التراث بين روحية الاشكال وصوفية المضمون

فنون إسلامية

2019-12-15

668 زيارة

اللوحة اعلاه من المنجزات الابداعية للفنان التشكيلي العراقي سلمان عباس شلهوب والذي تتميز اغلب اعماله باتشاحها بصور متنوعة من التراث المحلي بخطوطه وزخارفه ونقوشه المختلفة التي صاغها بأسلوب قصصي تشكيلي و بتقنيات متنوعة بين تكويناته الفنية المختلفة.

لو تتبعنا تفاصيل اللوحة ودققنا النظر ببنيتها التكوينية وأشكالها المسطحة الخالية من المنظور عن كثب، لاتضح لنا جليّاً إنها تتألّف من أشكال هندسية متراصّة التركيب ذات قوام تطغى عليه أشكال الرموز الاسلامية بفضائها الرحب ومضامينها واشكالها المختلفة، فقد استخدم الفنان اسلوب التجريد الهندسي بأقترابات تعبيرية في تمثيل عناصر اللوحة حتى طغى الجانب التصميمي على الجو العام للمشهد .

لقد شغلت الأعمال الفنية ذات المضامين الصوفية قدرا واسعا لدى المتلقي العراقي في العصر الحديث.. فهذه المضامين تكون عادة على درجة عالية من التشفير ولطالما استحوذت على الفنان والمتلقي على حد سواء، لاسيما المضامين الدينية واستلهام العمائر الدينية والحرف العربي والإرث الحضاري القديم، فالفنان سلمان عباس من خلال اعماله الفنية الرائعة ومنها اللوحة الماثلة امامكم، وضف فيها مضمونا يعيش في الوعي الاجتماعي كون المجتمع ببعض مكوناته قد يمثل مؤسسة قبلية تتصف بالطلاقة والمقاييس الخارجة عن ذلك الوعي، فهي محاطة بهالة من القدسية في خطابها الروحي.. فلا شك ان الإرث العقائدي الذي يمثله سلمان في اغلب اعماله الفنية.. هو في حرز من أن تطاله أوجه المغايرة وبالتالي فان المتعرض لهكذا مضامين محملة برصيد حضاري يكتسب عبره حالة من التجاور ذات القدسية في ثـقافة المتلقي، فالفنان هنا لم يغفل أن يضع المتلقي في تناظر روحي بين ما يعتقده وما يراه عن ذلك الاعتقاد وهذا التناظر يعزز طبيعة التحاور والتفاعل ويعطي المشاهدة وجهتها الجمالية.

اما على مستوى الشكل فان وحدة المعاينة لمضامين اللوحة اعلاه ترينا وحدة الترابط بين الشكل والمضمون داخل العمل، الأمر الذي يؤكد أن لكل مضمون شكلاً يليق به وكلما اقتربنا من التمثيل الايقوني نكون إزاء تطابق مباشر مع هذه الثابتة الفنية ان صح التعبير، ويبدو إن المزاوجة بين الواقع والترميز في الفن العراقي المعاصر قد شكل النسبة الأكبر في تداولية التلقي لاسيما في منتصف القرن المنصرم، وإن أحد شروط التلقي هو أن فاعلية المتلقي تقوم على حالة التعارض الحاصل بين العالم التخيلي والعالم المرئي العياني الذي يؤسسه المتلقي عن العمل الفني حين التعرض اليه.. وهذا يدفع المتلقي إلى المواصلة والاسترسال في قراءة العمل، فلو دققنا في التكوين الفني اعلاه لوجدنا ان اشكاله قد اتسمت بقربها الايقوني من المضمون عبر مفردات تمثلت بالقبة وتكراراتها المتباينة على مستوى اللون والحجم والسيادة وأقواس المداخل والمحاريب والمئذنة، فضلا عن الأشكال الهندسية وفق استعارات زخرفية أما الأشكال والكتل التي تتداخل من القباب والأقواس والمئذنة واللامة لتشكيلات زخرفية فهي بمثابة أشكال الأزقة والشناشيل والبيوت القديمة واقواسها التي تداخلت معالمها داخل البعد الديني والروحي والتي يحيط بها الفضاء الواسع من ثلاث اتجاهات فالضلع الأفقي الأسفل أعطى لهذه الأشكال واقعيتها ولحمتها مع الأرض أما الفضاء المحيط بالأشكال والتناسق اللوني فيمنحان المتلقي حالة التأمل الروحي داخل ايقونة الأرض المصغرة.

إن الحد من واقعية الأشكال داخل التشكيل العراقي المعاصر أخذ شيئا فشيئا بالاتساع وذلك بفعل تغيرات منظومة الوعي الجمالي لدى المتلقي العراقي عبر ارتفاع كم المشاهدات والاطلاع على تنوعات الرؤية الفنية داخل الوعي الإنساني العام هذا التغير ليس مفاده أن النسق الجمالي كامن في تجريد الأشكال،  بل أن ذائقة المتلقي سائرة بذاك الاتجاه لأن الحقيقة الجمالية المحلية ليست في قياس التوافق والاختلاف مع التوجهات الوافدة من الخارج لكن الحقيقة تكمن في ايجاد نموذج ممثل بموضوعية ترقب خط السير التداولي في منظومة التلقي في العراق فالإنسان العراقي أول إنسان رامز ومختزل لعلاقاته داخل الوجود واول من تكيف ايكولوجيا مع المكان.

استطاع الفنان سلمان عباس وعبر سلسلة اعماله الفنية التي امتازت برموز تمثل انتماءه لحضارة العراق العريقة والقائمة على نقل التراث المحلي و البحث والتجريب واستقراء الواقع الجمالي والارتباطات الروحية والعقائدية المحيطة بالفرد العراقي، أن يؤسس نظريته الجمالية الخاصة في التشكيل من خلال المتقابلات التي اعتمدها في موضوعاته الفنية بين ثـقافته الفنية ومرجعياته التاريخية والتحولات الجمالية داخل لغة التشكيل لديه، فكانت اشكاله الفنية مفعمة بروحية الاسلام من جانب والاختزال وتبسيط الاشكال من جانب آخر، فكانت احلامه عن نقل مشاهدات تصويرية وعن حياة الطفولة ومشاهد الازقة البغدادية والارتباطات الروحية والاجتماعية بين المجتمع العراقي هي مادته الخصبة في العمل.. معززاً ذلك برؤيته الجمالية الخاصة التي تدفع المتلقي وتجره إلى آفاق جمالية من ضمن ثقافته الفنية وقاموسه الجمالي المحاكي لروحية المجتمع العراقي وتراثه الشعبي والاسلامي.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً