هندسة الذات

الصوم من منظور رسالة الحقوق!

27-05-2019 294 زيارة

نص حق الصوم وفق ما جاء في رسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام):

 (وأما حق الصوم: فأن تعلم أنه حجاب ضربه الله على لسانك، وسمعك وبصرك وفرجك وبطنك، ليسترك به من النار.

وهكذا جاء في الحديث: "الصوم جنة من النار" فإن سكنت أطرافك في حجبتها رجوت أن تكون محجوباً.

وإن أنت تركتها تضطرب في حجابها، وترفع جنبات الحجاب، فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة والقوة الخارجة عن حد التقية لله، لم تأمن أن تخرق الحجاب، وتخرج منه، ولا قوة إلا بالله).

 

إرادة النفس

تأمرنا النفس بالاستجابة إلى تلبية رغباتها وحاجاتها سواء المادية أو النفسية, وهذا يعود إلى طبيعة خلق الإنسان وقدرته على التوازن بين عقله وغريزته وعاطفته, فحينما يجوع الإنسان فالسبب هو خلو المعدة من الطعام وأرسالها إشارات إلى الدماغ بحكم الغريزة التي تحثنا على الشبع والارتواء مع التلذذ لما نتناوله, وفي حال مُنعنا لسبب ما من اشباع هذه الغريزة فإن الجسم يبدأ باتخاذ ردود أفعال لا إرادية عضوية ونفسية كالوهن وألم في المعدة, والشعور بالاستياء والغضب... الخ, وكل هذه الأعراض لا يمكن التحكم بها بسهولة إلا في حالة واحدة وهي أثناء الصيام.. فالصائم يمكنه التغلب على إحساس الجوع والعطش عن طريق توطين نفسه على الطاعة, فبمجرد إدراك أن منع أنفسنا من تناول الطعام والشراب في وقت محدد استجابة لأمر الله عز وجل؛ نتحكم حينها بغريزتنا بطريقة لا يمكن اعتمادها خارج إطار الصيام, إذن فالمسألة روحية وتشبه عملية التدريب والترويض المقترن بالإيمان.

عبادة صحية

أجمع أغلب الباحثين في علم التغذية: وهو العلم الذي يدرس العلاقة بين النظام الغذائي والحالات المرضية والصحية؛ على أن الصيام ممارسة صحية تسهم في تعزيز صحة الجسم إذا تعاملنا معه على نحو صحيح فالصيام يساعد على التخلص من السموم خارج الجسم، ويقلل من نسبة السكريات في الدم، كما يعمل على خفض تخزين الدهون, فضلا عن ذلك، فالصيام يعزز العادات الغذائية الصحية، كما يعمل على تقوية جهاز المناعة, وله دور مهم جدا في مساعدة المدمنين على ضبط مستويات تناولهم لمادة النيكوتين والكافيين وغيرها, كما يسهل عملية اعتماد الحمية الغذائية المتوازنة حتى بعد نهاية شهر الصيام عن طريق التعود على التحكم بإحساس الجوع والعطش, وغيرها كثيرا من الفوائد على المستوى الصحي وحتى النفسي.

تذكرة سنوية

حينما يقبل شهر رمضان المبارك, يبدأ الطقس الروحاني السنوي الذي يأخذ الصائم في رحلة لمدة شهر من نفسه إلى عالم آخر يتميز بالانعتاق للعبادة, وممارسة الطاعة بأصدق صورها بما يمثله جهاد النفس من إصرار على الزام النفس بمنعها عن تلبية شهواتها, وشحن أوقات النهار والليل بالصلاة وقراءة القرآن, بلحاظ أن لهذا الشهر خصوصية تجعل المؤمن في منأى عن ارتكاب الغفلة, فضلا عن تفكره وتأمله بأخطائه, ومحاسبته لذاته متمسكا بالرحمة التي وعد الله بها عباده الصائمين, ففي هذا الشهر تعتق الرقاب من النار, وتتضاعف الحسنات لاسيما وإن الصدقات والعبادات النوعية وصلة الأرحام تأخذ حيزا أكبر في الشهر المبارك؛ لذا فأن العبد يجد في أيام شهر رمضان تذكرة سنوية ووسيلة تنقية وتصفية لأعمال عام كامل, وفي حقيقة الأمر فإن بعض الصائمين يودون لو هذا الشهر يكون على هيئة عام.. أي أن تكون كل الأوقات صيام وهذا ما يدعونا للتأمل في ربط الطاعة بسيناريو الحياة اليومية, أي أن التغيير الذي يطرأ على طبيعة يومنا خلال شهر رمضان يجعلنا في حالة من التجدد والتنبه لكل ما نقوم به ولو كانت هذه العبادة مستمرة كالصلاة لأعتدناها دون الشعور بحلاوة الصوم المقترن بكل تفاصيل شهر رمضان الذي فعلا يمكن أن نعده تذكرة سنوية ومحطة مهمة في حياة المؤمن تجعله يتوقف لمدة ثلاثين يوما عند بوابة نفسه؛ على أمل الدخول إلى فضاء روحي وقلب خالي من الذنوب.

إيمان كاظم

قد يعجبك ايضاً