164 ــ دعبل الخزاعي: (148 ــ 246 هـ / 765 ـــ 860 م)

موسوعة الامام الحسين

2020-08-26

797 زيارة

قال من قصيدة تبلغ (35) بيتاً:

أنسيتَ قتلَ المصطفينَ بـ (كربلا) *** حولَ الحسينِ ذبائحٌ لم يلحدوا ؟

أنسيتَ إذ صــــــارتْ اليهِ كتائبٌ ***  فـيها ابنُ سعدٍ والطغاةُ الجُحَّدُ ؟

فسقوهُ من جُرعِ الحتوفِ، بمشهدٍ ***  كـثر العـــــــدوُّ به وقلَّ المُسعِدُ

ومن قصيدة تبلغ (17) بيتاً يقول:

سقى الله أجــداثاً على طفِّ (كربلا) *** مرابعَ أمطارٍ من المزناتِ

وصلى على روحِ الحسينِ وجسمِه طريحاً لدى النهرينٍ في الفلواتِ

قتيلاً بلا جرمٍ فُجِعنـــــا بفقده *** فريداً ينـــــادي أين أين حماتي ؟

ومن تائيته المشهورة التي تبلغ (114) بيتاً:

قبورٌ بجنبِ النهرِ من أرضِ (كربلا) * معرَّسهمْ منها بشطِ فراتِ

توفوا عطـاشى بالفراتِ فليتني *** توفـيتُ فيهم قبــلَ حينِ وفاتي

إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم *** سقتني بكأسِ الذلِّ والفظعاتِ

الشاعر:

دعبل بن عليّ بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي من كبار شعراء أهل البيت (عليهم السلام) ولد في الكوفة، وأفنى عمره الذي قارب المائة عام في موالاتهم والتمسّك بمودتهم والسير على منهجهم حتى مضى شهيداً على حبهم.

ألِف دعبل مجالس الكوفة بما فيها من علم وأدب وقد امتاز ذلك العصر بأنه عصر حافل بكبار الأدباء والشعراء أمثال الجاحظ، وأبي نؤاس، وأبي تمام، والبحتري، ومسلم بن الوليد، وغيرهم.

انتقل دعبل إلى بغداد واجتمع وهو غلام بمسلم بن الوليد الذي اقترن اسم دعبل به فكانا على مستوى واحد في الألفة وحفظ الوداد، ولما كانت الحرب دائرة بين الأمين والمأمون، ذهب دعبل إلى مكة للحج ثم تحوّل إلى مصر ومرّ بالشام ثم إلى العراق ومنها إلى خراسان وفيها التقى بالإمام الرضا (عليه السلام) فأنشده قصيدته التائية الشهيرة (مدارس آيات) وأخيراً نزل البصرة ومنها إلى الاهواز لتكون نهاية حياته الضخمة الطويلة.

كان دعبل شاعراً ملء إهابه، عاصر ستة من خلفاء بني العباس وله مع كل واحد منهم قصص وقصص فضلاً عن قصصه مع وزرائهم وقوّادهم, ففي كل قصة يظهر دعبل مخازيهم ومساوئهم وجرائمهم ويجاهر بفضائل أهل البيت وينادي بحقهم المغتصب. حتى أطلق كلمته العظيمة التي سجّلها له التاريخ بحروف الخلود: (إني أحمل خشبتي على ظهري عشرين سنة ولم أجد من يصلبني عليها).

فهو يدافع بلسانه ما استطاع ولو دُعيَ لحمل السلاح لما تأخّر, بل ويصّرح بذلك في تائيته الشهيرة بقوله:

فإن قرّبَ الرحمنُ من تلكَ مدَّتي *** وأخّرَ من عمري لطولِ حياتي

شفيتُ ولــــم أتركْ لنفسيْ رزيّةً *** وروّيتُ منهم منصــلي وقناتي

كما يدلنا قول عبد الله بن طاهر وهو قائد عباسي كبير على استماتة دعبل في الدفاع عن قضية أهل البيت (عليهم السلام) عندما عُوتب على السكوت عن دعبل وهو يهجو بني العباس وقوادهم ؟ فقال (أترى دعبلاً يخشاني وهو لم يخشَ المأمون ولا غيره من الخلفاء)

تبدأ قصته مع الخلفاء مع هارون حيث يستمع الخليفة إلى إحدى جواريه وهي تغني قصيدة، فلما سمعها الرشيد قال: لمن هذا الشعر؟ قيل: لدعبل بن علي وهو غلام نشأ في خزاعة فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه ودفعه مع مركب إلى خادم من خاصته وأمره بأن يدفعها كلها له ففعل الخادم, ولكن هل مدح دعبل هارون ؟

كلا .. إن هذا العطاء لم يغيّر رأي دعبل في هارون, فهارون بقي في نظره هو ذلك المجرم الذي اضطهد أهل البيت ونكّل بهم وجرائمه أكثر من أن تحصى ودعبل ليس من أولئك الشعراء الذين لا يثبتون على عقيدة واحدة والذين تكون عقيدتهم في المال أينما حل فما رأي دعبل في أفعال الرشيد ؟؟ يقول دعبل وهو يصف دفن الإمام الرضا (عليه السلام) قرب الرشيد:

أربعْ بطوسٍ علـــــى قبرِ الزكيِّ إذا *** ما كنتَ تربعُ من دينٍ على وطرِ

قبرانِ في طــــوس خيرُ الناسِ كلهمُ *** وقبرُ شرِّهمُ هذا مــــــــــن العبرِ

ما ينفعُ الرجسَ من قربِ الزكيِّ ولا على الزكيِّ بقربِ الرجسِ من ضررِ

هيهات كلُّ امرئٍ رهنٌ بما كسبتْ *** له يداهُ فــــــــــخذْ ما شئتَ أو فذرِ

ولا يحتاج هذا الشعر إلى تعليق، كما لا يُخفى ما تُشكّل هذه الجرأة على الخلافة العباسية لمن يتذوّق الشعر على أصوله, فالمقصود واضح وهو إظهار الظلم الذي نال الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) من قبل هارون، وليس نسبة الرجس ببدعة لهارون عند دعبل فهي كلمة الحق التي لابد أن يقولها مهما كان الثمن.

وروى المسعودي أن دعبل رثى البرامكة بقوله:

ألم ترَ صرفَ الدهرِ في آلِ برمكٍ *** وفي ابنِ نهيكٍ والقرونَ التي تخلو

ويتضح من هذا البيت انه بيت عبرة وليس رثاء ولكن المسعودي يعرف دعبلا وما أراد بقصده أكثر من غيره، والاّ لما نسبه إلى الرثاء. وكان الرشيد قد توعد من رثاهم بالقتل.

ولما بويع إبراهيم بن المهدي للخلافة وكان مغنياً ولا هم له سوى الطرب والشراب كان دعبل ينظر إلى هذا الأمر بحيرة وهو لا يعدم وسيلة يظهر بها ما آلت إليه أمور المسلمين فيقول:

أنى يكـون وليس ذاك بكائنٍ *** يرثُ الخلافةَ فاسقٌ عن فاسقِ

إن كان إبراهيم مضطلعاً بها *** فلتصلــحنْ من بعدهِ لمخارقِ

ولتصلحنْ من بعد ذاك لزلزلٍ *** ولتصلحـنْ من بعدهِ للمارقِ

وفي أيام المأمون رجعت المفاخرة بين اليمانية والنزارية التي كانت قائمة على قدم وساق أيام الدولة الأموية فافتخرت نزار على اليمن وافتخرت اليمن على نزار وأدلى كل فريق بماله من المناقب وثارت العصبية وكان من نتائجها سجن أبي نؤاس لتفضيله اليمانية فلم يجد دعبل بداً من الإدلاء بدلوه في الانتصار لليمانية وقد طال دعبل في الرد حتى ذكر التنوخي إن أبيات دعبل في هذا الشأن تبلغ ستمائة بيت وأنه قد حفظها لما فيها من مفاخر قومه ومن قوله:

لقد علمت نزارُ أن قومي *** إلى نصرِ النبوَّةِ فاخرينا

فرغم أن دعبلاً ينتصر لليمانية إلاّ أنه يفتخر بأن خزاعة ناصرت النبوة ولا يحتاج ذلك إلى دليل فهم من أوائل الذين لبّوا دعوة الإسلام وكانوا في الرعيل الأول لنصرة النبي وآله، ودعبل له آباء يحق له أن يفتخر بهم، فجده الأكبر بديل بن ورقاء الصحابي الجليل الموالي لأمير المؤمنين (عليه السلام). والشهيد في صفين وقد قال (عليه السلام) بعد أن سمع بمقتله: (رحمه الله جاهد معنا عدونا في الحياة ونصح لنا في الممات).

كما كانت خزاعة معه (عليه السلام)، وأبلت بلاءً حسنا في القتال حتى قال معاوية: إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلاً عن رجالها لفعلت.

استغل المأمون هذه المفاخرة واتخذ أعداء دعبل وسيلة للإيقاع به، ومنهم أبو سعد المخزومي الذي كان يحرّض المأمون على قتل دعبل بعد أن عجز عن مجاراته بالشعر، وبعد أن اتسعت دائرة الهجاء بينهما فاجتمع بنو مخزوم ونفوا أبا سعد أمّا خزاعة فكانوا يفدون دعبلاً بكل غالٍ ونفيس مما جعل دعبلاً يخاطب المأمون:

أيسومني الـمأمونُ خـطة ظالمٍ *** أو ما رأى بالأمسِ رأسَ محمدِ

نوفي على هامِ الخلائقِ مثلما *** توفي الجبالُ على رؤوسِ القرددِ

ونـحـلُّ مـن أكـنـافِ كـلِّ مـمنّعٍ *** حـتـى يـذلـل شـاهـقـاً لم يصعدِ

إنّي من القومِ الـذيـنَ سـيوفُـهـم *** قـتـلـتْ أخـاكَ وشـرّفـتـكَ بمقعدِ

شادوا بذكركَ بعد طولِ خمولِه واستنهضوكَ من الحضيضِ الأوهدِ

وكانت خزاعة قد ناصرت المأمون على الأمين لما رأت ميله إلى الشيعة ورفعه شعار العلويين في بداية أمره.

ومات المأمون فماذا كان رأي دعبل في المعتصم ؟؟

ذلك ما يتضح من هذه الأبيات:

وقام إمــــامٌ لم يكنْ ذا هــــــــــــدايةٍ *** فليسَ له ديـــــــــــنٌ وليسَ له لُبُّ

وما كانت الأنبــــــــــــاء تأتي بمثلِهِ *** يُملّك يــــــــوماً أو تدينُ له العُربُ

لقد ضاعَ ملكُ الناسِ إذ ساسَ ملكَهم *** وصيفٌ وأشناسٌ وقد عظمَ الكربُ

كان من الطبيعي أن تناصبه السلطة العباسية أشد العداوة فمثل دعبل لا مجال لاستمالته بالمال فطورد وشُرِّد وكان الكل يحرض على قتله فحين اجتمع إبراهيم بن المهدي ــ أخ الرشيد ــ مع المأمون حرضه على قتل دعبل، فقال له المأمون: إنما تحرضني عليه لقوله فيك:

يا معشرَ الأجنادِ لا تقنطوا وارضوا بما كان ولا تسخطوا

فـسـوف تـعطون حُنينيةً *** يـلـتـذهـا الأمـردُ والأشـمـط

والمـعـبـديات لقوادكم *** لا تـدخـلُ الـكـيـسَ ولا تـربـط

وهــكـذا يـرزقُ قـوادَه *** خـلـيـفـة مـصـحـفـه الـبـربـط

وقصة هذه الأبيات أن إبراهيم لما ادّعى الخلافة ببغداد طالبه الجند بالأموال فقال لهم: سأغني لكم! وكان مغنياً فقال دعبل هذه الأبيات

وكان المعتصم يبغض دعبلا فلما ولي الخلافة، أمر بقتله فلما بلغ دعبلا ذلك هرب إلى الجبل وضاقت الأرض به وامتدت أيامه حتى آخر خلافة المتوكل ...

ويسمع المتوكل دعبلاً وهو يهجو المعتصم حتى بعد موته ويعرّض به:

قد قلـتُ إذ غيّبوهُ وانصرفوا *** في شرِّ قبرٍ لشرِّ مدفونِ

إذهب إلـى النارِ والعذابِ فما *** خلتـك إلّا من الشياطينِ

ما زلتَ حتى عقدتْ بيعة مَنْ *** أضرَّ بالمسلمين والدينِ

وفي مقابل هجائياته المتكررة لبني العباس كانت مدائحه ومراثيه تترى لأهل البيت (عليهم السلام) وبكاؤه لهم بكاء المفجوع:

ألمْ ترَ أنّي من ثلاثيـــــنَ حِجَّةٍ *** أروح وأغدو دائمَ الحســـراتِ

أرى فيئهم في غيرِهم مـتقسِّماً *** وأيديهمْ من فيئــــــهمْ صفراتِ

فكيف يفوز الإنسان برضا الله من غير حبهم (عليهم السلام) ودون البراءة من أعدائهم ؟

فكيفَ ؟ ومن أنّى يطالبُ زلفةً *** إلى اللهِ بعد الصومِ والصلواتِ

سوى حبِّ أبناءِ النبيِّ ورهطه *** وبغضِ بني الزرقاءِ والعبلاتِ

وكان لسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) نصيبٌ وافر من مراثي دعبل يقول في تائيته:

أفاطمُ لو خلتِ الحسيـــنَ مجدّلآ *** وقد ماتَ عطشاناً بشطِ فراتِ

إذاً للطــمتِ الخدَّ فاطمُ عندَه *** وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ

أفاطمُ قومي يا ابنةَ الخيرِ واندبي *** نجومَ سمــاواتٍ بأرضِ فلاةِ

قبورٌ بجنبِ النهرِ من أرضِ كربلا *** معرَّسَهم فيها بشـطِ فـراتِ

توفوا عطاشى بالفراتِ فليـتني *** توفيتُ فيهمْ قبلَ حينِ وفـــــاتي

وذكر ياقوت الحموي بعض قصيدة قالها في رثاء الحسين وقد ضاع باقيها أو (ضُيَّع):

رأسُ ابـنُ بنتِ محــمدٍ ووصيهِ *** يا للرجــــــالِ على قناةٍ يُرفعُ

والمسلمـونَ بمنظرٍ وبمسمــــعٍ *** لا جازعٌ مـــن ذا ولا متخشّعُ

أيقظتَ أجفـاناً وكنتَ لـها كرى *** وأنمتَ عيناً لم تكنْ بكَ تهجعُ

كحُلتْ بمنظركَ العيـونُ عمايةً *** وأصمَّ نعيُكَ كـــــلَّ أذنٍ تسمعُ

ما روضةٌ إلّا تمنّـــــــتْ أنّها *** لك حفرةٌ ولخـطِ قـبرِكَ مضجعُ

ويستطيع القارئ أن يلاحظ أنها قطعة من قصيدة طويلة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)، لكن السياسة اقتضت أن تختفي القصيدة ولا يظهر منها سوى هذه القطعة لأن القصيدة كما عرفنا من شعر دعبل تعرّض بالسلطة، ونستطيع الجزم بذلك لأن دعبلاً لا يترك أية مناسبة دون التشهير بالسلطة.

أيقول دعبل في نقيضة واحدة ستمائة بيت ولا يبكي على الحسين الشهيد الاّ بهذه القطعة، ولكن مع الأسف على مثل هذا الشعر أن يذهب ضياعاً.

وتمتد أيام دعبل ويزداد في شعره ما يعرضه للأهوال فيلقى القبض عليه ومع ذلك لم يمت .. ولكنه لم يهدأ أيضاً !

كان لا يألُ جهداً في نصرة أهل البيت والدفاع عنهم بيده ولسانه ما استطاع.

سمع ذات يوم مروان بن أبي حفصة أحد شعراء البلاط العباسي من الذين باعوا آخرتهم بدنياهم يذم أمير المؤمنين (عليه السلام) بشعره فلم يتمالك دعبل أن صاح بوجهه:

قلْ لابنِ خائنةِ البعُولِ وابنِ الجوادةِ والبخيلِ

إن الـمـذمّـةَ لـلـوصـيِّ هـيَ الـمذمّةَ للرسولِ

أمـودّة الـقـربـى تـحـاولـهـا بـذمَّ مـسـتـحـيـلِ

أتـذمُّ أولادَ الـنـبـيِّ وأنـتَ مـن ولـدِ الـنـقـولَ

كانت محبته لأهل البيت قد ملأت عليه كل تفكير وكان كيفما فكّر ففيها يفكّر, وبقي وقد بلغ من العمر عتياً مستمراً على جلاده المتواصل حتى آخر رمق في حياته وظل يتنقل بين البلاد والأمصار صادحاً بعقيدته:

شفيعي في القيامة عند ربي محمدُ والوصي مع البتولِ

وسـبـطا أحمدٍ وبنو بنيه *** أولئك سادتي آلُ الرسولِ

ويجهر بها غير مبال بما يحدق به من الأخطار:

أحبُّ قصيَّ الدارِ من أجلِ حبكمْ *** وأهجرُ فيكم زوجتي وبناتي

وكان يرجو دولة العدل التي تتحقق بقيام الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف):

خروجُ إمامٍ لامحالةَ واقعٌ *** يقومُ على اســــمِ اللهِ والبركاتِ

يميّز فينا كـلَّ حقٍّ وباطلٍ *** ويجزي على النعماءِ والنقماتِ

وكان لا يترك منقبة أو كرامة لهم (عليهم السلام) إلاّ نشرها وبخاصة مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:

نطقَ الـقرآنُ بفضلِ آل محمدٍ *** وولايةٍ لعليَّهم لم تجحدِ

بولايةِ المختارِ في خيرٍ الورى بعد النبيِّ الصادقِ المتودَّدِ

إذ جاءه المسكينُ حال صلاته فـامتدَّ طوعاً بالذراعِ وباليدِ

فتناولَ المسكينُ منه خاتماً هبـة الـكريمِ الأجودِ بن الأجودِ

فاختصه الرحمنُ في تنزيلِهِ * من حاز مثل فخارِه فليعددِ

وكان لآخر هذا الليل من فجر وتحققت أمنية دعبل ووجد من يصلبه على خشبته وكان ذلك على يد أحد جلاوزة العباسيين فمات شهيداً وهو يردّد:

أعـدَّ للهِ يــومَ يــلـقــاهُ *** دعــبــل أن لا إلـه إلاّ هــو

يقولها مخلصاً عـساهُ بها *** يرحمه فـي الـقيامةِ اللهُ

الله مولاهُ والـنبيُ ومن *** بعدهـمــا فـالوصيُّ مولاهُ

وفاطمٌ بضعة النبيِّ ونجلاهـا مــن المرتضى وسبطاهُ

خمسةُ رهطٍ دعا الإله بهمْ *** آدمٌ مـن ذنبهِ فأرضاهُ

وكانت وفاته بقرية من نواحي السوس ودفن بتلك القرية وقد رثاه البحتري مع أبي تمام الذي مات قبله ــ وكانا صديقين ــ:

قد زادَ في كلفي وأوقدَ لوعتي *** مثوى حبيبٍ يومَ ماتَ ودعبلُ

جدثٌ على الأهوازِ يبعدُ دونه *** مسرى النعيَّ ورمَّة بالموصلِ

الشعر المفقود

لم تلعب السياسة دوراً في ضياع شعر شاعر كما لعبته في ضياع شعر دعبل, فقد فرضت هذا الضياع على التاريخ فرضاً، فرغم أن التاريخ يقول أن دعبلاً قال الشعر وهو صبي ولم ينقطع عنه منذ بدأ يقوله إلا أن ما وُجِد في ديوانه لا يصل إلى النتيجة المنطقية لهذا القول.

يقول السيد جواد شبر في أدب الطف: (ولدعبل من هذا النوع كثير من الشعر ولكنه ضاع ولم يبق إلا القليل النادر)

ويقول عبد الحسين طه حميدة في: أدب الشيعة إلى نهاية القرن الثاني الهجري: (ولو وَصَلنا كله ــ أي شعر دعبل ــ لورثنا أدباً قوياً جريئاً يمثل نفس دعبل وقوتها وجرأتها).

ويتضح من خلال قول الجاحظ كمية الشعر الكبيرة التي فقد حيث يقول: (أن دعبلاً قال الشعر مدة ستين سنة ماذرّ شارق إلا قال شعراً).

وإذا عرفنا إن دعبلاً عاش 98 سنة فقد كان لا بد من وجود ديوان يفوق ديوانه (المطبوع) بعدة مرات.

لقد امتدت أيام دعبل وطال به العمر وكانت له فسحة لجمع شعره وحتى لو لم تسنح له هذه الفسحة فقد كان ابنه شاعراً أيضاً، ومن المعروف ما يشكل الإرث الشعري لدى الشاعر من أهمية فيسعى بشتى الوسائل للمحافظة على تراث أبيه. فإذا كان دعبل قد أهمل شعره وشغله عن حفظه شغل شاغل فمن المستحيل أن يهمله ابنه ويتركه بدون حفظ.

إذن هناك يد طولى في ضياع شعر دعبل، ويكشف ابن النديم أول خيوط هذه المؤامرة عندما ذكر في فهرسه أن ديوان دعبل يحتوي على ثلاثمائة ورقة فأين ذهب هذا الديوان ؟

ومع اعترافنا أن الشعر لا يُقاس أي لا يكون قليله دليلاً على كثيره, وقصيدة أو اثنتان لا تكفي أن تظهر حقيقة الشاعر, وأن تكشف لنا عن تلك الناحية على الأقل إلا أن شاعراً يقول وهو في العشرين من عمره:

أينَ الشبابُ؟ وأيّةً سَلكَا *** لا، أين يُطلبُ؟ ضَلّ بل هلكا

لا تعجبي يا سَلمُ من رجلٍ * ضَحِكَ المشيبُ برأسِه فبكى

قد كان يضحكُ في شبيبتهِ ** وأتى المشيبُ فقلّما ضَحِكا

يا سلمُ ما بالشيبِ منقصةٌ *** لا سـوقةً يُـبـقـي ولا مـلكا

لحقيق أن نحكم عليه أنه من فحول الشعراء، وأكبر الظن أن تائيته العصماء الشهيرة لم يحفظها له المؤرخون إلا بعد أن تناقلتها الألسن وأنشدتها الأفواه كونها آية في سمو الفكر وصفاء السريرة وقوة العقيدة.

ولكن لماذا شعر دعبل بالذات ؟

هل كان دعبل شاعراً مغموراً خافياً على شعراء عصره ؟

التاريخ يقول العكس:

وقال عنه المرزباني: (كان شاعراً مجيداً).

ويقول السمرقندي: (له فضل وبلاغة زيادة على الوصف وكان متكلماً، أديباً، شاعراً، عالماً).

ويقول الذهبي في ميزانه: (دعبل بن علي الخزاعي الشاعر المفلق).

وقال عنه ابن حجر في لسانه: (تعاطى أول أمره الأدب فمهرَ فيه وقال الشعر الرائق).

وقال عنه ابن خلكان: (كان شاعراً مجيداً).

وقال عنه أبو الفرج في أغانيه: (شاعر متقدّم مطبوع).

وقال مثله الحموي في معجمه.

كما شهد له شعراء عصره بهذا التفوّق, فهذا البحتري يفضله على مسلم بن الوليد وهو أمير الشعراء في وقته وعنده:

(أنه يجاري أبا نؤاس, وقد بزّه)

ولم تقتصر شهادات التفوق لدعبل على المؤرخين والشعراء بل تعدتها إلى الخلفاء فهذا المأمون يشهد أن دعبلاً (أشعر شعراء خزاعة) في الوقت الذي أنجبت خزاعة فحول شعرائها في تلك الفترة أمثال: أبي الشيص، وعلي بن رزين، وطاهر بن الحسين، وعبد الله بن طاهر، وغيرهم.

إذن كان دعبل شاعراً مجيداً متقدِّماً على شعراء عصره، ويبقى السؤال لماذا لم يحفظ لنا التاريخ من شعره إلّا النزر القليل؟

المطّلع على ما تبقى من ديوان دعبل يعرف إجابة هذا السؤال.. ففي العصر الذي كان الشعراء يتحفّزون للوصول إلى قصر الخلافة وتقبيل الأرض بين يدي الخليفة ومدحه نفاقاً وتملقاً لكي يحصلوا على بعض الهدايا والهبات, لم يسلم من هجاء دعبل خليفة ولا وزير ولا قائد, ويدلنا قول عبد الله بن طاهر الذي ذكرناه

أجل كان دعبل من أولئك المجاهدين الأبطال الذين يقفون بوجه العواصف السياسية الهوجاء كالجبل الأشم، صلب العقيدة، راسخ الايمان، لا يخشى في إطلاق كلمة الحق أي أحد, ولا يبالي من كان خصمه حتى ولو كان الخليفة نفسه.

فدعبل الذي ولد في الكوفة التي هي قبلة الثورات ضد السلطة الأموية ومرجع كل من أقضّ مضاجع الخلافة الأموية والعباسية على السواء ومهوى أفئدة الشيعة في كل دعوة ظهرت لآل محمد وقد رضعَ حبّ أهل البيت وهو صغير ونهل منه وشبّ عليه شأنه شأن خزاعة ولكن دعبل انصرف بكل جوارحه نحو هذا الحب ولم يشغله عنه شاغل فيقول:

في حبِّ آلِ المصطفى ووصيهِ *** شغلٌ عن اللذاتِ والقيناتِ

إنّ النشيــــــدَ بحبِّ آلِ محمدٍ *** أزكى وأنفعُ لـي من القنياتِ

فاحشِ القصيدَ بهم وفرِّغ فيهم *** قلباً حشوتُ هـــواهُ باللذاتِ

واقطعْ حِباله من يريدُ سواهمُ *** في حبِّه تحـــــللْ بدارِ نجاةِ

ويقول:

لولا تشاغلُ نفسي بالأولى سلفوا *** من أهلِ بيتِ رسولِ اللهِ لمْ اقرِ

وفي مـوالـيـكَ لـلـمحزونِ مشغلةً *** مـن أن تـبـيتَ لمفقودٍ على أثرِ

كم من ذراعٍ لهمْ بالطفِّ بائنةً *** وعارضٍ من صعيدِ التربِ مُنعفرِ

أنسى الحسينَ ومسراهمْ لمقتلِهِ *** وهـم يـقـولـونَ: هـذا سيدُ البشرِ!

يا أمّة الـسوءِ ما جازيتِ أحمدَ عن حسنِ البلاءِ على التنزيلِ والسُّورِ

خلفتموهُ على الأبناءِ حين مـضى *** خلافةَ الذئبِ في أبقارِ ذي بقرِ

وليسَ حيٌّ من الأحياءِ تعلمهُ *** من ذي يمانٍ ومن بكرٍ ومن مضرِ

إلا وهـمْ شـركـاءٌ في دمائِهمُ *** كـمـا تـشـاركَ أيـسـارٌ عـلـى جزرِ  

قتلاً وأسراً وتحريقاً ومنهبة *** فـعـلَ الـغزاةِ بأرضِ الرومِ والخزرِ

وقال:

إن كنتَ محزوناً فمالكَ ترقدُ *** هلّا بـكيتَ لمَـنْ بـكاهُ مُحمّدُ

هلا بكيتَ على الحسينِ وأهله؟ ** إنَّ البكاءَ لـمـثلهمْ قد يُحمدُ

لتضعضع الإسلامِ يومَ مصابِه * فالجودُ يـبـكي فقدَه والسوددُ

فلـقد بكته في السماءِ ملائكٌ *** زهـرٌ كـرامٌ راكعونَ وسُجّدُ

أنسيتَ إذ صارتْ إليه كتائبٌ *فيها ابن سعدٍ والطغاةُ الجُحَّدُ؟

فسقوهُ من جرعِ الحتوفِ بمشهدٍ * كثرَ العداةُ به وقلَّ المسعدُ

لم يـحـفظوا حقَّ النبيِّ محمدٍ *** إذ جـرّعوهُ حرارةً ما تبردُ

قتلوا الحسينُ فأثكلوه بسبطه ** فالثكلُ من بعدِ الحسينِ مُبرَّدُ

كيف القرارُ؟ وفي السبايا زينبٌ تدعو بفرطِ حرارةٍ: يا أحمدُ

هذا حسينٌ بالسيوفِ مبضَّعٌ *** مـتـلـطـخٌ بـدمـائـهِ مُـستشهدُ

عارٍ بلا ثوبٍ صريعٌ في الثرى بين الحوافرِ والسنابكِ يُقصدُ

والطيِّبـونَ بـنـوكَ قتلى حوله *** فوقَ الترابِ ذبائحٌ لا تلحدُ

يا جدُّ قد منعوا الفراتَ وقتَّلوا *عطشاً فليس لهم هنالكَ موردُ

يا جدُّ من ثكلي وطول مصيبتي *** ولـما اُعانيه أقومُ وأقعدُ

وقال:

جاؤوا من الـشـامِ الـمـشومةِ أهلها *** للشؤمِ يقدمُ جندهمْ ابليسُ

لُعنوا وقد لُعنوا بقتلِ إمامهم *** تـركـوه وهـو مبضَّعٌ مخموسُ

وسُبوا فوا حزني بناتُ محمدٍ *** عـبـرى حواسرَ مالهنَّ لبوسُ

تـبـاً لـكـمْ يـا ويلكم أرضيتمُ *** بالنارِ ؟ ذلَّ هـنـالـكَ الـمحبوسُ

بعتمْ بـدنـيـا غـيـركمْ جهلاً بكمْ *** عـزَّ الـحـيـاةِ وأنـه لــنــفيسُ

أخـزى بـها مـن بيعةٍ أمويةٍ *** لُـعـنـت وحـظ البائعينَ خسيسُ

بـؤسـاً لـمـن بايعتمُ وكأنني *** بـإمامكم وسـط الـجـحيمِ حبيسُ

يا آلَ أحمدَ مآ لقيتمْ بعده؟ ** مـن عصبةٍ هم في القياسِ مجوسُ

كم عبرة فاضت لكم وتقطعت يومَ الطفوفِ على الحسينِ نفوسُ

صبراً مـوالـيـنا فسوف نديلكم *** يـوماً على آلِ اللعينِ عبوسُ

ما زلـت مـتّبعاً لكمْ ولأمركم *** وعليه نفسي ما حييتُ أسوسُ

محمد طاهر الصفار

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

الزيارة الافتراضية

قد يعجبك ايضاً