×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

صوتٌ على حافّةِ السيف

ربما لم يخطر ببال الشعبي إنه سيخرج من مجلس الحجاج حياً ويروي ما رآه عنده في تلك الليلة الرهيبة عندما وقف الحراس ببابه وهم يأمرونه بإجابة دعوة الحجاج للحضور عنده!! لقد أيقن بالموت, فالشعبي يعرف الحجاج جيداً أكثر من غيره ذلك، الشيطان بصورة إنسان والذي كان يتلذّذ بمنظر الدماء والرؤوس المقطوعة والأعضاء المفصولة أكثر من تلذّذ الرضيع بمحالب أمه، كان لا ينام ولا يهدأ له بال حتى يرضي نزعته السادية ويشبع نهمه الدموي, وبلغ تماديه في سفك الدماء إلى الحد الذي حيكت حوله الأساطير وضربت به الأمثال في القسوة والوحشية وسطرت حوله الروايات ومن هذه الروايات على سبيل المثال لا الحصر ما رواه ابن الأثير في الكامل في التاريخ (ج4،ص133). وابن العماد الحنبلي في كتابه (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) (ج1،ص107) فقالا ما نصه: (إنه ــ أي الحجاج ــ عند ولادته رفض أن يرضع ثدي أمه، فيقال إن الشيطان تصوّر لهم في صورة الحرث بن كلدة حكيم العرب فقال لهم: إلعقوه دم جدي يومين وفي اليوم الثالث إلعقوه دم تيس أسود ثم دم ثعبان سالخ أسود وأطلوا به وجهه ثم أخبرهم أنه سيرضع ثدي أمه في اليوم الرابع)!!.

وهذه الحكاية سواءً أصحّت أم لم تصح إلّا أنها تشير إلى الصورة البشعة التي يمثلها هذا الرجل في التاريخ وما تركه من رعب في نفوس الناس في أيام ولايته المشؤومة على العراق, يقول المسعودي في مروج الذهب (ج3،ص166-167): (إن الحجاج ولي العراق عشرين سنة فأحصي عدد من قتلهم فبلغ مائة وعشرون ألف ووُجِد في سجونه بعد موته ثلاثة وثلاثون الفاً لم يكن أي واحد منهم يستحق أن يسجن).

كان الشعبي يعلم كل ذلك ويعلم أن شهوة الحجاج لا يطفئها سوى الدم لذلك فمثل هذا الاستدعاء وفي مثل هذا الوقت المتأخر من الليل يمثل الموت بعينه, وقد نزل عليه نزول الصاعقة ولكنه لا يملك غير الاجابة فقام وتوضأ وأوصى وفرائصه ترتعد ورجلاه ترتجفان ثم سار مع الحراس إلى...الحجاج.

ما إن دخل الشعبي على هذا الطاغية حتى كاد يُغمى عليه من هول المنظر فالنطع منشور والسيف مسلول والجلاد في أتم الاستعداد لتنفيذ أوامر الحجاج بقطع رأس من وقع اختيار الحجاج عليه تلك الليلة, ورغم أن الشعبي قد تعوّد على مثل هذا المنظر في مجلس الحجاج إلاّ أن هذه المرة كانت تختلف تماماً فقد كان هو المُستدعى ولم يأت ككل مرة حسب رغبته.

سلّم على الحجاج في خشية ووجل فرد عليه الحجاج بعض الطمأنينة عندما ردّ عليه السلام ولما رأى الحجاج شحوب وجهه وانخطاف لونه وارتجاف يديه ورجليه أراد أن يستعيد الشعبي قواه الذهنية والجسمية وأن يكون مستعداً للمهمة التي أرسل اليه من أجلها فطمأنه قائلاً: لا تخف فقد أمنتك الليلة وغداً إلى الظهر ثم أمره بالجلوس، ولم يشر المؤرخون إلى ما كان بينهما وأي أمر جرى بينهما والذي جعل الشعبي يتيقن أن الحجاج سيقتله لا محالة غير أن الحجاج أمهله إلى ظهر الغد ولعلها كانت بسبب بيعة الشعبي لابن الاشعث عندما خرج على الحجاج.

ما إن استقر المقام بالشعبي حتى أشار الحجاج بيده إلى الحاجب لتنفيذ أمر قد أعده مُسبقاً وما هي إلاّ لحظات حتى أدخل إلى المجلس من وقع عليه اختيار الحجاج تلك الليلة لقطع رأسه! ولكن لماذا استدعى الحجاج الشعبي لحضور قتل من أراد قتله تلك الليلة؟ وأي رجل هذا الذي أراد قتله أن يكون بحضور الشعبي؟ وأي جريمة ارتكبها؟

كل هذه الأسئلة لم يجد لها الشعبي جواباً وهو لا يملك سوى انتظار ما ستؤول إليه الأحداث في هذه الليلة العصيبة, فالحجاج يقتل من يشاء بدون محاكمة ولا قضاة ولا محامين ولا حتى شهود على التهمة التي توجّه إلى المشتبه به, لكن الشيء الوحيد الذي استشفه من خلال هذا الاستدعاء هو للحضور فقط وليس القتل وبما أنه كان له حضور وإدراك في مجالس العلماء وفي نفس الوقت هو من وعاظ السلاطين فإنه استشف أيضاً أن القتيل اليوم له أهمية في ميدان العلم وإنه رجل ليس كبقية الناس, ولكن يبقى السؤال هو من هو هذا الرجل؟ وما الذي يرمي إليه الحجاج من جمعه به معاً؟ وماذا جال في خاطره من أمر؟

إن الحجاج أولا صنيعة بني أمية والشعبي من أبواقهم والموالين لهم, ومع ذلك فقد كان تحت مراقبة الحجاج لا ينجيه من طائلة العقاب إذا زاغ عن ولائه لبني أمية وأوامر الحجاج ولكن إذا لم يكن الحجاج عازماً على قتله تلك الليلة فلم استدعاه؟

لقد كان الحجاج عازماً على قتل رجل آخر ليس من حزبه وليس على شاكلة الشعبي, رجل لا يحيد عن قول الحق ولو على قطع رأسه وقد كان الحجاج يعلم منه ذلك فمثل هؤلاء الرجال يرعبون الطواغيت أمثال الحجاج بصلابتهم وثباتهم ومبدئيتهم واستهانتهم بالموت في سبيل عقيدتهم, كان الحجاج يعرف هذا الرجل جيداً منذ أن كانا معاً في حلقة واحدة حلقة ابن عباس فكان الحجاج يحضر هذه الحلقة قبل أن يصبح والياً وكان العداء بينهما قد بدأ منذ ذلك الوقت فكان الحجاج يحسده لما رأى من قابلياته العلمية وإدراكه ونبوغه وتفوّقه عليه وعلى كثير من أعضاء الحلقة.

ثم تحول حسد الحجاج إلى حقد وبلغ الحقد ذروته وهو يرى أستاذ الحلقة ابن عباس يشيد بعلمية خصمه ويُرجع من يستفتيه إليه بينما لم يكن الحجاج رجل علم بل قادته نواياه الدنيئة إلى التسلط والتجبر والتزلف إلى الظالمين, ولكن خصمه قد سلك سلوكاً مغايراً لسلوكه فانتهج منهج الحق ولازم طريق الصواب بإتباعه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وموالاته لهم فاستفحل العداء بينهما وازدادت البغضاء وآن تصفية الحساب فقد بلغ من حقد الحجاج على هذا الرجل إلى الحد الذي لم يعد قتله يشف غليله فأراد أن يطعن عقيدته ويثلم علميته أمام الناس قبل قتله وسوّلت له نفسه أنه يستطيع ذلك وأن يكون الشعبي ــ بما له من حضور في حلقات العلم ــ شاهداً على ذلك فأحضر الشعبي.

ثم أمر الحجاج فجيء بالرجل وأدخل عليه.. كان الرجل في حالة يُرثى لها, فالقيود والأغلال أكلت يديه ورجليه وقد غيّر السجن وجهه وآثار التعذيب بادية عليه ورغم ذلك فقد وقف بثبات وشموخ غير آبهٍ بالمنظر الذي ارتعدت فرائص الشعبي منه فلم يرعه الجلاد ولا سيفه المسلول ولا نطعه المنشور وتظاهر الحجاج إنه لم يلحظ ذلك فبادر بالقول موجهاً الكلام إلى الشعبي:

إن هذا الشيخ يقول: إن الحسن والحسين كانا ابني رسول الله ليأتيني بحجة من القرآن وإلّا لأضربنّ عنقه...,

إذن فهذه هي كل جريمة هذا الرجل والتي من أجلها استحق عليها كل هذا العذاب من الحجاج!!

رقّ الشعبي لحال الشيخ وهزّه ضميره بأن يتدخّل، فطلب من الحجاج أن يحل قيده مبرراً منطقية مطلبه بقوله: إنه ــ أي الشيخ ــ إذا احتجّ وأقام الحجة على دعواه فإنه لا محالة سوف يذهب إلى حال سبيله ويطلق سراحه وإن لم يأتِ بحجة على ذلك وأعياه الجواب فإن السيف لا يقطع هذا الحديد.

استجاب الحجاج لمطلب الشعبي وأمر بحل قيوده وأغلاله, وما إن رُفعت الأغلال حتى بانت الدهشة على وجه الشعبي فقد عرف الرجل.. إنه سعيد بن جبير!! وتأسّف أن يقف مثل هذا العالم الكبير أمام هذا الطاغية الوغد بمثل هذا الموقف.. ويبدو من خلال كلام الشعبي إن سعيداً لم يكن مكبَّلاً بالحديد من قدميه ورجليه فقط, بل إن وجهه أيضاً قد غطته الأغلال وليس هناك فكرة يمكن أن توصف عن نوع هذه الأغلال التي كانت تسمى بـ (المقامع) واحدها مقمعة تغطي الوجه سوى العينين ويبدو أن سعيد كان قد أُلبس وجهه بها لأن الشعبي لم يعرفه حتى أزالوا الأغلال عنه وبالتأكيد فقد كانت هذه المقمعة من ضمن الأغلال.

ثم يؤكد ذلك قوله للحجاج: وإن لم يحتج ولم يستطع إقامة البينة على دعواه فالسيف لا يقطع هذا الحديد, ومن المؤكد أن الشعبي لا يقصد الحديد الذي في يدي سعيد ورجليه. ورغم أن الشعبي كان من وعّاظ السلاطين كما قلنا ومن المتقوّتين على موائد الحكّام فهو إذن موالٍ لبني أمية بحكم تقلّدهم للخلافة واستتباب الأمر إليهم وهو معهم ما داموا على عرش السلطة كما كان بحكم عداء بني أمية لبني هاشم منحرفاً عن أهل البيت (عليهم السلام).

إلّا أنه أخذته الشفقة على سعيد وأحزنه أن تقف شخصية علمية كبيرة مثل سعيد بهذه الحالة أمام هذا الطاغوت المتجبّر فقال في نفسه: كيف سيجد حجة على ذلك من القرآن؟!! وقطع تساؤل الشعبي صوت الحجاج الجهوري وكان هذه المرة مُوجَّهاً نحو سعيد: أئتني بحجة من القرآن على ما ادعيت وإلّا ضربتُ عنقك.

ازداد قلق الشعبي من هذا الموقف المتصلّب, كيف سيأتي هذا الشيخ بحجة على ذلك فالحسن والحسين لم يرد اسمهما نصاً في القرآن الكريم؟ وهاله منظر سعيد وهو يقف بتلك الطمأنينة والثبات وهو يجيب الحجاج قائلاً: انتظر.., وساد المجلس صمت للحظات حتى قطعه صوت الحجاج بحدّة أشد من الصوت الأول مكرراً نفس العبارة ويأتي الجواب كسابقه: انتظر.. وتُعاد الكرّة للمرة الثالثة بين السائل والمجيب ليرتفع بعدها صوت سعيد في أرجاء المجلس مرتلاً آيات من كتاب الله عز وجل محدثاً عن إبراهيم (عليه السلام) قوله تعالى من سورة الأنعام الآية (84،85): (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ووهبنا له إسحق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داوّد وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين).

ثم سكت سعيد ولعله ظن أن الحجاج قد فطن إلى مراده غير أن الحجاج وقع في الفخ الذي نصبه لسعيد فقال له: أكمل فأكمل سعيد: (وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين).

ثم بيّن سعيد مراده من قراءة هاتين الآيتين الشريفتين بقوله مخاطباً الحجاج: كيف يليق ها هنا عيسى؟ قال الحجاج: إنه كان من ذريته فقال سعيد: ان كان عيسى من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب بل كان ابن بنته فنسب إليه مع بعده فالحسن والحسين أولى أن يُنسبا إلى رسول الله مع قربهما منه.

ساد المجلس صمت رهيب ولم يستطع الحجاج إلاّ الانصياع والرضوخ لهذه الحجة البالغة التي نزلت عليه كالصاعقة فأحس بصغره أمام هذا الجبل الأشم وأسقط ما في يديه وتبددت مآربه وكل ما سوّلت إليه نفسه من أغراض دنيئة أمام هذا الصوت الصادح بالحق فتمنّى لو أن الأرض قد انشقت وابتلعته قبل أن يقف موقفه المخذول هذا وحاول الحجاج أن يتخلص من هذا الموقف المحرج بعد هزيمته المنكرة.

فأمر بإطلاق سراح سعيد كما أمر له بعشرة آلاف دينار تحمل إلى داره. لقد أراد الحجاج أن يقلل من عظمة سعيد وينتقص من شخصيته بعمله هذا فرد الله كيده إلى نحره ببركة الحسن والحسين وزادت شخصية سعيد أهمية عند الناس وبلغت شهرته العلمية الذروة بعد تناقل الناس هذا الموقف على الألسن ولم يكن الشعبي المعروف بولائه لبني أمية ليحضر حلقة سعيد العلمية قبل تلك الليلة لكنه في صباح اليوم التالي عزم على نفسه حضور مجلس سعيد والتعلم منه وهو يخاطب نفسه: قد وجب عليّ أن آتي هذا الشيخ فأتعلم منه معاني القرآن الكريم لأني كنت أظن أني أعرفها فإذا أنا لا أعرفها.

فقد وجد الشعبي عند سعيد مالم يجده عند غيره من باقي العلماء من علمية فذة وقدرة فائقة على الاحتجاج بالقرآن الكريم ومعرفة به وفي اليوم التالي جاء الشعبي إلى المسجد فرأى سعيد جالساً وتلك الدنانير التي أعطاها له الحجاج بين يديه وهو يوزّعها على الفقراء والمحتاجين وطلبة العلم عشراً عشراً وهو يقول: هذا كله من بركة الحسن والحسين لئن كنا أغممنا واحداً لقد أفرحنا ألفاً وأرضينا الله ورسوله.

 

محمد طاهر الصفار