف الضريح بالقول: (والروضة المقدسة داخلها, وعليها مدرسة عظيمة, وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والصادر, وعلى باب الروضة الحجّاب والقومة, لا يدخل أحد إلا عن إذنهم فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضة, وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب ستائر الحرير...) (2)
ويعقب الدكتور الكليدار على وصف ابن بطوطة بالقول: (لقد زار ابن بطوطة كربلاء بزمن قبل قيام الدولة الجلائرية التي استرخصت الغالي والثمين في سبيل تقديس المشاهد المشرفة وإعلاء شأنها, لاسيما بالنسبة إلى ضريح الإمام الحسين على عهد أويس وولديه حسين وأحمد, ثم في عهد قرا يوسف وولديه الاسكندر وجهانشاه (815 ــ 872هـ), ومع ذلك فإن الوصف الذي يعطيه ابن بطوطة عن كربلاء في أوائل القرن الثامن هو بكثير دون ما بلغ إليه شأنها في القرن التاسع يوم أغار عليها علي بن محمد بن فلاح, لأنها كانت قد تقدّمت تقدّماً عظيماً من بعد ابن بطوطة, لا سيما على عهد السلطان أويس الذي جدد عمارة الحائر من جديد سنة (767هـ), وخصص مرجان والي بغداد الأوقاف الواسعة الكثيرة من أمواله الخاصة في بغداد وعين التمر والرحالية وكربلاء للجامع والمئذنة العظيمة التي بناهما في هذا التاريخ لضريح الحسين, ومع الأسف هدمت هذه المئذنة ظلماً في عام (1354هـ) ونسيت أوقافها الكثيرة)
ويقصد الكليدار بهذه المئذنة مئذنة العبد المشهورة ثم يعرّج على الثروات الطائلة التي نهبت من الضريح المقدس فيقول: (فيستنبط من ذلك ــ أي من كلام ابن بطوطة ــ ما أصاب الحائر من الحيف على يد تلك الفئة الباغية, ويظهر أن الحادث وقع على عهد جهانشاه (840 ــ 872 هــ ), ولم يقل هذا الحيف على كل حال في مداه ولا في شدته ونتائجه عما لحق الضريح المقدس على يد الغزاة الوهابيين في عام (1216هـ), فإن الثروة العظيمة الطائلة التي جمعت في خزائن الحائر خلال أربعة قرون من القرن السادس إلى التاسع, نهبت في هذا الحادث, كما وإن مثل هذه الثروة العظيمة التي اجتمعت فيها ثانية خلال الأربعة القرون الأخرى من القرن التاسع إلى أوائل القرن الثالث عشر كان مصيرها النهب أيضاً على يد فئة أخرى تشبه الأولى في الجهل والتعصّب الذميم, فقد قدّر الخبراء ما نهبه الغزاة الوهابيون من الضريح المقدس في عام (1216هـ) ببضعة ملايين من الدنانير الذهب على أقل تقدير من الأموال والمجوهرات والنفائس الثمينة, ولم يقل عن نصيبهم حسب الظاهر نصيب الفئة الباغية الأولى من نهب الضريح فلا يقل ما نهبه المشعشعيون على كل حال عن بضعة ملايين من الدنانير الذهب, وهو بالضبط أو تقريباً بقدر ما نهبه الوهابيون بعد أربعة قرون لأن ما نهبه الغلاة والوهابيون من الضريح في كل مرة كانت نتيجة ما اجتمعت من الأموال والنفائس في خزانته خلال أربعة قرون وبذلك يساوي عمل الغلاة والوهابيين في كلا الحالين).
