على خطى الحوراء

مذكرات بدلة عسكرية

19-01-2019 676 زيارة

كثيرا ما يرسم لكَ الوهم لوحاتٍ تعانق الحقيقة.. تحذرها.. تخاف منها.. لكن خيارك الوحيد دائما هو تفاديها حتى لا تأكل لكَ أمانك.

(كان حلما..) صوتٌ أصدرتْهُ الأنفاس وهي تستعيد مجموعة من اللوحاتِ التي تَشكلتْ بصورة شريطٍ أمام عينيها.. حيث ذلكَ الماضي قبل ولادته, (اقبلتْ تلك المرأة (المُشَفّعة) بالسواد سواد مَلبسِها أضاءَ ما حولهم حتى أيقنتْ تلك الجالسة أنه ليس من ألوان الحياة .... أعطتْها ذلك الطفل ورأتْ بين مُحياها ابتسامة راضية إستقبلتها من تحتضن الطفل بشيء من الحيرة, ثم شُغِلتْ عنها بضحكة الصغير وصوته الناعم.)

جلستْ على كرسي الاستراحة تُحاكيها أنفاسها.. حيث التزم لسانها الصمت فقد أضاع حروفه في الغرفة التي قابلتها, ليستلم الدور شهيقها وزفيرها ويقصَّ أحداث تبوبتْ في ماضٍ ووقّعَ عليها الحاضر وأرسلَها الى المستقبل, ها أنا نفسٌ عليلٌ مضطرب سأكمل لكم حكاية تحملُ على عاتقها تضاربَ الأيام وتعاقب المشاعر, لنبدأ من خروجهم من تلك الغرفة كلٌّ يحملُ في زفيرهِ حيرة ,لا يستطيع ان يأخذ بعدها شهيقاً مسموعاً خرجوا من ذلك الممر تاركين احد اخوانها ليخبرها بالأمر, جلس امامها على ركبتيه, ووضع كفه على يدها ,وسط نظراتها الخائفة مِن الذي كانت على يقين بأنه حدث, ثم قبلها قائلاً : بارك الله في اليد التي ربَّتْ الشهيد.

كانتْ لحظة اضطراب لكلِّ شيء.. كلٌّ شيء سوى القلب لم يسمع له نبض, قطع ضجيج الاحشاء صوتٌ خرج لأول مرة هاتفاً: ساعد الله قلب زينب.

خرجتْ من هناك مع عاصفة تجتاح أضلعها, وسكينة تملأ قلبها, أما العقل فلم يترجم شيئاً, واختار الهدوء.

بعد زفاف وعزاء اختلطت به التهاني والدمعات وتلاطمتْ به أصواتْ الصياح و(الهلاهل) ومع الحلوى المتناثرة وعلم البلاد حكاية فخر.. وحزن.. وألم تقصها روح الشهيد مع أبناء وطنه..

غادر أسبوع ولم تبق سوى صور تحمل أرواح الغائبين, وعبراتٍ تتلو سورة النصر تتبعها سورة ياسين لتعيد روح الذكرى تلك البدلة العسكرية التي جلبوها من ساحة المعركة, فتصارعتُ مع زفيري ولم أشأ سوى أن أكون وحدي لأدخل رائحته الى كل نسمة من جسمها.. بعد وقتٍ لم تحسبه عقارب المعلقة على جدران الحزن خرج صوت يريد أن يروي رحلته, استقبله نفس يحمل في طياته الاستغراب.. فخرج صوتٌ متعب من بقايا قماش العشق الذي عاش مغامرته, فبدأتْ حديثها شرط أن تحاورها الذاكرة فكان لها ذلك, فشرعتْ الذاكرة تستنطق اول حروفها لتقول صورا ولدت منذ اطلاق فتوى الجهاد المقدس _حيث كان ابن التاسعة عشر_ نظر لأبيه نظرة تحاول ان تفك رموز الجواب  فاستشعر الرفض نظرَ له بإصرار : سألتحق, أجابه الأب لن تذهب يكفي أخوك, ردَّ بهدوء : أبي إن لم أذهب انا فمن سيذهب هل أعتمد على غيري! هل سأنتظر لأراهم يقتحمون منزلنا ويؤذون امي واختي ويقتلونك امام عيني,  ليقول الاب: لكن يا بني أخاف عليك الموت, ليقطع كلامه قائلا: أبي من يخرج قد يموت ومن يتمرض يموت لكن موت عن موت يختلف, لتجيبها خيوط قماش البدلة ضاحكة: لا زلتْ أتذكر كيف كان يخبئني أبوه مع أوراقه لكي لا يذهب ورغم ذلك يجدنا.

تنظر الذاكرة للبعيد وتتأمل الفراغ ثم تُخبر بدلته بما لم تكمله: في مرةٍ وصل الى هناك واتصل بنا ليخبرنا انه في ساحة المعركة خارجا بدون علمهم, ليجعل دماء ابيه تغلي وقلب الام كاد يقف خوفا.

اما تلك القطعة فقد اخبرتها: كم بقيتْ جيوبي فارغة لأنه كان يعطي ما في جيبه لأصدقائه الذين أعجزتهم الأموال عن العودة لرؤية أبنائهم فكان يعطيهم ما ترسل له والدته من أموال.

_ نعم فقد راته أمه مرة وقد بان عليه الحزن والخجل معا فسالته ليجيب أنه لا يملك المال للالتحاق وعندما خافتْ عليه اللحاق قال لها : أمي روحي هناك صدقيني لا أستطيع البقاء, خيمتْ دقيقة صمت وسط دموع امه الجارية على خيوط بدلته.

فقطعتُه أنا ثم تلاني زفير يخرج من تلابيب روحها لتخرج البدلة من صمتها قائلة سأروي لكم بطولة له شعرتُ بها بقشعريرة جسمه : في ليلٍ حالك وعلى ساتر المقاومة وسط صراع عنيف ولا يُشم إلا البارود ولا يُسمع سوى الرصاص تعب الجنود وشعروا بالإعياء لأنهم قضوا ليلة كاملة في القتال المستمر بدون توقف خفتتْ أصوات بعض البنادق وانهارتْ بعض الأيدي وتوارتْ بعض الاجسام خلف الساتر أطال نظره على من حوله ثم أخبرته روحه بالصراخ بإسم أمٍ رؤوم, فهتف ب(يا زهراء) بصوتٍ وصل الى جميع من في الساتر ليقفوا في آن واحد وصرخة واحدة ويتعالى صدى تلك الصرخة رصاص ينتهك استار العدو مسح دموعه ليشاركهم تلك الحظة, وهل لي بأخباركِ سرا كان في الليل يبكي ويدعو لنفسه بالشهادة وفي كل مرة يزور الحسين عليه السلام يطلب منه اللحاق بركبه وكل شهيد يحمله يتمنى لو كان هو. مسحتْ الذاكرة على صورة ذلك اليوم عندما نهته أمه عن الذهاب قال لها مداعبا : أمي ألا تريدين من يقف على أبواب الجنان وينتظركِ, وفي أحد الأيام سمعتْ أمه أنينه وعندما دخلت عليه وجدته باكيا اقتربت منه ومسحتْ دموعه قائلة: ما بك يا ولدي! فجرت صوته من بين دموعه , أمي هل أنا (عار).. هل أنا مذنب.. انا متسخ بالدنيا لماذا لا أستشهد لماذا احمل الشهداء ولا اكون منهم لماذا أخبريني؟.

مسحت البدلة على خيوط متدلية منها تُخبر عن نقص ما ثم قالتْ كانت ليلة من ليالي شهر رمضان, اتصل بأمه كعادته ليوقظها لوقت السحور, قاطعتها الذاكرة: بلى فقد طلب منها السماح وبعد أن سالته قائلة : بني انت تتصل بي يوميا لماذا اليوم تطلب السماح ؟ قال أشعر بشيء ما, قالتْ لا تُقلقني عليك , فأجاب لا تخافي وودعها.

بعد ان أنهوا سحورهم بدأ كالعادة يلطف اجواء صمتْ الصحراء بمزاحه وضحكه الذي اعتادوا عليه مَن حوله في اصعب ساعاتهم ومع بزوغ الفجر شاهد احد رفقائه نعلاً يستند على شيء تحركتْ خطواته وسط التفات اصدقائه له ثم نزل صديقهم  ليسرع خطاه ركضوا خلفه وكان الأقرب له من بينهم هو رأوه يمد يديه لشيء صرخوا لا تلمس شيئاً انه كمين هتف انه كتاب الله عليه نعل هل تفهمون! هل اقف وأنظر اليه صاحوا لا تفعل سنخبر من يأتي ويفككه وبلحظة رفع النعل لينفجر عليهم اللغم وخيط من نار يتجه لدبابتهم ويفجرها ايضا ليسقطوا في تلك البيداء, أضعتُ قدم بدلتي مع قدمه ويديدها مع يده ليتبقى بدنه فقط نطق الشهادة وحين اقتربوا منه اصدقاؤه سمعه احدهم يقول كيف بأمي؟ أوصلوا بدننا الى المستشفى تاركين يده تقاتل هناك وقدمه تقتحم فخ العدو خرجت الذاكرة من بكائها لتقول لم يخبر احد امه في بادئ الامر حتى وصل ابوه الى هناك فاخبروها انها شظية فقط ولما وصلتْ له وفتحتْ ابواب غرفته نظرتْ للأجهزة المتصلة به ولدمائه التي انتقلتْ من دمها اليه تملئه, نظرتْ له بابتسامة مشجعة لان عينيه كانت مفتوحة تتأمل دخولها ثم قالتْ: ما بك حسوني ؟

سمعتْ شهقة تخرج من روحه لا بل كانت روحه الخارجة, أخرجوها من هناك لتجلس على كرسي الاستراحة, أما أنا فقد شعرت ببرودة جسمه حينها وانسلال نبضه لتسمو حيث تمنتْ, قطع صوت احتضان الام لبدلته بعمق حديث الجميع قائلة : (يا بني لقد أخبرني ذلك الحلم وأشار لي بأنك ثمرةٌ من الجنان أُعطيتْ ورُدّتْ ثم ختمتْ دموعها بهنيئا لك يا بني).

القصة الحائزة على المركز الثاني في مسابقة صفحات مشرقة التي أقامها مركز الحوراء زينب (عليها السلام).

ضمياء العوادي

قد يعجبك ايضاً