×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

فقه الإعلام.. المنبر الحسيني أُنموذجاً

تصدير

الكلمة والكلام والقول، كل أولئك يحتل مكانة مُتميزة في الإسلام، فاعتنى بها عناية فائقة، وجعل لها رقابة ومسؤولية مهمة، فهو مصداق لكل خير أو شر، بحسب استعمال المتكلم أو الكاتب؛ فإنْ كان يدعو إلى الخير والفضيلة فهو خير، وإن كان يدعو إلى الشـرِّ والرذيلة فهو شرٌّ.

ولِعظم أهمية تلك المفردات وخطرها في الإسلام جعل الله عزوجل عليها رقيباً وحسيباً، كما في قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[1].

والكلام عمليّة ربط مضمونات الفكر الإنساني بأصوات ينتجها النطق، وذات دلالات اصطلاحية في البيئة الاجتماعية التي تجري فيها هذه العملية. والأصل في اللغة أن تكون كلاماً ومشافهةً.

ثم إن للكلمة دوراً مهماً وعظيماً في التوعية والإرشاد، وهي العنصر الأساس في الإعلام والتبليغ؛ لأنها أهم وسيلة للتعبير عن أطروحات الفكر النيّر، ونشـر المبادئ السامية والأفكار الخلاَّقة، بل تُعدّ المحور الأبرز، والدعامة الرصينة الفاعلة، التي ترتكز عليها الوسائل الإعلاميّة المختلفة والمتنوعة، على الرغم من تطوُّر مراحلها وتغيّر وسائلها، وتعدُّد أدواتها وسعتها.

كما أن للكلمة ـ وتنوع استخدام الكلام ـ أثراً بارزاً، فهي عنصـرٌ فاعلٌ ومحركٌ في تأجيج الأحاسيس والمشاعر واستيعابها، وبيان ما في القلب والنفس والفكر، فالكلام كما قال الإمام الصادق عليه السلام: (هو إظهار ما في قلب المرء من الصفاء والكدر، والعلم والجهل)[2]. وهو عمليّة ربط مضمونات الفكر الإنساني بأصوات ينتجها النطق، وذات دلالات اصطلاحيّة في البيئة الاجتماعيّة التي تجري فيها هذه العملية. وأما الكتابة، فتُقصد إلى تمثيل الكلام المنطوق بطريقة منظورة، أي أنها تميِّز الكلام الملفوظ[3].

فالكلمة المكتوبة أو المسموعة هي العنصـر الأساس في دائرة الإعلام، وحولها تدور الوسائل الإعلاميّة المختلفة، فهي قناة الارتباط والتفاهم بين صاحب الرسالة أو الإعلاميّ وبين الناس والمتلقين، فينبغي أن تكون الكلمة المُلقاة أو الرسالة المعروضة، سليمة في مبناها، قويّة في معناها، مُحكمة في دلالاتها، وأن يكون صاحبها مؤمناً بما يعرضه متمسكاً به، كما ينبغي أن يتمتَّع بحسن الأُسلوب وقوّة العَرض والإقناع، ويمتلك كفاءة عالية على الاستدلال والبرهان، بعيداً عن الخداع والكذب، والمماطلة والسفسطة الفارغة، التي سرعان ما تكشفها الحقائق، وتظهرها الأيام؛ فيفتضح بين الناس، ويخسـر ثقتهم، وتسقط مكانته من النفوس، فلا يؤخذ عنه ولا يُقبل منه؛ فيسقط اعتباره بينهم، وتهتزّ مصداقيّته عندهم، سواء أكان شخصاً، كالخطيب أو الإعلامي، أم وسيلة إعلامية، كالصحيفة والقناة الفضائية ونحو ذلك.

إنّ الإعلام المسموع أو المقروء مسؤولية دينيّة وأخلاقية، واجتماعية وسياسية، وتربوية وتوعوية، يجب علينا مراعاتها، والحفاظ عليها مهما أمكن ذلك؛ تمهيداً لبناء المجتمع السليم والارتقاء بأبنائه.

كما أنَّ تَعَدُّد وسائل الإعلام وتنوعها، وشيوع وسائل الاتّصال وتطورها، مع إمكانيّة الحصول عليها والوصول إليها بسهولة ويسر، لا سيما في العقدينِ الأخيرين، جعل من هذا العالم الكبير بمثابة قرية صغيرة تتناقل المعلومات بين أطرافه المترامية، ساعة الحدث وعين الواقعة، وتتفاعل الجماهير مع الأحداث بأقصـى سرعة وحين الخبر، وأصبح الجميع مُتلقين مُنشَدّين إلى ما توصله لهم وسائل الإعلام، وما تَبُثّه من معلومات ووثائق، وأحداث ووقائع، وأخبار وصور، حيث أصبحت وسائل الإعلام الحديثة الرفيق القريب والصديق الحميم للمجتمع والأسرة والفرد، على اختلاف طبقاتهم ومستوياتهم الفكريّة والعقائديّة.

وسواء شئنا أم أبينا، لا بد من أنّ إحدى وسائل الإعلام الحديثة قد دخلت بيوتنا، ونازعت بعض خصوصيتنا، وفرضت إرادتها علينا في الجملة، تاركين وراءها، ركائز ثقافتنا وخصوصيتنا وبيئتنا، وربما قلبنا لها ظهر المِجن كما يقال في المثل[4]، بما تحمله هذه الوسائل الإعلاميّة من قدرة على التأثير والإقناع، والتجديد والإبداع، والحرية والانفتاح.

فما هو مفهوم الإعلام؟ وما هي أبرز وسائله وأدواته؟وما هي أهم أغراضه وأهدافه ومقوماته؟وما هي سمات وخصائص الإعلام الإسلامي؟ وما هو الوجه الفقهي للإِعلام في المنظور الإسلامي؟  وما هو دور المنبر الحسينيّ، وأثره الإعلامي في المجتمع الإسلامي أُنموذجاً؟

 وسيكون عرض صورة البحث على نحو الإيجاز والبيان؛ إذ يعتبر هذا البحث كمدخل لدراسةٍ أوسع لفقه الإعلام في المنظور الإسلامي.

 

الإعلام لغةً  واصطلاحاً:

الإعلام في اللغة: يُعبّر عن عدة معانٍ، كمعرفة الشـيء، أو الإخبار ونشـر المعلومات، أو الدعوى والتبليغ.

فلفظة الإعلام مشتقَّة من كلمة علم، ومعناها معرفة الشيء على حقيقته، وأيضاً تأتي الإعلام بمعنى الإخبار، وأعلمْ بالشـيء، أي: أبلغْ عنه وأخبرْ به، ومنه التعليم أي: تبليغ المعلومات وإيصالها.

فهي معانٍ مترادفة لمفهوم انتقال المعلومة وانتشارها في المجتمع من جِهةٍ ما، فرداً أو جماعة أو مؤسسة؛ لِتَكون لغةً للتفاهم والتفاعل، والتواصل والمشاركة بين أفراده، في ضِمن حدودهم الثقافيّة والبيئيّة.

أما في الاصطلاح: فهو: نشر الحقائق والأخبار والأفكار والآراء بين الجماهير بوسائل الإعلام المختلفة، كالصحافة والإذاعة والسينما، والمحاضرات والندوات والمؤتمرات، والمعارض وغيرها؛ وذلك بُغية التوعية والإقناع وكسب التأييد [5].

وقيل: هو مجموعة الوسائل الهادفة إلى تحقيق الاتّصال ونقل المعلومات والمعارف بموضوعيّة، بُغية الإخبار والتوجيه وتشكيل رأي الأمّة إزاء القضايا المطروحة [6].

وهناك معانٍ متعددة أُخر لتعريف وبيان مصطلح الإعلام، حاولنا لملمتها من هنا وهناك؛ لبيان وتوضيح المصطلح بأوسع الدلائل وأقرب المعاني هو: تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والأحداث الواقعة، ونشـر المعلومات السليمة، ونقل الحقائق الثابتة والمعارف والعلوم الراقيّة، وانتقاؤها والتدقيق في صحتها، بناءً على وجهة نظرٍ ما، وفق سياسة هادفة، وغاية مرسومة، وحسب منهج تربوي معيّن، بغية تكوين رأي صائب في الأمّة، إزاء القضايا المعروضة، ومشكلة من المشكلات عند الجماهير، بحيث يعبّر هذا الرأي تعبيراً موضوعياً عن آراء الناس واتجاهاتهم وميولهم، كما يؤدي إلى تشكيل اتجاه الرأي داخل المجتمعات، هذا من أهم أغراضه وعوامله.

 

وسائل الإعلام

يقوم العمل الإعلامي على شكل من أشكال الاتّصال بالآخر لتبليغه فكرةً ما، وتتنوّع طرق وأشكال الاتّصال والتواصل، فقد تتمظهر بعدَّة مظاهر، كالخطب المنبرية، أو الندوات التثقيفيّة وحلقات الحوار، أو طبع المؤلفات والكتب ونشـر الروايات، كالمجلات والجرائد، انتقالاً إلى الرسائل الصوتية والمرئية كالإذاعة والتلفزيون، وصولاً إلى القنوات الفضائية، وإلى وسائل الفن الدرامي، كالتمثيل في المسـرح والسينما، ومعارض الفن التشكيلي، وغير ذلك من الطرق والوسائل والأشكال المتعددة والمتجددة، والتي تعرف بـوسائل الإعلام.

فكل أداة تنقل الآراء والأفكار والرؤى إلى الناس هي في الحقيقة وسيلة إعلاميّة، فهي القناة أو الرابط التي يَعْبُر منها الرأي إلى الناس، وفي الغالب أساسها الكلمة أو القول.

إذن؛ وسائل الإعلام: هي مجموعة الأدوات والآلات التي من خلالها يُعبّر صاحب الرسالة الإعلاميّة عن آرائه وأفكاره، وينقل آراءَه ومعارفه ـ أي مضمون الرسالة وماهيتها ـ إلى المتلقين أو المستمعين، بشكل مباشر أو غير مباشر، على اختلاف أنواعها وطرقها: كالإذاعة، أو التلفزيون، أو المسـرح، أو الصحافة المقروءة، أو المؤتمرات، أو المنبر ونحو ذلك.

هذا، وإنّ الفكرة هي أساس العمل الإعلامي، وقد تكون سياسيّة أو دينيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة، ويجب أن تكون الفكرة واضحة ومفهومة، وأن تتمكن من أن تحقق فعلاً التأثير والاستجابة، والسلوك المطلوب من المتلقي، وأن تخدم مصالحه، وأن يكون في حاجة إليها، وتتمشّى مع الصالح العام[7].

 

مقومات العمل الإِعلامي

إنّ مقومات العمل الإعلاميّ وقاعدته ترتكز على أربعة عناصر أساسيّة وثابتة، لا يمكن الاستغناء عن أحدها؛ لتكامل الصورة الإعلامية والهدف المنشود من ذلك، وهي:

الركيزة الأُولى: الإعلاميّ أو صاحب الرسالة الإعلاميّة.

الركيزة الثانية: المستمع والمتلقي والمخاطب، فرداً كان أو جماعة.

الركيزة الثالثة: الرسالة أو المضمون للطرح ـ من فكر أو ثقافة أو معلومة أو خبر ونحو ذلك ـ إلى المستمع والمتلقي والمخاطب.

الركيزة الرابعة: الأداة أو الوسيلة الإعلاميّة التي تكون الواسطة بين الإعلاميّ والمتلقي، سواء أكان المنبر أم الصحيفة أم الإذاعة أم القناة الفضائيّة ونحو ذلك.

إِن رسالة الإعلام رسالة سماويّة، أخلاقيّة تربويّة، نظير رسالة الأنبياء والأوصياء والعلماء، إن لم تكن مُكَمّلة لها.

 فلا بد أن تُبنى الرسالة الإعلاميّة على عُروضٍ عالية المضمون، سليمة الفكر، ذات هدف سامٍ، بما يخدم الأمّة وأبناءها، بعيداً عن الخداع والتَّضلِيل والمراوغة، والانحراف الفكري والأخلاقي والعقائدي، وهذا هو الهدف الأساس الذي تُبنى عليه رسالة الإعلام، وسلوك الإعلاميّ الملتزم.

 

الإِعلام الإِسلامي

الإعلام الإسلاميّ: هو إِعلام رساليّ داعويّ بنَّاء، وأسلوب من أساليب التأثير في الجماهير والرأي العام بشأن العقيدة الدينية، وهو أكبر من مجرد عمليّة الإخبار أو الإعلام؛ لأنه يفترض وجود علاقة ولاء قائمة أو ممكنة، فهو ليس دعاية؛ لأنه يرفض كل تشويه أو تمويه[8].

ويطلق على الإعلام الإسلامي في القرآن الكريم التبليغ أو البلاغ، وهو نقل الحقائق والإرشادات السماويّة للناس، دون كذب أو تحريف أو زيف، وهي مهمة رسول الله صلى الله عليه وآله والأنبياء والأوصياء والأولياء، كما في قوله تعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)[9]، وقوله عزوجل: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ)[10]، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ من النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[11].

فالإعلام الإسلامي هو عمليّة نقل المعلومات والحقائق إلى المتلقي بطريقة إسلاميّة؛ فإنه يتصف بكونه إِعلاماً ذا مبادئ أخلاقيّة عالية، وأحكام سلوكيّة راقية،ومبانٍ قِيَميِّة سامية، تكون مستمدة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ومستوحاة من سيرة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الأطهار عليهم السلام.

 ويجب أن يكون إعلاماً واضحاً غير مشوّش، وصريحاً ليس فيه ضبابية، وشفافاً لا يكتنفه الغموض، عفيف الأسلوب والعرض، نظيف الوسيلة والطريق، شريف القصد والهدف، ويتميز بأن غايته الحق، وقوله الصدق، لا يضلّ ولا يُضلل، ولا يتبع الأساليب الملتوية ولا الدنيئة في العرض والبيان، ولا يسلك سبل التغرير والخداع والكذب... بل طريقه التثبّت والدقّة والوضوح والاستقامة النابعة من حقيقة الإسلام، وعقيدة المسلم المبنيّة على تحري مَواطن العلم واليقين بالأمور، والابتعاد عن مَواطن الظن والوهم، والشبهة والريبة، قال تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)[12]. أسلوبه اللِين والحكمة، والإرشاد القويم في الدعوة إلى منهج الدين الحنيف، كما أمر الباري رسولَه الكريم صلى الله عليه وآله، فقال عزوجل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[13]، ثم مدحه تبارك وتعالى على أسلوب تعامله مع الناس وطريقة دعوته في نشـر الرسالة الإسلاميّة، فقال عزوجل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ من اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا من حَوْلِكَ) [14].

كما أمر هارونَ وموسى عليهما السلام عندما أرسلهما إلى فرعون، فقال لهما: عزوجل (... اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [15].

 فإن هذا الأسلوب والطريقة في الدعوة والعرض تبعث روح التآخي والمودة في المجتمع الإسلاميّ، وتزرع الألفة والمحبة بين أبنائه على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم، تمسكاً بقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا)[16].

إنّ الإِعلام الإسلاميّ يعتمد على كافة الوسائل الإعلاميّة المتاحة في المجتمع الإسلامي والإنساني، من وسائل مقروءة أو مسموعة أو مشاهدة، أو إقامة الندوات والبرامج والمؤتمرات، بعروض وموضوعات هادفة وموجّهة ومُحَكّمة.

هذا، وقد كانت للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسائله ـ التي نقلها لنا التاريخ ـ في تبليغ الرسالة وإيصالها إلى الناس، فتراه صلى الله عليه وآله تارة يدعو الناس على شكل ندوات أو مؤتمرات ـ إن صح التعبير ـ وذلك عندما جمع عشيرته وأهله ودعاهم ليبلغهم رسالته عندما نزل قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)[17].

وتارة استغلّ جانب التجمعات والمواسم العامّة: كالحج والعمرة، ومواسم التجارة لإلقاء الخطب على الناس، وعرض الدين الجديد عليهم، وبيان أحكامه وسننه وتشريعاته.

كما أنه صلى الله عليه وآله استغلّ منبر الشعر والشعراء في الدفاع عن الإسلام، والذبِّ عن أعراض المسلمين، وكان من الأدوات الإعلاميّة الفاعلة في ذلك المجتمع.

كما جعل الخطب في الصلوات الجامعة، وخطب صلاة الجمعة والعيد وغيرها من الوسائل الإعلامية المهمة، التي سخّرها في نشر تعاليم الدين الجديد، وتركيز عقائده، ونشـر مفاهيمه ومبادئه بين المسلمين، ونحو ذلك من الوسائل في حدود ذلك العصر.

 

الإعلام الإسلامي أهم وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إن جميع الأمور والوسائل الإعلاميّة تجمعها ضابطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بشـروطه وأحكامه، التي روحها وديمومتها كل ما هو حَسن من القول أو العمل أو السلوك المعتدل في المجتمع الإنساني.

إن القيام بمسؤولية الإعلام الإسلاميّ الهادف ـ وعَرْض معالم الفكر الإسلامي النَيّر، ودفع الشبهات والأباطيل عن الدين الحنيف ورجاله المخلِصين، وفضْح الأراجيف الزائفة، التي تحاك ضد المجتمع الإسلامي وأبنائه، وبيان الحقائق الناصعة ونشـرها، والأخبار الواقعيّة من مصدرهاـ يُعدّ من الواجبات الكِفائية الأساسية، ومن المرتكزات الدينيّة الثابتة في الدين الإسلامي؛ بدلالة قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[18]، وقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[19].

فنرى أن الله تعالى قد مدح الأمّة بـالخَيريّةِ حال كونها تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما مدحها بالإيمان به  عزوجل، وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدلّ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما حضّ عليه عزوجل وأمر به، في وصيّة  لقمان الحكيم لابنه؛ إذ قال عزوجل على لسان لقمان: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ من عَزْمِ الأُمُورِ) [20].

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر والتقوى، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء)[21].

وروي عن أبي جعفر عليه السلامأنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله كان حامده من الناس ذامّاً، ومن آثر طاعة الله عزوجل بما يغضب الناس كفاه الله عزوجل عداوة كل عدو، وحسد كل حاسد، وبغي كل باغٍ، وكان الله عزوجل له ناصراً وظهيراً)[22].

وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤون، يتقرؤون ويتنسكون، حدثاء سفهاء، لا يوجبون أمراً بمعروف، ولا نهياً عن منكر، إلاّ إذا أمنوا الضـرر، يطلبون لأنفسهم الرُّخَصَ والمعاذير، يتبعون زلاّت العلماء وفساد عملهم، يقبلون على الصلاة والصيام وما لا يكلِمهم في نفس ولا مال، ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، هنالك يتمّ غضب الله عليهم فيعمُّهم بعقابه، فيهلك الأبرار في دار الفجار، والصغار في دار الكبار.

 إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتَحُلّ المكاسب، وتُرَدّ المظالم، وتُعمّر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر، فانكُرُوا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، فإنْ اتعظوا وإلى الحق رجعوا فلا سبيل عليهم، إنما السبيل على الذين يَظلمون الناس، ويَبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، هنالك فجاهدوهم بأبدانكم، وابغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطاناً، ولا باغين مالاً، ولا مريدين بظلمٍ ظفراً، حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا إلى طاعته)[23].

وروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله، فمَن نصـرهما أعزّه الله تعالى، ومَن خذلهما خذله الله تعالى)[24].

فالواجب الشرعي على أهل الإسلام والإيمان، التمسكُ بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في كل الظروف والأزمان، بحسب الإمكان وشرط الصلاح.

فالإعلام الإسلامي، والتبليغ والدعوة والإرشاد، من أبرز مصاديق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا حياد فيه ولا تسامح ولا صمت، لا سيما إنكار المنكر، وإلاّ يكون ميت الأحياء، سواء أكان شخصاً أم جماعة أم وسيلة إعلاميّة، كما قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام: (مَن ترك إنكار المنكر، بقلبه ويده ولسانه، فهو ميت الأحياء)[25].

فإن الكلمة قد ترفع الإنسان إلى مقام الأنبياء والمصلحين بدعوته الصادقة، وكلمته النبيلة، أو بالعكس قد ينحدر إلى هوّةِ المُفسدين والمُضلليّن، إذا خان الكلمة الصادقة، وحاد عن  الصِراط.

 

فقه الإعلام

بعد أن عرفنا أن المحور الأساس في الإعلام هو الكلام أو القول، الذي به تخاطب عقول الناس وقلوبهم، وبواسطته وعن طريقه تصل رسالة الإعلامي أو المبلِّغ أو الداعيّة إلى الناس، سواء أكان ذلك مسموعاً أم مكتوباً، ينبغي علينا معرفة وجهة نظر الشريعة الإسلاميّة تجاه الإعلام، وهو ما يعبر عنه بـ فقه الإعلام.

وفقه الإعلام هو الطريق إلى فهم الموقف الشـرعي في المنظور الإسلامي، من خلال أدلة وأقوال الشارع المقدس، وفحوى خطابه، وفنون بيانه، في ضمن مقاصده الشـرعيّة التي رسمتها الشـريعة المقدسة، وأهم غاياتها وأهدافها، في إطار الأحكام الشرعيّة.

وحيث إن للإعلام الدور البارز في التأثير في الناس ـ وفي صياغة عقولهم وأفكارهم، وبناء ثقافتهم، وتوجيهها توجيهاً صالحاً، ونشر الوعي بينهم نحو الأهداف المقصودة ذات المُثل العليا والقيم السامية ـ فقد أَولى الإسلامُ أهميةً كبرى للجانب الإِعلامي، ورعاية خاصّة؛ للاستفادة منه في نشـر الدعوة الإسلامية وبثّ مبادئها وتعليم أحكامها.

فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ أي وسيلة مشـروعة للدعوة والتبليغ، ويسلك أي طريق مُعبّدٍ لنشـر رسالته وإعلانها، بأشكال متعددة وألوان متنوعة، وحسب المقتضـي والحال.

كما يجب أن يُبنى الإعلام على الصدق والحقائق الموضوعيّة، بعيداً عن الكذب والتَّضليل وقلب الحقائق، والترويج للأفكار المنحرفة أو المشككة أو الهدّامة، فضلاً عن الفساد الفكري والأخلاقي؛ بمحاكاة الغرائز والعواطف، ونشـر الرذيلة.

وأن يكون إعلاماً ملتزماً بالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة والتعاليم الإسلامية، يسمو بالمجتمع إلى أدبيّات وسلوكيّات راقية، وأفكار وآراء واعية، تنسجمُ مع الأهداف النبيلة، التي تسعى إلى إقامتها الشـريعة الإسلاميّة بين الناس، وأن يحترم الإنسانَ ويقدس العقلَ، ويخاطبهما بالمنطق السليم.

 

فقه الإعلام في الكتاب العزيز

إنّ عمدة ما يُستدل به من القرآن الكريم على فهم الموقف الشـرعي في المنظور الإسلامي لفقه الإعلام، وما يرسم طريقه ونهجه ـ فيما أحسبه ـ هو قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)[26].

 والحُسن هو ضد القُبح، الذي هو كل ما خالف الشـرع والعقل، والناموس والعرف، والخلق الحسن والعادات الطيّبة في المجتمع، بل هو كل دعوى إلى الانحراف والانحلال عن السلوك المستقيم، والطريق السويّ للمجتمع الإسلامي الملتزم.

فالمراد من القول الحسن هو كل ما يوصل إلى القول والعمل بالمعروف شرعاً وعقلاً وعرفاً، والالتزام به والحثّ عليه، قولاً أو فعلاً أو سلوكاً، وتُلازمه الدعوةُ إلى النهي عن كل منكر وقبيح، شرعاً وعقلاً وعرفاً، والحثّ على الابتعاد عنه، قولاً وفعلاً وسلوكاً، وذلك في حدود أحكام الشريعة الإسلامية وثقافتها العامّة، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ) [27]، بعيداً عن تجريح الآخرين والتنكيل بهم، وإن خالفوا الدين والعقيدة والمذهب، ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [28].

وعلى هذا؛ يؤسّس الإعلام الإسلاميّ الملتزم، ويوجه لبناء مجتمع عقائدي واعٍ، متماسك وصالح.

فالحسن هو اسم جامع عامّ يضمُّ جميع معاني الحسن، من الخير والصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشـر معالم الدين، واللِين في القول، والابتعاد عن إشاعة الرذيلة والفاحشة، واللغو وقبيح القول والفضول فيه، والدعوة إلى التعايش السلمي بين أبناء المجتمع، بل كل ما اندرج تحت معنى الحسن، وبه صرّحت جملة من الروايات الشـريفة:

منها: ما رواه الشيخ الكليني بسنده، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، قال ـ في قول الله عزوجل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)ـ: (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم)[29].

ومنها: ما روي في الكافي عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلامـ في قول الله عزوجل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) ـ قال: (قولوا للناس حسناً، ولا تقولوا إلا خيراً حتى تعلموا ما هو)[30]. فإنّ العلم بما يأمر به الإعلامي، والمعرفة بما يدعو إليه، وينهى عنه، من أهم شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من أساسيّات العمل الإعلامي التبليغي.

والقَولُ الحسن، يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم المسائل والأحكام، والإرشاد إلى منافع الدنيا والآخرة، وكل ذلك يندرج في قوله عليه السلام: (ولا تقولوا إلا خيراً حتى تعلموا ما هو).

ولما كانت بوادر اللسان وآفاته كثيرة، نهى عن القول من غير تَفَكُّر، وأمرَ بإحضار القلب، وهو التفاته إلى معرفة حقيقة الشيء أولاً، ثم التكلم بما هو الحق الخالص[31].

وقال الشيخ الطبرسي: (واختُلف في معنى قوله حُسْنًا، فقيل: هو القول الحسن الجميل، والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه، عن ابن عباس. وقيل: هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، عن سفيان الثوري. وقال الربيع بن أنس: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) أي: معروفاً.

وروى جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ـ في قوله: (قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)ـ قال: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله يبغض اللّعّان السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المتفحش السائل الملحف، ويحب الحليم العفيف المتعفف.

ثم اختُلف فيه من وجه آخر، فقيل: هو عامّ في المؤمن والكافر، على ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام. وقيل: هو خاص في المؤمن.

واختلف مَنْ قال: إنه عامّ، فقال ابن عباس وقتادة: إنه منسوخ بآية السيف، وبقوله عليه السلام: قاتلوهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، أو يقرّوا بالجزية. وقد روي ذلك أيضاً عن الإمام الصادق عليه السلام.

وقال الأكثرون: إنها ليست بمنسوخة؛ لأنه يمكن قتالهم مع حُسن القَولِ في دعائهم إلى الإيمان، كما قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[32]، وقال في آية أُخرى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم[33])[34].

على أنه يستفاد من بعض الآيات الشـريفة الأُخرى نفس المضمون والدلالة، منها: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا)[35]، أي: قولاً صحيحاً.

وقال الشيخ الطوسي: ( (قَوْلاً سَدِيدًا)، هو السليم من خلل الفساد، وذلك الحق بالدعاء إلى العدل... وأصل السديد من سدِّ الخلل، تقول: سددته أسدّه سدّاً، والسَداد: الصواب، والسِداد - بكسر السين - من قولهم: فيه سِداد من عوز، وسدد السهم: إذا قوَّمه)[36].

وقال أيضاً: ( (قَوْلاً سَدِيدًا)، أي: صواباً بريئاً من الفساد، خالصاً من شائب الكذب والتمويه واللغو)[37].

وقال الشيخ الطبرسي: ( (قَوْلاً سَدِيدًا)، أي: موافقاً للشرع) [38].

وأما الزمخشـري في الكشّاف، فقال: (قَوْلاً سَدِيدًا)، قاصداً إلى الحق، والسداد: القصد إلى الحق والقول بالعدل، يقال: سدّد السهم نحو الرَّميَّةِ، إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا: سهم قاصد... وعدل في القول، والبعث على أن يسدّ قولهم في كل باب؛ لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله، والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم، فإنكم إنْ فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيئاتكم وتكفيرها. وقيل: إصلاح الأعمال: التوفيق في المجيء بها صالحة مرضيّة... وهذا على الأمر باتّقاء الله تعالى في حفظ اللسان ([39].

ومن الآيات الكريمة قوله تعالى: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا)[40]، وقوله  عزوجل: (إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا) [41]، أي: قول الخير، وطلب الحلال، والبرِّ والصلة ونحو ذلك.

وقال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ من صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)[42].

وقال عزوجل: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)[43].

وقال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسْلِمِينَ)[44].

وقال عز من قائل: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا)[45]، وأشباه ذلك، مما فرضه الله عزوجل لعمل اللسان، وأن يكون عليه حقيقة القول والبيان، في التبليغ والإعلان.

وهذه الآيات الكريمة يجمعها قول الحق مطلقاً، كما في قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ)[46]، الذي أمر به المولى عزوجل، ودعا إليه، وأرسل الأنبياء والرسل للدلالة عليه، وأنزل الصحف والكتب السماويّة؛ لبيانه وتوضيحه للعالمين أجمع.

 

فقه الإعلام في السنّة الشريفة

قد مرَّ عليك أنّ من أبرز مصاديق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الإعلام الإسلامي والتبليغ والدعوة والإرشاد، بكل أشكاله وتعابيره وصوره، الصادقة، الهادفة، الواقعيّة، التي تنبع من روح الدين الإسلامي وتغرس الفضيلة بين أبناء المجتمع، بأسلوب رصين متزن.

يمكن أن يُستدل بمجموعة كبيرة من المرويات في هذا الباب، فيمكن تطبيقها في فهم الموقف الشرعي في المنظور الإسلامي لفقه الإعلام، وحيث لا يسع المجال لسـرد العديد من الروايات، ونرى أنَ أقرب الروايات لبيان ذلك، هو ما ورد في وصيّةٍ للإمام جعفر الصادق عليه السلام يوصي بها شيعته ومحبيه، فيما رواه  سليمان بن مهران، قال: >دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وعنده نفر من الشيعة، فسمعته وهو يقول: معاشر الشيعة، كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، قولوا للناس حسناً، واحفظوا ألسنتكم، وكفوها عن الفضول، وقبيح القول<[47].

فمعنى قولهِ عليه السلام: >كونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً<، أي: كونوا من أهل الورع والتقوى والعمل الصالح؛ لتكونوا زينة لنا؛ فإنّ حُسن شمائل أتباع الرجل زينة له؛ إذ يمدحونه بحسن تأديب أصحابه، بخلاف ما إذا كانوا فسقة؛ فإنه يصير سبباً للتشنيع على رئيسهم، ويكونون شيناً وعيباً عليه.

وعمدة الغرض في هذا المقام رعاية التقيّة وحُسن العشـرة مع المخالفين؛ لئلاّ تصير مخالفة هذه الصِفات سبباً لنفرتهم عن أئمتهم، وسوء القول فيهم، بقرينة ما بعده: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، وفيه تضمين للآية الكريمة، والتي بيّنا مضمونها ودلالتها قبل قليل.

ثم قال المجلسي: >عمدة الغرض هنا حسن القول مع المخالفين تقيةً، وكـذا المراد بـحفظ الألسنة حفظهـا عمّا يخالف التقيّة، والفضول زوائد الكلام، وما لا منفعة فيه<[48].

والقول القبيح هو: كل ما خالف الشـرع والعقل، والناموس والعرف، والخلق الحسن والعادات الطيّبة في المجتمع، بل هو كل دعوى إلى الانحراف والانحلال عن السلوك المستقيم، والطريق السويّ في المجتمع الإسلامي الملتزم، وتمزيق وحدته، وتعايشه السلمي واستقرار أبنائه.

فالإعلامي الملتزم أو المبلغ الرسالي عليه الابتعاد عن العبارات القاسية والخشنة والقبيحة، التي تثير كوامن النفوس ودخائل القلوب، وتهيج العواطف والأحاسيس، وتستنفرها إلى دائرة الجهل والعصبيّة؛ لأنَّ بادرة اللسان وزلاّته كثيرة، فنهى الإمام عليه السلام عن القول من غير تَفكُّر ودراية وحضور للقلب؛ ليقف على حقيقة الشيء ومعرفته، حتى يتكلم بما هو الحق والواقع، فعن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: >قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت عن سوء فسلم<[49].

قال الفخر الرازي: >قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس: إما أن يكون في الأمور الدينيّة، أو في الأمور الدنيويّة.

فإن كان في الأمور الدينيّة: فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار، أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق. أما الدعوة إلى الإيمان، فلا بد وأن تكون بالقول الحسن، كما قال تعالى لموسى وهارون: (فَقُولاَ لَهُ قَوْلاَ لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)[50]، أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتّوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وآله: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا من حَوْلِكَ)[51].

 وأما دعوةُ الفسّاق، فالقول الحسن فيها معتبر؛ قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[52]، وقال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[53].

وأما في الأمور الدنيويّة، فمن المعلوم بالضـرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه.

 فثبت أنّ جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)<[54].

 

فقه الإعلام بين حكم الإجماع والعقل

لا يختلف اثنان من المسلمين ـ على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ـ في أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان إجماعاً عند عامّة المسلمين، مضافاً إلى ما تقدم من الكتاب العزيز والسنّة والمطهرة، وهذا الإجماع ثابت بين عموم المسلمين.

والإعلام ـ محتوى ومضموناً ـ من أهم وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما مر، حيثُ يتّصف بإعلام فضيلة لا رذيلة، إعلام حقيقة ومعرفة لا خداع وجهل، إعلام تسوده لغة القرآن الكريم وتحوطه مفاهيمه الواضحة، ويرتكز على هديّ السنّة المطهرة الثابتة، ودلالاتها على مختلف المحاور والاتجاهات، فيلحقه بذلك حكم إجماع المسلمين أيضاً.

بل أجمعت على نشـر الفضيلة والمعرفة والتآخي بين عموم أفراد المجتمع ـ على اختلاف وسائل الإعلام وتعددها ـ كافة الشـرائع السماوية.

ولا أغالي إن قلت: أجمع على ذلك عموم المجتمع الإنساني السليم؛ حيث يرى أن الإعلام الملتزم يجب أن ينحُوَ هذا الطريق، ويسلك هذا المنهج، في نشـر ذلك، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، بعيداً عن الإعلام المضلل الذي يتّخذ من النظرية الميكافيلية الغاية تبرر الوسيلة شعاراً له، بالفكر والأسلوب، والعرْض والمنهج، فيضل ويضلل، ويشوّه ويشوّش، ويبثّ روح الفرقة والتكفير بين عموم المسلمين، وزرع الكراهية والشحناء، وسفك الدماء بين أبناء الأمّة؛ لأن الإنسان محترم ومكرم عند الله عزوجل، وكذلك يجب أن يكون في المجتمع الإنساني مُحترماً ومُصاناً، فإنْ لم يكن يربط أبناءه رباط العقيدة والدين، فإنه خلق مثلهم مكرم من الله تعالى، قال أمير المؤمنين علي عليه السلام ـ في عهده لمالك الأشتر عندما أرسله والياً على مصر ـ:>وأشعِر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق<[55].

هذا، وإِن العقل مما يستقلّ بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير حاجة إلى أمر الشارع المقدس، وبه يلحق حكم الإعلام أيضاً.

أما ما يُعرض على بعض وسائل الإعلام المتنوعة، العالميّة منها والإقليميّة والمحليّة، من نشـر الأكاذيب، وقلب الحقائق، وتزوير الوقائع، وترويج للرذيلة والفحشاء، بمقدماتها ولوازمها، وعَرْض الأفكار المنحرفة والضالة، عبر وسائلهم الإعلاميّة الظلاميّة، بصور متنوعة، وأشكال جميلة برّاقة، وألوان زاهية جذَّابة، بتقنيّات عالية راقية؛ فإن ذلك مِما يمقته العقل السليم، وينأى عنه الحكماء والعقلاء وأصحاب الفضيلة، فضلاً عن أهل الشـرع والدين.

فإن هذه الأمور من مبتدعات الشيطان وأبنائه، على تنوّع مسمياتها واختلافها، من الحركات الماسونيّة والصهيونيّة العالميّة، ودول الاستكبار والاستعمار ونحو ذلك، التي تحاول السيطرة على مقدرات الشعوب وإرادتها، وتحجيم طموحها وآمالها، بالسيطرة على مفاصل حياتها، وثوابت تفكيرها، للتحكم بعقولها ورؤيتها لواقعها الخاص، بما يُحاك ويُنظر لها من واقع مغاير لواقعها تماماً، من خلال هذه الوسائل الإعلامية المضللة، وتحت مصطلحات برّاقة وموضوعات رنّانة: كالحداثة والتقدّم، والتحرّر والانفتاح والعَوْلمة، ونحو ذلك من العناوين التي كأنّها السـراب في الواقع والتطبيق في الجملة، وأشبه ما تكون صـرخة من صرخات المُوضة والتغيير الشكلي والظاهري.

ذلك (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)[56]؛ فيتوجه الخطاب إلى المؤمنين في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ من أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[57].

المنبر الحسيني أُنموذجاً

المنبر الحسينيّ وسيلة من وسائل الإعلام الإسلاميّ الفاعلة في الدعوة والإرشاد والتبليغ، والمؤثرة في أبناء المجتمع الإنساني عموماً والإسلامي خصوصاً، وإنْ كان يحمل خصوصيّة التعريف بالنهضة الحسينيّة، وبيان أهدافها، وتوضيح أسبابها وأهم غاياتها، مع استعراض لمظلوميّة الإمام الحسين عليه السلام بأسلوب عاطفي، وبيان ما جرى عليه من الظلم والقتل والتنكيل والتعسف اللا إنساني واللا أخلاقي من قِبَل الأُمويين وأتباعهم، وما جرى على أهل بيته وأصحابه في معركة الطف، في العاشر من محرم الحرام سنة 61 للهجرة، مما يندى له جبين الإنسانيّة، فضلاً عن العروبة والإسلام.

فالأسلوب العاطفيّ هو الذي تبنّاه أئمة أهل البيت عليهم السلام في استذكارهم لواقعة الطف المؤلمة، وما جرى فيها من الفجائع والمصائب على سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام؛ لأن استجابة الجماهير تكون دائماً استجابة عاطفيّة أكثر مما هي عقليّة[58].

فالإثارة العاطفيّة وتحشيدها هي طريق إلى فهم ودراسة رسالة الحسين عليه السلام واستيعاب أهدافها ومضامينها.

وحيث إنّ رسالة الحسين عليه السلام هي رسالة جده المصطفى، وأهدافها أهداف الإسلام، ومسيرته مسيرة جده صلى الله عليه وآله في الإصلاح والبناء والتكامل الإيماني والإنساني، ومصداق لقول جده رسول الله صلى الله عليه وآله:>حسين مني وأنا من حسين< [59].

فإنّ رسالة المنبر الحسينيّ هي رسالة الإسلام، ومنهجه الدعوة للإيمان والإصلاح والتكامل الإنساني، وعلى ذلك؛ لا بد أن تكون رسالة الخطيب الحسينيّ رسالة الإسلام، وأهدافها عين أهدافه، ومضمونها هو مضمون رسالة الحسين ودعوته.

فكما أن الحسين عليه السلام كان ممثّلاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله في دعوته ومنهجه الذي يمثّل حُكم الله عزوجل في أرضه، فكذلك الخطيب الحسينيّ المفترض أنه يمثّل الحسين عليه السلام في دعوته ونهضته وأهدافه على منبره.

 

أهداف نهضة الحسين عليه السلام وشعارها

إنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج في نهضته لأهداف دنيويّة ولا لمصالح آنية، ولا طالباً لسلطة أو مال أو جاه؛ فإنه عليه السلام قد ملك أسباب ذلك كله، وحاز أصولَها وفروعها، وقد استغنى عنها، شرفاً ونسباً، علماً ومكانةً، إخلاصاً وإيماناً، غنىً وكرماً، شجاعةً وحلماً، جاهاً وتواضعاً، منزلةً وزهداً، إباءً ومروءةً، مع احتياج الكل إليه في ذلك.

ولكنها حميّة الرسول على ضياع الرسالة، وخوف الوصيّ من إهمال الوصيّة، وحرص المؤمن على حفظ صورة الدين؛ ولذلك قال عليه السلام عند مسيره إلى كربلاء: >إنّ هذه الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، فلم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقَّاً، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً<[60].

ثم رفع شعاره في الخروج على الظالمين والمنافقين، الذين اتّخذوا الدين غطاءً يتسترون به لإخفاء موبقاتهم ومفاسدهم وجرائمهم، وأعلن عن أهداف نهضته، فقال عليه السلام:>وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام، فمَن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومَن رد عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين<[61].

أهداف المنبر الحسيني

لقد أعلن الإمام زين العابدين عليه السلام أهداف المنبر الحسيني عندما قام بين يدي الطاغية يزيد، وقال له: >يا يزيد، ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد، فأتكلَّم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب<[62]، فهذا  هو الهدف السامي للمنبر، وما يعرض عليه من القيم الراقية والمُثل العليا.

فإنَّ المنبر الحسيني برفعه الشعار الحسينيّ العظيم، قد أقضَّ مضاجِع الحُكّام والطواغيت، وأربك المنافقين وأعداء آل محمد، وحيّرَ التبشيريين والمستشرقين، ثم أنه بنى مجتمعاً ولائياً مخلصاً، وَرَسَّخَ فيه العقيدةَ المحمديّة الصادقة، ورسم لهم دروب التضحية والوفاء، ورفعَ بينهم راية الحريّة والإباء.

 

المنبر الحسيني وسيلة إعلامية فاعلة

الخطيب الحسينيّ هو الإِعلاميُّ الملتزم بأهداف نهضة الحسين عليه السلام، والمتمسك بشعارها ومنهجها ومسيرتها، ومنبره هو الوسيلة الإعلاميّة الحيَّة والمباشرة، التي يتواصل عبرها الإعلامي ـ أو الخطيب الحسينيّ ـ في عرْضِ أهدافه ومضمون رسالته إلى المتلقين والمستمعين من أبناء المجتمع.

فبذلك يولد التفاعلُ الحيّ والترابط الوجدانيّ بين الخطيب الحسينيّ من جهة، وبين أبناء المجتمع وطبقاته المختلفة من جهة أُخرى، ويعمّق التلاقح الفكري، والانسجام الثقافي والتّآصر التربويّ بينهما.

فالمنبر الحسينيّ يمثّل مدرسة فكريّة تربويّة ثقافيّة متكاملة، ينفتح مضمون رسالتها على كل العلوم الدينيّة والتاريخيّة والأدبيّة، والعلميّة والاجتماعيّة والإداريّة وغيرها، ومدى صلتها بحياة الأمّة ودورها في بناء المجتمع الإسلامي وتكامله، وعمق تأثرها وارتباطها بقادة الأمّة، وقوة تمسكها بأهداف رسالتهم، مع الإخلاص في العرْض والمضمون.

فالخطيب الحسينيّ عليه مسؤولية شرعيّة جسيمة، ورسالة أخلاقيّة عظيمة، لا بد أن يستشعر جلالتها وأهميتها  قبل ارتقاء المنبر، وأن يكون بمستوى يؤهله للرُقي والاستعداد للتكامل الروحيّ والبناء المعرفيّ.

إن هذه المسؤوليّة تحتّم على الخطيب الحسينيّ ألاّ يرتقي المنبر حتى يستحضـر أدواته المنبريّة وإمكاناته الأدبيّة، أسلوباً ومضموناً وأداءً، وأهمّها الإخلاص وصدق النيّة والهدف؛ لأن الخطابة مَلَكَةٌ رَبانيّةٌ يهبها الله تعالى للأنبياء والأوصياء والمصلحين والحكماء والرساليين، وأن يكون مقتدراً، متمكناً معرفيّاً من الموضوع  الذي يَستَعرِضُهُ على المنبر، ومِلؤُهُ الثقة بطريقة أسلوبه وقيادته له، وإدارة محاوره أمام الملأ؛ حتى  يملك القلوب ويأسرها، فضلاً عن العقول.

 

الخطيب الحسينيّ بين الإِعلام الداخلي والخارجي

وحيث إن المنبر الحسينيّ هو الوسيلة الإعلاميّة الفاعلة، والقناة التي تربط بين الخطيب الحسينيّ وأبناء المجتمع، ومع توسع هذه القناة الإعلاميّة وانتشارها، ومتابعة العالم له وتوجهه إليه، على اختلاف أديانه ومذاهبه، وتوجهاته ومُنعطفاتهِ، وذلك بفضل شيوع القنوات الفضائية وانتشار الشبكة العنكبوتيةالأنترنت، وسهولة الحصول عليها والاتصال بها، مع التزام بعض القنوات الفضائيّة ببثّ محاضرات ومجالس المنبر الحسينيّ، لمختلف الخطباء، ومن أماكن وبلدان متنوعة، وهذا ما جعل المسؤوليّة على الخطيب الحسيني أعظم وأدق، ومهمته أكبر وأحرج، في نشر وعَرْض رسالة الحسين عليه السلام، وفكر أهل البيت عليهم السلام من العهود السالفة؛ لأن الإعلام الخارجي المفتوح غير الإِعلام الداخلي المحصور، حيث كانت المناطق التي يقام فيها المجلس الحسيني محدودةً، وفي طبقة فكريّة وثقافيّة محصورة، في بلدان خاصة، ذات طابع عقائدي واحد في الجملة، وأنّ ما يُلقى فيها غالباً لا يتعدى هذه الجموع الحاضرة والبلدان التي تقام فيها هذه المجالس، فكانت تعطي للخطيب الحسيني جانباً من الحريّة في عرض الروايات الخاصة، ومساحة من النقاش لبعض الأمور التي تمس عقائد الآخرين، بلا قيد أو تحجيم، وبما يتناسب مع طبيعة الحاضرين، وثقافة البلد الذي أحيى هذا المجلس.

أما اليوم ـ وبانتشار المجالس والمحاضرات  الحسينيّة في مختلف البلدان، ونقلها عبر الأثير على العديد من القنوات الفضائيةـ فقد أصبح المتابعون لها من المستمعين والمشاهدين يُمثّلونَ تنوّع الثقافات والاتجاهات الفكرية والعقائدية، ومختلف الديانات والمذاهب، السماويّة والوضعيّة؛ فبهذا ازدادت المسؤوليّة على الخطيب الحسينيّ وعَظُمت، واتسعت صلته  بالجماهير على اختلاف ثقافاتهم، وتنوّع مفاهيمهم الفكرية.

وعليه؛ لا بد أن يختلف العرضُ والمضمون على المنبر اليوم عن العهود السابقة، المحدودة الحضور والثقافة والبلد، وأن يكون نهج الخطباء التزام ما رُوي عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، قال:>سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: رحم الله عبداً أحيى أمرنا. فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس؛ فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا<[63].

فإنّ التمسك بعلوم أهل البيت عليهم السلام، والاغتراف من نمير مناهلها، وإيصال محاسن كلامهم ومعارفهم إلى عموم الناس ـ وكل كلامهم حسن ـ  بالحكمة والموعظة الحسنة في الأسلوب والعرض، مع إقامة الدليل العلميّ والبرهان والحجة، كُلّ ذلك خيرُ معينٍ في مخاطبة العقول، وأسلمُ الطرق للوصول إلى قلوب عامة الناس، والمفتاح لنشـر فكر أهل البيت عليهم السلام إلى عموم الثقافات الأُخرى والمذاهب المختلفة؛ وبهذا يتأصّل نهجهم، ويتركّز كلامهم، وتثبت معارفهم في النفوس؛ تمهيداً لاتباعهم والتمسك بمنهاجهم وقبول هديهم، بعيداً عن الطعن والسُباب، والدخول في المحاور المتشنجة في العرض، الذي نأى عنه أئمة أهل البيت عليهم السلام، من خلال سيرتهم وسلوكهم مع عموم أبناء المجتمع، على اختلاف طبقاتهم الاجتماعيّة، ومذاهبهم الدينيّة والعقائديّة، وتنوّع ثقافاتهم واتجاهاتهم؛ بما يحقق التعايش السلمي بين المسلمين عموماً، وأبناء المجتمع الواحد خصوصاً، وهذا هو السلوك القويم الذي سار عليه أهل البيت عليهم السلام؛ تبعاً لسيرة جدهم المصطفى صلى الله عليه وآله، الذي مدحه الله عزوجل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ من اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا من حَوْلِكَ)[64]، (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[65]، (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)[66].

وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله:>إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم،وذكرتم حالهم، كان أَصوَبَ في القول، وأَبلَغَ في العذر<[67].

فإِنَّ وَصفَ الأفعال وعرض المواقف أقوى وأبلغ في الحجة والدليل، وأحكم في البرهان، وهذا ما يبتغيه المؤمن الحكيم، ويبحث عنه المنصف العاقل، ويتحرّاهُ طالب الحقيقة الصادق مع الذات، لا الذي يتبّع هوى النفس والجمود على رأي السلف غير الصالح! حيث اشتبه عليهم الحال، فأخطؤوا الطريق، وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)[68].

كما روي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال:>رحم الله عبداّ حبَّبنا إلى الناس، ولم يبغّضنا إليهم، أما والله، لو يروون محاسن كلامنا لكانوا أعز، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء<[69]. وفي رواية أُخرى:>كونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، حبِّبونا إلى الناس ولا تبغّضونا، جرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح<[70].

وقال تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[71].

فإنّ سبّ الله عزوجلـ في الآية الكريمةـ سبّهم عليهم السلام،>وإنما نسب سبّهم إلى ذاته المقدسة تشـريفاً وتعظيماً لهم، وليس المراد سبّ الله عزوجل حقيقة؛ لأنّ أحداً لا يسبّه، كما وقع التصريح به في بعض الروايات وبالآيات أمير المؤمنين عليه السلام، وقد وقع التصـريح به في بعض الروايات، وربما يؤيده تذكير الضمير في غيره<[72].

فهذا هو خُلق القرآن الكريم، وخُلق الرسول العظيم، وخُلق أهل بيته الأطهار، وهذه توصياتهم وإرشاداتهم للمؤمنين.

فعلى الخطيب الحسينيّ أن يلتزم بهذا أيَّما التِزام، فيتثبّت بالقول الحسن، وبالأسلوب العلميّ الهادئ الرصين على المنبر، بما يرفع مكانة مَن يريد أن يوصل رسالتهم إلى الناس، ويحببهم ويقربهم إلى النفوس، ويقوِّي مودتهم في قلوبهم، وينقل علومهم إلى العالم أجمع، في تبني عرض أفكارهم ومعارفهم، والاهتداء بسيرتهم وسلوكهم؛ فيدفع بذلك عنهم كل قبيح يحاول أعداؤهُم إلصاقه بهم وبمنهجهم كذباً وبهتاناً، ولكن بعيداً عن المهاترات والسُباب، وتجاوز حدود اللياقة في العرْض، وتجريح الآخرين.

وهذا الأمر يسـري إلى عموم وسائل الإعلام الأُخرى: كالصحافة، ونشـر الكتب ونحوهما.

وفي خلاف ذلك، فإن الأمر قد يجرّ السوء أو القبح إليهم عليهم السلام، والنفور والبعد عنهم، فيكون بذلك قد شانهم، وخالف أمرهم، والعياذ بالله...

وقد قيل للإمام الصادق عليه السلام:>يا بن رسول الله، إنا نرى في المسجد رجلاً يعلن بسبّ أعدائكم ويسميهم. فقال: ما له ـ لعنه الله ـ يُعَرِّضُ بِنا؟! وقال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)<[73].

وفي رسالة لأبي عبد الله الصادق عليه السلام إلى أصحابه وشيعته، جاء فيها: >وإياكم وسبّ أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبّوا الله عدواً بغير علم، وقد ينبغي لكم أن تعلموا حدّ سبّهم لله كيف هو؟ إنه مَن سبَّ أولياء الله فقد انتهك سبّ الله، ومن أظلم عند الله ممن استسبّ لله ولأولياء الله، فمهلاً مهلاً! فاتّبعوا أمر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله<[74].

وقال تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)[75].

وأجزم أن هذا الأمر المهم اليوم أحوج ما نكون إلى الالتزام به على المنبر الشـريف، والسير على هدْيه ومبناه، مع توسع قنوات الاتصال الإعلاميّة وسرعتها، وانتشارها وتنوعها؛ لإيصال علوم أهل البيت عليهم السلام ومعارفهم، التي تخاطب العقول مباشرة، وتُذْعِن لها القلوبُ مُسلّمة، صافية نقية هانئة، بلا شائبة أو دغل، إلى أقاصي بلاد الأرض، وعموم أبناء البشـر، فتدخل إلى أروقتهم ونفوسهم بلا استئذان، ومن دون جهد وعناء وكلفة.

 

ثقافة الخطيب الحسيني وسلوكه

هذا وعلى الخطيب الحسينيّ أن يكون بمستوى عالٍ من الإيمان والورع، والتثبُّت والحكمة والدراية؛ لأنَّ الخطيب الرساليّ يكون مرآة للآخرين، تعكس أفعالهم وأخطاءهم، وعليه توجيههم إلى الطريق الصحيح، وأن يحذر من تقمّص السلوك الخاطئ مع نفسه، وينأى عن التلبس به؛ لأنه سرعان ما تنكسـر صورته أمام الناس، ويهتزّ كيانه في المجتمع، فلا يُقبل منه قول، ولا يؤخذ عنه شيء، ويصبح كلامه لا أثر له ولا قيمة  في نفوسهم، فيسقط عن أنظارهم، ولا  تقبله قلوبهم.

وعليه أن يفهم أنّ مسؤوليته هي جزء من مسؤولية الأنبياء والأوصياء والمصلحين الرساليين، بل هو مصلحٌ رساليٌّ وسفيرٌ للحسين عليه السلام ولسانه الناطق، وسيفه الضارب على الجاهلين والظالمين والمارقين، شجاعٌ في العَرْض، لا يَهاب أحداً ما دام على الحق، وناطقاً بالصدق، وأن يكون  أهلاً لهذه الصفة الكريمة، وصادقاً في تحمُّل هذه المسؤولية الرساليّة.

إنّ المسؤوليّة الرساليّة تُحتّم عليه أن يكون كلامه فيما  يرضي الله عزوجل، ويقرّب إلى رحمته ورضوانه، في كل ما ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم، ويثبّت إِيمانهم ويُقوِّي عزيمتهم، فلا يشتري مرضاة المخلوق بسخط الخالق، وأن لا يكون أداة يلهو بها الشيطان، يستفرغ سمومه وغوائله عن طريقه، فيكون مفسداً في الأرض، فعن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال:>من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عزوجل فقد عَبَدَ الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبَدَ الشيطان<[76].فإنّ ما يرضي الله تعالى فيه الأجر والثواب، كما فيه صلاح الناس وهدايتهم.

وعلى الخطيب الحسيني أنّ يكون بمُستوًى عالٍ من الثقافة العامة؛ حتى يُغني المنبر بالبحث والنقاش، ويفتح آفاق المستمعين  على اختلاف مستوياتهم العلميّة والثقافيّة، بما يدور في المجتمع، من أفكار وآراء وأطروحات، بل وما يدور في عموم العالم المحيط بنا، ولو بالسؤال والاستفسار من خلال البحث والمتابعة عن ذلك، فضلاً عن معرفته ودرايته بثقافة مجتمعه، وما يحيط  به من أحداث ومشاكل ورؤى على كافة الصعد؛ حتى ينير ذهنيّة المستمع والمتلقي، ويوضّح له الطريقَ الصحيح في الحياة، بأسلُوبٍ سليم، ذي مطالب واضحة ليست بالغريبة، وحقائق علميّة ثابتة ليست بالفرضيّات، مما تتقبله القلوب والعقول، لا أن تنفر منه الطباع والنفوس، أو يثير التساؤل والتشكيك.

وعليه أن يكون مستوثقاً في نقله للروايات والأخبار على المنبر،  مميِزاً الغثّ منها عن السمين، وإن كان باعتماده على الكتب المعتبرة والموثّقة والمحقّقة، وألاّ يكون عَرْضُهُ للأفكار والآراء إلا بعد دراستها وتمحيصها، بعد تتبُّع أصولها ومنابعها، ثم التشاور والتباحث فيها مع أهل العلم والفضل والتحقيق؛ لأن الخطيب قد يقع في الخَلط أو التشويش من حيث لا يشعر، وذلك بعرْض كل ما صادفه من رأي ـ أو سمعه من قول، أو قرأه من  كتاب ـ على المنبر، بدون تدقيق أو مراجعة أو تأمّل فيها، وهذه آفة المنبر وهدم دوره البنَّاء في خلق مجتمع إسلامي واع.

كما ينأى بالمنبر عن سَرد القضايا الشخصيّة والآراء النفسيّة وغلبة الهوى، حيث يتطاول على بعض الناس ويسفّه أفكارهم وعقولهم ويستهزئ بهم؛ لمخالفتهم رأيَه الشخصـي مثلاً.

وأن يكون عَرْضه مبنيّاً على العلم والعقل، لا على المنامات والتخيّلات الشخصيّة والنفسيّة، وأن يعتمد على ما أجمعت عليه الطائفة واشتهر عندها، ويبتعد عن شواذّ الآراء والأخبار، التي قد يقف عندها المعاند رافضاً طاعناً، والجاهل مشككاً متوقفاً، والمتعلم مستغرباً مستهجناً، لاسيما مَن كان بعيداً عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام ولم يألف معارفهم وعلومهم، ولم يقف على معناها ولا دلالتها، مع اختلاف النظرة إليها.

 بل عليه أن يكون عَرْضهُ على مبتنيات علميّة، وأسس عقليّة، وثوابت شرعيّة، حيث لا يمكن الطعن بمقدماتها ولا نتائجها، مهما اختلفت ثقافة المتابع أو المستمع.

وعليه أن ينزّه المنبر من جعله حَلبَةً ووسيلة للصـراعات السياسيّة والاجتماعيّة التي تحدُثُ في المجتمع، فإِنَّ المنبر أجلّ وأسمى من ذلك كلّه.

ويبقى هدف المنبر خالصاً  لله عزوجل، ولما بُعث به رسوله المصطفى صلى الله عليه وآله، وما بُشّـر  به أهل بيته الأطهار عليهم السلام؛ وأنْ لا يُتَّخذ وسيلة  للإفساد والإخلال بين الناس، أو يستغل في مدح الظالمين والدفاع عنهم، إلا في فَضْح أصحاب المروق والضلالة، الذين ثَبَتَت ضلالتُهم في الدين وظهرت للعَيان؛ لتحصين الناس الأغمار والسُّذَّج من التأثر بأفكارهم الضالة وآرائهم المنحرفة، حتى لا ينخدعوا بهم، مع بيان وجه الضلالة والشبهة للمجتمع، وسبب الانحراف، لا التعرض لهم بالتنكيل والتطاول والإلغاء فقط؛ فإن هذا لا يحل المشكلة، ولا يرفع الشبهة.

وعلى الخطيب الحسينيّ أن يؤمن بأَنَّ ارتقاء المنبر ليس صنعة أو مهنة يعتاش منها، ويكون جُلّ همه وغايته الحصول على الأموال عن طريقه، فيتعامل على ذلك كما يتعامل على بيع أو شراء سلعة من السوق! أو يتخذه لطلب الرئاسة والجاه؛ ليشبع شهوته بحب الظهور والشهرة، فقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه قال: >وإياك أن تترأس بنا فيضعك الله، وإياك أن تستأكل بنا؛ فيزيدك الله فقراً<[77].

إنما هو عمل رساليّ، مهمته  بناء وإِصلاح الأمّة، وقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً برسالة الأنبياء والأوصياء والمصلحين الرساليين، الذين ضَحَّوا بكُل غالٍ ونفيس من أجل المبدأ والعقيدة، والوصول إلى الهدف السامي في نشـر الوعي الرسالي وتبليغ الأحكام والعقائد الإلهية الحقَّة...

فالخطيب الحسيني هو صاحب دَعوَةٍ رسالية، وإِعلام هادف، وغاية نبيلة سامية، وهي الدعوة لتثبيت نهج الحسين عليه السلام، والسير على هَدي رسالة جَدهِ المصطفى صلى الله عليه وآله، وتركيز مبادئ الإسلام.

وعلى ذلك؛ فالمنبر الحسيني يُعدّ اليوم من أهم الأدوات والوسائل الإِعلاميّة الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، فهو حيّ وحيويّ، يربط بين الوعي المعرفيّ والتنوير العلميّ، وبين العمق الدينيّ، بما يهبه من أجر وثواب واستثمار للوقت، وما يخلقه من الترابط الاجتماعي والبناء الروحاني بين الناس،  قديماً وجديداً، حاضراً ومستقبلاً، فإنّه ما زال ينبض بالعطاء والحياة بِرَغم تطور أدوات الإعلام ووسائله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

الكاتب: السيد محمود المقدس الغريفي

 مجلة الإصلاح الحسيني – العدد الثاني

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

________________________________________

[1] ق: آية 18. والعتيد أي: الحاضر. وجاء في هذه الآية صفة للرقيب.

[2] المجلسي، بحار الأنوار: ج 68ص285.

[3] اُنظر: د. أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات الإعلام: ص153.

[4] المجن: هو الترس والدرع الذي يستجنّ ويتترّس به المُحارب من ضربات العدو، والمراد هنا كناية عن تغيير الحال، ويقال: قلبت لابن عمك ظهر المجن. قال ابن الأثير: >هذه كلمة تضرب مثلاً لمَن كان لصاحبه على مودّة أو رعاية، ثم حال عن ذلك<. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث: ج1 ص308.

[5] د. أحمد زكي بدوي معجم مصطلحات الإعلام: ص83 ـ84.

[6] اُنظر: د.محمد على العويني، الإعلام الإسلامي الدولي بين النظرية والتطبيق...

[7] اُنظر: د. أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات الإعلام: ص85.

[8] اُنظر: د. أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات الإعلام: ص130.

[9] العنكبوت: آية 18.

[10] الشورى: آية 48.

[11] المائدة: آية67.

[12] الإسراء: آية 36.

[13] النحل: آية 125.

[14] آل عمران: آية 159.

[15] طه: آية 42ـ44.

[16] آل عمران: آية 103.

[17] الشعراء: آية 214.

[18] آل عمران: آية 104.

[19] آل عمران: آية 110.

[20] لقمان: آية17.

[21] الطوسي، تهذيب الأحكام: ج6 ص181.

[22] الكليني، الكافي: ج2ص372ـ373.

[23] المصدر نفسه: ج5 ص55ـ56.

[24] المصدر نفسه: ج5ص59.

[25] المفيد، المقنعة، ص808 ـ809.

[26] البقرة: آية 83

[27] الكهف: آية 29.

[28] الممتحنة: آية 7.

[29] الكليني، الكافي: ج 2 ص 164 ـ 165.

[30] المصدر نفسه: ج 2 ـ ص 165. 

[31] المازندراني، شرح أُصول الكافي: ج 9 ص 31.

[32] النحل: آية 125.

[33] الأنعام: آية108.

[34] الطبرسي، تفسير مجمع البيان: ج1، ص286.

[35] الأحزاب: آية70.

[36] الطوسي، التبيان: ج 3 ص 124 ـ 125

[37] المصدر نفسه: ج 8 ـ ص 366

[38] الشيخ الطبرسي، تفسير جوامع الجامع: ج 1 ص 376.

[39] الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل: ج 3 ص 276

[40] النساء: آية5.

[41] البقرة: آية 235

[42] البقرة: آية263.

[43] محمد: آية21.

[44] فصلت: آية33.

[45] النساء: آية63.

[46] الكهف: آية 29.

[47] الطوسي، الأمالي، ص440.

[48] العلامة المجلسي، بحار الأنوار: ج 65ص152ـ153.

[49] ابن بابويه القمي، الإمامة والتبصرة: ص37.

[50] طه: آية 44.

[51] آل عمران: آية 159.

[52] النحل: آية 125.

[53] فصلت: آية34.

[54] الفخر الرازي، تفسير الرازي، ج 3 ص 169.

[55] نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج3 ص84.

[56] الحج: آية 53.

[57] النور: آية 21.

[58] اُنظر: د. أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات الإعلام: ص110.

[59] الطبري، ذخائر العقبى: ص133.

[60] ابن شعبة الحراني، تحف العقول: ص245.

[61] المجلسي، بحار الأنوار: ج44ص329 ـ 330.

[62] المصدر نفسه: ج45ـ ص137.

[63] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 1ص275.

[64] آل عمران: آية159.

[65] القلم: آية4.

[66] فصلت: آية 33ـ34.

[67] نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج2ص185.

[68] المائدة: آية104.

[69] الشيخ الكليني، الكافي: ج8 ص229.

[70] ابن بابويه، فقه الرضا: ص356.

[71] الأنعام: آية108.

[72] المازندراني، شرح أصول الكافي: ج10 ص49.

[73] الصدوق، الاعتقادات في دين الإمامية: ص107.

[74] الكليني، الكافي: ج8 ص7ـ 8.

[75] الإسراء: آية 7.

[76] الكليني، الكافي: ج6 ص434.

[77] البروجردي، جامع أحاديث الشيعة: ج13ص461.