القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى.

معارف القرآن الكريم

2014-03-29

6248 زيارة

ماهي المعجزة:

النبي ـ أيّ نبيٍّ ـ صاحب رسالة، يريد أن ينفذ بها إلى قلوب الناس وعقولهم؛ ليصنع الإنسان الأفضل الذي يريده الله على وجه الأرض.
ولا يمكنه أن يحقّق هذا الهدف ما لم يكسب إيمان الناس بنبوّته، واعتقادهم بصدق دعواه في ارتباطه بالله والأرض، لكي يتاح له أن يستلم زمام قيادتهم ويغذِّيهم برسالته ومفاهيمها ومبادئها.

والناس لا يؤمنون بدون دليل، إذا كانت الدعوى التي يدعوهم إليها ذات حجمٍ كبير، وتقترن بالمشكلات والمصاعب وترتبط بعالم الغيب، فلا يمكن للنبي أن يدعوهم إلى الإيمان به وبرسالته، ويكلّفهم بذلك ما لم يقدِّم لهم الدليل الذي يُبرهن على صدق دعواه، وكونه رسولاً حقاً من قِبَل الله ـ تعالى ـ فكما لا نصدِّق في حياتنا الاعتيادية شخصاً يدّعي تمثيل جهةٍ رسميّة ذات أهميةٍ كبيرة مثلاً، ما لم يدعم دعواه بالدليل على صدقه، ونرفض مطالبته لنا بتصديقه من دون برهان، كذلك لا يمكن للإنسان أن يؤمن برسالة النبي ونبوّته إلاّ على أساس الدليل.

والدليل الذي يبرهن على صدق النبيِّ في دعواه هو المعجزة، وهي:
أن يحدث تغييراً في الكون ـ صغيراً أو كبيراً ـ يتحدّى به القوانين الطبيعية التي ثبتت عن طريق الحسِّ والتجربة، فمن وضع الماء على النار ليكون حارّاً فارتفعت درجة حرارته يُطبِّق قانوناً طبيعيّاً عرفه الناس عن طريق الحسِّ والتجربة، وهو انتقال الحرارة من الجسم الحار إلى الجسم الذي يجاوره؛ وأمّا من ادّعى أنّه يجعل الماء حارّاً بدون الاستعانة بأيّ طاقةٍ حرارية، وحقّق ذلك فعلاً فهو يتحدّى قوانين الطبيعة التي يكشف عنها الحسُّ والتجربة، ومن أبرأ مريضاً بإعطائه مادّةً مضادّة للميكروب الذي أمرضه، يُطبِّق قانوناً طبيعيّاً يعرفه بالتجربة، وهو أن هذه المادّة بطبيعتها تقتل الميكروب الخاص، وأمّا من أبرأ المريض بدون إعطاء أيّ مادّةٍ مضادّة فهو يتحدّى قوانين الطبيعة التي يعرفها الناس بالتجربة، ويحقّق المعجزة.

فإذا أتى النبيُّ بمعجزة من هذا القبيل كانت برهاناً على ارتباطه بالله تعالى، وصدقه في دعوى النبوّة، لأنّ الإنسان بقدرته الاعتيادية لا يمكنه أن يغيّر في الكون شيئاً، إلاّ بالاستفادة من القوانين الكونية التي يعرفها عن طريق الحسِّ والتجربة، فإذا استطاع الفرد أن يحقّق تغييراً يتحدّى به هذه القوانين، فهو إنسانٌ يستمدُّ قدرةً استثنائيّةً من الله تعالى، ويرتبط به ارتباطاً يميِّزه عن الآخرين، الأمر الذي يفرض علينا تصديقه إذا ادّعى النبوّة.

الفرق بين المعجزة والابتكار العلمي:
وفي ضوء ما قلناه نعرف أنّ سبق النوابغ من العلماء في الحقول العلميّة، لا يُعتبر معجزةً، فإذا افترضنا أنّ شخصاً من العلماء اليوم سبق أنداده، ونجح في اكتشاف الورم السرطاني مثلاً، والمادّة التي تقضي عليه فهو يستطيع بحكم اكتشافه أن يُبرئ مريضاً من السرطان، بينما يعجز عن ذلك جميع العلماء الآخرين، ولكنّ عمله هذا ليس معجزةً لأنّه إنّما يتحدّى جهل العلماء الآخرين بالسِّر والعلّة والدواء، ولا يتحدّى القوانين الكونية التي تثبت بالحسِّ والتجربة، بل هو إنّما استطاع أن يُبرئ المريض من السرطان على أساس تجربةٍ فذّةٍ قام بها في مختبره العلمي، فاكتشف قانوناً لم يعرفه غيره حتّى الآن؛ ومن الواضح أنّ معرفته بالقانون الطبيعي عن طريق التجربة، ليست تحدّياً للقانون، وإنّما هي تطبيق للقانون الطبيعي، وقد تحدّى بذلك زملاءه الذين عجزوا عن اكتشاف القانون قبله.

