×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

الشهداء من أصحاب النبي -صلّى الله عليه وآله- في نهضة كربلاء

الصحبة ـ بشرطها وشروطها ـ وسام شرف يحمله المرء على صدره، ويفتخر به أيام دهره، وهي من النعم الخاصة بالجيل الذي عاصر المصطفى صلى الله عليه وآله، وخاصة إذا اجتمع مع شرف الصحبة شرف الشهادة مع إمام عادل مفترض الطاعة من الله عز وجل في مواجهة سلطان جائر، فإنه حينئذ سيكبر ويعلو مقام هذا الصحابي لحصوله على وسامَي شرف، الصحبة والشهادة، والمثال الواضح لذلك هم الصحابة الذين استُشهدوا في نهضة الإمام الحسين عليه السلام، سواء كانت شهادتهم قبل معركة كربلاء أو فيها أو بعدها، وهو شرف ما بعده شرف، والذين بلغوا هذه الرتبة ثلة قليلة، وهم موضوع بحثنا هذا.

تقسيم البحث

يقع البحث في ثلاث محاور وهي:

المحور الأول: حول مفهوم الصحبة والصحابة.

المحور الثاني: حول مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين عليه السلام وتقييمها، مع ذكر عدد الصحابة الذين استُشهدوا في ركب النهضة الحسينية.

المحور الثالث: ترجمة أحوال من استشهد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في سبيل النهضة الحسينيّة.

المحور الأول: مفهوم الصحبة والصحابة

ذُكر لمفهوم الصحبة في كتب اللغة استعمالات ومعان كثيرة جدّاً، ولم يخصّوه بالصحبة بين شخصين، قال ابن منظور: «صَحِبَه يَصْحَبُه صُحْبة، بالضم، وصَحابة، بالفتح، وصاحَبه: عاشره. والصَّحْب: جمع الصاحب مثل راكب وركب. والأَصْحاب: جماعة الصَّحْب، مثل فَرْخ وأَفْراخ. والصاحب: المُعاشر؛ لا يتعدَّى تَعَدِّيَ الفعل، أَعني أَنك لا تقول: زيد صاحِبٌ عَمْراً؛ لأَنهم إِنما استعملوه استعمال الأَسماء...»[1].

وقال الطريحي: «الصاحب للشيء: الملازم له، وكذا الصحبة للشيء هي الملازمة له، إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً...»[2].

وقد وردت الصحبة كجذر ومادة في كثير من الآيات القرآنية بمعناها الواسع والعريض في اللغة، فيختلف طرفا الصحبة باختلاف الآيات وتنوعها، فقد تكون بين نبي وعبد صالح، كما في قصة موسى والخضر[3]، أو بين كافرين[4]، أو بين مؤمن وكافر[5]، أو بين نبي وكافر![6]، أو بين إنسان وحيوان[7]... أو غير ذلك من الاستعمالات الواردة في القرآن الكريم.

ومن مجموع الاستعمالات الواردة في هذا المجال نرى أن للصحبة معنيين رئيسين:

الأول: وهو معنى واسع يشمل كل تلك الاستعمالات وغيرها.

الثاني: وهو معنى يراد به فضل الصحبة وشرفها، وهو معنى أضيق من المعنى الأول بكثير، بدليل أن الكافرين لا ينالون مثل هذا الشرف حتى لو رأوا النبي وسمعوا حديثه، بل حتى لو رووا عنه صادقين، وكذا الفاسقين، والمستقيمين في حياة النبي صلى الله عليه وآله المنحرفين بعد وفاته، والناكثين للعهد، والمحُدِثين المبدلين، والمنقلبين...، وهذا المعنى يؤيده القرآن الكريم في كثير من الآيات، كقوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ  أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚوَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا  وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ[8]. وأيضاً تؤيده السُّنة في قوله صلى الله عليه وآله في حديث الحوض المعروف: «وإنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»[9].

فالأساس في نيل فضل الصحبة وشرفها هو الإيمان والاستقامة، والسير على هدي النبي صلى الله عليه وآله إلى آخر الخط حتى يلقى الإنسان ربه، وليست هي المعاشرة والملازمة طالت أم قصرت.

وعليه، فالصحابي بهذا المعنى: هو كل مَن رأى النبي صلى الله عليه وآله سواء سمع منه أم لا، وسواء روى عنه أم لا، على أن يكون مؤمناً به صلى الله عليه وآله مقتدياً بسنّته، لم يرتدّ ولم يُحدث ولم يبدل ولم ينقلب، ومات وهو على العهد والهدى والإيمان.

المحور الثاني: مواقف الصحابة من نهضة الإمام الحسين عليه السلام وتقييمها

واحدة من كرامات السبط الشهيد عليه السلام التي تدل على عناية الرب تعالى به وبنهضته المباركة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وقبل نصف قرن من مصرعه نوّه بمقتله، ونعاه وبكاه حتى ابتلّت كريمته، ودعا الصحابة والأُمة تلك اللحظة إلى نصرة أبي عبد الله عليه السلام، وقد روى الحفّاظ والمحدثون جملة من الروايات بلغت حدّ الاستفاضة في ذلك، وإليك ثلاثة نماذج منها:

الحديث الأول: ما أخرجه الحاكم في مستدركه: «عن عبد الله بن مسعود، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج إلينا مستبشراً، يُعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلّا أخبرنا به، ولا سكتنا إلّا ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلمّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: إنّا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً...»[10]. وقد أخرجه غير واحد من الحفّاظ والمحدثين، منهم ابن ماجة في سننه[11]، والطبراني في معجمه الكبير[12].

الحديث الثاني: ما أخرجه الطبراني أيضاً في المعجم الكبير بإسناده عن أبي أمامة، أنّ الحسين عليه السلام: «جلس في حِجر النبي صلى الله عليه وآله، فقال جبريل للنبي: إن أُمّتك ستقتل ابنك هذا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يقتلونه وهم مؤمنون بي؟ قال: نعم يقتلونه. فتناول جبريل تربة، فقال: مكان كذا وكذا، فخرج رسول الله قد احتضن حسيناً كاسف البال مهموماً... إلى أصحابه وهم جلوس، فقال: إن أُمّتي يقتلون هذا، وفي القوم أبو بكر وعمر، وكانا أجرأ القوم عليه، فقالا: يا نبي الله، يقتلونه وهم مؤمنون؟! قال: نعم، هذه تربته، فأراهم إياها»[13].

الحديث الثالث: ما أخرجه الطبراني وغيره عن معاذ بن جبل، قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله متغيّر اللون فقال:... نُعي إليّ حسين، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم وألبسهم شيعاً»[14].

النهضة بين التحذير والتبشير

في هذه الأحاديث إشارة إلى البشارة بالفوز لمن يقف في صف الحسين من جهة، ومن جهة أُخرى إنذار للأُمة وتحذير من القعود عن نصرته عليه السلام. وقد ندم على القعود جمع من الصحابة والتابعين، كما روى المفيد في الإرشاد عن إسماعيل بن زياد، قال: إن علياً عليه السلام قال للبراء بن عازب يوماً: «يا براء، يُقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره»، فلما قُتِل الحسين بن علي عليهما السلام كان البراء بن عازب يقول: صدق ـ والله ـ علي بن أبي طالب، قُتِل الحسين ولم أنصره. ثم يظهر الحسرة على ذلك والندم[15]. وممن أظهر الحسرة والندم أيضاً على ترك نصرة الإمام الحسين عليه السلام عبيد الله بن الحر الجعفي، حيث كان في طريق الحسين عليه السلام فدعاه لنصرته فأبى[16].

وممن فاز بالنصرة أنس بن الحرث، وقد كان يقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآلهيقول: إن ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره»[17]. قال الخوارزمي في مقتله: «فقُتل أنس بن الحرث مع الحسين بن علي عليه السلام»[18].

تقييم مواقف الصحابة

بالرغم من أن النبي صلى الله عليه وآله قد نعى سبطه الشهيد عليه السلام على رؤوس الأشهاد قبل نصف قرن من وقوع الكارثة، وبَشّر اللاحقين بركبه وحَذّر من مغبة عدم نصرته، إلّا أننا نجد أن الصحابة تجاه نهضة الحسين عليه السلام كانوا على ثلاثة أنواع:

1ـ المناصرون، وهم القلّة.

2ـ المعادون المخذّلون.

3ـ الواقفون على التلّ، وهم السواد الأعظم.

فمن الواقفين على التلّ البارزين عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والبراء بن عازب، وغيرهم كثير. ومن المعادين والمخذّلين الذين شركوا في دم السبط الشهيد شبث بن ربعي، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن الحجاج، والنعمان بن بشير وغيرهم.

وأما الصحابة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهم الثلة القليلة الذين استُشهدوا مع أبي عبد الله عليه السلام، وسنفصّل القول في عددهم، فيما يأتي.

الشهداء من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في نهضة الإمام الحسين عليه السلام

قال صاحب إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: «قُتِل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله مع الحسين عليه السلام خمسة نفر في الطف: أنس بن الحرث الكاهلي، ذكره جميع المؤرخين، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ذكره ابن حجر، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقات، وفي الكوفة هاني بن عروة المرادي، فقد ذكره الجميع أنه نيف على الثمانين، وعبد الله بن يقطر الحمْيريّ فإنه لدة الحسين ذكره ابن حجر»[19].

وهنا عدة ملاحظات على قول السماوي، نذكرها تباعاً:

1ـ قال: «ومسلم بن عوسجة الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقات»، وهذا مما لم نعثر عليه في الطبقات.

2ـ قال: «وهاني بن عروة، فقد ذكر الجميع أنه نيف على الثمانين»، أقول: إن كبر السن ليس دليلاً على الصحبة، فالكثير من الناس في عصر النهضة الحسينية كانت أعمارهم تصل إلى التسعين أو أكثر أو أقل، وليس هذا دليلاً على صحبتهم، اللهم إلّا أن ينصّ بعض المؤرخين. أو أصحاب الرجال على كونهم من الصحابة، وهو ما وقع بالفعل لهاني.

3ـ إنّ السماوي نسي اثنين ممن عدّهم هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، وهما: عبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاري[20]، وعمّار الدالاني[21]، فيكون مَن قُتِل في ساحة المعركة مع الحسين عليه السلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله خمسة هم: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وعبد الرحمن بن عبد ربّ، وعمار الدالاني، فإذا أُضيف لهم هاني وابن يقطر يصبح المجموع سبعة، وليس خمسة، كما ذكر.

4ـ هذا كله بحسب إبصار العين للشيخ السماوي، ولكننا بعد البحث تبيّن لنا أن بعضهم عدّ يحيى بن هاني بن عروة في شهداء كربلاء[22]. وقد عدَّه ابن الأثير في أُسد الغابة في الصحابة[23].

وتبيّن أيضاً أن عبيد الله بن الحارث بن نوفل ـ وقد ذكره جمع من المؤرخين ـ كان من الشهداء مع هانئ، وبإضافة هذين يكون العدد تسعة. وإذا أضفنا لهم الصحابة الذين استُشهدوا في طريق الحسين عليه السلام بعد الواقعة، وهما اثنان: سليمان بن صرد الخزاعي[24]، والمسيب بن نجبة[25]، فيكون مجموع من استُشهد في النهضة الحسينية من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أحد عشر نفراً، وهم:

أ ثلاثة قبل المعركة، وهم: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل.

ب ستة في المعركة، وهم: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وعبد الرحمن بن عبد رب، وعمار الدالاني، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ويحيى بن هاني بن عروة.

ج اثنان بعد المعركة، وهما: سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة.

5ـ فإذا أضفنا إلى ذلك كلّه الإمام الحسين عليه السلام باعتباره صحابياً، وهو سيدهم وقائدهم، صار المجموع اثني عشر صحابياً.

6ـ وكذلك وقع الكلام في شخصين مهمين في النهضة الحسينية، هما: مسلم بن عقيل عليه السلام؛ لأن المؤرخين لم يثبتوا تاريخ ميلاده، والمختار بن أبي عبيد الثقفي كونه من مواليد عام الهجرة.

المحور الثالث: ترجمة مَن استُشهد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في نهضة كربلاء

ويقع البحث في هذا المحور في إطار العناوين التالية:

أولاً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا قبل واقعة الطف

وهم ثلاثة ـ كما تقدم ـ: هاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل:

1ـ هاني بن عروة

أبو يحيى، هاني بن عروة، وقد يُكتب بالهمز هانئ بن عروة بن الفضفاض بن نمران بن عمرو بن قماس قعاس بن عبد يغوث المرادي، ثم الغطيفي[26].

أدرك النبي صلى الله عليه وآله وتشرّف بصحبته[27] ولازم الوصي عليه السلام، فكان من خيرة شيعته، وشارك في حروبه الثلاثة: الجمل وصفين والنهروان[28]، من أشراف الكوفة وأعيانها، ورئيس مذحج وزعيهما[29]، بطل تهاب الفرسان سطوته، ثابت العقيدة راسخ الإيمان، ذو نفسية كريمة وعزيمة لا تلين، لا يعطي الحق بالباطل ولا يهادن، ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ هذا ما دلت عليه مواقفه تجاه العترة الطاهرة، وكان إذا ركب ركب معه من بني قومه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل يصحبونه، وله أحلاف من كندة إذا تنادوا معه بلغوا ثلاثين ألفاً[30]، وكان أبوه من الصحابة[31] ومن كبار الشيعة في الكوفة ومن الذين لازموا علياً عليه السلام طوال حياته[32]، ولما حصب[33] حجر بن عدي زياد بن أبيه في المسجد بالحصى وهو على المنبر، كان عروة أبو هاني معه يحصب زياداً، فاقتيد مع حجر إلى مرج عذراء، ولكنّ زياداً تشفّع فيه، فعفى عنه معاوية، وقتل حجراً[34].

ولم يزل هاني ملازماً للإمام أمير المؤمنين عليه السلام حتى استُشهد، فكان ملازماً لابنه السبط الأكبر الإمام الحسن عليه السلام، وبعد استشهاده بقي على تواصل مع الإمام الحسين عليه السلام حتى حلّ مسلم بن عقيل في داره، فنال شرف الشهادة مع مسلم بكل عزّ وشرف وإباء.

دور هاني بعد هلاك معاوية وامتناع الحسين عليه السلام من بيعة يزيد

بعد هلاك معاوية اجتمع المؤمنون في دار سليمان بن صرد الخزاعي، ولما عرفوا امتناع الحسين عليه السلام عن البيعة وخروجه إلى مكة كتبوا إليه مجموعة من الكتب يطلبون منه القدوم إليهم، ولما كثر الطلب وتكاثرت عليه الكتب، دعا الحسين عليه السلام ابن عمه مسلم ابن عقيل وطلب منه السفر إلى الكوفة والاطلاع على حقيقة الحال، فأقبل مسلم يجدّ بالسير حتى دخل الكوفة وحلّ في دار هاني، وبعد أن تمكّن عبيد الله بن زياد من الأمر نشر جواسيسه بحثاً عن مسلم، فاستطاع أحد الجواسيس ـ وهو معقل ـ من اختراق الجماعة ودخل على مسلم على أنه من شيعته ويحمل له أموالاً. فاستدعى عبيد الله هانياً إلى القصر، فلما حضر قال: أتتك بخائن رجلاه تسعى[35]. والتفت إلى هاني قائلاً: أتيت بابن عقيل إلى دارك وجمعت له المال والسلاح والرجال، فأنكر هاني، وأعاد القول ابن زياد، وكثر الجدال بينهما، فأحضر عبيد الله معقلاً، فلما انكشف الأمر، قال هاني لعبيد الله: إن لأبيك عندي بلاءً حسناً[36] وأنا أحب أن أكافيه، فامض إلى الشام في سلام أنت ومالك وعيالك، فقد جاء مَن هو أوّلى بالأمر منك ومن يزيد[37]، فصاح ابن زياد: أُدنوه، فابتدره الجلاوزة وقنعوا رأسه بضفيرته واستعرض ابن زياد وجهه بالسوط حتى كسر أنفه وتناثر لحم خديه، ثم سجنه في إحدى غرف القصر، فزحف المذحجيون إلى القصر وطوقوه، وهم يقولون: قُتل صاحبنا، فأخرج لهم عبيد الله بن زياد شريحاً القاضي، فأقسم لهم أنه لم يُقتل فانصرفوا[38].

وبقي هاني في السجن إلى أن أُلقي القبض على مسلم بعد فشل نهضته؛ ولما قُتل مسلم وأُلقي من أعلى القصر أمر عبيد الله بن زياد بإخراج هاني إلى السوق وضرب عنقه، فخرجوا به مكتوفاً، وهو ينادي: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، واستطاع أن ينتزع يديه من الكتاف، وحاول انتزاع السيف من أحد الجلاوزة وهو ينادي: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه؟ فوثبوا عليه وأوثقوه كتافاً، فقيل له مد عنقك، فقال: ما أنا بها سخي وما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي يُقال له: رشيد، فلم يصنع فيه شيئاً، فقال: إلى الله المعاد، اللهم رحمتك ورضوانك، ثم ضربه أُخرى فقتله.

وزيادة في التنكيل أمر عبيد الله بقطع رأس هاني ومسلم وبعث بهما إلى يزيد بن معاوية، وأمر بسحب جثتيهما في الطرقات والشوارع، ثم صُلبا منكوسين[39].

وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:

إذا كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري        إلى هانئ في السوق وابن عقيل

إلى بـطل قـد هشّم السيـف وجهـه                  وآخـر يهوي مـن طمار قتيل[40]

وكان مقتل مسلم وهاني يوم الأربعاء الثامن من ذي الحجة سنة 60هـ، وهو اليوم الذي خرج فيه الحسين عليه السلام يطلب الكوفة[41].

وقال ابن حجر: إن هانياً يوم قُتل كان له من العمر بضعاً وتسعين[42]، ونص بعضهم على أنه بلغ الثامنة والتسعين[43].

2ـ عبد الله بن يقطر الحميري

المجاهد الكبير عبد الله بن يقطر، بالرغم من أن التاريخ لا يحدثنا عن أيّ شيء من سيرته، إلّا أن الحادث الذي روي له في النهضة الحسينية المباركة يدل على عظمته، وكرم نفسيته، وعلو همته، وشاسع شهامته، وأنه أهل لحمل الأمانة، بطل، ثابت، عقائدي، مجاهد بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ويكفي أن نلتفت إلى أن السبط الشهيد اختاره لمهمة لا ينهض بها إلّا الأوحدي الذي وضع روحه فوق راحته، ودمه ريّاً لعقيدته.

لقد استخدمت سلطة الطلقاء أُسلوباً وحشياً وطريقة غاية في القسوة لتصفية رجالات الثورة، وهو الإلقاء من أعلى البناء، واستعملوا ذلك مع رسل الحسين عليه السلام الثلاثة مسلم بن عقيل وقيس بن مسهّر الصيداوي وعبد الله بن يقطر، ثم إخراج هاني وضرب عنقه في سوق الغنم زيادة في التنكيل، ثم سَحْبُه هو ومسلم في الطرقات والشوارع من أرجلهما وصلبهما منكوسين على رأسيهما. إن هذه الوحشية والقسوة المفرطة يُراد منها إرسال عدة رسائل:

الأُولى: إن السلطة لن يقف بوجها أيّ حاجز، وهي مستعدة لسحق أيّ شخصية مهما بلغت من المكانة والمقام والقدسية.

الثانية: إنها أرادت أن تبعث رسالة إلى الأُمة تشيع من خلالها الرعب والذعر، فجعلت من هؤلاء النفر الذين قُتلوا بهذه القسوة عبرة لكل مَن تسوّل له نفسه الوقوف مع الحسين عليه السلام.

الثالثة: أرادت أيضاً أن تبعث برسالة إلى القبائل الكبرى، ومَن يقف خلف هؤلاء النفر.. فكان ابن زياد يسأل عن قبيلة الرجل، ثم يأمر بأن تُضرب عنقه بين ظهرانيهم، وقد نجح اللعين في إيصال هذه الرسائل، فنسمع هاني ـ وهو رئيس قبيلة كبرى في الكوفة ـ ينادي: وامذحجاه، فلا يجد مَن يجيبه، في حين أننا نقرأ ـ كما تقدم في ترجمته ـ أنه إذا ركب مع أحلافه صاروا ثلاثين ألفاً.

أقبل عبد الله بن يقطر يجدّ السير ليُبلّغ الرسالة، فألقى القبض عليه في القادسية الحصين بن نمير، إذ إنّ عبيد الله بن زياد وضع نقاط التفتيش، وأعلن الأحكام العرفية، وبدأ يعتقل ويقتل على الظنة والتهمة.

هذا، ولكن الخوارزمي يطالعنا برواية مغايرة تماماً لذلك، إذ يقول: «... فبينما عبيد الله مع القوم في هذه المحاورة إذ دخل عليه رجل من أصحابه يُقال له: مالك بن يربوع التميمي، فقال: أصلح الله الأمير، هاهنا خبر. فقال ابن زياد: ما ذاك؟ قال: كنت خارج الكوفة أجول على فرسي إذ نظرت رجلاً خرج من الكوفة مسرعاً يريد البادية فأنكرته، ثم إني لحقته وسألته عن حاله فذكر أنه من المدينة، فنزلت عن فرسي وفتشته فأصبت معه هذا الكتاب، فأخذه ابن زياد، فإذا مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، أما بعد، فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة ما ينيف على عشرين ألفاً، فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل، فإن الناس كلّهم معك، وليس لهم في يزيد بن معاوية هوًى ولا رأي. والسلام.

فقال ابن زياد: أين الرجل الذي أصبت معه الكتاب؟ قال: هو بالباب. قال: آتوني به. فأُدخل فلما وقف بين يدي ابن زياد، قال له: مَن أنت؟ قال: مولى لبني هاشم. قال: ما اسمك؟ قال: عبد الله بن يقطر. قال: مَن دفع إليك هذا الكتاب؟ قال امرأة لا أعرفها. فضحك ابن زياد، وقال: اختر واحدة من اثنتين: إما أن تُخبرني مَن دفع إليك هذا الكتاب، أو تُقتل. فقال: أما الكتاب فإني لا أُخبرك مَن دفعه إلي، وأما القتل فإني لا أكرهه؛ لأني لا أعلم قتيلاً عند الله أعظم أجراً من قتيل يقتله مثلك. فأمر به فضُرب عنقه»[44].

أقول: ويمكن الجمع بين ما رواه الخوارزمي وما رواه الآخرون بافتراض أن عبد الله بن يقطر نجح في إيصال رسالة الحسين عليه السلام إلى مسلم بن عقيل، ثم حمّله مسلم رسالة إلى الحسين وهي التي ذكرها الخوارزمي، وفي طريق العودة أُلقي القبض عليه.

وعلى أية حال، فقد روى بعضهم أن ابن زياد أمر عبد الله بن يقطر أن يصعد القصر ويلعن الكذاب ابن الكذاب ـ يعني الحسين عليه السلام والعياذ بالله ـ إلّا أنه لما صعد وأشرف على الناس صاح بأعلى صوته: أيها الناس، أنا رسول الحسين بن علي ابن بنت رسول الله إليكم لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي ابن الدعي. فأمر به عبيد الله بن زياد فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض، فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه عبد الملك بن عمير اللخمي ـ وكان قاضي الكوفة وفقيهها ـ فذبحه بمدية، فلما عيب عليه، قال: إني أردت أن أُريحه[45].

3ـ عبيد الله بن الحارث بن نوفل

عبيد الله بن الحارث بن نوفل بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن بلال بن أنس بن سعد الهمداني[46]. من رجال الكوفة المبرزين، أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وصحب أمير المؤمنين عليه السلام وشهد معه صفين، وكان من المتحمّسين لقدوم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وهو ممن كانوا يأخذون البيعة للحسين من أهل الكوفة[47].

ومما يدلنا على أهمية الرجل وجلالة موقعه وكبير خطره أن ابن مرجانة طلبه بالاسم، حيث انتفض مع مسلم براية حمراء، إلّا أنه وصل متأخراً مع المختار بن أبي عبيد، إذ جاء هذا الأخير براية خضراء، فاعتقلهما كثير بن شهاب فأودعهما عبيد الله بن زياد السجن، ولما تمّ القضاء على حركة مسلم وأعدم هاني، أحضره ابن مرجانة، فسأله: من أنت؟ فلم يتكلم، فقال: أنت خرجت براية حمراء وركزتها على باب دار عمرو بن حريث، وبايعت مسلماً، وكنت تأخذ البيعة للحسين؟ فسكت، فقال عبيد الله: انطلقوا به إلى قومه فاضربوا عنقه[48].

استشهد عام 60هـ في الكوفة بعد مسلم بأيام، ولم نقف على تاريخ ولادته ولا مقدار عمره، ولكن بما أنه صحابي فلا ريب أن عمره جاوز الستين على أقل التقادير. ولم يذكر عنه في كتب التاريخ ولا معاجم الرجال أكثر مما ذكرنا.

أقول: وقد وقع الاشتباه من الشيخ علي النمازي؛ إذ قال: «عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.. حبسه ابن زياد مع المختار وميثم»[49]، فإنّ الذي حُبس هو صاحب الترجمة عبيد الله بن الحارث بن نوفل الهمداني، وذاك هاشمي وهو عبد الله وليس عبيد الله، ولكن تشابه الاسمين أوقعه في الاشتباه.

ثانياً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا في واقعة الطف

وهم ستة: أنس بن الحارث، وحبيب بن مظاهر الأسدي، وعبد الرحمن بن عبد رب، وعمار الدالاني، ومسلم بن عوسجة الأسدي، ويحيى بن هاني بن عروة.

1ـ أنس بن الحارث الكاهلي

صحابي وابن صحابي ذكره ابن الأثير في أُسد الغابة[50]، وابن حجر في الإصابة[51]، وعدّه الطوسي في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ونصّ على أنه قُتل مع الحسين عليه السلام[52].

وبنو كاهل من بني أسد بن خزيمة من عدنان، منازلهم كانت بالكوفة[53]، وذكر صاحب إبصار العين نسبه بالشكل الآتي: أنس بن الحرث بن نبيه بن كاهل بن عمرو بن صعب بن أسد بن خزيمة. ولم يشر إلى المصدر، كما لم نعثر على ذلك في أُمهات المصادر بحدود اطلاعنا، ونقل المحلاتي نسبه المزبور في هامش فرسان الهيجاء[54] زاعماً أن العسقلاني ذكره في الإصابة ولم نجده.

وعلى أيّ حال، فإن أنس بن الحارث من كبار الصحابة، وممن رأى النبي صلى الله عليه وآله، وسمع حديثه، وروى عنه، وكان ذا مكانة اجتماعية عريضة في قومه وفي الكوفة، وعنه روى الفريقان حديث كربلاء، إذ قال ـ كما تقدّم ـ: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن ابني هذا ـ يعني الحسين عليه السلام ـ يُقتل بأرض يُقال لها: كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره». ويكيفه نبلاً وعظمة وفخاراً موقفه الكربلائي في الذب عن آل الرسول صلى الله عليه وآله حتى أُريق دمه وأُزهقت نفسه، ويالها من نفس كريمة.

قال المقرّم: «وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاً كبيراً صحابياً رأى النبي صلى الله عليه وآله وسمع حديث، وشهد معه بدراً وحنيناً، فاستأذن الحسين عليه السلام وبرز شادّاً وسطه رافعاً حاجبيه بالعصابة، ولما نظر إليه الحسين عليه السلام بهذه الهيئة بكى، وقال: شكر الله لك يا شيخ، فَقَتل على كبره ثمانية عشر رجلاً وقُتل»[55].

وفي إبصار العين: «قال الجرزي: وعداده في الكوفيين، وكان جاء إلى الحسين عليه السلام عند نزوله كربلاء والتقى معه ليلاً فيمن أدركته السعادة. وروى أهل السير أنه لمّا جاءت نوبته استأذن الحسين عليه السلام في القتال فأذن له وكان شيخاً كبيراً، فبرز وهو يقول:

قد علمت كاهلها ودودان

والخندفيون وقيس عيلان

بأن قـومـي آفـة للأقـران

ثم قاتل حتى قُتل رضي الله عنه»[56]. وذكر الصدوق رجزاً قريباً من هذا لمن سماه مالك بن أنس الكاهلي[57]. إلّا أن الشيخ شمس الدين اعتبر أن هذا تصحيفاً واشتباهاً، وأن صاحب الرجز هو أنس بن الحارث الكاهلي، وليس مالك بن أنس، حيث قال: «وذكر ابن شهر آشوب والخوارزمي مصحّفاً بـمالك بن أنس الكاهلي وذكره في البحار مصحّفاً بـمالك بن أنس المالكي وصححه بعد ذلك ابن نما الحلي»[58].

2ـ حبيب بن مظاهر الأسدي

أبو القاسم حبيب بن مظاهر مظهر بن رئاب بن الأشتر بن حجوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قيس بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد الأسدي الكندي ثم الفقعسي[59].

وفي رجال ابن داود: حبيب بن مظَهِّر بفتح الظاء وتشديد الهاء وكسرها[60]، قال الأمين: «والذي في أكثر النسخ من كتب التاريخ وغيرها مظهّر بوزن مطّهر وهو الصواب، وما في الكتب الحديثة أنه مظاهر خلاف المضبوط قديماً»[61].

وفي مجالس المؤمنين حبيب بن مظاهر الأسدي محسوب من أكابر التابعين، ثم حكى عن كتاب روضة الشهداء ما ترجمته: أنه تشرف بخدمة الرسول صلى الله عليه وآله وسمع منه أحاديث، وكان معززاً مكرماً بملازمة المرتضى عليه السلام[62].

وفي الإصابة: «حتيت[63] بن مظهر بن رئاب بن الأشتر بن جحوان بن فقعس الكندي الفقعسي، له إدراك، وعمّر حتى قُتل مع الحسين بن علي، ذكره ابن الكلبي مع ابن عمه ربيعة بن خوط بن رئاب»[64]. إلّا أنه عندما ترجم ابن عمه ربيعة ذكره باسم حبيب وليس حتيت، ولعل هذا خطأ وتصحيف وقع من النسّاخ.

بلغ الخامسة والسبعين من العمر يوم كربلاء، اكتسب خلالها الكثير من الفضائل، وصحب فيها النبي[65]، وكان من خواصّ أصحاب علي عليه السلام وحملة علومه، واشترك في حروبه الثلاثة: الجمل وصفين والنهروان[66]، وكان من شرطة الخميس[67]، ثم لازم الحسن السبط عليه السلام ونزل الكوفة حتى وردها الحسين عليه السلام، فكان من السعداء الذين لحقوا بقافلته.

وكان حبيب من أعلام قبيلة بني أسد وفرسانها، ومن رجال الأُمة الصالحين وثقاتها، ولهذا اختصه الحسين إذ جعله على ميسرة جيشه[68]، فكان واحداً من الرجال الذين نصروا الحسين عليه السلام، ولقوا جبال الحديد، واستقبلوا الرماح بصدورهم والسيوف بوجوههم وهم يعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون ويقولون: لا عذر لنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إنْ قُتل الحسين ومنّا عين تطرف حتى قُتلوا حوله[69].

من فضائله

قال الكشي: «مر ميثم بن التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي الفقعسي عند مجلس بني أسد، فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما، ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صُلب في حب أهل بيت نبيه، تُبقر بطنه على الخشبة، فقال ميثم: وإني لأعراف رجلاً أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نبيه، فيُقتل ويُجال برأسه بالكوفة، ثم انصرفا. فقال أهل المجلس: ما رأينا أحداً أكذب من هذين. قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري، فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما، فقالوا: افترقا وسمعنا مما يقولان كذا وكذا. فقال رشيد: رحم الله ميثماً نسي: يزداد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم، ثم أدبر. فقال القوم: هذا والله، أكذبهم. فقال القوم: والله، ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأيناه مصلوباً على باب دار عمرو بن حريث، وجيء برأس حبيب قد قُتل مع الحسين بن علي عليهما السلام ورأينا كل ما قالوا»[70].

 أقول: وهذه الرواية تدل على عدة أُمور مهمّة، منها:

الأمر الأول: أنها تدل على أن حبيباً كان من خواصّ أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وحواريه، ومن حملة علومه وأسراره، ومن حملة علم المنايا والبلايا.

الأمر الثاني: أنها تدل على عظمة شخصيته ورباطة جأشه واستعداده لذلك اليوم، وتهيئه للتضحية في سبيل دينه وعقيدته.

الأمر الثالث: أنها تنفعنا في مقام السؤال عن موقف حبيب تجاه حركة مسلم بن عقيل، وعن السر في عدم لعب دور في تلك الحركة، وعدم ظهوره على مسرح الأحداث في مصرع مسلم.

وكان حبيب من الشيعة الذين اجتمعوا في دار سلميان بن صرد الخزاعي بعد هلاك معاوية وكتبوا إلى الحسين عليه السلام أن أَقدم إلى الكوفة، وكان من المستقبلين لمسلم بن عقيل، قال الطبري: «ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي... وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلما اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فأخذوا يبكون، فقام عابس بن أبي شبيب الشاكري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم، والله، أحدثك عما أنا موطّن نفسي عليه، والله، لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلن معكم عدوكم، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله؛ لا أُريد بذلك إلّا ما عند الله، فقام حبيب بن مظاهر الفقعسي، فقال: رحمك الله قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، ثم قال: وأنا ـ والله الذي لا إله إلّا هو ـ على مثل ما هذا عليه»[71].

حبيب في كربلاء

بعد قمع حركة مسلم ونيله شرف الشهادة اختفى المخلصون من رجاله كحبيب، وعابس الشاكري، ومسلم بن عوسجة... وآخرون، يتربصون ويتأملون وصول الحسين عليه السلام إلى الكوفة، إلّا أنه عليه السلام لم يصلها، بل جعجع به الحر وأنزله بوادي كربلاء، ولم يرد في كتب التاريخ كيف وصل خبر نزول الحسين عليه السلام في كربلاء إلى حبيب، سوى خبر مرسل لا يعوّل عليه ذكره صاحب فرسان الهيجاء[72].

والمهم أن الأخبار كانت تصل الكوفة؛ لأنها مقر إمارة ابن مرجانة، ومنها تصدر أوامر المواجهة، والحسين عليه السلام نزل كربلاء في اليوم الثاني من محرم، وبقي فيها إلى اليوم العاشر حيث كانت الواقعة[73]، وخلال هذه الفترة كانت تصل الأخبار، فعزم حبيب على الالتحاق بركب الخلود، فاتصل بابن عمه مسلم بن عوسجة وأقبلا يجدّان السير في الليل ويكمنان في النهار، حتى وصلا إلى معسكر الحسين[74].

حبيب يدعو بني أسد لخير الدارين

لما رأى حبيب قلة أنصار الحسين عليه السلام وكثرة عدوه استأذنه، قائلاً: «إن هاهنا حيّاً من بني أسد فلو أذنت لي لسرت إليهم ودعوتهم إلى نصرك، لعل الله أن يهديهم أو يدفع بهم عنك، فأذن له الحسين عليه السلام، فسار إليهم حتى وافاهم، فجلس في ناديهم ووعظهم، وقال في كلامه: يا بني أسد، قد جئتكم بخير ما أتى به رائد إلى قومه، هذا الحسين بن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد نزل بظهرانيكم في عصابة من المؤمنين، وقد أطافت به أعداؤه ليقتلوه، فأتيتكم لتمنعوه وتحفظوا حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، فوالله، لئن نصرتموه ليُعطينكم الله شرف الدنيا والآخرة... فقام عبد الله بن بشير الأسدي، وقال: شكر الله سعيكم يا أبا القاسم، فو الله، لجئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحبّ فالأحبّ! أمّا أنا فأوّل مَن أجاب، وأجاب جماعة[75] بنحو جوابه... وانسلّ رجل منهم، فأخبر ابن سعد، فأرسل الأزرق في خمسمائة فارس، فعارضهم ليلاً ومانعهم فلم يمتنعوا فقاتلهم[76] فقُتل منهم جماعة... وعاد حبيب ليخبر الحسين بما حصل، فقال عليه السلام: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ولا حول ولا قوة إلّا بالله»[77].

حبيب في ليلة العاشر

خرج الحسين عليه السلام ليلة العاشر من المحرم يتفقد التلاع، فأحسّ بخطى رجل من خلفه، فالتفت وقال: «من الرجل؟ نافع؟. قال: نعم، جُعلت فداك يا بن رسول الله. قال عليه السلام: ما أخرجك يا نافع، في هذا الليل؟ قال: سيدي أزعجني خروجك ليلاً إلى جهة هذا الباغي. فقال عليه السلام: يا نافع خرجت أتفقد هذه التلاع مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل على مخيّمنا يوم يحملون وتحملون».

ثم يروي نافع قول زينب عليها السلام حينما صارحها الحسين عليه السلام بما سيجري في الغد: «وا أخاه واحسيناه، أشاهد مصرعك وأُبتلى برعاية هذه المذاعير من النساء، والقوم ـ يا بن أُمي كما تعلم ـ ما هم عليه من الحقد القديم، ذلك خطب جسيم، يعزّ لي مصرع هذه الفتية وأقمار بني هاشم، ثم قالت: يا بن أُمي، هل استعلمت أصحابك نياتهم فإني أخاف أن يُسلموك عند الوثبة واصطكاك الأسنة، فبكى الحسين، وقال: أما والله، لقد بلوتهم فما رأيت فيهم إلّا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني استئناس الطفل بلبن أُمه».

فبكى نافع، ثم أتى حبيب بن مظاهر وأخبره بالأمر، «فبرز حبيب ناحية ونافع إلى جنبه وانتدب أصحابه فنادى: أين أنصار الله؟ أين أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أين أنصار أمير المؤمنين؟ أين أنصار فاطمة؟ أين أنصار الحسين؟ أين أنصار الإسلام؟ فتطالعوا من منازلهم كالليوث الضارية، يقدمهم أبو الفضل العباس عليه السلام، فلما اجتمعوا، قال لبني هاشم: ارجعوا إلى منازلكم لا سهرت عيونكم، ثم خطب أصحابه فقال: يا أصحاب الحمية، وليوث الكريهة، هذا نافع بن هلال يخبرني الساعة بكذا وكذا، فأخبروني عن نياتكم، فجردوا صوارمهم، ورموا عمائمهم، وقالوا: أما والله، يا بن مظاهر لئن زحف القوم إلينا لنحصدن رؤوسهم ولنلحقنهم بأشياخهم، ولنحفظن رسول الله صلى الله عليه وآله في عترته وذريته. فقال لهم حبيب: معي.. معي، فقام يخبط الأرض بهم وهم يعدون خلفه حتى وقف بين أطناب المخيم... فخرج الحسين عليه السلام وقال: جزاكم الله عن أهل بيت نبيكم خيراً، وخرجت حرائر آل البيت إليهم باكيات معولات قائلات: أيها الطيبون، حاموا عن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وحرائر أمير المؤمنين عليه السلام. فضج القوم بالبكاء حتى كأن الأرض تميد بهم»[78].

حبيب يوم العاشر

كان حبيب على رأس ثلث جنود الحسين، حيث إنه عليه السلام لمّا أصبح يوم عاشوراء صلى بأصحابه صلاة الصبح، ثم قام خطيباً فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى أذن في قتلكم وقتلي فعليكم بالصبر والقتال.

ثم صفّهم للحرب.. فجعل زهير بن القين على الميمنة وحبيب بن مظاهر على الميسرة، وثبت هو في القلب وأعطى رايته أخاه العباس[79]. وهذا الفعل من الإمام إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أهمية الرجل، وسمو مقامه وثقله عند النزال.

ولمّا حمي الوطيس حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على الحسين عليه السلام من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصُرِع مسلم بن عوسجة الأسدي، ولما انصرف ابن الحجاج وانقطعت الغبرة، وجدوا مسلماً صريعاً بين القتلى وبه رمق، فمشى إليه الحسين، فقال: رحمك الله يا مسلم فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[80]، ودنا منه حبيب بن مظاهر، فقال له: عزَّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة[81].

مصرع حبيب

ولما انتصف النهار رمق أبو ثماثة الصائدي الشمس بطرفه وقد زالت، فقال للإمام الحسين عليه السلام: نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، لا والله، لا تُقتل حتى أُقتل دونك ـ إن شاء الله ـ وأُحبّ أن ألقى ربّي وقد صلينا هذه الصلاة التي قد دنا وقتها، فرفع الحسين عليه السلام رأسه، وقال: ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها، ثم قال عليه السلام: سلوهم أن يكفّوا عنا حتى نُصلي، فصاح الحصين بن تميم: إنها لا تُقبل. فقال له حبيب: زعمت أن الصلاة لا تُقبل عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وتُقبل منك يا حمار.

فحمل الحصين على أصحاب الحسين، فبرز له حبيب بن مظاهر فضرب وجه فرسه بالسيف فشب ووقع عنه، وحمله أصحابه فاستنقذوه، ثم أخذ حبيب يقاتلهم ويرتجز بقوله:

أقسم لو كان لكم أعدادا

أو شطركم وليتم أكتادا

يـا شـر قـوم حسبـاً وآدا

وكان يرتجز أيضا بقوله:

            أنا حبيب وأبي مظهر

أنتم أعـد عُـدة وأكثر

ونحن أعلى حجة وأظهر

                        فارس هيجاء وحرب تسعر

 ونحن أوفى منكم وأصبر

حقاً وأتقى منكم وأعذر

 

 

 

وقاتلهم قتالاً شديداً[82]، فقتل على كبر سنه اثنين وستين رجلاً، وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه، وطعنه آخر من تميم برمحه، فسقط إلى الأرض، فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بالسيف على رأسه فسقط لوجهه، ونزل إليه التميمي واحتزّ رأسه، فهدَّ مقتله الحسين عليه السلام، فقال: عند الله أحتسبُ نفسي وحماة أصحابي واسترجع كثيراً[83].

قال الطبري: «إن التميمي لما احتز رأس حبيب، قال له الحصين: إني لشريكك في قتله، فقال الآخر: والله، ما قتله غيري، فقال الحصين: أعطني رأسه أُعلقه في عنق فرسي فيرى الناس ويعلموا أني شركت في قتله، ثم خذه أنت بعد فامض به إلى عبيد الله بن زياد، فلا حاجة لي فيما تُعطاه على قتلك إياه، فأبى عليه فأصلح قومه فيما بينهما على هذا، فدفع إليه رأس حبيب بن مظاهر، فجال به في العسكر، وقد علقه في عنق فرسه، ثم دفعه بعد ذلك إليه، فلما رجعوا إلى الكوفة أخذ الآخر رأس حبيب، فعلقه في لبان فرسه، ثم أقبل به إلى ابن زياد في القصر، فبصر به ابنه القاسم بن حبيب وهو يومئذ قد راهق فأقبل مع الفارس لا يفارقه كلما دخل القصر دخل معه، وإذا خرج خرج معه، فارتاب به فقال: مالك يا بني تتبعني؟ قال: لا شيء. قال: بلى يا بني أخبرني؟ قال له: إن هذا الرأس الذي معك رأس أبي أفتعطينيه حتى أدفنه؟ قال: يا بني، لا يرضى الأمير أن يدفن، وأنا أُريد أن يثيبني الأمير على قتله ثواباً حسناً. قال الغلام: لكن الله لا يثيبك على ذلك إلّا أسوأ الثواب، أما والله، لقد قتلت خيراً منك وبكى.

ثم إن القاسم بن حبيب بعدما شبّ وأدرك، ظل يتعقب قاتل أبيه حتى ظفر به في بعض غزوات مصعب بن الزبير، حيث وجده في خيمته وهو قائل نصف النهار، فضربه بالسيف فهلك»[84].

دفن حبيب عند رأس الحسين عليه السلام

قال السماوي: «دفنت بنو أسد حبيباً عند رأس الحسين عليه السلامحيث قبره الآن اعتناءً بشأنه، ودفنت بنو تميم الحر بن يزيد الرياحي على نحو ميل من الحسين عليه السلامحيث قبره الآن اعتناءً به أيضاً»[85].

أقول: روى الشيخ مرسلاً عن الإمام الرضا عليه السلام أن الذي تولّى دفن الإمام الحسين عليه السلام هو الإمام زين العابدين عليه السلام حيث تسلل من الحبس في الكوفة إلى كربلاء ودفن أباه والشهداء بمساعدة بني أسد، ثم عاد إلى الكوفة دون أن يشعر به الأعداء[86].

وهذه الرواية تدل على أن المسألة كانت بنحو المعجزة والكرامة؛ لأن السفر من الكوفة إلى كربلاء والرجوع ثانية يحتاج في ذلك الوقت ما لا يقل عن أسبوع، في حين أن أهل البيت عليهم السلام لم يبقوا في الكوفة سوى ثلاثة أيام، ثم سرّحوا بهم إلى الشام.

  1. عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري الخزرجي

من الشخصيات البارزة في الكوفة[87]، وممن أخلص الصحبة لعلي عليه السلام[88]، ويبدو أنه سكن الكوفة أيام أمير المؤمنين عليه السلام، وبقي ملازماً للإمام حيث علّمه القرآن ورباه[89]، وبقي يسكن الكوفة إلى حين شهادته، وهو أحد الذين كانوا يأخذون البيعة للحسين في الكوفة[90]، وهذا لا يتفق مع ما ذكره السماوي من أنه جاء مع الحسين من مكة[91]، اللهم إلّا أن يكون من جملة الوافدين على الحسين عليه السلام فترة إقامته في مكة.

ولا توجد ترجمة كافية عن عبد الرحمن هذا سوى نزر من الأخبار القليلة، فلا يعلم تاريخ ولادته ولا عمره يوم استُشهد مع الحسين عليه السلام، ولكن نص جماعة من الرجاليين على أنه كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقد ذكر ابن الأثير في أُسد الغابة بأنه ممن شهد لعلي عليه السلام بحديث الغدير حينما ناشدهم بذلك، إذ: «قام بضعة عشر رجلاً فيهم أبو أيوب الأنصاري، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، وحبشي ابن جنادة السلونيّ، وعبيد بن عازب الأنصاري، وأبو فضالة الأنصاري، وعبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ألا إن الله عز وجل وليي وأنا ولي المؤمنين، ألا فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ مَن ولاه، وعاد مَن عاداه، وأحبّ مَن أحبه، وابغض مَن أبغضه، وأعن مَن أعانه»[92].

وقال ابن حجر: «عبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري، ذكره ابن عقدة في كتاب الموالاة فيمن روى حديث من كنت مولاه فعلي مولاه»[93].

رجل لا يحب الباطل

روى الطبري عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري، قال: «كنت مع مولاي فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسين عليه السلام بفسطاط فضُرب، ثم أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صفحة، قال: ثم دخل الحسين عليه السلام ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة، قال: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبريد بن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيهما يطلي على أثره، فجعل برير يهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا فوالله، ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: والله، لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل شابّاً ولا كهلاً، ولكن والله، إني لمستبشر بما نحن لاقون، والله، إن بيننا وبين الحور العين إلّا أن يميل هؤلاء القوم علينا بأسيافهم، ولوددت أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم...»[94].

أقول: إنه مما لا شك فيه أن ممازحة برير لعبد الرحمن لا شيء فيها من الباطل أو الكذب والعياذ بالله، وربما هي كلمات تنم عن الابتهاج والفرح والسرور ليس إلّا، وإن رفض عبد الرحمن لهذا المستوى من الهزل في لحظة الجد تكشف لنا عن كمال نفسيّته، وشدته في ذات الله، وعمق تقواه، بحيث أنه ردها على برير، ولم يقبلها إلّا بعد أن بررها برير بأنه مستبشر بلقاء الله وكرامته وفضله من الحور والقصور. رحم الله عبد الرحمن الذي استعجل الرواح للقاء ربه وفاءً لنبيه ولدينه وعقيدته.

4ـ عمار الدالاني

قال في الإصابة: «عمار بن أبي سلامة بن عبد الله بن عمران بن رأس بن دالان الهمداني ثم الدالاني، له إدراك وكان قد شهد مع علي مشاهده، وقُتل مع الحسين بن علي بالطف، ذكره ابن الكلبي»[95].

ويُنسب عمار تارة إلى همدان، وتارة إلى دالان، وتارة إلى حاشد، وهذه النسب تعود إلى أسماء أجداده. ومن أجداده البارزين في الجاهلية رؤاس أو رأس، ترجم له جمع من المؤرخين منهم الزركلي، إذ قال: رؤاس بن دالان الوادعي الحاشدي من همدان: «جد جاهلي يماني من نسله عمار بن أبي سلامة...»[96].

وقال ابن الأثير: «رؤاس بن دالان بن سابقة بن ناشج بن وداعة بن عمرو بن عامر ابن ناشج بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن هدان، منهم عمار بن أبي سلامة...»[97].

كان عمار من أصحاب أمير المؤمنين، بل من خواص أصحابه، ومن الذين جاهدوا بين يديه في الجمل وصفين والنهروان[98].

قال السماوي: «قال أبو جعفر الطبري: وكان من أصحاب علي عليه السلام ومن المجاهدين بين يديه في حروبه الثلاثة، وهو الذي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عندما سار من ذي قار إلى البصرة، فقال: يا أمير المؤمنين، إذا أقدمت عليهم فماذا تصنع؟ قال عليه السلام: أدعوهم إلى الله وطاعته، فإن أبو قاتلتهم. فقال أبو سلامة: إذن لن يغلبوا داعي الله»[99].

أقول: وقد نص الجلالي بأن عماراً الدالاني من أصحاب علي عليه السلام الذين شاهدوه وهو يرثي الحسين عليه السلام في أرض كربلاء بندائه: صبراً أبا عبد الله[100]، في إشارة إلى ما رواه جمع من المؤرخين من أن أمير المؤمنين عليه السلام مر بنينوى كربلاء فقال: «صبراً أبا عبد الله صبراً بشط الفرات...»[101].

ونصّ بعضهم على أن عماراً هذا قُتل في الحملة الأُولى[102]؛ لأنه لم يرد له أيّ رجز، ولم يذكر في المبارزات الفردية، والأخبار عن سيرته بعد ذلك قليلة، فلا يعرف أين وُلد ومتى، وكم عمره يوم شهادته، ولا ضير فإن موقفه في كربلاء وشهادته فيها يعدل تاريخ أُمة، فرحمه الله وحشره مع أوليائه الطاهرين.

  1. مسلم بن عوسجة

أبو جحل، مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي السعدي، هكذا أورد نسبه السماوي في إبصار العين[103].

إن مسلم بن عوسجة صحابي ممن رأى النبي صلى الله عليه وآله، نص على ذلك الشيخ شمس الدين في أنصار الحسين[104]، والشيخ علي النمازي الشاهرودي في مستدركات علم رجال الحديث[105]، والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة[106].

وكان رجلاً شريفاً عابداً متنسكاً شجاعاً، له ذكر في المغازي والفتوح الإسلامية[107]، وهو مع ذلك شيخ كبير السن وشخصية أسدية كبرى، ومن أبرز رجالات الكوفة[108].

قال الزركلي: «مسلم بن عوسجة الأسدي من أبطال العرب في صدر الإسلام، شهد يوم أذربيجان وغيره من أيام الفتوح، وكان مع الحسين بن علي في قصده الكوفة، فقاتل وهو يناضل عنه»[109].

أقول: ولم تذكره مصادر الجمهور، وإنما ذكره صاحب الإصابة، وأُسد الغابة مسلم أبو عوسج يروي حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله بالمسح على الخفين، ولم ينصوا على أنه استُشهد مع الحسين عليه السلام، فلا نعلم أنه هو المقصود أم غيره[110].

عدّه الشيخ الطوسي من أصحاب الحسين عليه السلام[111]، وكان من أصحاب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وأحد الذين كاتبوا الحسين عليه السلامبالقدوم إلى العراق[112]، ولما بعث الحسين عليه السلام مسلم إلى الكوفة كان ابن عوسجة من المستقبلين له والداعين إلى بيعة الحسين على يديه[113].

ويذكر أن معقلاً جاسوس ابن زياد «أتى مسلم بن عوسجة الأسدي، من بني سعد بن ثعلبة في المسجد الأعظم وهو يصلي، وسمع الناس يقولون: إن هذا يبايع للحسين، فجاء فجلس حتى فرغ من صلاته، ثم قال: يا عبد الله، إني امرؤ من أهل الشام، مولىً لذي كلاع، أنعم الله عليّ بحبّ أهل هذا البيت، وحبّ مَن أحبهم، فهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وكنت أُريد لقاءه، فلم أجد أحداً يدلني عليه، ولا يُعرف مكانه، فإني لجالس آنفاً في المسجد إذ سمعت نفراً من المسلمين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض هذا المال وتُدخلني على صاحبك فأبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه، فقال: أحمد الله على لقائك إياي، فقد سرّني ذلك لتنال ما تحب، ولينصر الله بهذا الأمر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته، فأخذ بيعته قبل أن يبرح، وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحنّ وليكتمنّ، فأعطاه من ذلك ما رضي به، ثم قال له: اختلف إليّ أياماً في منزلي، فأنا طالب لك الأذن على صاحبك، فأخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن..»[114].

وهكذا بدأ معقل يدخل على مسلم وينقل أخباره إلى ابن مرجانة، فلما انكشف الأمر واعتُقل هاني ـ كما مرّ في ترجمته ـ انتفض مسلم بن عقيل، وقسّم أصحابه إلى أربع رايات، حيث «عقد لعبيد الله بن عمر بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة، وقال: سر أمامي على الخيل، وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد، وقال: انزل في الرجال، وعقد لأبي ثمامة الصائدي على تميم وهمدان، وعقد للعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدنية..»[115].

ثم لما انفض الناس عن مسلم وأجهضت حركته واستُشهد، اختبأ مسلم بن عوسجة إلى أن وصل الحسين عليه السلام إلى كربلاء، فالتحق به مع حبيب بن مظاهر الأسدي، كما تقدم.

ابن عوسجة في ليلة عاشوراء

وقف الحسين عليه السلام ليلة العاشر من محرم ينادي أصحابه وأهل بيته: «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهو عن طلب غيري..»[116].

فشقت هذه الكلمة على القوم، واختنقوا حتى كادت أنفسهم تزهق من أبدانهم، ثم انفجر بركان الولاء بكلمات خلّدتها السنون وخلّدتهم معها، رموزاً للتضحية والفداء والإباء والولاء، واشرأبّ ابن عوسجة كأنه الأسد الهزبر، قائماً قائلاً: «أنحن نخلّي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك، أما والله، لا أُفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبتت قائمه في يدي، ولا أُفارقك ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك..»[117].

أول صريع بعد الحملة الأُولى

كان عمرو بن الحجاج ينادي بأصحابه بعد الحملة الأُولى ـ بعدما صُرِعَ خمسون شهيداً من أصحاب الحسين عليه السلام ـ الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَن مرق من الدين، وخالف الإمام[118]. فناداه الحسين عليه السلام: «يا عمر بن الحجاج، أعليّ تحرِّض الناس؟ أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟! أما والله، لتعلمنَّ لو قد قُبِضَت أرواحكم ومتّم على أعمالكم أيّنا مرق من الدين، ومَن هو أوْلى بصليّ النار» فحمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات على ميسرة الحسين فتطاعنوا واقتتلوا ساعة[119]، وكان على ميسرة الحسين زهير بن القين ومعه مسلم بن عوسجة، فكان مسلم يقاتل قتال الأبطال وهو يرتجز ويقول:

                إن تسـألوا عنّي فإنّي ذو لـبد              من فرع قوم في ذرى بني أسد

                فمن تعامى حائد عن الرشد             وكـافر بـدين جبّار صمـد[120]

وعَلَتْ الغبرة فما انجلت إلّا ومسلم صريع، حيث شدَّ عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة فصرعاه، فمشى إليه الحسين عليه السلام ومعه حبيب فقال له الحسين عليه السلام: «رحمك الله يا مسلم فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. ودنا منه حبيب بن مظاهر، فقال له: عزَّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة. فقال مسلم بضعيف صوته: بشَّرك الله بخير. فقال له حبيب: لولا علمي أني في أثرك لأحببت أن توصيني بكل ما أهمّك[121]. فقال مسلم: أوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين ـ أن تموت دونه. فقال حبيب: أفعل وربِّ الكعبة[122].

ولمّا صُرِعَ مسلم صاحت جارية له يا سيّداه يا بن عوسجتاه، فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال لهم شبث بن ربعي: ثكلتكم أُمّهاتكم أما إنّكم تقتلون أنفسكم بأيديكم، وتذلّون أنفسكم لغيركم، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة!! لرُبَّ موقف له في المسلمين كريم، لقد رأيُته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم خيول المسلمين[123].

  1. يحيى بن هاني بن عروة

الشهيد بن الشهيد، أبو داود يحيى بن هاني بن عروة المرادي المذحجي. نص الشيخ علي النمازي الشاهرودي ـ في مستدركات علم الحديث ـ على أنّه من الشهداء، حيث ذكره تحت التسلسل 16285، وقال: «يحيى بن هاني بن عروة المرادي من شهداء الطف، كما ذكره العلّامة المامقاني»[124].

وذكره المحلّاتي في فرسان الهيجاء[125]، وذكره ابن الأثير في أُسد الغابة[126]، وذكره ابن حجر في الإصابة، إلّا أنّه قال: تابعي صغير أرسل شيئاً فذكره ابن شاهين في الصحابة..[127]. وذكره التستري فقال: ثمّ من الغريب! أنّ أُسد الغابة عدّه في أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله..[128].

أقول: وما هو وجه الغرابة في أن يكون يحيى من الصحابة؛ إذ إننا سمعنا في ترجمة والده ـ المتقدمة ـ أنّه بلغ الثامنة والتسعين يوم شهادته[129]، في عام 60 هـ، وعليه تكون ولادته حوالي 38 قبل الهجرة؛ فيكون عمره يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله 48 سنة تقريباً، فما الضير في أن يكون له ولد يتراوح عمره بين 1ـ30؟ على أنّنا لا يوجد لدينا تاريخ يضبط ولادة يحيى، ثم إنّ كنية هاني أبو يحيى؛ ممّا يدل على أنّ يحيى أبنه الأكبر، وعليه فنحن لا نرى أيّ وجه للغرابة التي ذكرها التستري. على أية حال فإنّ يحيى كوالده عين من عيون الكوفة ومن أبرز شخصياتها.

قال ابن حجر في ترجمة يحيى في الإصابة: «قال أبو حاتم الرازي: ثقةٌ صالحٌ، من سادات أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، وقال يحيى بن بكير عن شعبة: كان سيّد أهل الكوفة في زمانه، وثقه النسائي وغيره، وحديثه في السنن الثلاثة»[130].

وفي هامش الفوائد الرجالية: «لما قُتِلَ هاني مع مسلم بن عقيل فرَّ ابنه يحيى واختفى عند قومه خوفاً من ابن زياد لعنه الله، فلّما سمع بنزول الحسين عليه السلام بكربلاء جاء وانظمّ إليه ولزمه إلى أن شبَّ القتال يوم الطف، فتقدّم وقتل من القوم رجالاً كثيرة، ثم نال شرف الشهادة»[131].

ويبدو أنه استُشهد في الحملة الأُولى؛ لأنّه لم تُذكَر له مبارزة فردية، ولم يُذكَر له رجز سوى ما ذكره بعض المعاصرين، ولم نعثر عليه في أُمهات المصادر والمراجع[132].

ثالثاً: تراجم الصحابة الذين استُشهدوا بعد واقعة الطف

وهم كما تقدّم اثنان: سليمان بن صُرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة:

1ـ سليمان بن صُرد الخزاعي

أبو مطرف سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس بن حرام بن حبيشة بن سلول بن كعب الخزاعي. قال: كان اسمه يسار فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله سليمان[133]، وقد نصّ جمعٌ من العلماء على أنّه صحابي ممّن رأى النبي وسمع حديثه وروى عنه، منهم: ابن حجر في الإصابة[134]، وابن الأثير في أُسد الغابة[135]، وابن سعد في الطبقات الكبرى[136]، والطوسي في رجاله[137]، والتفرشي في نقد الرجال[138]... وغيرهم.

دور سليمان في النهضة الحسينية

يُعتَبر سليمان من أبرز وجوه الشيعة في الكوفة، وعليه عندما هلك معاوية اجتمع القوم في داره، فقام فيهم خطيباً فقال: «إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه. قالوا: لا، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه. قال: فاكتبوا إليه». فكتبوا إليه عليه السلام كتابهم المعروف، ويتصدّر كتابهم اسم سليمان بن صرد[139].

ومن ذلك نتبيّن أهمية ومقام سليمان؛ إذ إنّه أوّل مَن فتح داره لاستقطاب الشخصيات البارزة في الكوفة لبلورة موقفٍ تجاه السلطة الظالمة ورفض الحسين عليه السلام بيعة يزيد، وبالوقت نفسه تُبين الوثيقة المرسَلة أنّ سليمان كان على رأس المخاطبين للحسين عليه السلام.

ولكن بعد ذلك يختفي اسم سليمان من مجمل الأحداث، الأمر الذي يدعو للاستغراب والتساؤل، فأين كان سليمان حين دخل مسلم بن عقيل الكوفة وبايعه القوم؟ وأين هو لحظة انتفاضة مسلم ولحظة استشهاده؟

والذي يبدو ابتداءً أنّ ابن مرجانة أراد أن يستبق الأحداث فيضرب ضربته قبل أن تفلت زمام الأُمور من يده، فبمجرّد أن وصل الكوفة شنَّ حملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة؛ الأمر الذي دعا مسلم لأن يغيِّر مقرّ إقامته ويتكتّم على دعوته بعد أن كانت علنيةً. وانطلاقاً من هذا الإجراء، فإنّ أبرز شخصية يجب أن يطالها الاعتقال هو سلميان بن صرد الخزاعي بناءً على البيانات السابقة، حيث قلنا: بأنّ داره كانت مقرّاً لحركة المعارضين، وهو على رأس المراسلين للإمام الحسين عليه السلام.

وإذا افترضنا أن ابن مرجانة لم يقم باعتقال سليمان بمجرّد وصوله الكوفة، فالأقرب أنّه اعتقله بعد فشل حركة مسلم واستشهاده وإعدام هاني. وقد صرَّح بهذا عدد من الباحثين والمحقّقين[140].

والذي نستقربه هو أنّ اعتقال سليمان بن صرد الخزاعي كان قبل استشهاد مسلم وبمجرّد وصول عبيد الله إلى الكوفة؛ لأنّه كان من أبرز وجوه الشيعة ولولب الحركة الشيعية في الكوفة، فهو شيخ الشيعة[141] وسيد أهل العراق ورأسهم[142]، ومن داره بدأ التحرّك الشيعي باتجاه دعوة الحسين عليه السلام، وهو ما يفسِّر لنا اختفاء اسمه نهائياً في كل تفاصيل الأحداث.

ثمّ إنّ ابن زياد بعد قتل مسلمٍ وهانئ قام بإعدام جماعة من رموز الشيعة في الكوفة، منهم: عبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي، والعباس بن جعدة الجدلي، وعبد الأعلى بن يزيد الكلبي، وعمارة بن صلخب الأزدي، ومحمد بن كثير الأزدي وولده، وميثم بن يحيى التمار، وعبيد الله بن الحارث بن نوفل الهمداني وغيرهم[143]. واستمر ابن مرجانه في غيّه يقتل ويعتقل أعيان الشيعة والمخلصين لأهل البيت من المؤمنين والمسلمين، ويحكمهم بالنار والحديد، حتى هلك الطاغية يزيد بن معاوية.

وتُشير بعض النصوص التاريخية إلى أنّ فكرة الطلب بدم الحسين عليه السلام كانت قد وُلِدَت في الكوفة مباشرة بعد واقعة الطف، فقد ذكر الطبري أنّ كبار الشيعة خمسة ـ هم: سليمان بن صرد الخزاعي، المسيب بن نجبة الفزاري، عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، عبد الله بن وال التميمي، رفاعة بن شداد البجلي ـ كانوا يجتمعون سرّاً في دار سليمان بن صرد الخزاعي، وتبلورت عن تلك الاجتماعات تأمير سليمان والعمل على جمع العُدة والعدد ثم التربص وانتظار اللحظة المناسبة للثورة.

ثم ذكر الطبري اجتماع هؤلاء الخمسة وتوليتهم الأمر لسليمان بن صرد، فقال سليمان حينها: «أمّا بعد، فإنّي والله، لخائف ألا يكون آخرنا إلى هذا الدهر الذي نكدت فيه المعيشة، وعظمت فيه الرزية، وشمل فيه الجور أُولي الفضل من هذه الشيعة لما هو خير، إنّا كنّا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلّما قدموا ونينا وعجزنا، وأدهنّا وتربّصنا، وانتظرنا ما يكون، حتى قُتل فينا ولدينا ولد نبيّنا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يُعطاه، اتخذه الفاسقون غرضاً لِنبل، ودرية للرماح، حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه، ألا انهضوا فقد سخط ربّكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتى يرضى الله، والله، ما أظنّه راضياً دون أن تناجزوا مَن قتله أو تبيروا، ألا لا تهابوا الموت، فوالله، ما هابه امرؤ قط إلّا ذل، كونوا كالأُولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيّهم إنّكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم، فما فعل القوم؟ جثوا على الرُكب والله، ومدوا الأعناق ورضوا بالقضاء حتى حين علموا أنّه لا ينجيهم من عظيم الذنب إلّا الصبر على القتل، فكيف بكم لو قد دُعيتم إلى مثل ما دعا القوم إليه؟ أشحذوا السيوف، وركبوا الأسنة، وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل، حتى تدعوا حين تدعوا وتستنفروا...»[144]. إنّ هذا النص ليؤكِّد أنّ سليمان إمّا أن أُطلق سراحه بعد مصرع الحسين عليه السلام إن كان معتقلاً، أو رفعت عنه الإقامة الجبرية إن كانت كذلك.

قال الطبري: «فلم يزالوا كذلك وفي ذلك حتى مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة 64... فجاء إلى سليمان أصحابه من الشيعة، فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر الآن ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث فأخرجناه من القصر، ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته، ودعونا الناس إلى أهل هذا البيت المستأثر عليهم المدفوعين عن حقّهم... فقال لهم سليمان بن صرد: رويداً لا تعجلوا، إنّي قد نظرت فيما تذكرون فرأيت أنّ قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة، وفرسان العرب، وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون وعلموا أنّهم المطلوبون كانوا أشد عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنّهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم، ولم يشفوا أنفسهم، ولم ينكوا في عدوهم، وكانوا لهم جزراً، ولكن بثّوا دعاتكم في المصر، فادعوا إلى أمركم هذا شيعتكم وغير شيعتكم... ففعلوا وخرجت طائفة منهم دعاة يدعون الناس فاستجاب لهم ناس كثير بعد هلاك يزيد بن معاوية أضعاف مَن كان استجاب لهم قبل ذلك»[145]، حتى بلغ عددهم ستة عشر ألف، إلّا أنّ رفض المختار للهدف الذي سعى له سليمان وأصحابه[146] أضعف الحركة، فانتهت إلى القيام بأربعة آلاف.

قال البراقي: «ثمّ قام سليمان في أصحابه فقال: أيّها الناس، مَن كان خرج يريد بخروجه وجه الله والآخرة فذلك منّا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيّاً وميّتاً، ومَن كان إنّما يريد الدنيا فوالله، ما يأتي فيئ نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان الله... فتنادى أصحابه من كل جانب: إنّا لا نطلب الدنيا وليس لها خرجنا، إنّما خرجنا نطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت رسول الله نبيّنا صلى الله عليه وآله. ثم ساروا حتى انتهوا إلى قبر الحسين عليه السلام، فلمّا وصلوا صاحوا صيحة واحدة، فما رؤي أكثر باكياً من ذلك اليوم... وزادهم النظر إليه حنقاً، ثم ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودّع له، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود، ثم ساروا على الأنبار حتى وصلوا إلى عين الوردة، وأقبل أهل الشام في عساكرهم وعلى رأسهم عبيد الله بن زياد، فوقعت هناك مقتلة عظيمة قُتِلَ فيها سليمان بن صرد وأصحابه، ولم ينجُ منهم غير رفاعة بن شداد ونفر يسير عادوا إلى الكوفة، وكان قتل سليمان وأصحابه في شهر ربيع الآخر»[147]. فرحم الله سليمان بن صرد الخزاعي وإخوانه الذين مضوا على درب الإمام الحسين عليه السلام.

2ـ المسيب بن نجبة

المسيب بن نجبة ـ بفتح النون والجيم ـ بن ربيعة بن رجاح بن عوف بن هلال بن شمخ بن فزارة الفزاري. ذكره ابن حجر في الإصابة تحت التسلسل 8442[148]. وذكره الزركلي في الأعلام فقال: «كان شجاعاً بطلاً، قال زفر بن الحارث في وصفه: فارس مضر الحمراء كلّها، إذا عُدّ من أشرافها عشرة كان أحدهم، وكان متعبّداً ناسكاً»[149]. وذكره ابن سعد في الطبقات فنص على أنّه شهد القادسية، وأنّه من رجال علي في حروبه الثلاثة الجمل وصفين والنهروان[150].

كان المسيب أحد الزعماء الخمسة لجحافل التّوابين ـ كما مر في ترجمة سلميان بن صرد ـ وهو المرشَّح لقيادتهم فيما لو أُصيب سليمان، حيث أوصاهم: إن أنا قُتِلْت فأميركم المسيب بن نجبة، فلَما قُتِلَ سليمان أخذ الراية المسيب، وترحَّم على سليمان، ثمّ تقدّم للقتال، وكرَّ على القوم وهو يرتجز:

            قد علمت ميالة الذوائب

إنّي غداة الروع والتغالب

                        واضحة الخدين والترائب

أشجع من ذي لبدة مواثب

 

 

 

ولم يزل يقاتل حتى قُتِل[151].

وكان جيش التّوابين يقرب من أربعة آلاف أُبيدوا بأجمعهم إلّا قليل، ولم ينجُ من قادتهم الخمسة سوى رفاعة بن شداد.

ولمّا وضعت الحرب أوزارها، أمر عبيد الله بن مرجانة بقطع رأس سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وبعث بهما إلى مروان بن الحكم[152] بالرغم من أنّ أربعة من الخمسة صُرِعُوا في عين الوردة، وما ذاك إلّا لرمزية هذين  الرأسين.

هذا تمام الكلام في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الأحد عشر الذين استُشهدوا في النهضة الحسينية، رضي الله عنهم وأرضاهم وحشرهم مع محمد وآله الطاهرين.

 

الكاتب: الشيخ عبد الرزاق النداوي

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد السابع

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

_______________________________________

[1]     اُنظر: ابن منظور،  محمد بن مكرم، لسان العرب: ج7، ص286.

[2]     اُنظر: الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين: ج2، ص584.

[3]     الكهف: آية 76.

[4]     القمر: آية 29.

[5]     الكهف: آية 37.

[6]     الأعراف: آية 184.

[7]     الفيل: آية 1.

[8]     آل عمران: آية 144.

[9]     البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج4، ص110.

[10]    الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين: ج4، ص464.

[11]    القزويني، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة: ج2، ص1366.

[12]    الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج10، ص85.

[13]    المصدر السابق: ج8، ص285.

[14]    الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج20، ص138. واُنظر أيضاً: المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين، كنز العمال: ج11، ص166. الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين: ج1، ص234.

[15]    اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج1، ص331.

[16]    روى قصته كثير من المؤرخين. اُنظر: الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال: ص262.

[17]    اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج1، ص271. ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج14، ص224. القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة لذوي القربى: ج3، ص8.

[18]    اُنظر: الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام: ج1، ص233.

[19]    السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص221.

[20]    المصدر السابق: ص157.

[21]    المصدر السابق: ص133.

[22]    مصدر سابق: ج4، ص52، الهامش.

[23]    ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة: ج5، ص439.

[24]    قائد حركة التوابين.

[25]    اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص234.

[26]    المصدر السابق: ج6، ص445.

[27]    نص على ذلك جمع من الأعلام، منهم: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج2، ص351.

[28]    اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص125.

[29]    اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص180.

[30]    المصدر السابق: ج2، ص180.

[31]    ذكره ابن حجر تحت التسلسل 6439 فقال: «عروة بن نمران بن عمرو بن فعاس بن عبد يغوث بن محدش بن عصر بن غنى بن مالك بن عوف بن منبه بن غطيف المرادي، ثم الغطفي، له إدراك وكان ابنه هانئ بن عروة من رؤساء أهل الكوفة». اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج5، ص96.

[32]    المصدر السابق: ج2، ص180.

[33]    حصبه بالحصى أي: رماه بها.

[34]    اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص182. السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ج2، ص140.

[35]    من أمثال العرب، قاله الحرب بن جبلة الغساني لما ظفر بالحرث، ويروى بالحاء المهملة، هكذا: أتتك بحائن رجلاه تسعى، والحائن هو الهالك.

[36]    يُشير بذلك إلى شفاعة زياد والد عبيد الله عند معاوية لعروة والد هاني حين اقتيد مع حجر بن عدي.

[37]    اُنظر: المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب: ج3، ص69.

[38]    المصدر السابق: ج3، ص69.

[39]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص178.

[40]    اُنظر: الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبيين: ص71. المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص64.

[41]    اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص331.

[42]    اُنظر: العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص445.

[43]    اُنظر: بحر العلوم، مهدي، الفوائد الرجالية: ج4، ص64.

[44]    اُنظر: الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين عليه السلام: ج1، ص293.

[45]    اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص322.

[46]    اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333. وذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة تحت التسلسل 5312، وقال: «ذكره المستغفري في الصحابة». ج4، ص328.

[47]    اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333.

[48]    المصدر السابق.

[49]    الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج4، ص508.

[50]    اُنظر: ابن الأثير، عز الدين علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج1، ص132.

[51]    اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج1، ص270.

[52]    اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص21.

[53]    شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص83.

[54]    اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج1، ص59.

[55]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص305. إلّا أن السيد الأمين قال: «ولو كان شهد بدراً وحنيناً لما أغفل ذلك أصحاب كتب الصحابة». اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج3، ص500.

[56]    اُنظر: السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص74.

[57]    الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص225.

[58]    اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص83.

[59]    اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص553.

[60]    الحلي، الحسن بن علي بن داود، كتاب الرجال: ص70.

[61]    اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص553.

[62]    المصدر السابق: ج4، ص554.

[63]    بالتاء المثناة قبل الياء وبعدها.

[64]    اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج2، ص142.

[65]    فهو يوم توفّي النبي صلى الله عليه وآله له من العمر خمس عشرة سنة تقريباً.

[66]    اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص75.

[67]    الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج5، ص201.

[68]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص270.

[69]    الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف بـرجال الكشي: ج1، ص293.

[70]    اُنظر: المصدر السابق: ص63.

[71]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص264.

[72]    اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج1، ص124.

[73]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص229.

[74]    اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص554.

[75]    نص المقرّم على أنهم تسعون رجلاً. اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص252.

[76]    اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج4، ص554.

[77]    اُنظر: المصدر السابق.

[78]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص262.

[79]    المصدر السابق: ص270.

[80]    الأحزاب: آية23.

[81]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص291.

[82]    اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص335.

[83]    اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص295.

[84]    اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص335.

[85]    اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص160.

[86]    الطوسي، محمد بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف بـرجال الكشي: ج2، ص764.

[87]    اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص109.

[88]    اُنظر: السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص116.

[89]    المصدر السابق: ص117.

[90]    اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص109.

[91]    اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص117.

[92]    ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج3، ص307.

[93]    اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج4، ص276.

[94]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص321.

[95]    العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج5، ص107.

[96]    المصدر السابق: ج5، ص107.

[97]    ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، اللباب في تهذيب الأنساب: ج2، ص40.

[98]    المصدر السابق.

[99]    السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص100.

[100]   اُنظر: الجلالي، محمد رضا، الإمام الحسين عليه السلام سماته وسيرته: ص159.

[101]   الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير: ج3، ص105.

[102]   اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص114.

[103]   اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص80.

[104]   اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص125.

[105]   الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج7، ص414.

[106]   اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج1، ص612.

[107]   اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص107ـ  108.

[108]   اُنظر: شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص125.

[109]   الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج7، ص222.

[110]   اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص90. ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج4، ص364.

[111]   اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص105.

[112]   اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص324.

[113]   اُنظر: السماوي، محمد بن طاهر، إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام: ص80.

[114]   الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص271.

[115]   المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص175.

[116]   اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص318.

[117]   المصدر السابق.

[118]   يعني يزيد عليه اللعنة والعذاب.

[119]   الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص331.

[120]   ابن أعثم، أحمد، الفتوح: ج5، ص106.

[121]   اُنظر: المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص104.

[122]   اُنظر: المقرّم، عبد الرزاق، مقتل الحسين عليه السلام: ص291.

[123]   المصدر السابق: ج4، ص332.

[124]   الشاهرودي، علي النمازي، مستدركات علم رجال الحديث: ج 8، ص239.

[125]   اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص190.

[126]   ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج5، ص102.

[127]   اُنظر: العسقلاني، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص559.

[128]   اُنظر: التستري، محمد تقي، قاموس الرجال: ج11، ص84.

[129]   اُنظر: بحر العلوم، مهدي، الفوائد الرجالية: ج4، ص27.

[130]   اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج6، ص559.

[131]   بحر العلوم، محمد مهدي، الفوائد الرجالية: ج4، ص52.

[132]   ذكر المحلاتي أنّه ارتجز بقوله:

            أغشاكم ضرباً بحد السيف

بقدرة الرحمن ربّ الكيف                  لأجل مَن حلَّ بأرض الخيف

أضربكم ضرباً بغير حيف

 

 

 

اُنظر: المحلاتي، ذبيح الله، فرسان الهيجاء في تراجم أصحاب سيد الشهداء: ج2، ص190.

 

[133]   اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج3، ص144.

[134]   المصدر السابق.

[135]   ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، أُسد الغابة في معرفة الصحابة: ج2، ص351.

[136]   اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج4، ص292.

[137]   اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، رجال الطوسي: ص94.

[138]   اُنظر: التفرشي، مصطفى بن الحسين، نقد الرجال: ج2، ص365.

[139]   اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص261.

[140]   اُنظر: عابدين، محمد علي، مبعوث الحسين عليه السلام: ص236. القرشي، باقر شريف، حياة الشهيد الخالد مسلم بن عقيل: ص184. البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333. الجميلي، علي إبراهيم عبيد، مسلم بن عقيل ـ دراسة تاريخية: ص265.

[141]   اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج7، ص31.

[142]   اُنظر: الدينوري، أحمد بن داود، الإمامة والسياسة: ج1، ص141.

[143]   اُنظر: عابدين، محمد علي، مبعوث الحسين عليه السلام: ص237. واُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص333.

[144]   الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص426.

[145]   المصدر السابق: ج4، ص432.

[146]   وهو الشهادة والتضحية.

[147]   اُنظر: البراقي، حسين بن أحمد، تاريخ الكوفة: ص344.

[148]   اُنظر: العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة: ج 6، ص234.

[149]   اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج7، ص226.

[150]   اُنظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى: ج6، ص216.

[151]   اُنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة: ج10، ص125.

[152]   اُنظر: الأمين، محسن، أصدق الأخبار: ص29.