×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

شعرية التناص في الرثاء الحسيني عند السيد حيدر الحلِّي

د.وسام حسين جاسم العبيدي

 

إذا ما أردنا أنْ نستجلي ملامح التناص في شعر الرثاء الحسيني عند السيد حيدر الحلي، ــ ممَّا يُعلي مناسيب (الشعريَّة) في نصوصه ــ، فلا بُدَّ من الالتفات إلى أنَّ صلته (الثقافية) بمن سلف من شعراء العربية الكبار، ولاسيَّما صلته بالشريف الرضي وتلميذه مهيار الديلمي، عبر اطِّلاعهِ على شعرهما بمختلف موضوعاته، كانت سببًا وجيهاً لتأثُّر الحِلِّي بشعرهما، ممَّا تمظهر في نصوصه الرثائيَّة في الحسين، ناهيك عن غيرها التي لا تصبُّ في دائرة الرثاء الحسيني، وهذا ما أكَّده الدكتور محمد مهدي البصير في كتابه (نهضة العراق الأدبية في القرن الثالث عشر للهجرة) (ص53) بقوله: ( (فما أظنُّ أنَّ للرضيِّ أو لتلميذهِ مهيار بيتاً واحداً لم يقرأه حيدر الحلي ولم يفهمه فهماً كُلِّياً))، فقد ألَمَّ السيد حيدر الحلي بكثيرٍ من معاني الشريف الرضي وأودعها في قصائدهِ بقوالبَ من الألفاظ التي رُبَّما تكونُ – أحياناً ـــ أقوى وأجزلَ من الأصل كما يرى اليعقوبي في (البابليات:2/157), ومن تلك الشواهد ما يأتي:

1 – قال السيد حيدر الحلي:

لتُلقِ الجيادُ السابقاتُ عنانَها   ***   فليس لها بعد الحسينِ مصرّفُ

وهذا البيت يُومِئُ ــ لمن يتأمل فيه ــ إلى بيت الشريف الرضي:

وَدَعي الأَعِنَّةَ مِن أَكُفِّكِ إِنَّها   ***   فَقَدَت مُصَرِّفَها لِيَومِ مَغارِ

وقال السيد حيدر:

عهدي بهم قُصُرُ الأعمارِ شأنُهُمُ   ***   لا يهرُمُونَ وللهيَّابةِ الهَرَمُ

وهذا المعنى قد أتى الشريف الرضيُّ عليه في إحدى قصائده، وهو قوله:

إِنَّما قَصَّرَ مِن آجالِنا   ***   أَنَّنا نَأنَفُ مِن مَوتِ الهَرَمْ

3 – قال السيد حيدر مُستنهِضًا الإمام الغائب محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام)، مُتكلِّمًا باسم جماعة المُسلمين الذين ذاقوا الويل والثبور على أيدي الظالمين من الولاة:

عَجَجْنا إِليكَ مِنَ الظالمينَ   ***   عجيجَ الجِمالِ من الناحرِ

وصورة الجمال المذعورة من ناحرها تُذكِّرنا بصورة الجمل المُتأوِّه ألماً بعد أن أمكن ناحره منه في قول الشريف الرضي:

مُتَأَوِّهاً تَحتَ الخُطـــــــــــوبِ تَأَوُّهَ الجَمَلِ العَقيرِ

ولا يمكن أن ننكر تأثُّر الأثنين معاً ــ السيد حيدر والشريف الرضي ــ بالتراث الشعري القديم، فقول السيد حيدر (عجيج الجمال) إنَّما وردت في شعر العصر الجاهلي، وهو قول الحارث بن عبّاد:

أَصبَحَت وائِلٌ تَعِجُّ مِنَ الحَـــــــــربِ عَجيجَ الجِمالِ بِالأَثقالِ   

4 – قال السيد حيدر الحِلِّي في ميميَّته الآنفة الذكر شاكياً إلى الإمام الغائب طول غيابه عن المسلمين وهُم بأَمَسِّ الحاجة إليه:

الخيلُ عندك ملَّتها مرابطها   ***   والبيضُ منها عَرى أغمادَها السأمُ

وهذا ما نجدهُ في شعر الرضيِّ، إذ قال:

إِنَّ الجِيادَ عَلى المَرابـــــــــــِطِ تَشتَكي طُولَ الجَمَامِ

والمتأمِّل يرى أنَّ تناول السيد حيدر للمعنى أكثر دقَّةً من تناولِ الرضيِّ، فقد نسب الملل والتذمر من قعود الخيل إلى المرابط نفسها، وهذا يعني أنَّ دبيب الملل قد سرى من الخيل إلى المرابط التي هي بحُكم الجمادات، وقد سكت الشاعر عن شكوى الخيل من ملل سكناها في المرابط إشعاراً بعظيم شكواها؛ لأنَّ السكوت أبلغ كما يُقال.

5 – قال السيد حيدر:

غداةَ أبو السجَّادِ جاءَ يقودُها   ***   أجادَلَ للهيجاء يحمِلْنَ أنسُرَا

وهو تشبيهٌ لأنصار الإمام الحسين بالنسور التي تحملها الصقور، وهذا ما يشي بتوظيف جميل لبيت الشريف الرضي، وهو قوله:

بِضَوامِرٍ مِثلِ النُسورِ وَغِلمَةٍ مِثلِ الصُقورِ

والسبب الذي أراه كفيلاً بجمالية الصورة التي اشتقَّها السيد حيدر من الصورة الأصل التي رسمها الرضي؛ أنَّ الأخير شبَّه الخيل (الضوامر) بالنسور، والفرسان بالصقور، في حين أنَّ السيد حيدر قلب الصورة، فشبَّه الخيل بالصقور تحمل الفرسان الذين شبَّههم بالنسور؛ وذلك لأنَّ النسر يُعدُّ زعيم الطيورِ كلِّها، أو كما لُقِّبَ بـ (عريف الطير)، فهو أجدر – من باب التشبيه - أن يكون هو الراكب والصقر هو المركوب، وهذا ما كان عليه في النص الحيدري.

6 – وقال السيد حيدر واصفًا صاحبي الإمام الحسين في المعركة: فرسه وسيفه:

وله الطِرْفُ حيثُ سارَ أنيسٌ   ***  ولهُ السيفُ حيثُ باتَ ضَجيعُ

وهذا الوصف مُقارِبٌ لوصف الشريف الرضي نفسه بقوله:

إِذا راقَ صُبحٌ فَالحِصانُ مُصاحِبٌ   ***   وَإِنْ عاقَ لَيلٌ فَالحُسامُ ضَجيعُ

وبحسب رأي الباحث إنَّ وصف السيد حيدر أكثر شعريَّةً من الصورة الأصل التي رسمها الشريف الرضي؛ وذلك لأنَّ السيد حيدر أضفى عليها ما يتناسب ومقام الإمام المعصوم، فاقتصد بذكر صفة حصانه (الطرف) وهي من الصفات التي تنفرد بها الخيل الكريمة الأصل، حيث تكون حادَّةً في النظر وهذا يدُلُّ على فرط حساسيَّتها وذكائها، ولم يكتف بذلك بل جعله يضطلع بدور (الأنيس) الذي لا يُملُّ من صحبته، أما سيفه فهو الضجيع الذي يبيتُ معه حيثما يبيتُ صاحبه، بخلاف صورة الرضي التي افتقدت حرارة الوصف بذكر (الحصان) من دون أي صفةٍ تدلُّ على نجابته، وكذلك بوصفه إياه بـ (الصاحب)، ومعلومٌ أنَّ الصحبة لا تعني إضافة أيِّ مزية تشريفية سوى أنَّها تدلُّ على المرافقة، ولعلَّ السيد حيدر بوصفه فرس الإمام بالصاحب الأنيس، أراد التناص مع المتنبي، ولكن بتحطيمه الثنائيَّة التي ذكرها الأخير في بيته الشهير:

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ   ***   وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

إذ تحقَّقَ الأنس في أعزِّ مكانٍ – بحسب المتنبي- مع الإمام الحسين الذي تنكَّر له الكثير ممَّن ادَّعى الإسلام في عصره، فتركوه وحيداً غريباً يُلاقي أعداءه الذين ينتمون إلى دين جدِّه بحسب ظاهرهم.

7 – وكذلك قول السيد حيدر من القصيدة العينية الآنفة الذكر:

عجباً للعيون لم تغْدُ بيضاً   ***   لمصابٍ تحمرُّ فيه الدموعُ

وهذا المعنى يتواشج مع قول الشريف راثياً أبا إسحاق الصابي:

سَوَّدتَ ما بَينَ الفَضاءِ وَناظِري   ***   وَغَسَلتَ مِن عَينَيَّ كُلَّ سَوادِ

وفي بيت السيد تجد أنَّ العيون لم تزل سوداً على هذا المصاب الجلل الذي احمرَّت منه آفاق السماء فضلاً عن احمرار الدموع حين تُذرَفُ عليه من شِدَّة البكاء المُستمرِّ، أما وصف الشريف، فكان على نطاق مشاعره الشخصيَّة إزاء المفقود، وشتَّان بين المفقودين، لذا حُمِدَ احمرارُ الدمع، بل أكثر من ذلك حين تغدو العيون بيضاً حُزناً على فقد خامس أصحاب الكساء المعصومين، كما بكى يعقوب النبي على ابنه يوسف الصديق (عليهما السلام) حسب ما جاء في القرآن الكريم فقال تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [سورة يوسف، من الآية: 84].

8 – ومن شعر السيد حيدر الذي حل التناص فيه - ظاهريّاً- مع شعر الشريف الرضي قوله:

تباريحُ أعطينَ القلوب وجيبَها   ***   وقلنَ لها قومي من الوجد واقعدي

إذ جاء مقارِباً قول الشريف:

قَذَفوكَ في غَمّائِها وَتَباعَدوا   ***   عَنها وَقالوا قُم لِنَفسِكَ وَاِقعُدِ

وكذلك من تناصات السيد التي يراها المتأمِّل أنَّها لم تتفوَّق على الصورة الأصل، قوله:

إنْ دُعُوا خفُّوا إلى داعي الوغى   ***   وإذا النادي احتَبى كانوا ثِقالا

وهذا المعنى بهذه الألفاظ جاء في قول الشريف:

وَتُرى خِفافاً في الوَغى فَإِذا اِنتَدَوا   ***   وَتَلاغَطَ النادي رَأَيتَ ثِقالا

وبحسب رأي الباحث أنَّ السيد حيدر في هذين التناصين الأخيرين لم يضف شيئاً جديداً على المعنى، بخلاف التناصات السابقة، ففيها ما بيَّناهُ من إضافات تُحسَبُ لشعريَّة النص لديه.

أمَّا تأثُّرهُ بالشعراء الآخرين سوى الشريف الرضي، فكثيرٌ لا يمكنُ لنا أن نتتبَّع كلَّ تلك الإشارات التناصية في شعره، ومن تلك الأبيات قولُهُ في وصف الإمام الحسين وصحبه الذين وقفوا – على قلة عددهم- سَدّاً يمنع سيل السهام والرماح والسيوف:

فما عبروا إلاَّ على ظهرِ سابحٍ   ***   إلى الموت لمَّا ماجتِ البيضُ أبحُرا

وهذا ما يُذكِّرُنا بقول المتنبي:

أَفرَسُ مَن تَسبَحُ الجِيادُ بِهِ   ***   وَلَيسَ إِلّا الحَديدَ أَمواهُ

أو قوله – أي السيد حيدر- واصفاً جدَّه الإمام المظلوم بُعَيد شهادته:

ومات كريمَ العهد عند شبا القنا   ***   يُواريه منها ما عليه تكسَّرا

وصورة الجسد المُوارى بسلاح العدوِّ المُتكسِّر، تُحيلُنا إلى ما أبدعه الشاعر ابنُ هانئ الأندلسي بقوله:

لا يأكُلُ السِّرحانُ شِلوَ طعينهم   ***   ممَّا عليهِ من القنا المتكسِّرِ

ونلفِتُ أنَّ السيد حيدر كان موفَّقاً جدَّ التوفيق حين اكتفى بصورة السلاح المتكسر الذي وارى جسد الإمام، ولم يذكر الذئاب الكاسرة التي تفترس كلِّ طريحٍ في أرض المعركة؛ لأنَّها على فرض عدم وجود ما يمنعها من الوصول إلى الأشلاء المنطرحة على أرض الواقعة، فإنَّها لا تُقدِمُ على ذلك؛ لمعرفتها بأنَّ لحوم المعصومين من الأنبياء والأئمة قد حُرِّمت عليها تكويناً، فهي تأبى أكل لحومهم، بخلاف أعدائه الذين ابتعدوا عن إنسانيَّتهم بُعد السماء عن الأرض.

وكذلك من شعر السيد حيدر الذي ورد مُعاداً بحُلِّةٍ أبهى، قوله واصفاً بأس الإمام الحسين على أعدائه الطغام:

سدَّ فيهم ثغرَ المنيَّة شهمٌ   ***   لثنايا الثغر المخوف طَلوعُ

ففي هذا البيت توظيفٌ لبيتين سارا مسير الشمس والقمر في كتب الأدب العربي ناهيك عن اقتباسهما عند كثيرٍ من شعراء العربية، فصدر البيت تناصَّ مع بيت العرجي: 

أَضَاعُونِي وأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا   ***   لِيَوْمٍ كريهةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ

وعجز البيت تناصَّ مع قول سحيم الرياحي:

أَنا اِبنُ جَلا وَطَلاعِ الثَنايا   ***   مَتى أَضَعِ العِمامَةَ تَعرِفوني

ومن تناصاته مع النص القُرآني قوله واصفاً شجاعة أنصار الحسين:

جعلت بثغر الحتف من زُبر الضُبا   ***   رَدماً يحوطُ من الردى حُلفاءَها

واستقبلت هامَ الكماة فأفرغَت   ***   قِطْراً على رَدم السيوف دماءَها

ففي هذا البيت تجد إشارة لطيفة إلى قوله تعالى حكاية عن قصة ذي القرنين: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [سورة الكهف: 95 -96]

وهناك من التناصَّات أكثرُ إبداعاً من غيرها ممَّن سلف عرضها؛ إذ تقف على الصورة الكُلِّية في مجموعة من الأبيات الشعرية من دون قرض أيٍّ من مفرداتها، ثمَّ يُعيد الشاعر - بفعل تأثُّره بتلك الصورة- رسم ذلك المشهد بأسلوبه، ولكن يبقى فيه رسيس أثرٍ لا يهتدي إليه القارئ من خلال كلمات هذا النص، وإنَّما بإدراكه المعاني الكُلِّية لتفاصيل ذلك المشهد، فيربط هذا بذاك ذهنِّياً، وهذا – بحسب رأي الباحث - أروع التناصَّات وأبدعها، ومن الأمثلة على ذلك في شعر السيد حيدر الحلي قوله واصفاً الإمام الحسين في لحظاته الأخيرة:

تزيدُ الطلاقةُ في وجهِهِ   ***   إذا غيَّر الخوفُ ألوانَها

ولمَّا قضى للعُلى حقَّها   ***   وشيَّد بالسيف بُنيانَها

ترجَّل للموت عن سابقٍ   ***   له أخلت الخيلُ ميدانَها

ثوى زائدَ البِشر في صرعةٍ   ***   له حبّبَ العزُّ لُقيانَها

وهذا المشهد الذي يُعدُّ أكثرَ مأساوية في مشاهد واقعة الطف، جعله الشاعر أكثر المشاهد عُنفواناً وبطولةً، حتى يُخيَّل للقارئِ أنَّ الشاعر ليس بصدد رثاء الإمام؛ لما فيه من بثٍ لمعاني البهجة والفرح بالانتصار الساحق، وهذا يستدعي تلك المرثية العظيمة التي غرَّدت خارج سرب القصائد الرثائية في الشعر العربي القديم، التي قالها أبو تمام (ت 231ه) في مُحمَّد بن حُميد الطوسي، ومنها:

وقد كان فوتُ الموت سهلاً فرَدَّهُ   ***   إليه الحفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ

ونفسٌ تعافُ العارَ حتَّى كأنَّهُ   ***   هو الكفرُ يومَ الروعِ أو دونَهُ الكُفْرُ

فأثبتَ في مُستنقعِ الموتِ رجلَهُ   ***   و قال لها من تحت أخمُصِكِ الحشْرُ

تردَّى ثيابَ الموتِ حمُراً فما أتى   ***   لها الليلُ إلا و هي من سُنْدسٍ خُضْرُ

وكذلك في قوله في إحدى مرثيَّاته للإمام الحسين موجِّهاً اللوم لقومه على إيثارهم السلامة والعافية، واكتفائهم بذرف الدموع ولطم الصدور، بدلاً من القيام بالسيف في وجه الولاة الظالمين وأخذ الحقوق التي لا تُنال إلا بالتضحيات الجسام:

أَفَلطماً بالراحتينِ؟ فهلَّا   ***   بسيوفٍ لا تتقيها دروعُ

وبكاءً بالدمع حزناً فهلاّ   ***   بدم الطعن والرماح شروعُ

وصورة المواساة (النمطيَّة) التي يرفض الشاعرُ ركونَ قومِهِ إليها، إنَّما يُذكِّرنا بتلك المواساة (الثوريَّة) التي نقلتها كتب الاختيارات الشعرية عن عامر بن عمارة المُرّي المُكنّى بأبي الهيذام (ت: 182ه) يرثي أخاه:

سأبكيكَ بالبِيْضِ الرِّقاقِ وبالقَنا   ***   فإنَّ بها ما يُدرِكُ الطالبُ الوِتْرا

ولستُ كَمَنْ يبكي أخاهُ بِعَبْرةٍ   ***   يُعصِّرُها مِنْ ماءِ مُقْلَتِهِ عَصْرَا

ولَكَنْ أُرَوِّي النَفْسَ مِنِّي بِغَارَةٍ   ***   تَلهَّبُ فِي قطري كتائبُها جمرا

وإنَّا أناسٌ لا تفيضُ دموعنا   ***   على هالكٍ منّا وإن قصم الظهرا

وغير ذلك من الشواهد الكثيرة في شعر السيد حيدر التي إنْ دلَّت على شيء فإنَّما تدلُّ على اغترافه من الموروث الشعري القديم، وتمثُّله له بطرائق متنوِّعة تثبت براعتهُ في نظم الشعر، وهذا ممَّا يُحسَبُ له، وهذا الأمر الذي نثبتهُ للشاعر يُشكّل تضعيفاً لوجهة نظر بعض الباحثين لشعر السيد حيدر - ومنهم الدكتور علي عباس علوان في كتابه (تطور الشعر العربي في العراق – اتجاهات الرؤية وجماليات النسيج ص63) الذي ذهب إلى ( (أنَّ تعامل السيد حيدر مع شعر الشريف ومهيار لا يجيءُ على شكل معارضات لأشهر قصائدهما))؛ والسبب الذي ارتكزت عليه هذه النظرة (المُجحِفة) لشعر السيد حيدر تتجلَّى في ( (قلَّة حظِّه من الجزالة والقُوَّة لا تُمكِّنهُ من مُجاراة النماذج العالية، وإنَّما هو يلقطُ منها أبرز معانيها في بضعة أبيات))، ويبدو لي أنَّ هذا القول لا يمكن قبوله في توظيف الجيد من التراث الشعري، وعدم التقيُّد بمحاكاة النصِّ كلِّه؛ وهذا ما جعل صاحب القول الآنف الذكر يقع في تناقضٍ واضح، إذ يستطرد بعد كلامه الآنف الذكر بقوله في نفس الصفحة: ( (وكثيراً ما ينسى شاعرُ هذا القرن تجربته فيأخذ بالنموذج الموروث حتَّى يُضمِّنَ معظمه في شعره فإذا بالصور والأنغام والقوافي وحروف الرويِّ والتراكيب كما وردت عند الشاعر القديم))، وهذا الكلام لا يمكن أنْ ينطبق على شعر السيد حيدر في ضوء ما قدَّمناه؛ إذ لم نجد محاكاةً حرفيَّةً احتذاها السيد حيدر للشعراء السالفين، فعلامَ - إذن- نتجنَّى على جزالةِ شاعريتهِ؟ وهو الذي بزَّ أقرانه في عصرٍ ازدحم بالشعراء، وكان هو الأبرز بينهم.