×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

سياسة الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الإرهاب الحكومي

كان ولا يزال العنف المجتمعي يتصدّر قائمة التحدّيات الصعبة، ويمثّل التحدّي الأشهَر والأبرز على الإطلاق، ولا زال يقف حائلاً أمام الجهود الإنسانية المتواصلة التي تُبذل باستمرار لإرساء معالم التعايش السلمي بين بني البشر في قرية أرضيّة آمنة موحّدة؛ ولأن العنف طبع غرائزي متجذّر في تكوين الإنسان وتركيبته السيكولوجية المعقّدة[1] ـ ولأنه فتّاك، سريع الاشتعال، شديد الانفجار، عالية ألسنة لهبه ونيرانه، تحرق الأخضر واليابس ـ كان وسيبقى العبء الأكبر والهمّ الأثقل الذي يشغل تفكير الهداة والمصلحين بمختلف ألوانهم وتوجّهاتهم، وفي شتّى بقاع الأرض وأصقاعها، مع أنّهم لا يطمعون أبداً بالقضاء عليه بقدر ما يسعون جاهدين للحدّ من انتشاره وتفشّي مظاهره بشكل مُفرط في الأوساط الموبوءة بداء العنف.

وهناك من العنف المضادّ ما هو مبرّر ومقبول لدى العقلاء من البشر، فالإنسان بحاجة إلى شيء من غريزة الحزم والغلظة والعنف يدافع بها عن النفس والعرض والوطن والثروة والحياة، ويقف ببطولة وبسالة أمام أطماع الغزاة والمعتدين، وتوسّعهم الهمجي على حساب الآخرين. لكن هناك أيضاً من العنف ما هو مرفوض وغير مبرّر ولا مقبول، تستنكره الفطرة الإنسانيّة السليمة، وله درجات وأشكال متنوّعة ومتفاوتة، قد تبدأ بكلمة جارحة، وتنتهي أو لا تنتهي بحروب عالمية طاحنة.

وقد أُطلق في العقود الأخيرة مصطلح الإرهاب (terrorism) على بعض أشكال العنف وأنواعه غير المبرّرة، وليس هدفنا في هذا المقال دراسة كلّ ما يُسمّى إرهاباً في عصرنا الحاضر، فهذا ما لا يسعه مقال أو كتاب، وهو همُّ الإنسانيّة الأكبر الذي ملأ بطون الكتب وشغل بالَ الباحثين والمفكرين، لابثين في فهمه ودراسته أحقاباً طويلة من الزمن الماضي والحاضر، فأضحى الإرهاب شبح العصر المرعب، وعُقدت لمعرفة هيولاه المؤتمرات والقمم العالميّة، وكُتبت البحوث والقوانين والمعاهدات الأُمميّة والدوليّة؛ لقوننة هذا الطراز الخاصّ من العنف ووضعه في أُطره وسياقاته الواضحة؛ ما أنتج تراثاً ضخماً متضارباً متلاطم الأمواج مفقود السواحل، لا يمكن أن يُحصر بكلمات مختصرة في محدودة هذا البحث الموجز.

ومن هذا المنطلق؛ سندرس صنفاً خاصّاً من أصناف العنف الإرهابي في ضوء كلمات الإمام الحسين عليه السلام  ونهضته المباركة، وهو ما يُسمّى بـ (الإرهاب الحكومي) أو (الإرهاب السياسي) أو (إرهاب الدولة)، ولعلّ هذا الصنف من الإرهاب هو أبرز ما واجهه الإمام الحسين عليه السلام  في حركته وثورته الإصلاحيّة. وقد أحطنا أقطار حديثنا في هذا الموضوع بأسوار العناوين التالية:

 

الإرهاب في اللغة والاصطلاح

الأصل اللغوي في مادة الإرهاب: (رهب)، وقد نصّ جملة من اللغويين على أنّ معناه لغةً: الخوف والفزع. ويكون معنى الإرهاب المشتقّ من ذلك الأصل: هو إخافة الناس وإفزاعهم. قال ابن منظور في لسانه: «رَهِبَ، بالكسر، يَرْهَبُ رَهْبةً ورُهْباً، بالضم، ورَهَباً، بالتحريك، أَي: خافَ. ورَهِبَ الشيءَ رَهْباً ورَهَباً ورَهْبةً: خافَه... وأرْهَبَه ورَهَّبَه واستَرْهَبَه: أَخافَه وفَزَّعه. واسْتَرْهَبَه: اسْتَدْعَى رَهْبَتَه حتى رَهِبَه الناسُ؛ وبذلك فُسّر قوله عزّ وجلّ: (قَالَ أَلْقُوا  فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (؛ أَي: أَرْهَبُوهم»[2]. وقال الزبيدي في تاجه: «والإرْهَابُ بالكَسْرِ: الإِزعاجُ والإِخَافَةُ»[3].

ويؤكّد الزمخشري على الجانب القلبي والنفسي في مفردة الإرهاب، ويجعله هو الأساس في مضمون هذه المفردة ومؤدّاها، وليست الإخافة في مؤدّى الإرهاب إلا سبباً لحصول تلك الحالة النفسيّة، وهي حالة القشعريرة والاضطراب والانزعاج والفزع والرعب النفسي الحاصل بالتخويف، ويتضمّن أيضاً عنصر المفاجأة، إذ يقول: «رهَبْتُه، وفي قلبي منه رهبة، ورَهَب ورهبوت، وهو رجل مرهوب، عدوّه منه مرعوب... وأرهبته ورهّبته واسترهبته: أزعجت نفسه بالإخافة. وتقول: يقشعرّ الإهاب. إذا وقع منه الإرهاب»[4]؛ فيكون تعريف الإرهاب بالإخافة والتخويف من تعريف الشيء بالعلّة والسبب. ولعلّ هذا هو مراد الراغب الأصفهاني أيضاً حينما قال: «الرَّهْبَةُ والرُّهْبُ: مخافة مع تحرّز واضطراب»[5]. وفي ضوء هذه الرؤية يكون الإرهاب أقرب إلى مفردة الفزع من مفردة الخوف؛ لأنّ الخوف هو مجرّد: «توقّع الضرر المشكوك في وقوعه»[6]، وأمّا الفزع فهو: «مفاجأة الخوف عند هجوم أمر، وهو انزعاج القلب بتوقّع مكروه عاجل»[7].

ثم إن صاحب كتاب الفروق اللغوية أضاف عنصراً آخر لمؤدّى الإرهاب، وهو عنصر الاستمراريّة والدوام، إذ يقول: «الرهبة طول الخوف واستمراره؛ ومن ثَمَّ قيل للراهب: راهب؛ لأنه يُديم الخوف، والخوف أصله من قولهم: جمل رهب إذا كان طويل العظام مشبوح الخَلق والرهابة»[8]. ونسجاً على هذا الرأي اختار بعض المحقّقين «أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الخوف المستمرّ المستديم»[9]. ولكن اتضح أن الخوف والإخافة بمنزلة السبب لمؤدّى الإرهاب، ومؤدّاه المطابقي والحقيقي هو: حالة من الفزع والانزعاج والرعب النفسي المفاجئ، ولا تخلو هذه الحالة بحسب العادة من عنصر الاستمراريّة والدوام، ولعلّه من هذه الزاوية أضاف العسكري هذا العنصر في فروقه.

والحاصل في تعريف الرَّهَب والإرهاب لغة: هو حالة من الانزعاج والفزع والرُّعب القلبي والنفسي المفاجئ، الناتج عن الإزعاج والإخافة الصادرة عن الغير، وهي لا تخلو عادة من عنصر الاستمراريّة والدوام.

وبهذا المعنى اللغوي استُعملت مادّة الإرهاب في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾[10]، وفيه مطالبة بالخشية والفَرَق والفزع النفسي من انتقام الله تعالى ونزول عقابه وغضبه. وقوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾[11]. وأيضاً قوله سبحانه: ﴿  وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ ﴾[12]، أي: تُدخلون حالة من الفزع والرعب في نفوس وقلوب أعداء الله وأعداء المؤمنين. وقوله عزّ وجلّ: ﴿ قَالَ أَلْقُوا  فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾[13]، فالسَّحَرة أدخلوا الرعب والفزع في قلوب الناس بعجائب وغرائب سحرهم.

وأيضاً «في حديث (الدعاء رغبة ورهبة إليك) الرهبة: الخوف والفزع... وفي حديث بهز بن حكيم: (إني لأسمع الراهبة). هي الحالة التي تُرهِب، أي: تُفزع وتُخوّف»[14].

وفي مناجاة الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام  مع الله تعالى يقول: «وتلطّفت في الترغيب، وبالغت في الترهيب»[15]، أي: أدخلت الفزع في قلوب الناس، عن طريق التهديد والوعيد بالنار والعذاب وسوء المصير، وهو ذات المعنى اللغوي الذي قرّرناه. وبالمعنى ذاته ما جاء في الحديث أيضاً: «قد أرهب عمر بن الخطاب امرأة، فأُخمصت بطنها، فألقت جنيناً ميتاً، فشاور علياً عليه السلام، وحمل ديّة جنينها»[16].

فتحصّل: أن النصّ الديني كما استعمل مادّة الإرهاب في معناه اللغوي بمعطيات ومواصفات وتطبيقات إيجابية ومطلوبة دينيّاً، كذلك استعمله في المعنى اللغوي بمعطيات ومواصفات وتطبيقات سلبية ومرفوضة في المقاييس الدينيّة، كما هو الحال في الإرهاب الذي مارسه السَّحَرة لإدخال الرعب والفزع والخوف في قلوب الناس، وكذا الإرهاب الذي مارسه عمر بن الخطاب بحقّ المرأة الحامل التي فقدت بسببه جنينها.

وأمّا الإرهاب في معناه الاصطلاحي: فقد اختلفت وتضاربت فيه الأقوال والتعريفات بشكل واسع ومُفرط؛ ما أدّى ببعض الباحثين إلى الاعتقاد بعدم إمكانية ضبط وتأطير لفظ الإرهاب في مفهوم ومعنى محدّد وواضح. وبنحو الإجمال والإيجاز نقول:

1ـ استعمل طائفة من الفقهاء الإسلاميين لفظ (الإرهاب) في العنف القولي، من قبيل لعن وتوبيخ العُصاة والمذنبين من المسلمين؛ ليجتنبوا مواقعة الذنب والمعصية[17]، وكذلك تعنيف القاضي لبعض المتخاصمين في القضاء، إذا ظهرت له أمارات كذبه واحتياله[18]. كما استعملوه أيضاً في العنف الفعلي، ومن أمثلته: ممارسة أفعال الرعب والعنف والقوّة لإخافة وإرعاب الخصم والعدوّ، من قبيل حشد الخيول وضرب الطبول ونشر السلاح والرماح في ساحات القتال والجهاد في سبيل الله[19]؛ تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿  وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ ﴾[20]. يقول الشوكاني مستنداً إلى هذه الآية المباركة: «الإرهاب للعدو إنما يكون بالعدد والمدد، والعُدّة والشدّة، والسلاح المعدّ للكفاح»[21].

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه المعاني والتطبيقات كلّها إيجابية ومرغوب فيها بنظر الفقهاء، وبحسب مقاييسهم الاستنباطيّة في الفقه الإسلاميّ، ولا تحمل في مؤدّاها أيّ صفة سلبيّة من الصفات التي نحملها في أذهاننا عن مفهوم الإرهاب في وقتنا الحاضر.

نعم، هناك بعض العناوين والمضامين الفقهيّة ذات المداليل السلبيّة أدرجها بعض الباحثين تحت عنوان الإرهاب، من قبيل: (البغي والخيانة والسرقة والحرابة) وغيرها، وهي ـ مع قطع النظر عن المناقشة في كونها إرهاباً أم لا ـ خارجة عن محلّ البحث. ولكن هناك أيضاً عناوين أُخرى سلبيّة المضمون والتأثير، قد تُحسب في عداد الأعمال الإرهابيّة، وهي مرتبطة بمحلّ البحث ـ ستأتي الإشارة إليها لاحقاً ـ من قبيل: (الظلم والقتل، والذبح والإحراق، والطغيان والعدوان) وأمثالها، وهي قد تكون في الحقيقة من أهمّ أساليب ووسائل ومظاهر العنف والإرهاب.

2ـ حاول جملة من الباحثين وفقهاء القانون المحدثين تعريف الإرهاب بالمثال، وتحديد معناه بذات الأفعال الإجراميّة، وتجريم الأنشطة التي لا تختلف الآراء في كونها أعمالاً إرهابيّة، سواء أسمينا ذلك تعريفاً مادّياً أم إحصاءً مصداقيّاً للعمل الإجرامي، فساقوا للتوضيح والبيان مجموعة من الأمثلة والممارسات التي ينطبق عليها عنوان الإرهاب، بل ذهب بعضهم إلى أن حقيقة الإرهاب ومحتواه لا تعدو ذلك النحو من التمثيل، فانصبّ جُلّ جهدهم على بيان وإحصاء واستقصاء كلّ الأمثلة الفعلية والمتصوّرة الحصول في المستقبل، وصاغوا من ذلك مادّة قانونية لمعرفة معنى الإرهاب وتحديد مضمونه ومحتواه، وقد أحصوا في هذا المجال: جرائم القتل، والاغتيال، والإبادة، والاختطاف، واحتجاز الرهائن، وأعمال القرصنة، والتخريب، والسطو المسلّح، والإخلال بالنظام العام وأمثالها.

ويبقى باب الأمثلة مفتوحاً أمام الحوادث المتجدّدة في عالمنا المتغيّر والمتطوّر. وليس هناك أيّ ضرورة لوضع تعريف محدّد ماهويّ للأعمال الإرهابيّة، بل إن وضع «تعريف للعمل الإرهابي قد يُضيّق من دائرة جهود مكافحته، ويحصر هذه الجهود في إطار التعريف المحدّد له؛ لتبقى دائماً ملزمة بالخضوع له»[22]. مضافاً «إلى أن الإرهاب كمصطلح في حدّ ذاته غير قابل للتعريف؛ لأن أيَّ محاولة لتعريفه لن تكون قادرة على الإلمام بكافة صوره ومظاهره، وأيّ تعريف للإرهاب إمّا أن يكون عامّاً؛ وهو بذلك يحتاج إلى تفسيرات أُخرى، أو أنّه محدّد وحصريّ، فيكون بذلك جامداً غير قادر على مسايرة التطوّر المستمرّ في صور الإرهاب وأساليبه المتزايدة باستمرار تزايد التطوّر العلمي في شتّى المجالات»[23]. ومن هذا المنطلق آمن جملة من الباحثين بمبدأ النسبية، و«أن مفهوم الإرهاب هو مفهوم نسبي متطوّر، يختلف من مكان إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، ومن عقيدة أو فكر إلى آخر، وحسب الظروف المتغيّرة، رغم وجود بعض القواسم المشتركة؛ ولهذا من الصعب أن نقول بوجود مفهوم واحد للإرهاب أو للجريمة السياسية أو للعنف السياسي يمكن أن يقبل به الجميع، أو يمكن أن يُرضي الكلّ؛ ولهذا نعترف أن ليس هناك تعريف محدّد واضح أو دقيق للفكر الإرهابي»[24].

3ـ حاولت مجموعة أُخرى من الباحثين وذوي الاختصاص في المجال القانوني ضبط معنى الإرهاب في تعريف قانوني ماهويّ، واضح ومحدّد وشامل، يحظى بالمقبوليّة العامّة في المجتمع الدولي، بعيداً عن المهاترات والتوظيفات الفئويّة والسياسيّة؛ إيماناً منها بإمكانيّة ذلك، بل ضرورته، وهو ما أكّد عليه قرار الجمعية العامة للأُمم المتّحدة المرقّم 42/159، الصادر بتاريخ 7 كانون الأول 1987، الذي يعترف بأنّ «فعّالية محاربة الإرهاب يمكن تعزيزها من خلال وضع تعريف للإرهاب الدولي يحظى بإجماع عام»[25].

وقد اختلفت الرؤى والأفكار إزاء هذه الحقيقة الغامضة والشائكة، وما زالت الآراء مختلفة حولها، وأنتج هذا الاختلاف الفكري تُراثاً بشريّاً غنيّاً، يكشف مدى قدرة الإنسان على الإنتاج في المجالات الفكريّة والعقديّة والإنسانيّة، وهو تُراث كبير وجدير بالدراسة والبحث والتنقيب، وهذا ما لا يسعه مقالنا الموجز؛ ولذا سوف نقتصر على إيراد أهم التعاريف بنظرنا، لنستخلص منها العناصر المرتبطة بمحلّ بحثنا، الذي نحاول تسليط الضوء فيه على ملامح حركة الإمام الحسين عليه السلام  في مواجهة الإرهاب الحكومي الأُموي:

التعريف الأول: ما جاء في مؤتمر مدينة (وارسو) في بولندا المنعقد عام1930 لتوحيد القانون الجزائي، حيث عُرّف الإرهاب بأنه: «الاستعمال العمدي لكل وسيلة قادرة على إحداث خطر جماعي، ويُعتبر الرعب عنصراً أساسيّاً في تكوين هذه الجريمة»[26].

لقد تضمّن هذا التعريف الأُممي أربعة عناصر أساسيّة في تحديد محتوى الإرهاب وبيان حقيقته، وهي:

1ـ استعمال وسيلة ذات خطورة إجراميّة.

2ـ تعمّد استعمال تلك الوسيلة.

3ـ أنْ يُشكّل استعمال تلك الوسيلة خطراً جماعيّاً.

4ـ اعتبار الرعب عنصراً أساسيّاً في تكوين الجريمة الإرهابيّة.

ولم تُؤخذ الأسباب والغايات والأهداف في هذا التعريف عنصراً من عناصر تكوين مفهوم الإرهاب، وهو ما يتبنّاه ويختاره جملة من المختصّين والباحثين في هذا المجال، إذ يؤكّدون على ضرورة الفصل بين حقيقة الإرهاب ومعناه، وبين الدوافع والأهداف، وسيأتي التصريح بذلك في تعريف لاحق.

التعريف الثاني: ما جاء في اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب عام 1937م، من أن الإرهاب هو: «الأفعال الجنائية الموجّهة ضدّ دولة مّا، ويكون غرضها أو نتيجتها إشاعة الرعب والذعر لدى شخصيّات أو جماعات معينة أو لدى عموم الجمهور»[27].

واضح أنّ هذا التعريف يشترك في جملة من عناصره مع التعريف السابق، مع إضافة العناصر التالية:

1ـ أنْ تكون الأفعال الجنائيّة موجّهة ضدّ دولة معيّنة، وهذا ما يُضفي على مفهوم الإرهاب مذاقاً سياسيّاً، وهو مذهب طائفة كبيرة من فقهاء القانون.

2ـ قد يكون (الغرض والهدف) من ممارسة تلك الأفعال الإجراميّة هو إثارة الرعب والهلع ذاته لدى الناس.

3ـ إنّ مفهوم الإرهاب يطال أيضاً الأعمال الإجراميّة التي تُمارس بحقّ الشخصيّات ذات الحصانة والمكانة السياسيّة أو الاجتماعيّة، وقد أُضيف هذا العنصر في أعقاب أحداث اغتيال ملك يوغسلافيا ووزير الخارجيّة الفرنسيّة في فرنسا عام1934م، وهروب الفاعلين إلى إيطاليا ورفض الأخيرة تسليمهم؛ بذريعة الفصل بين الجرائم السياسيّة والجرائم الإرهابيّة.

التعريف الثالث: ما ورد في معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي، من أن الإرهاب هو: «كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به، أيّاً كان بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجراميّ فرديّ أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم، بإيذائهم، أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريّتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق والأملاك العامّة والخاصّة، أو احتلالها، أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو المرافق الدوليّة للخطر، أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدول المستقلّة»[28].

أضاف هذا التعريف عناصر أُخرى مهمّة في تحديد مضمون مفردة الإرهاب، وهي:

1ـ إنّ من موارد الإرهاب أيضاً التهديد بممارسة العنف.

2ـ أنْ يمثّل العنف أو التهديد به مشروعاً إجراميّاً مُنظّماً لفرد أو جماعة، وهو ما قد يُسمّى في بعض التعريفات بـ«الاستعمال المنظّم للعنف والجريمة».

3ـ لا يهمّ التعرّف على نوع وطبيعة الدوافع والأغراض في تحديد معنى الإرهاب، سواء كانت سياسيّة أم لا، وهو أحد الآراء المهمّة والمطروحة بقوّة في أروقة التشريعات القانونيّة للإرهاب.

4ـ أضاف هذا التعريف ـ علاوة على مسألة الرعب والترويع ـ عنصر إيذاء الناس والاعتداء على حقوقهم وحرّيّاتهم والإضرار بهم وبأملاكهم العامّة والخاصّة وتعريض الموارد الوطنيّة والمرافق الدوليّة للخطر، وكذلك تهديد الأمن والاستقرار والسلامة الإقليمية والوحدة السياسية وسيادة الدول المستقلّة؛ ما يُعطي صورة أوسع وأشمل لمعرفة طبيعة العمل الإرهابي، من دون تحديده بالزوايا والأبعاد السياسيّة.

التعريف الرابع: الإرهاب هو: «عملُ عنفٍ غير قانوني»[29].

 

أضاف هذا التعريف الموجز للإرهاب عنصر عدم الشرعية والقانونيّة في أعمال العنف، وأن العنف القانوني لا يسمّى إرهاباً.

التعريف الخامس: الإرهاب «هو: الأُسلوب أو الطريقة المستخدمة، والتي من طبيعتها إثارة الرعب، والفزع، بقصد الوصول إلى الهدف النهائي»[30].

يُؤكّد هذا التعريف على عنصرين أساسيّين في تحديد مفهوم الإرهاب:

1ـ إن الإرهاب أُسلوب وطريقة يتّبعها الإرهابي في عمله الإجرامي، من طبيعتها إثارة الرعب في نفوس الناس، وليس الإرهاب فكرة عقديّة أو نظريّة علميّة فحسب.

2ـ أن تكون ممارسة الأساليب المرعبة بقصد الوصول إلى هدف محدّد ومعلوم، وليس من الصحيح الإغماض عن طبيعة الهدف المقصود في معرفة وتحديد معنى الإرهاب، وهذا من أهم العناصر التعريفيّة بنظر طائفة كبيرة أُخرى من فقهاء القانون.

التعريف السادس: الإرهاب هو: «العمليات العنيفة المنسّقة، المادّيّة والمعنويّة، التي تحوي نوعاً من القهر؛ بُغية تحقيق غاية معيّنة»[31].

ما يُضيفه هذا التعريف هو: أن العنف المأخوذ في معنى الإرهاب يشمل العنف المادّي والمعنوي، ولنا أن نتصوّر السحر وتحضير الجن والتنويم المغناطيسي وأمثالها من جملة وسائل العنف المعنوي والروحي.

التعريف السابع: الإرهاب هو: «كل فعل يرمي إلى قلب الأوضاع القانونيّة أو الاقتصاديّة التي تقوم على أُسسها الدولة»[32].

إن هذا التعريف يجعل البُعد الغائي في الفعل الإجرامي مقوّماً لتحديد معنى الإرهاب، فالإرهاب حركة انقلابيّة تسعى بالعنف لتغيير الدولة وقلب أوضاعها وشؤونها القانونيّة والاقتصاديّة، وهذا تحديد واضح لمعنى الإرهاب بأعمال العنف ذات الغايات والأهداف السياسيّة.

هذه هي أبرز التعريفات وأهمّها فيما نعتقد، أوردناها لنستخلص منها أهمّ العناصر المختارة في معنى ومفهوم مفردة الإرهاب اصطلاحاً، وبالنحو التالي:

1ـ إن الإرهاب يمثّل طريقة وأُسلوباً ومنهجاً أيديولوجياً مخطّطاً له ومنظّماً ومستمرّاً وغير قانوني في ممارسة أعمال العنف والجريمة، بقيادة فرد أو جماعة أو حزب أو غير ذلك. «فالعنف في النشاط الإرهابي لا يمكن أن يُحدث أثره إلّا إذا كان مُنظّماً من خلال حملة إرهاب مستمرّة، أي: من خلال نشاط منسّق ومتّصل لعمليات أو مشروعات إرهابية تؤدّي إلى خلق حالة من الرعب، فالفعل الإرهابي نفسه لا يُخيف إلّا ما يُهدّد بأفعال أُخرى مستقبلية، وحتّى العشوائية في أعمال الإرهاب مقصودة في حدّ ذاتها؛ لكي تُعطي الانطباع بأنَّ كل إنسان في أيّ مكان معرّض لأن يكون الضحية التالية»[33].

2ـ أن تكون أعمال العنف والوسيلة المستخدمة ـ مادّية أو معنويّة ـ ذات طبيعة إجراميّة وخطيرة، من شأنها أو يُقصد بها نشر الرعب في المجتمع، وإثارة الفزع والخوف في نفوس الناس الآمنين المسالمين، وزعزعة الأمن والسلم الوطني والدّولي. ومن المتّفق عليه أن الرعب يُمثّل عنصراً أساسيّاً في تحديد حقيقة الإرهاب وتعريفه.

3ـ إن من الإرهاب أيضاً (التهديد) بممارسة أعمال العنف والرعب والترويع.

4ـ يُضاف إلى مسألة الرعب والترويع، عنصر إيذاء الناس والإضرار بهم وبأملاكهم العامّة والخاصّة، والاعتداء على حقوقهم وحريّاتهم، وتعريض الموارد الوطنيّة والدوليّة للخطر، وأيضاً تهديد الأمن والاستقرار والسلامة الوطنيّة والإقليمية، أو تهديد الوحدة السياسية والوطنيّة أو سيادة الدول المستقلّة.

5ـ أن يكون الفاعل عالماً قاصداً متعمّداً لما يقوم به من أعمال إجراميّة منظّمة.

6ـ أن يُشكّل استعمال تلك الوسيلة خطراً جماعيّاً ومجتمعيّاً، سواء كان موجّهاً إلى دولة معيّنة بشعبها أو بحكومتها أو بأرضها ومواردها، أم كان موجّهاً إلى جماعة خاصّة من الناس، تجمعهم لغة أو دين أو طائفة أو عرق أو أمثال ذلك، ويُضاف إلى ذلك الشخصيات المرموقة ذات الحصانة السياسيّة أو الاجتماعيّة.

7ـ إن هناك بُعداً غائياً في التعريف، له دوره المهمّ والمؤثّر في معرفة حقيقة الإرهاب وتحديد معناه، سواء كانت الغاية هي نفس إخافة الناس وإرعابهم، أم كانت هناك غايات سياسيّة معيّنة، أم كانت هناك غايات أُخرى اجتماعيّة أو دينيّة أو طائفية أو عنصريّة عرقيّة (نازيّة فاشيّة) أو غير ذلك.

هذه هي أهمّ عناصر الإرهاب في معناه الاصطلاحي المعاصر، وهو بهذه العناصر يُمثّل ظاهرة خطيرة ومستنكرة عقلاً ونقلاً، ويجب على العقلاء من البشر محاربتها والقضاء عليها. كما ينبغي الالتفات أيضاً إلى أن هذا المعنى الاصطلاحي للإرهاب يُعدّ مورداً وتطبيقاً من تطبيقات المعنى اللغوي كما هو واضح.

ثم إنه لا يخفى على القارئ الكريم بأن هناك جملة من المفردات الأُخرى التي قد تكون أسباباً فاعلة ومؤثرة، تُساهم بصورة مباشرة في تكوّن ونشوء ظاهرة الإرهاب، كمفاهيم التطرّف والتعصّب والكراهية ونحوها، أعرضنا عن بيانها وتعريفها في هذا المقال؛ لخروجها عن محلّ البحث، بالإضافة إلى أنّنا اكتفينا بما جاء في بحوث أُخرى قيّمة في مقالات هذا العدد، تعرّضت لمعاني هذه المفردات بشيء من التفصيل.

 

السياسة - الحكومة - الدولة

إن البحث في معاني ومضامين هذه المفردات الحيويّة والحساسّة يُعدّ هو الآخر من أهم الأبحاث الشائكة والمعقّدة والمحتدمة، التي وقع في تعريفها النزاع والاضطراب والتضارب والخلاف الشديد، وهذا أمر طبيعي ومعقول جدّاً؛ إذ كانت ولا زالت التطبيقات والمظاهر اليوميّة لمعاني هذه المفردات تُشكّل أهمّ مفاصل الحياة البشريّة، لكنّنا نكتفي في المقام بالبيان الإجمالي وبما يرتبط بمحلّ البحث، من معرفة المعنى اللغوي والاصطلاحي لهذه المفردات وبصورة موجزة:

 

السياسة

السياسة في اللغة: هي القيام على الشيء وتولّي أمره وإدامة تدبيره؛ لإصلاحه وتأديبه وترويضه. والسياسيّ: هو الذي يتولّى أُمور الناس ويرعاها، ويكون أميراً عليهم؛ ليواصل تدبير أُمورهم بالإصلاح والتأديب والأمر والنهي[34]. و«الفرق بين السياسة والتدبير: أنّ السياسة في التدبير المستمرّ، ولا يُقال للتدبير الواحد: سياسة، فكلّ سياسة تدبير، وليس كلّ تدبير سياسة»[35].

«وفي الحديث: (كان بنو إِسرائيل يَسُوسُهم أَنبياؤهم). أَي: تتولّى أُمورَهم، كما يفعل الأُمَراء والوُلاة بالرَّعِيَّة»[36]. وفي الحديث أيضاً: «ثم فوّض إلى النبي صلى الله عليه وآله  أمر الدين والأُمّة ليسوس عباده. كلّ ذلك من سُسْتُ الرعية سياسة: أمرتُها ونهيتُها»[37].

 

وأمّا السياسة في اصطلاح الفقهاء والإسلاميين عموماً، فلا تبتعد كثيراً عن معناها اللغوي، فهي في نظرهم: (استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل)، أو هي: (حياطة الرّعية بما يُصلحها لطفاً وعُنفاً)، أو هي: (ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد)، أو (أنّها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال)[38]، وغيرها من التعريفات التي يُراعي الفقهاء فيها المعنى اللغوي للسياسة، كما هو واضح.

وأما السياسة في تعريفاتها المعاصرة: فقد اختلفت واضطربت معانيها بصورة لا يمكن الجمع والتوفيق بينها، لكنّنا نكتفي بهذا التعريف المتداول، وهو كون السياسة سُلطة تُعنى بـ (رعاية شؤون الدولة الداخليّة والخارجيّة) [39]، وهو أيضاً مُقتبس من المعنى اللغوي لمفردة السياسة، ولكن في إطار الدّولة.

 

الحكومة

أصل الحكومة في اللغة: هو المنع من وقوع الفساد والظلم. «ومن هذا قيل للحاكم بين الناس: حاكِمٌ؛ لأَنّه يَمْنَعُ الظالم من الظلم. قال الأَصمعي: أصل الحكومة ردّ الرجل عن الظلم، قال: ومنه سُمّيت حَكَمَةُ اللجام؛ لأَنها تَرُدُّ الدابة. وحَكَمَ الشيء وأَحْكَمَه، كلاهما: منعه من الفساد»[40].

وأما الحكومة في الاصطلاح المعاصر: فنختار من معترك التعاريف الاصطلاحيّة التعريف التالي: (الحكومة: هي الجهة التي تمتلك القوّة والسلطة الشرعيّة لفرض وتنفيذ الأحكام والقوانين؛ بهدف تنظيم الحياة المشتركة بين الأفراد، والحفاظ على الأمن والاستقرار والرفاهية في المجتمع) [41].

 

الدَّولة

الدَّوْلة ـ بالفتح ـ  في اللغة: هي الانتقال إلى حالة الانتصار والغلبة على العدّو، وموردها «في الحرب أَن تُدال إِحدى الفئتين على الأُخرى، يُقال: كانت لنا عليهم الدَّوْلة. والجمع الدُّوَلُ. والدُّولة ـ بالضم ـ في المال؛ يُقال: صار الفيء دُولة بينهم يَتَداوَلونه مَرَّة لهذا ومرة لهذا، والجمع دُولات ودُوَلٌ»[42]. وجاء في الحديث: «ألا وإن للباطل جولة وللحقّ دولة»[43].

وأما في الاصطلاح: فأوضح التعاريف وأخصرها، هو أن «الدولة: عبارة عن الشخصيّة المعنويّة التي ترمز إلى شعب ـ حُكّاماً ومحكومين ـ موحّد ومستقرّ على رقعة جغرافيّة مُعيّنة، بحيث يكون لها سلطة سياسيّة ذات سيادة»[44].

 

إرهاب الدولة/ السلطة

(الإرهاب: الحكومي/السياسي)

لا نريد أن نتحدّث تحت هذا العنوان حول الإرهاب الدّولي، «وهو الإرهاب الذي تُمارسه دولة واحدة أو أكثر، عن طريق تسخير إمكانيّاتها الدبلوماسية أو العسكرية؛ لتحقيق هدف سياسي، أو الاستيلاء على مكتسبات أو ثروات غيرها من الدّول»[45]. فإنّه على الرغم من أهمّيته القصوى وخطورته البالغة وابتلاء عالمنا المعاصر به، خارج عن محلّ بحثنا.

وإنّما يختصّ بحثنا بالسياسات الدكتاتوريّة غير الشرعيّة، والأعمال والممارسات الإرهابيّة والإجراميّة والقمعيّة المنظّمة والشاملة والمدروسة، التي تُمارسها الدّولة والحكومة والسلطة بحقّ شعبها أو فئة خاصّة من الشعب، على أساس التمييز السياسي أو الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الثقافي أو نحو ذلك، فتَعْمد إلى تسليط أجهزتها ومنظمّاتها القمعيّة على أفراد الشعب الأعزل؛ لتقوم باستخدام الوسائل الوحشيّة وممارسة ألوان الجرائم، والاعتقالات التعسّفيّة، والمحاكمات غير العادلة والخطف والتغييب في مطامير السجون، والتعذيب والنفي والتهجير والقتل السياسي، والإعدامات العسكريّة والاستخباراتيّة والأمنيّة، ومصادرة الحقوق الإنسانيّة الأساسيّة بالقوّة، كلّ ذلك وأمثاله يقع خارج نطاق الشرعيّة الدستوريّة والقانون والقضاء العادل، الداخلي المحلّي والخارجي الأُممي، تستهدف من ذلك نشر الخوف والقلق وإشاعة الرعب وعدم الأمان بين المواطنين المدنيين؛ لإخضاعهم أمام الأغراض والأهداف السياسيّة والأيديولوجيّة التي لا تتمكّن الدّولة من تحقيقها بالوسائل القانونيّة والمشروعة، من قبيل حماية الطبقة الحاكمة، وإجبار الشعب على طاعة الحكومة والانصياع لأوامرها، والقضاء على الأصوات والحركات والأحزاب المعارضة والمطالبة بالتغيير، والانتقام منها، وضمان استمرار النظام السائد وسيطرته على مقاليد الحكم.

 

وقد يكون النظام الدكتاتوري قائماً على أساس سلطة الفرد الحاكم أو العائلة الحاكمة، كما قد يكون قائماً أيضاً على أساس عنصري أو قومي أو إثني ديني، ولعلّ الأخطر من ذلك كلّه في زماننا الحاضر دكتاتوريّة الحزب الواحد، «فحزبية النظام وعسكرته يعني: أنَّ الحزب الحاكم هو الحزب الوحيد في الدّولة، ويُطلق على هذا النظام: دكتاتورية الحزب، فهو الذي يُسيّر أُمور الدّولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وكذلك الأمنية، وتعني حزبية النظام أنَّه لا يقبل بوجود معارضة سياسية له»[46].

ويُعدّ الإرهاب الحكومي من الجرائم الدّولية الخطيرة والمدمّرة في كافّة الأبعاد والأصعدة الإنسانيّة، والاجتماعيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة والنفسيّة، والأمنيّة والدينيّة وغيرها، وحينما نطالع الجهود الكبيرة والمتواصلة التي بذلها ويبذلها الإنسان في القرنين الأخيرين، انطلاقاً من المسؤوليّة التي يحملها تجاه بيئته ومجتمعه، نجد أنّ هناك تحرّكات ومساعي مستمرّة ومحاولات جادّة ومسؤولة لتحديد وتعريف هذا القسم الخطير من الإرهاب، والسعي لمحاربته وتحجيمه والقضاء عليه، ونحاول فيما يلي وبإيجاز استعراض أهمّ التعريفات وأوضحها؛ للوقوف على خصائص وأسباب وآثار وأهداف الإرهاب والعنف الحكومي، مع الالتفات إلى أن الإرهاب الحكومي يُمثّل قسماً من أقسام مفهوم الإرهاب الكلّي الذي سبق تعريفه، فتنطبق عليه كافّة العناصر التي سبقت في تعريف الإرهاب؛ ومن هنا نحن نبحث في التعاريف التالية عن الحيثيات والعناصر الإضافيّة الخاصّة بهذا النحو من الإرهاب، التي تُميّزه عن الأقسام الأُخرى، مع التنبيه أيضاً على بعض العناصر الماضية:

التعريف الأوّل: ما ورد في دائرة المعارف الحديثة، من أن: «الإرهاب من الوسائل التي يستخدمها الحكم الاستبدادي؛ لإرغام الجماهير على الخضوع والاستسلام لها، وذلك بنشر الذُّعر والفزع بينها»[47]. وهو وإن ذُكر فيها كتعريف لعموم الإرهاب، لكنّه من الواضح مختصّ بالإرهاب الحكومي، وقد تضمّن العناصر التعريفيّة التالية:

1ـ إن إرهاب الحكومة يُمثّل وسيلة من وسائل الحكم الاستبدادي.

2ـ إن إرهاب الحكومة يمثّل أيضاً وسيلة إجراميّة تنشر الذعر والفزع بين الجماهير.

3ـ إن الغاية من ممارسة هذا النوع من الإرهاب هو إرغام الجماهير على الخضوع والاستسلام لنظام الحكومة الاستبدادية.

التعريف الثاني: ما ذكره الدكتور أدونيس العكرة، من كونه: «منهج نزاع عنيف، يرمي الفاعل بمقتضاه وبواسطة الرهبة الناجمة عن العنف إلى تغليب رأيه السياسي، أو إلى فرض سيطرته على المجتمع أو الدولة، من أجل المحافظة على علاقات اجتماعية عامّة، أو من أجل تغييرها أو تدميرها»[48]. وهو وإن جاء أيضاً كتعريف عامّ لمفردة الإرهاب، لكنّه الأقرب إلى قسم الإرهاب الحكومي، وقد تضمّن العناصر التالية:

1ـ إنه منهج وأُسلوب منظّم.

2ـ إنه منهج عنيف يُوجب الرهبة في نفوس الناس.

3ـ  هدفه تغليب الرأي السياسي، وفرض السيطرة على المجتمع، ومفاصل الدّولة، بما يتوافق مع الرؤية السياسيّة التي يتبنّاها الفاعل لجريمة الإرهاب.

وهذه عناصر أساسيّة تتوافر عادة في الإرهاب الحكومي.

التعريف الثالث: إرهاب الدّولة المستبدّة هو: (الاستخدام المنتظم للعنف؛ لخلق مناخ عامّ من الخوف في مجموعة من السكّان، لتحقيق هدف سياسيّ معيّن، أو تثبيت سياسة معيّنة مرفوضة شعبيّاً)[49]. يشترك هذا التعريف في عناصره مع ما سبقه من تعريف، وهي ممارسة العنف المنتظم، وإدخال الرهبة والخوف في نفوس الناس، وأنّ وراء ذلك أهدافاً سياسيّة. ولكن مع إضافة كون تلك الأهداف السياسية مرفوضة ومُستنكرة شعبيّاً.

التعريف الرابع: إرهاب السلطة الحاكمة هو: «انتشار أعمال العنف من جانب دولة ضدّ شعبها»[50]. يتميّز هذا التعريف بالاختصار والإيجاز، مع فرض حيثيّة انتشار العنف ضدّ الشعب؛ ما يجعله ظاهرة مجتمعيّة متفشّية.

التعريف الخامس: إن إرهاب الدولة: «هو أعمال العنف الإجراميّة التي تُرتكب في حقّ المدنيين الأبرياء، ويقوم بها أفراد أو أجهزة أو جماعات تنتسب إلى الكيان الرسمي للدّولة، أو تتمّ بمعرفة وموافقة السلطات العُليا التي تُشرف على هذه الأجهزة وتُصدر إليها الأوامر، أو تغضّ الطرف عن هذه الأفعال مع علمها بوجودها من حيث تبعية الجزء للكلّ، أو تُوفّر لها الحماية من أيِّ نوع»[51]. بالإضافة أيضاً إلى ما تضمّنه هذا التعريف من العناصر المشتركة مع التعاريف السابقة، وكون المجنيّ عليهم من المدنيين الأبرياء، تمّ التركيز على ذكر المنظّمات والأجهزة القمعيّة المختلفة التي تُباشر ممارسة الأفعال الإرهابيّة، كما هو مُفصّل في نصّ التعريف، ويجمعها حيثيّة ارتباطها بالسلطات العُليا الحاكمة، من جهة انتسابها إليها، أو الإشراف عليها، أو حمايتها ورعايتها، أو نحو ذلك.

التعريف السادس: الإرهاب الحكومي هو: ما «إذا قامت الدولة من خلال أجهزتها القمعيّة بانتهاكات بليغة لحقوق الإنسان، في التعذيب والقتل، وضرب الشعب بالأسلحة الكيماوية والصواريخ، والإخفاء القسري، والإعدامات، والتعذيب للبشر،  وإهدار حقوق الإنسان المعروفة في الإعلان العالمي والمعاهدات الدّولية، وفي التحريض على العصيان أو دعم الأشخاص أو الجماعات، للقيام بتفجيرات ضدّ أهداف مُعيّنة، أو التدخّل في شؤون دولة أخرى، تُعتبر الدّولة ممارسة للإرهاب وراعية للعنف السياسي من خلال إشاعة الرعب والخوف ومصادرة الحريّات الأساسية»[52]. بعد ذكر العناصر المشتركة، من قبيل ممارسة العنف وإشاعة الرعب والخوف بين الناس، أضاف التعريف المذكور العناصر التالية:

1ـ الاهتمام الخاصّ بتعداد الأفعال الإجراميّة التي قد تُمارسها السلطة القمعيّة ضدّ شعبها.

2ـ إنّ من الإرهاب الحكومي إهدار حقوق الإنسان المعروفة في الإعلان العالمي والمعاهدات الدّولية.

3ـ إنّ من الإرهاب الحكومي أيضاً مصادرة الحرّيات الأساسيّة للشعب.

التعريف السابع: إرهاب الدّولة عبارة عن: «تلك الأعمال الإرهابية التي تقودها الدّولة من خلال مجموع الأعمال والسياسات الحكومية التي تستهدف نشر الرعب بين المواطنين؛ لإخضاعهم داخلياً أو في الخارج، بهدف تحقيق الأهداف التي لا تستطيع الدّولة ولا تتمكّن من تحقيقها بالوسائل المشروعة»[53]. أضاف هذا التعريف أيضاً عنصراً مهمّاً في تعريف إرهاب الدّولة، وهو أن من جملة الأسباب التي تدفع السلطات الحكوميّة لممارسة العنف بحقّ شعبها، هو أن لها أهدافاً وغايات لا تتمكّن من تحقيقها بالوسائل المشروعة.

التعريف الثامن: إرهاب الدولة هو: «الاستعمال غير الشرعي للقوّة والقمع اللذين تمارسهما دولة مّا، وذلك بحقّ بعض أو كلّ المواطنين، على أساس التمييز السياسي أو الاجتماعي أو العرقي أو الديني أو الثقافي»[54]. أضاف هذا التعريف جملة من الأُسس التي قد يتمّ على أساسها التمييز بين مكوّنات الشعب، وممارسة القمع والقوّة غير الشرعيّة في حقّ مكوّن دون آخر.

التعريف التاسع: الإرهاب الحكومي هو: «الإرهاب الذي تُمارسه الدّول والأنظمة الحاكمة ضدّ رعاياها أو ضدّ المعارضين لها، من أحزاب وأفراد، والإرهاب في هذا القسم، يعني: تجاوز القوانين الدّولية والعرفية التي تُنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم، كأن تعتقل مجموعة من الأبرياء وتُعذّبهم من أجل إخافة المعارضين الحقيقيّين الذين ربما لم ينكشفوا بعد»[55]. أضاف هذا التعريف العناصر التالية:

1ـ قد يُقصد من ممارسة هذا النوع من الإرهاب تخويف المعارضة والكشف عن هويّتها؛ لإجبارها على طاعة الحكومة.

2ـ يُحدّد هذا التعريف ما هو المقصود من عدم قانونيّة العنف الذي تمارسه الحكومة بحقّ شعبها، وأنه عبارة عن تجاوز القوانين الدّولية والعرفية التي تُنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم.

التعريف العاشر: إرهاب الدّولة هو: «عنف منظّم ومتّصل، بقصد خلق حالة من الرعب والتهديد العام الموجّه إلى المعارضة (جماعة سياسية)، والذي ترتكبه جماعة منظّمة أو حكومة أو نظام ضدّ شعبها بقصد تحقيق أهداف سياسية»[56]. فكون العنف منظّماً ومتّصلاً ومستمرّاً من العناصر الأساسيّة في هذا التعريف.

وقد حدّدت منظمة العفو الدولية الرئيسية أشكال إرهاب الدولة بـ: «الاحتجاز التعسّفي، والمحاكمات غير العادلة، والتعذيب، والقتل السياسي أو الإعدام خارج نطاق القضاء»[57].

بعد أن طالعنا طائفة من التعريفات المختصّة بالإرهاب الحكومي، نحاول فيما يلي أن نستخلص منها أهمّ العناصر التي تُحدّد طبيعة هذا القسم من الإرهاب:

1ـ إن الإرهاب الحكومي الاستبدادي يُمثّل منهجاً عنيفاً وأُسلوباً منظّماً، ووسيلة من الوسائل القمعيّة غير القانونيّة، تنشر الذعر والفزع بين أفراد الشعب.

2ـ تُمارس الدّولة هذا النحو من الإرهاب بواسطة الأجهزة القمعيّة المرتبطة بها، إمّا من جهة انتسابها إليها، أو الإشراف عليها، أو حمايتها ورعايتها، أو نحو ذلك.

3ـ إن الغاية من ممارسة هذا النوع من الإرهاب هو تغليب الرؤية السياسية الحاكمة، المرفوضة والمستنكرة شعبيّاً، والتي لا تتمكّن الحكومة من تحقيقها بالوسائل المشروعة. ومن الغايات أيضاً فرض السيطرة على المجتمع ومفاصل الدولة، وتخويف المعارضة وإرغام الشعب على الخضوع والاستسلام للنظام الاستبدادي الحاكم.

4ـ إن من جملة الأُسس التي قد يتمّ على أساسها التمييز بين مكوّنات الشعب، وممارسة القمع والقوّة غير الشرعيّة في حقّ مكوّن دون آخر، هي الأُسس السياسيّة أو الاجتماعيّة أو العرقيّة أو الدينيّة أو الثقافيّة.

5ـ إن المراد من عدم قانونيّة العنف الذي تمارسه الحكومة بحقّ شعبها، هو تجاوز القوانين الدّولية والعرفية التي تُنظّم علاقة الحاكم بالمحكوم.

ثم إن الإرهاب الحكومي قد يكون نابعاً من الشعور بالقوّة المفرطة للسلطة، أو الشعور بالخوف من المعارضين، أو الشعور الزائف بمشروعيّة ما تقوم به من العنف والقمع بحقّ شعبها، أو نحو ذلك.

 

ويُعدّ هذا القسم من الإرهاب هو الأخطر والأكثر تدميراً؛ للأسباب التالية:

1ـ إن السلطة القمعيّة تمتلك المبررّات القانونيّة لممارسة إرهاب الدولة، بلا رقيب ولا مُساءلة من أحد، فتنطلق من مبدأ الحفاظ على هيبة الدولة والأمن والنظام العامّ، لتسحق تحت ظلّ القانون معارضيها وكلّ مَن يُخالفها الرأي بوحشية منقطعة النظير، كما حدث ذلك بأبشع صوره في عام1991م، حينما قمع النظام البعثي الجائر الشعب العراقي في الوسط والجنوب بعد ثورة 15 شعبان، في إبادة جماعيّة هي الأُولى من نوعها، إذ امتلأت السجون والمقابر الجماعية بجثث الملايين من الأبرياء، الذين ما خرجوا إلا للمطالبة بحقوقهم الإنسانيّة المشروعة التي حرمهم منها النظام البعثي البائد.

2ـ سيطرة السلطة على مصادر القوّة ومنابع القدرة، وعلى كافة الإمكانيات المتاحة في داخل البلد وخارجه، وعلى النقيض من ذلك الشعب المضطهَد، فهو في الغالب أعزل ومجرّد من السلاح ومصادر القوّة؛ ولذا ينتشر في أوساطه القمع والاضطهاد والرعب بلا قيود أو حدود.

3ـ سيطرة السلطة على وسائل الإعلام، وقدرتها على ممارسة التضليل الإعلامي بأبشع صوره، فترسم صورة مشرقة لإرهابها، وأُخرى قاتمة سوداء لمعارضيها.

 

وفي نهاية المطاف لهذه الدّراسة المفهوميّة نقول: إنّه ممّا لا شكّ فيه أن الشريعة الإسلاميّة قد استنكرت وحاربت بشدّة هذا اللون الأسود من الإرهاب، بل نحن نعتقد بأن واحدة من أهم الأهداف الرئيسة لبعثة الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الشرائع السماويّة هو الوقوف بوجه السلطات الظالمة والمستبدّة، التي مارست بحقّ شعوبها أشكال القمع والجريمة والفساد، وجعلتهم عبيداً لها، يعيشون ذلّ العبوديّة القاسية، تفعل بهم ما تشاء، وتستغلّهم فيما تُريد، وتسومهم سوء العذاب والهوان، والاضطهاد والترويع، ومصادرة الأموال، وهتك الأعراض، والتشريد والتهّجير، والقتل والإبادة بوحشية مروّعة، لا يُتقن صناعتها إلّا الطغاة والجبابرة من بني البشر.

ولولا الدور الريادي والجهادي للأنبياء والرسل والأوصياء والشرائع السماويّة المتعاقبة، لما كنّا ننعم اليوم بجانب من الحريّة والحياة الإنسانيّة. وهذا ما تؤكّده النصوص الدينيّة والآيات القرآنيّة المتضافرة، ولعلّ أبرز مثال قرآني على ما نقول، قصّة النبيّ موسى عليه السلام؛ عندما أرسله الله تعالى إلى فرعون حينما علا وطغى وعاث في الأرض فساداً، ومارس أعنف وأقسى أشكال الإرهاب الحكومي بحقّ شعبه المضطهد من بني إسرائيل، الذين كانوا يعيشون تحت وطأة سلطته القمعيّة الجائرة، وكان يخاطبهم بملء فمه قائلاً: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾[58]، فأمر الله عزّ وجلّ نبيّه موسى عليه السلام  بالقول: ﴿إذهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ  ﴾[59]، وقد أوضحت الآيات القرآنيّة الكثيرة مشاهد الاستبداد والطغيان والقمع والجور الذي كان يُمارسه فرعون بحقّ طائفة مستضعفة من رعاياه، وهم بنو إسرائيل، قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾[60]. وأيضاً يقول تبارك وتعالى في مخاطبة بني إسرائيل: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾[61]. وبعد أن جاء موسى عليه السلام  بالبيّنات وأظهر الحجج والآيات الإلهيّة الواضحة، مارس فرعون أيضاً الإرهاب والرعب مرّة أُخرى بوسائل معنويّة، وحاول أن يُخيف الناس ويردعهم عن الالتحاق بنبيّهم موسى عليه السلام  عن طريق السحر، فانتدب لهذه المهمّة كبار السَّحَرة ومخضرميهم؛ ليُلقوا بعظيم سحرهم ومكرهم أمام الملأ العامّ، ﴿ قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾[62]، وحينما تجلّت الحقيقة للناس، وآمن السَّحَرة بإله موسى عليه السلام، استمرّ فرعون بممارسة أساليبه القمعيّة، واستنكر على السَّحَرة إيمانهم بالله تعالى من دون أن يأذن لهم، وهدّدهم وتوعّدهم بأقسى أنواع العذاب والتنكيل، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءآمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾[63]. ومما يؤسَف له أنّ كبار السياسيين وذوي الوجاهة الاجتماعيّة آنذاك كانوا من المؤيّدين والراضين بسياسة الإرهاب الفرعونيّة، بل كانوا من أشدّ المحرّضين على قمع الأبرياء من بني إسرائيل، يحكي ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾[64]. ولهذا كان موسى عليه السلام  دائماً ما يُذكّر بني إسرائيل بواقعهم المرير الذي كانوا يعيشونه في حكم فرعون، يُذكّرهم بذلك حينما كانوا يكفرون بأنعُم الله وفضله عليهم،

﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾[65].

 

والآيات الكريمة في هذا المجال كثيرة جدّاً، لا يسع المجال لذكرها، وأمّا النصوص التاريخيّة والروائيّة في المقام، فهي فوق حدّ الإحصاء، وسنكتفي منها لاحقاً باستعراض النصوص والخطابات والمواقف الحسينيّة المباركة المرتبطة بمحلّ البحث، والتي صدرت من الإمام الحسين عليه السلام  حينما تصدّى لأخطر وأعتى حكومة إرهابية مستبدّة، مارست ألوان العنف وإرهاب السلطة بحقّ المسلمين والمواطنين في بلاد الإسلام عموماً، تلك هي الحكومة الأُمويّة الجائرة. وكيف لا تكون مواقف وكلمات الحسين عليه السلام  منهجنا القويم في مواجهة إرهاب الحكومات الظالمة؟! وهو القائل لمعاوية بن أبي سفيان ـ بكلّ شجاعة وبسالة منقطعة النظير ـ: «واعلم أنّ لله كتاباً لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، وليس الله بناسٍ لك أخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة، وأخذك الناس بالبيعة لابنك، غلام سفيه يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، ولا أعلمك إلَّا خسرت نفسك، وأوبقت دينك، وأكلت أمانتك، وغششت رعيّتك، وتبوّأت مقعدك من النار، فبُعداً للقوم الظَّالمين»[66]. وهذا ما سنترك تفصيل الكلام فيه لمقال العدد اللّاحق ـ بإذن الله تعالى ـ حيث سنخصّصه لكلمات وخطابات الإمام الحسين عليه السلام  في مواجهة ومعارضة ما عايشه من إرهاب حكوميّ أُمويّ جائر.

 

الكاتب: الشيخ قيصر التميمي

مؤسسة وراث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

_______________________

[1]  نعتقد بأن الإنسان ـ في تعاطيه مع مجتمعه ـ كائن مُعقّد، متشكّل ومتضادّ في طباعه، فهو مُستخدم ومدني بالطبع، وهو محبّ ومُبغض بالطبع، رؤوف رحيم وشديد عنيف بالطبع، وهكذا. وهو بحث مفصّل موكول إلى علم النفس الاجتماعي (social psychology).

[2] ابن منظور، لسان العرب: ج1، ص436ـ437.

[3] الزبيدي، تاج العروس: ج2، ص43.

[4] الزمخشري، أساس البلاغة: ص385.

[5] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن: ص366.

[6] أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية: ص226.

[7] المصدر السابق: ص404.

[8] المصدر السابق: ص261.

[9] مصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج4، ص241.

[10] البقرة: آية40.

[11] الأعراف: آية154.

[12] الأنفال: آية60.

[13] الأعراف: آية116

[14] ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر: ج2، ص281.

[15] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص460.

[16] الماوردي، الأحكام السلطانيّة: ص347.

[17] اُنظر: الصنعاني، الأمير محمد بن إسماعيل، سبل السلام: ج3، ص143. وأيضاً: الشوكاني، نيل الأوطار: ج6، ص363.

[18] اُنظر: الماوردي، الأحكام السلطانية: ص83 ـ 93.

[19] اُنظر: الطوسي، الخلاف: ج4، ص204. وأيضاً: النووي، المجموع: ج15، ص497. والسرخسي، المبسوط: ج10، ص19. والكاشاني، أبو بكر، بدائع الصنائع: ج7، ص126.

[20] الأنفال: آية60.

[21] الشوكاني، محمد بن علي، السيل الجرّار: ج4، ص124.

[22] شرايرية، نادية، إشكاليّة تعريف الإرهاب في القانون الدولي: مجلّة التواصل في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، العدد: 34، ص154.

[23] المصدر السابق.

[24] د. منذر الفضل، دراسات حول القضيّة الكرديّة ومستقبل العراق: ص200.

[25] اُنظر: كمال مساعد، مقال على جريدة البناء، العدد: 1836، تاريخ:21 /07/2015، بعنوان: ×

  • كتاب «تعريف الإرهاب ـ نهاية المعايير المزدوجة» للسفيرة عبير رياض طه.

[26] اُنظر: د. هيثم عبد السلام محمد، مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلاميّة: ص25.

[27] اُنظر: نعمة علي حسين، مشكلة الإرهاب الدولي (دراسة قانونيّة): ص33.

[28] اُنظر: جامعة منيسوتا، مكتبة حقوق الإنسان، معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب الدولي، اعتُمدت من قِبَل مؤتمر وزراء خارجية دول المنظمة، المنعقد في أواغادوغو، خلال الفترة من 28 حزيران/ يونيو إلى 1 تموز/يوليو 1999.

[29] اُنظر: وداد جابر غازي، (الإرهاب وأثره على العرب)، مجلّة العرب والمستقبل، جامعة المستنصريّة: السنة الثانية آيار 2004، ص55.

[30] د. إمام حسانين عطا الله، الإرهاب البنيان القانوني للجريمة: ص123.

[31] د. هيثم عبد السلام محمد، مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلاميّة: ص26.

[32] اُنظر: عبد الناصر حريز، الإرهاب السياسي (دراسة تحليلية): ص26.

[33] خورشيد عليكا، مقال بعنوان: إرهاب الدولة المنظّم، شبكة الأنترنت، موقع (مدارات كرد).

[34] اُنظر: ابن منظور، لسان العرب: ج6، ص108.

[35] أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية: ص288.

[36] ابن منظور، لسان العرب: ج6، ص108.

[37] الطريحي، مجمع البحرين: ج4، ص78.

[38] اُنظر: محمود عبد الرحمن،  معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية: ج2، ص308.

[39] اُنظر: موسوعة ويكيبيديا، مفردة (سياسة).

[40] ابن منظور، لسان العرب: ج12، ص141ـ143.

[41] اُنظر: مقال بعنوان: (تعريف الحكومة وأنواعها)، شبكة الأنترنت، موقع (السياسة كوم).

[42] ابن منظور، لسان العرب: ج11، ص252.

[43] الحافظ البرسي، مشارق أنوار اليقين: ص261.

[44] اُنظر: موسوعة ويكيبيديا، مفردة (الدولة).

[45] المرصد العربي للتطرّف والإرهاب، شبكة الأنترنت.

[46] حسين عوض، مقال بعنوان (إرهاب الدولة بين حزبية النظام وعسكرته)، شبكة الأنترنت، موقع الحوار المتمدّن.

[47] اُنظر: د. هيثم عبد السلام محمد، مفهوم الإرهاب في الشريعة الإسلاميّة: ص26.

[48] العكرة، أدونيس، الإرهاب السياسي، بحث في أُصول الظاهرة وأبعادها الإنسانية: ص93.

[49] اُنظر: موسوعة ويكيبيديا، مفردة (إرهاب الدولة).

[50] المصدر السابق.

[51]  د. أحمد محمد المزعنن، مقال بعنوان (إرهاب الدولة والجريمة المنظمة)، شبكة الأنترنت، المركز الفلسطيني للإعلام.

[52] د. منذر الفضل، دراسات حول القضيّة الكرديّة ومستقبل العراق: ص202.

[53] عبد الناصر حريز، الإرهاب السياسي (دراسة تحليلية): ص174.

[54] اُنظر: كمال مساعد، مقال على جريدة البناء، العدد: 1836، تاريخ:21 /07/2015، بعنوان: كتاب «تعريف الإرهاب ـ نهاية المعايير المزدوجة» للسفيرة عبير رياض طه.

[55] اُنظر: السند، محمد، بحوث معاصرة في الساحة الدوليّة: ص158.

[56] عزّ الدين، أحمد جلال، الإرهاب والعنف السياسي: ص49.

[57] اُنظر: موسوعة وكيبيديا، مفردة (إرهاب الدولة).

[58] القصص: آية38.

[59] طه: آية24.

[60] القصص: آية4.

[61] البقرة: آية51.

[62] الأعراف: آية117.

[63] الأعراف: آية123.

[64] الأعراف: آية127.

[65] إبراهيم: آية6.

[66] البلاذري، أنساب الأشراف: ج5، ص122.