ويصف الشيخ العلامة محمد السماوي في أرجوزته هذه الحادثة فيقول:
والحـــادث الثامن ما قد صنعا   ***   عـــــــــليُّ أعني الفاتكَ المشعشعا 
ابن فــــــــــلاح إذ أتـى بالمين   ***   لمرقــــــــــــــدي حيدرٍ والحسينِ 
وقال إن القبـــــــر للـحي جَلل   ***   ونهبَ الأعـيـــــــانِ في تلكَ العلل 
ولم يبــــــــــقِّ لا هـنا ولا هنا   ***   عيناً ترى أو جــــــوهراً أو معدنا
وسار في جـمعِ مـن الأسارى   ***   حتى لأخرى صــار في القصارى
وذاك في الثمــــان والخمسينا   ***   من تاسع القرون فـــــــــي السنينا (3)
وعلي بن محمد بن فلاح (841 ــ 861هــ) هو ثاني ملوك الدولة المشعشعية التي أسّسها والده محمد بن فلاح, وحكمت في جنوب العراق والأهواز والحويزة وجزءاً من جنوب إيران, وقد حكمت مائة وخمس وثمانين سنة من عام 840هـ إلى عام 1025هــ, حتى ضعف سلطانها وخضعت للدولة الصفوية, وقد اختلفت المصادر في نسب محمد بن فلاح فمنهم من نسبه إلى الإمام موسى الكاظم (ع), وساق نسبه فقال: (محمد بن فلاح بن هبة الله بن حسين بن علي المرتضى بن عبد الحميد النسابة بن أبي علي فخار بن أحمد بن أبي الغنائم بن عبد الله الحسين بن محمد الحائري بن إبراهيم المجاب بن محمد بن الإمام موسى الكاظم (ع) (4) غير أن السيد عبد الجواد الكليدار ينفي هذا النسب فيقول: (وقد زعم البعض أن آل المشعشع سادة ولكننا لم نتثبت من صحة ذلك للاختلاف الواضح بين المؤرخين في نسبهم) (5)
ولد محمد بن فلاح في واسط, ونشأ يتيماً, فقد مات أبوه وهو صغير, ولما بلغ عمره السابعة عشر غادر واسط إلى الحلة, وتتلمذ على يد الشيخ أحمد بن فهد الحلي, فتعهد الشيخ بالعناية به, وتزوج من أمه, وزوجه أحدى بناته, فصار من تلامذته البارزين, وأظهر نبوغاً, ولما جاء الشيخ ابن فهد إلى كربلاء, اصطحبه معه, فدرس العلوم العقلية والنقلية, وتعلم التصوّف وغيرها من العلوم, فأخذته العزّة بالإثم, فادّعى المهدوية وهرب من كربلاء واحتمى بعشائر خفاجة !! ونشر دعوته بين الأعراب ولقب نفسه بالقائم المهدي !! وكان ظهوره سنة (827هـ).
ولما سمع به الشيخ أحمد بن فهد الحلي أفتى بقتل هذا الضال الذي أفسد العباد والبلاد, وكتب باستحلال دمه إلى الأمير منصور بن قيان بن إدريس العبادي, فأمر العبادي بالقبض عليه, وأراد قتله ولكن محمداً استطاع أن ينجو بنفسه من القتل بالغدر والحيلة, كما استطاع أن يلمّ أتباعاً له فقُويت شوكته, وأصبح مصدر خطر يهدد البلاد. 
جمع محمد أتباعه, وبايعه بنو سلامة, فعاثوا في الأرض فساداً, وقتل الحجاج ونهبهم, وأغار على النجف الأشرف, وأحرق الحجر الدائر حول القبة الشريفة, وجعلها مطبخاً للطعام, وقال بإلوهية الإمام علي وأنه: ــ أي علي (ع) ــ : (رب والرب لا يموت) (6) 
ومات محمد بن فلاح ليسير على نهجه الضال ابنه علي, بعد أن وطد له دعائم ملكه, ويذكر الشيخ الكرباسي: (إن علي بن محمد المشعشعي استولى على أزمة الأمور في حياة أبيه, وترأس القوم بنفسه, ودعاهم إلى مقالته, وإنه قد حلّت فيه روح أمير المؤمنين (ع), وإنّ علياً حي, فأغار بجيشه على العراق, ونهب المشاهد المشرفة, وأساء الأدب على الأعتاب المقدسة (7) 
وقد وصف الكرباسي غارة علي المشعشعي على كربلاء وحجم الخسائر التي ألحقها بالمدينة فجاء ما نصه: (دخل علي المشعشعي مدينة كربلاء المقدسة, واقتحم الحرم الحسيني بفرسه, وأحرق الصندوق الذي كان على قبره الشريف, وهدم القبر, ونهب ما في خزانة الروضة المقدسة من الجواهر والفرش والسيوف الأثرية القديمة والستائر الثمينة والحرير والديباج المزركش, ولم يدع شيئاً ثميناً إلا طالت يده إليه مما قد جمع خلال السنوات الماضية والتي أهداها الملوك والرؤساء والوزراء, وقتل جمعاً من أهالي المدينة, وكان قد صنع بمرقد أمير المؤمنين (ع) بمثل ما فعل بالحرم الحسيني حتى جعل الحرم الأقدس هناك مطبخاً بحجة أن علياً هو الله ولا معنى لوجود قبر له)
وكان علي المشعشعي قد ارتكب أعمالاً منكرة أخرى قبل غزوه كربلاء فقد ذكر السيد الكليدار: (إن علي المشعشعي أغار على حجاج بيت الله الحرام في سنة (875هـ) ونهب أموالهم ودوابهم وسلبهم كسوة الكعبة وحاصر السادة داخل المشهد الشريف وقاتل جيش بغداد الذي جاء لمحاربته بقيادة (دوه بيك) و(بسطام شحنة الحلة), ولكنه تمكن من هزيمة جيش بغداد وسار بجيشه الجرار صوب الحلة, فدخلها في الخامس من ذي القعدة ونقل أموالها وأموال المشهدين الشريفين في كربلاء والنجف إلى البصرة وأحرق الحلة وخرّبها وقتل من بقي فيها من الناس بعد أن مكث فيها ثمانية عشر يوماً, ثم رحل عنها قاصداً إلى النجف فدخلها فاتحاً وسلب أموالها, ودخل بالفرس إلى الحرم الشريف, وأمر بكسر الصندوق الموضوع على قبر الإمام علي (ع) ومنها قصد كربلاء في غرة ذي الحجة عام (857هـ), وعمل فيها مثل ما عمل في النجف, فدخل الحضرة الحسينية المقدسة بفرسه وأمر بكسر الصندوق الموضوع على قبر الحسين (ع), وجعل الروضة المطهرة مطبخاً لطهي الطعام, وبعد أن أخذ كل ما كان في الروضة المطهرة من القناديل والسيوف والطوس والأعتاب الفضية والستائر الحريرية والسجاد الفاخر وغير ذلك مما زيّن به الحرم الحسيني جميعها, وكذلك أسر أهل المشهدين من السادات وغيرهم وأخذهم أسرى) (8) 
وآن لحياة هذا المنحرف أن تنتهي فبعد غزوه كربلاء والنجف ونهبه المرقدين الشريفين سمع أن الأمير بير بوداق أرسل إليه جيشاً عظيماً, فهرب إلى البصرة معقله, فبعث له بوداق بعض أعوانه المشهورين برمي السهام ليغتالوه, فظفروا به عندما كان يستحم مع بعض أتباعه في مياه (كوهكيلويه), أثناء حصاره لقلعة بهبهان فرموه بالسهام فأصابه سهم بصدره فمات منه سنة (861هـ). (9)

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة
............................................................................................................
1 ــ تاريخ كربلاء ص 203 ــ 207
2 ــ رحلة ابن بطوطة المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) / ج 1 ص 139 . 
3 ــ مجالي اللطف بأرض الطف ص 57 ــ 58
4 ــ مدينة الحسين / السيد محمد حسن مصطفى الكليدار ج2 ص 243
5 ــ تاريخ كربلاء ص 203
6 ــ تحفة الأزهار وزلال الأنهار في أنساب أبناء الأئمة الأطهار / السيَّد ضامِن بن شدقم ص ج 3 ص 115 
7 ــ تاريخ المراقد ج 2 ص 51 نقلا عن مجالس المؤمنين ج 5 ص 229
8 ــ مدينة الحسين ج 2 ص 245 ــ 246
9 ــ تاريخ العراق بين احتلالين / عباس العزاوي ج 3 ص 254

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً