على خطى الحوراء

القصة الأولى

23-12-2018 381 زيارة

مشوشة ومشوهة تلك الأصوات التي كانت تصل عبر ترددات هاتفه؛ لذا لم يكن يميز صوت والدته وهي تخبرهُ هل وصل ام لا!

يحاول جاهداً الوصول قبل والده، لينصت اليه وهو يسرد قصصهُ المفعمة التي تشد جميع حواسه، تزخر ذاكرته بروايات عدة كان بطلاً فيها, فالشجاعة نمت وترعرعت داخله حتى بعد ان ناهز (63) من عمره.

 لم تفارق الدهشة وجهه وهو ينصت إليه بكل شوق، يحدثه عن تلك الفتية الاشاوس وهم يتصدون للدواعش، كأنه لم يكن بينهم!

فهو لم يكتفِ بسماع تلك القصص البطولية وتخيلها، ولم يمنعه رفض ابيه عن رغبته الجامحة  للالتحاق بالحشد والمثول امام العدو ومجابهته.

 

فحذا صوبه سراً وسار على خطاه, ليشهد يوم النصر او يكون شهيدا يذكر, وكان لقائده و امه دور بمساعدته, ليتمكن من العودة الى البيت قبل أبيه.

 

وما ان علم والده باحتدام القتال في معسكره حتى بدأ يشد رحالهُ للالتحاق مع اخوانه المرابطين في ساحات الوغى، وقبل رحيله نادى ولده الوحيد  واوصاه بأمه خيرا من بعده, وقال: ان حظيت بالشهادة, لتكن قصة استشهادي القصة الاولى التي سترويها لأبنائك.

 

وما لبث الا ايام معدودة حتى واصل ولده اللحاق بوالدهِ ليكون احد المشاركين بالقصص البطولية التي يرويها له عند عودته.

احتدم الهجوم, في منطقة الهياكل في مدينة الفلوجة القريبة من معسكر الأبن وابيه، لتصل هجمات العدو الى الساتر، فاختلطت أهازيج التكبير مع أزير الرصاص المنبثق من فوهات البنادق, وآخرون ينادون باقتراب سيارة مفخخة باءت محاولاتهم بالفشل لتصديها.

وبينما شارفت السيارة الملغمة على الوصول, وصلت معها القوة المساندة، وانبرا من بينها شاب يافع غطت رأسه خوذة, وعلم عراقي غلف كتفه، استقبل السيارة بصدره ليصوب نحوها عن كثب فحال دون تقدمها للمعسكر، وما كانت سوى خطوات فاصلة ليدوي انفجار صاخب.

اغتسل الشاب بدم الشهادة, حملوه رفاقه وعادوا به الى المعسكر, وصل خبره إلى أبيه أنطلق نحوه بلهفة وهو ينادي: ( أريد أشوف هذا البطل البي شجاعة علي الأكبر)

حاولوا منعه، الا ان دموعهم واهاتهم الثكلى  دفعت الحاج الى الجلوس عند رأس لينزع الخوذة عن وجهه ويردد قائلا: لماذا تبكون قد نال الشهادة التي كنت اتمناها, هلموا لنتبرك من دمه الطاهر, رفع الخوذة عن وجه الشاب واذا به ولده !

انفرجت شفتاه بابتسامة شاحبة, أهذا انت؟

هز كتفه بعنف وناداه.. ولدي.. ولدي.. اوصيتك ان تحدث أحفادي عن قصة استشهادي, لم أشأ أن تكون  بطل قصتي القادمة. 

زهراء جبار الكناني

قد يعجبك ايضاً