القرآن هو المعجزة الكبرى:
وما دمنا قد عرفنا أنّ المعجزة هي: أن يُحدِث النبيُّ تغييراً في الكون يتحدّى به القوانين الطبيعية، فمن الميسور أن نطبِّق فكرتنا هذه عن المعجزة على (القرآن الكريم)، الذي أحدث تغييراً كبيراً جدّاً، وثورةً كبرى في حياة الإنسان، لا تتفق مع المألوف والمجرَّب من القوانين الكونية والسُنن التاريخية للمجتمع.
فنحن إذا درسنا الوضع العالمي، والوضع العربي والحجازي بصورةٍ خاصّة، وحياة النبيّ قبل البعثة، ومختلف العوامل والمؤثِّرات التي كانت متوفِّرةً في بيئته ومحيطه، ثمّ قارنّا ذلك بما جاء به الكتاب الكريم، من رسالةٍ عظمى تتحدّى كلَّ تلك العوامل والمؤثِّرات، وما أحدثه هذا الكتاب من تغيير شاملٍ كامل، وبناء لأُمّةٍ تملك أعظم المقوِّمات والمؤهِّلات، إذا لاحظنا كلَّ ذلك وجدنا أنّ القرآن معجزةٌ كبرى، ليس لها نظير؛ لأنّه لم يكن نتيجةً طبيعيّةً لتلك البيئة المتخلِّفة بكلِّ ما تضم من عوامل ومؤثِّرات، فوجوده إذاً يتحدّى القوانين الطبيعية ويعلو عليها، وهدايته وعمق تأثيره لا تفسِّره تلك العوامل والمؤثِّرات.
ولكي يتجلّى ذلك بوضوح يمكننا أن نستعرض البيئة التي أدّى فيها القرآن رسالته الكبرى، ونقارن بينها وبين البيئة التي صنعها، والأُمّة التي أوجدها.

بعض أدلّة إعجاز القرآن:
وبهذا الصدد يجب أن نأخذ النقاط التالية بعين الاعتبار، والتي يمكن أن تكون كلّ واحدةٍ منها دليلاً على إعجاز القرآن:

1 ـ إنّ القرآن شعَّ على العالم من جزيرة العرب، ومن مكّة بصورة خاصّة، وهي منطقة لم تمارس أيَّ لونٍ من ألوان الحضارة والمدنيّة، التي مارستها مختلف المجتمعات الراقية نسبيّاً يومئذ؛ وكانت هذه أُولى المفارقات التي برهنت على أنّ الكتاب لم يجرِ وفق القوانين الطبيعية الاعتيادية؛ لأنّ هذه القوانين التجريبيّة تحكم بأنّ الكتاب مرآةٌ لثقافة عصره ومجتمعه، الذي عاشه صاحب الكتاب، وتثقّف فيه، فهو يعبِّر عن مستوىً من مستويات الثقافة في ذلك المجتمع، أو يعبِّر على أفضل تقدير عن خطوة إلى الأمام في تلك الثقافة، وأمّا أن يطفر الكتاب طفرةً كبيرة جدّاً، ويأتي ـ بدون سابق مقدّمات وبلا إرهاصات ـ بثقافة من نوع آخر لا تمتّ إلى الأفكار السائدة بصلة ولا تستلهمها، وإنّما تقلبها رأساً على عَقِب، فهذا ما لا يتّفق مع طبيعة الأشياء في حدود التجربة التي عاشها الناس في كلِّ عصر.

وهذا ما وقع للقرآن تماماً فإنّه اختار أكثر المناطق والمجتمعات تأخُّراً وبدائيّةً، وضيق أفق، وبعداً عن التيارات الفلسفية والعلمية، ليفاجئ العالم بثقافة جديدة، كان العالم كلّه بحاجة إليها، وليثبت أنّه ليس تعبيراً عن الفكر السائد في مجتمعه، ولا خطوة محدودة إلى الأمام، وإنّما هو شيءٌ جديد بدون سابق مقدّمات.
وهكذا نعرف أنّ اختيار البيئة والمجتمع، كان هو التحدّي الأوّل للقوانين الطبيعية التي تقتضي أن تولد الثقافة الجديدة في أرقى البيئات من الناحية الفكرية والاجتماعية.

2 ـ إنّ القرآن بشّر به النبيُّ، وأعلنه على العالم فَرْدٌ من أفراد المجتمع المكّي، ممّن لم ينل ما يناله حتّى المكّيّون من ألوان التعلّم والتثقيف، فهو أُمّي، لا يقرأ ولا يكتب، وقد عاش بين قومه أربعين سنة فلم تؤثِّر عنه طيلة هذه المدّة محاولة تعلّم أو إثارة من علم أو أدب، كما أشار القرآن إلى ذلك:
(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)(1).
(قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(2).
وهذا يُعتبر تحدّياً آخر من القرآن للقوانين الطبيعيّة، إذ لو كان القرآن جارياً وفق هذه القوانين، لما كان من الممكن أن يجيء به فردٌ أُمّي، لم يشارك حتّى في ثقافة مجتمعه، بالرّغم من بساطتها، ولم يُؤْثر عنه أيّ بروزٍ في عالم اللُّغة بمختلف مجالاتها، فيُبَذّ به الإنتاج الأدبي كلّه ويبهر بروعته وحكمته وبلاغته، أعاظم البلغاء والعلماء.

فهل رأيت في مجرى القوانين الطبيعية شخصاً جاهلاً بالطب لم يدرس عنه شيئاً يتقدّم بكتابٍ في الطب يبهر عقول الأطباء بما يضم من أسرار العلم وآياته؟
وهل رأيت في مجراها شخصاً لا يحسن أن يكتب في لغةٍ ما، ولا يجيد شيئاً من علومها، يأتي بالرائعة التاريخية في حياة تلك اللُّغة، ويكشف عن إمكانيّاتٍ أدبيّةٍ كبيرة جداً في تلك اللُّغة لم تكن تخطر على بالٍ، حتّى يتصوّر الناس أنّه ساحر؟
والواقع أنّ المشركين في عصر (البعثة النبويّة) أحسّوا بهذا التحدِّي العظيم، وكانوا حائرين في كيفيّة تفسيره، ولا يجدون تفسيراً معقولاً له وفق القوانين الطبيعية، ولدينا عدّة نصوصٍ تاريخيةٍ تصوِّر حيرتهم في تفسير القرآن، وموقفهم القلق من تحدِّيه للقوانين والعادات الطبيعية.

فمن ذلك: أنّ الوليد بن المغيرة استمع يوماً إلى النبي في المسجد الحرام وهو يقرأ القرآن، فانطلق إلى مجلس قومه بني مخزوم فقال:
(والله لقد سمعت من محمّدٍ آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمعذق وإنّه ليعلوا وما يعلى) (3)
ثمّ انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبا والله الوليد والله ليصبأن قريش كلّهم، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزيناً، فقال له الوليد مالي أراك حزيناً يا بن أخي؟
فقال له: هذه قريش يصيبونك على كبر سنِّك، ويزعمون أنّك زيّنت كلام محمّد، فقام الوليد مع أبي جهل حتّى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أنّه كاهن، فهل رأيتم عليه شيئاً من ذلك؟!
قالوا: اللّهمّ لا، فقال: تزعمون أنّه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعرٍ قط؟!
قالوا: اللّهمّ لا، قال: تزعمون أنّه كذّاب فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب؟!
فقالوا: اللّهمّ لا، فما هو إذاً؟
فغرق الوليد في الفكر، ثمّ قال: ما هو إلاّ ساحر! أما رأيتموه يفرِّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، فنزل قوله تعالى:
(إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ* فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)(4).

وقد افترض بعض العرب ـ لتعليل هذه الحيرة أمام تحدِّي القرآن لهم بنزوله على شخصٍ أُمِّي ـ أن يكون أحدٌ من البشر قد علَّم النبيَّ القرآن، ولم يجرؤا وهم الأُمِّيّون على دعوى تعلّمه من أحدٍ منهم، فقد أدركوا بالفطرة أنّ الجاهل لا يعلِّم الناس شيئاً، وإنّما زعموا أنّ غلاماً روميّاً أعجميّاً نصرانيّاً، يشتغل في مكّة قيناً (حدّاداً) يصنع السيوف، هو الذي علّم النبيَّ القرآن، وكان ذلك الغلام على عاميّته يعرف القراءة والكتابة؛ وقد تحدّث القرآن الكريم عن افتراض العرب هذا، وردّ عليه ردّاً بديهيّاً، قال تعالى:
(... لسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (5).

