على خطى الحوراء

رصاصة ناعمة!

25-04-2019 323 زيارة

نيزكان سقطا من سماء تلك الليلة المنخورة بالوجع، اختبأ الهلال واجماً خلف السحب، بهت رونق النجوم في عباءة الكون، باكورة مطر نيسان تقاطرت بخجل، نزع أهل المدينة ورقة من التقويم تحمل تاريخ: 5 نيسان.. ستبقى ذكرى ذلك اليوم ماثلة وكأنها حصلت في الأمس القريب.. طافت جلاجل الذئاب حول البيت المقصود بحثاً عن أسود رابضة، فتحت السيدة الباب واقتحم صريره سكون الليل، للحظات انتابها الخوف، ما لبثت أن انجلت تلك الغمامة شيئا فشيئا مع بزوغ شمس الايمان والتوكل، وغمرتها السكينة، فالصبر في قلبها مثل الجبال الرواسي..

فهمت من تغيّر الألوان على وجه زوجة أخيها أنَّ المداهمة هذه المرة أخطر من أخواتها.. تسارعت دقات قلبها عندما رأت الرجال يجتاحون المنزل.. جالت نظراتهم أرجاء الغرفة، أرعبهم المنظر، أخفوا قلقهم بضحكات مجلجلة، قال أحدهم وابتسامة خبث تلوح على شفتيه: _سيدي كما توقعنا، هناك متفجرات وقنابل.. كثيرا منها!!

وصدر الأمر باعتقال السيدة بتهمة حيازة السلاح والثورة على السلطة..

ران صمت مهيب فقد وقعت في أيادٍ لا ترحم.. شحنت روحها بالصبر، أخذت نفساً عميقاً لتحافظ على هدوئها، ثم تقدمت خفيفة الوطء.. مرفوعة القامة كـ سهم إلى مصيرها المحتّم في رحلة لا رجوع منها.

مضت السيارة بها إلى المجهول.. رغم أنها كانت معصوبة العينين إلا أنها أحسّت بدخولها إلى مشارف العاصمة حيث مسقط رأسها، بظرف ساعة وصلت إلى المعتقل وسيكون الألم والوحدة والعذاب ضيوفها لثلاثة ليالٍ عقيمة

رغم ظلام السجن وقسوة التعذيب والجراح المتشعبة، شعرت بقربه..

نعم، إنه هنا، قريب منها، إلى حد أنها تشعر بأنفاسه حتى تكاد تلفح وجهها، كيف لا ووجود ذلك العزيز يعبق مثل زهرة القدّاح..

لقد كانا مرتبطين برباط أشد متانة من الحب، كان السيد يوازي روحها وكلماته لمّا تزل تلامس شغاف قلبها، يبدو أنه يجاورها في ذات المعتقل ويشاطرها ذات الآلام ويأبى إلا أن يكون رفيقا في السجن كما كان رفيقها في الجهاد، وها هي ترنو إلى أمنيتها في أن يعانقا الحلم المشترك ويدفعا حياتهما ثمنا لذات المبدأ..

محاولةً لتناسي أوجاعها، أغمضت عينيها قليلاً.. في زنزانة قاتمة لا منافذ فيها، فتحت نافذة وقفزت منها إلى حقول الماضي..

استحضرت إلى ذاكرتها أشد أوقاتها جمالا، مطارق ضربت على تلك الأيام علّها تؤنسها هنا في وحدتها، وانفرط الحنين كالمسبحة واجتاحها الشوق ومرّ أمامها كطيفٍ جميل..

كان ذلك السيد أول من شجعّها على حمل السلاح، قوّض كل العراقيل التي اعترضتها كامرأة، كان يؤازرها بالدعم النفسي، رويداً رويداً بات اسمها كنار الشتاء تجلس الفتيات حولها ويلتمسن الدفء منها، رغم أنه لم يكن حقيقيا، كان اسماً مستعاراً ليس إلا.!

لم تلتحق بمدرسة لتتعلم أصول هذا العلم وأساسياته، فقد كانت متقدة الذكاء، تعلمت لوحدها وبمساعدة أهلها..

لقد كانت سليلة عائلة لها صيت في هذا المجال وباع طويل في هذه الميادين، من أبيها الذي لم يمهلها القدر لتحفظ  قسمات وجهه، إلى أخوالها وأبناءهم..

انقطع شريط الذكريات مع وقع خطوات تقترب.. سمعت همهمات بين الجنود على باب الغرفة، يبدو أن أحدهم جديد في ساحة الاجرام ولا يعرف من تكون ضيفة المعتقل اليوم..

_لقد عرفتُ ذاك المنتفِض إنه أشهر من نار على علم، ولكن من هذه!، إنها مجرد امرأة.. لمَ كل هذا الخوف منها.!

 تساءل الرجل مستغرباً الاهتمام المبالغ بها

قهقه الآخر بهستيرية:

- إنها امرأة بألف معارض يا غبي! وقد تجاسرت بحمل السلاح وعارضت الدولة

(سلاح)

كانت هذه آخر كلمة سمعتها لتدخل في اغفاءة وجع، كأنها استيقظت بعد حفنة أعوام، رائحة الموت تفوح في المكان، عندما أفاقت رنّت مرة أخرى تلك الكلمة على مسامعها وابتسامة فخر تزين وجهها المنهك، تذكرت رحلتها في هذا الطريق الجهادي..

خُيِّل إليها أنَّ شرارة ذاك النفس جاء من نداء.. نداء من ثائر مقدّس.. كانت تهم بشرب كوب من الماء، انهمرت الدموع على خديها، عندما سمعته، راودها شعور بأنها تعيش مجددا أزمنة المخاطر في تلك الثورة، وكأنَّ هذا الصوت الآتي من مدينة مجاورة يزور الجميع بلا استثناء، لايزال يدوّي على مر العصور.. ولايزال طيف ذاك الثائر يزور شرفات يقف عليها مظلومي العالم..

وقتذاك أخذت وعداً في قرارة نفسها، أن تنصره وتلبي نداءه وتلتحق بركب المجاهدين.. وتؤدي واجبها تجاه دينها ومجتمعها وأمتها..

- لكنهم رجال.. جلّهم رجال.. ماذا عساي أن أفعل، ماهي وظيفتي، وكيف أُقاتل وأُناصر؟

 كان لسان حالها يردد ذلك بأسى

- انتقِ ما يليق بكِ

برفق همس رفيقها في الجهاد بتلك الكلمات إلى أذنيها

أجابته بعتب:

- يا مليح المحاورة، إني أغبطك، أنا دونك بمراحل، فأنت تجيد ما لا أتقنه لصعوبته، كم أتمنى أن أملك ساعديك ومهارتك في حمل تلك الأسلحة القوية

في تلك الغرفة، كان هناك أنواع كثيرة من الأسلحة، تأملتها بعين ثاقبة، ونظرة متفحصة متبصرة، شعرت أن تلك البندقية الناعمة تغمز لها، تناولتها بلهفة وغمرتها نشوة السعادة..

بعزيمة محارب

أردفت:

- أظنني أجيد إطلاق هذه الرصاصات بدقة بوجه كل هدف، سيكون هذا السلاح أنيسي ورفيقي، سأحمي أهلي ووطني وقيمي به..

- حسنٌ ما اخترتِ، أنا الذي أغبطكِ الآن يا عزيزتي، فرصاصاتك ناعمة تخترق أماكن عميقة لستُ بذي دراية بها وعاجز أنا عن تصويبها..

توّردت وجنتاها، أكبرته حينها كثيراً وتألّقت في قلبها آلاف المصابيح، عندئذ أدركت لمَ كانت تحبه.. كانا مختلفين لكنهما متشابهان، يختلفان في الأداة والطريقة والحقل لكن هدفهما ورسالتهما واحدة..

بسرعة النار في نشارة الخشب ترامت أنباء نشاط  تلك السيدة المجهولة، لا حديث في تلك الأيام بين الفتيات إلا عنها واستفهامات تتكاثر عن شخصيتها الغامضة، مرت الأيام وواصلت السيدة كفاحها ولم تكتفِ بذلك بل حشّدت النساء من بعيد لتشاركها هذا الميدان، حملت معاول وبادرت بهدم حصون العدو، أجهزت بضرباتها على كل ما ينافي المبادئ الحقّة، استمرت لسنوات واليأس لم يعرف طريقا إلى قلبها، حتى باتت مستعدة للدخول في ميدان آخر يفوق الأول صعوبة وخطر، وهذه المرة ستواجه الناس بوجهها واسمها الحقيقي، لتخوض غمار معارك أشرس، وقد كانت جولاتها السابقة كفيلة بزرع الثقة في قلوب الجميع..

برعت في هذا الميدان كعادتها وتقدمت خطوات وأثبتت جدارتها، وصل صيت كفاحها إلى شتى المدن، نجحت في حمل النسوة على حبها، تأثرن بها وكثر من يحذين حذوها كالفطر بعد المطر، ارتفعت كنجمة ورفعت معها الآلاف من المناضلات..

دارت بضع سنوات دورتها، تفاقم الخطر وتأزّم الوضع، اعتقلت السلطة الثوّار وأعدمت الكثير منهم، دماء ودموع تسيل في المدن المنتفضة على الظلم..

حتى وجدت نفسها في ميدان ثالث أو موقف بطولي ثالث بتعبير أدق، في مكان أمين من القلب، نبشت عميقاً باحثة عنها، ها هي ذي بوصلتها الذهبية وملهمتها في هذا الوضع تحديداً، خاطبتها قائلة:

- إنني شمعة في شمسكِ الباهرة

بعد اعتقال السلطة لرفيقها، وجب عليها هذه المرة أن تكون بمواجهة الرجال، خبأت تلك الزهرة نفسها بأوراق ناعمة وخرجت لتحشّد أهل المدينة وتستثير حماستهم وتشكو خذلانهم، وبالفعل غصّت الشوارع بحشود المطالبين بالأفراج عنه، وخرج الناس في تظاهرات أثارت حنق السلطة..

طرق الكرى جفنيها قليلاً، جفلت مرتعبة، أوشك قلبها أن يفلت من نياطه، تناهى إلى سمعها جلبة شديدة، في البدء لم تتعرف عليه، رددت مع نفسها علها تخاتلها بتكذيب ما تراه أمامها:

- قد تكون هذه محض تخيلات من بنات رأسي المحموم

إلا إن تلك العينين كجمرتين في الظلام لا يمكن أن لا تميزهما، إنه أمامها مضرجّا بالدماء، لقد كانت تأمل أن تراه قبل أن تودع الحياة، وقد حقق الجلاوزة أمنيتها، ويا ليتهم لم يفعلوا، شهقت بكل وجودها، وصرخت صرخة قهر لاتزال جدران ذلك السجن تهتز وتردد صداها.. لتعوم بعدها في سكون مطلق..

كأنَّ ذلك الثائر زارها في حلمٍ جميل

- ستكونين أنتِ والسيد ضيفينا قريباً

دقّت أجراس الرحيل، إنه اليوم الثالث، يوم الإعدام، عرف الجميع تلك السيدة

ضُبط  في منزلها الكثير من الكتب، أما تهمتها الأساسية فقد شهرت سلاح الكلمة، حروفها دوت كالرصاص، قرعت طبول الفصاحة ونشرت شراع الخيال وبرعت في تأليف القصص الأدبية، كل ما خطّت يمينها يعارض فكر الدولة والحزب الدموي الديكتاتوري، كتابها الأول وحسب تعبير المتهمة نفسها هو "جهاز اعلامي صامت"، قرضت الشعر التعبوي، صنعت ساترا ثقافيا والذي يفوق العسكري خطورة، قاتلت تارةً بالقلم الذي يقوّم وعي وفكر الفتيات وتارةً بالعلم وتجسد في تلك المدارس التي أشرفت عليها وتارة بشجاعتها في تحشيد الناس في صحن جدها أمير المؤمنين عندما اعتقلوا أخيها..

وبذلك تقرر اعدامها..

عندما سألوا الطاغية لماذا تريد قتلها؟

قال: لا أرتكب خطأ يزيد في كربلاء، زينب هي التي أحيت اسم أخيها الحسين

النهاية وشيكة، وابل الرصاص مستعد للانطلاق إليها وأخيها، التقطت أنفاسها المتبقية وقبل أن ترمش رمشتها المحتضرة، في لحظة تجلّي، شعرت أنها ستتحرر في اللحظات الأخيرة، لعلّها رأت جدّها الحسين الثائر وعمتها زينب؛ ملهمتها في النصرة تفتح ذراعيها لها، وكأنَّ ذلك النداء يعود من ألف سنة أو أكثر ويرنّ في أذنيها: ألا من ناصر ينصرني؟

لتكون ضمن المسرعات في الإجابة وبصوتٍ هادر ترد: لبيك داعي الله

لكن ياللعجب، رغم وابل الرصاص، لاتزال تشعر بدبيب سريان الدم  مع حبرٍ أزرق يسيل منها، كأنَّ الروح تأبى أن تغادر الجسد، زايلها أمل غريب بالنجاة، ارتعدت فرائص الجنود، شد ماحيّرهم ذلك الموقف، تراكضوا كالجرذان، رددوا بهلع: سيدي إن الموت يرفض أن يطلق سراحها..

المطر ينهمر بنعومة ويأخذ معه الدماء المتفجرة من عروقهما ويمضي كسيلٍ جارف

لم تمت تلك المجاهدة.. يقال نموت عندما ينسانا الآخرون.. لقد قفلت عائدة نحو بيوت الوطن، لاتزال تعيش بين صفحات التاريخ المشرقة.. مادامت كتبها تزيّن مكاتب الفتيات السائرات على طريق الحق والفضيلة فهي بيننا عصيّة على الموت والنسيان.. فحروفها لم تمت, لايزال فيها نبض الثورة ليس على الظل

 

فقط  بل على الجهل والسطحية والتبعية والفكر المادي خلف قضبان ذلك السجن الموحش الذي شهد تعذيب العديد من النساء المؤمنات.. خُطت على جدرانه أسماء لكثير من المظلومات وكان بينهن اسم ناصع خلّده التاريخ، نصرت إمامها حتى النخاع بأسلحة أثبت من وشم وجلّها تناسب المرأة في كل العصور.. 

ستبقى الشهيدة بنت الهدى رمزاً للوجه النموذجي الأنثوي للثورة من أجل الاصلاح.. لقوة الكلمة، قيمة العلم، وقول الحق في وجه كل يزيد.

القصة الحائزة على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة ضمن فعاليات مهرجان ربيع الشهادة العالمي الخامس عشر 

رقية تاج

قد يعجبك ايضاً