على خطى الحوراء

وأغمض قلبه !

01-12-2016 3815 زيارة

نهضت من فراشها بعد أن خاصم النوم جفنيها ، فأخذت تدور في المنزل على غير هدى وكأنها تبحث عن شيء فُقد منها تريد إيجاده بسرعة لتعود من جديد إلى فراشها علها تستطيع أن تنام وهي بحالتها هذه ، أخذ صوت صنبور الماء المتدفق ببطء قاتل في المطبخ يزيد من ارقها وكأنه هو الآخر يريدها أن لا ترتاح ، أحكمت إغلاقه ، هرعت إلى غرفتها ثانية ولكن هذه المرة لم تتجه إلى السرير لتنام بعد أن أيقنت إن ليلتها هذه لن تمر بسلام ولا تدري لماذا ؟

توجهت إلى دولابها وهي تفتح برغبة وحب باب ذكرياتها معه ، تفتش في رسائله وهداياه وصور زفافهما ما يطمئن قلبها عليه بعد أن لبى نداء الوطن بالجهاد الكفائي .

استغرقت بالذكريات وكأنها تغط بنوم عميق أراحها لفترة ليست بالطويلة حين فاجأها رنين الموبايل بصوته ورنته المعهودة التي خصصتها لزوجها فقط " إنها الثالثة فجراً ؟ لطفك يا رب " أخذت تعتمل في داخلها المخاوف والهواجس والظنون . وهي ترد عليه بصوت خافت ومرتبك ومشحون بالتساؤل

- ما ذا حدث ؟ هل أصابك مكروه لا سامح الله اخبرني ؟

- لا تقلقي فقط اشتقت لسماع صوتكِ .

- ولكنك أفزعتني مع إني مثلك كنت أفتش في ذكرياتي معك عن سبب يجعلني أكف عن التفكير بك .

- وماذا وجدتِ ؟

- وجدتك أنت ، لا تريد أن تفارق مخيلتي أبدا .

- وأنا أيضا .

- أنت ماذا ؟

- وأنا أيضا مثلك لم أطق كل هذا البعد .

تمر ألأيام وهو مازال في غيابه بعيدا عنها وكأنه حاضر معها ، تعد له الطعام الذي يحبه كل يوم وتكوي ملابسه وكأنه موجود معها تحاول أن لا تفقد وجوده معها حتى ولو كان بعيدا عنها , صوته , ضحكاته , صراخه ، مازالت كل أشيائه معها ، فتضاعف حبها له مرات ومرات ومرات ، أصبحت وكأنها تعشق بطلا أسطورياً . لن تسمح للأفكار السيئة أن تستعمر مشاعرها ولم تكف عن حلمها بعودته منتصراً . اتصالاته المتواصلة واهتمامه بها وهو بعيد عنها زاد من حبها له وبات أمل عودته سالماً مقرونا بنصره على الأعداء وهي متيقنة من هذا كل اليقين ، لذلك كانت تصر على أن تبقى قوية أمام الجميع غير مهزوزة العواطف بالرغم من خوفها عليه ، حتى جاء ذلك اليوم الذي رأته ماثلا أمامها بشحمه ولحمه ولكن بعينين مغمضتين ووجه شوهته الحرب ،وضمادات ميدان بيضاء تلف جسده في كل مكان ، حتى بدا وكأنه مومياء فرعونية تتحرك بصعوبة حيث سمعت كلماته وهو يتحدث معها من وراء حجاب الضماد الذي يلف مقدمة وجهه وعينيه ، صوت يتهدج الكلمات بصعوبة بالغة :

 -لقد ألغموا البيوت والشوارع بالعبوات الناسفة قبل فرارهم أمام تقدمنا السريع نحوهم .. لقد نجوت بأعجوبة .

لم تعرف كيف تتعامل مع الموقف دخلت غرفتها وأثارت زوبعة من البكاء والصراخ المخنوق . وبينما هي في نوبة حزنها وصدمتها  دخل عليها زوجها بمساعدة شقيقه وهو يحاول أن يتحسس الطريق ليصل لفراشه بصمت يعاند به عجزه . لحظتها أسرعت وأمسكت بكلتي يديه وهي ترتجف بشدة لتوصله إلى فراشه . عندها خرج عن صمته المفتعل بسؤال قاسٍ

- ما بكِ ؟ شكلي مرعب لهذه الدرجة كي ترتجفين هكذا ؟

- أبداً كيف تقول هذا ؟

- لماذا خائفة أذن ؟

- خائفة ! منك ؟ سامحك الله أنا فقط أشعر بألمك فحروقك حتماً مؤلمة

- نعم مؤلمة لكنها ليست أشد ألماً من حرماني رؤيتك مدى الحياة .

- كيف يعني لن تراني نسيت شكلي ؟ أو كنت تراني بعينيك أم بقلبك ؟

- ملامحك محفورة في عقلي وقلبي

- ماذا أذن ؟ سترى كل شيء بقلبك من اليوم فصاعداً وأي تفاصيل لن تفهمها سأعيرك عيناي لترى بها .

تماسكها الذي وهبه الله إياها أمامه جعله يبكي من ردة فعلها وموقفها النبيل . وبكى أيضاً لفرط شعوره بالعجز وبكى لأنه أشتاق لرؤيتها وبكى حتى كادت أن تختنق أنفاسه لأنه كان يبكي من دون دموع . شدت على يديه وأغمضت عينيها وقالت له بماذا تشعر ؟ أنا الآن مثلك لا أرى شيئاً ولكني أشعرك وأنت ؟ وأنت ؟ لماذا تصمت ؟ أجابها وهو يستغرب جنونها المفاجئ

 -اهدئي لم استوعب بعد ما حصل لي . من أين جئتي بهذه القوة توقعتكِ ستنهارين ؟

 -أنهار ! وأنت قربي تسمعني وأسمعك تشعر بي وتراني

- أراكِ؟!

- نعم تراني قلت لك أبصرني بقلبك

 -قولي لي علي ورحمة كيف سأراهما ؟ كيف سأتخيلهما يكبران ؟ هل سيظلان طفلين في مخيلتي مدى الحياة ؟

أسئلته هذه كانت أشبه بطعنات تُغرس في قلبها . كيف تجيبه على هذا الوجع الذي فاق تحملها . قطعت لوعتها بجملة لم تخطر على باله

 -أتعلم ؟ علي لطخ فمه بالحلوى وأزرار قميصه الأحمر مفتوحة هو ينظر أليك ألآن .

 - أظنه خائفا مني !

 - كيف يخاف منك هذا طفل يعني هو الآخر يراك بقلبه لو تعلم كم هو مشتاق أليك ناده وسترى أقصد ستتأكد . وفي سرها كانت تدعو الله أن لا يخيب ظنها وتأخذ علي اللهفة لاحتضان أباه لعله يهدأ  

ناداه بشوق " بابا علي تعال " الصدمة كانت أن علي لم يقترب وحسب بل وضع رأسه على حجر أباه وقّبل ضماد يديه بعفوية . ضحكت بدموع غزيرة وقالت له صدّقت ألان أننا لا نملك غير حبك ؟ . أجابها بخجل

- كيف سأجازي فضلك بعجزي هذا ؟

 -أرجوك أرتاح فقط وأنس حزنك لكي تتعافى وأصبر فنحن لا نملك من أمرنا شيء الأمر لله من قبل ومن بعد .

تركته في فراشه ليرتاح وهي تهدهده مثل طفل صغير حتى استسلم للنوم أخيرا عندها تنفست الصعداء وحينما حاولت مغادرة الغرفة بهدوء ؛ سمعته يقول جملة حطمت كل دفاعاتها

- هل عليّ أن أغمض قلبي لأنام ؟!

 

إيمان كاظم الحجيمي

قد يعجبك ايضاً