3 ـ إنّ القرآن الكريم يمتدُّ بنظره إلى الغيب المجهول في الماضي البعيد، وفي المستقبل على السواء، فهو يقصُّ أحسن القصص عن أُممٍ خلت، وما وقع في حياتها من عِظاتٍ وعِبَر، وما اكتنفها من مضاعفات.
يتحدّث عن كلِّ ذلك، حديث مَن شاهد الأحداث كلَّها، وراقب جريانها، وعاش في عصرها بين أصحابها، قال الله تعالى:
(تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)(6).
وقال:
(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ* وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)(7).
وقال:
(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)(8).
وكلّ هذه الآيات الكريمة تُأكِّد تحدّي القرآن للقوانين الطبيعية في استيعابه لتلك الأحداث، وإحاطته بالماضي المجهول، إذ كيف يمكن بحكم القوانين الطبيعية أن يتحدّث شخصٌ في كتابٍ عن أحداث أُممٍ في الماضي السحيق لم يعشها ولم يعاصرها؟
وقد أحسَّ المشركون بهذا التحدّي أيضاً:
(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً)(9).
وكانت حياة محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) ردّاً مفحماً لهم، فقد عاش في مكّة ولم تتهيّأ له أيّة دراسةٍ لأساطير الأوّلين، أو كتب العهدين: التوراة والإنجيل، ولم يخرج من المنطقة إلاّ مرّتين، سافر فيهما إلى الشام:
إحداهما: في طفولته مع عمّه، لقي فيها بحيرا، وهو ابن تسع سنين، فقال هذا الراهب لعمِّه:
(سيكون لابن أخيك هذا شأنٌ عظيم) (1).
والأُخرى: في تجارة خديجة، وهو شابٌّ وكان بصحبته ميسرة غلام خديجة، ولم يتجاوز (صلّى الله عليه وآله) سوى مدينة بصرى، في كلتا الرحلتين القصيرتين.
فأين تأتَّى للنبيِّ أن يدرس التوراة أو يكتب أساطير الأوّلين؟!

والحقيقة أن مقارنة القصص التي جاءت في القرآن الكريم بالعهد القديم تؤكِّد التحدّي، إذ تُبرز إعجاز القرآن بصورةٍ أوضح؛ لأنّ التوراة التي شهد القرآن بتحريفها كانت قصصها وأحاديثها ـ عن ماضي الأُمم وأحداثها ـ مشحونةً بالخرافات والأساطير، وما يُسيء إلى كرامة الأنبياء، ويبتعد بالقصّة عن أهداف التبليغ والدعوة، بينما نجد قصص تلك الأُمم في القرآن، قد نقِّيت من تلك العناصر الغريبة، وأُبرزت فيها الجوانب التي تتصل بأهداف التبليغ، واستعرضت بوصفها عِظَة وعِبْرة، لا مجرّد تجميع أعمى للمعلومات.

وكما كان القرآن محيطاً بالماضي، كذلك كان محيطاً بالمستقبل، فكم من خبر مستقبل كشف القرآن حجابه؛ فتحقّق وفقاً لما أخبر به، ورآه المشركون؛ ومن هذا القبيل أخبار القرآن بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، إذ قال تعالى:
(غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ...)(11).
وقد أخبر القرآن بذلك على أعقاب هزيمةٍ فضيعةٍ مُني بها الروم، وانتصارٍساحقٍ سجّله الفرس عليهم، ففرح المشركون بذلك؛ لأنّهم رأوا فيه انتصاراً للشرك والوثنيّة على رسالات السماء، نظراً إلى أنّ الفرس المنتصرين كانوا وثنيّين والروم كانوا نصارى، فنزل القرآن يؤكِّد انتصار الروم في المستقبل القريب، فهل يمكن لكتابٍ غير نازلٍ من الله تعالى أن يؤكِّد خبراً غيبيّاً في المستقبل القريب من هذا القبيل، ويربط كرامته ومصيره بالغيب المجهول، وهو يهدّد مستقبله بالفضيحة إذا ظهر كذبه في نبوءته؟

وهكذا نجد أنّ القرآن يتحدّى الغيب في الماضي والمستقبل، على السواء، ويتحدّث بلغة المطمئن الواثق، الذي لا يخالجه شكٌّ فيما يقوله، وهذا ما لا يقدر عليه إنسان، أو كتاب إنسان، وِفقاً للقوانين الطبيعية.

المصدر  / علوم القرآن ، السيد محمد باقر الحكيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العنكبوت: 48.
(2) يونس: 16.
(3) البداية والنهاية 3: 78.
(4) المدثر: 18 ـ 24.
(5) النحل: 103.
(6) هود: 49.
(7) القصص: 44، 45.
(8) آل عمران: 44.
(9) الفرقان: 5.
(10) بحار الأنوار 35: 139.
(11) الروم: 2 ـ 4.

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً