على خطى الحوراء

نهر أرتوى بالدم!

12-06-2018 2062 زيارة

لم يكن جمال ذلك اليوم الربيعي مقنعا كفاية لدرء دمعتها الصباحية وهي تسقي نباتتها التي تبالغ في العناية بها منذ زواجها قبل خمس وعشرون سنة, لكن بعد ذلك التاريخ المشؤوم هي لا تنظر إلى النباتات كبقية الناس بل تراها أرواحا تعرج إلى قلبها المكلوم كلما داهمها الوجع, قبل عاما واحد كانت امرأة تضج بالشباب رغم اقترابها من طوي صفحة العقد الرابع من عمرها؛ لكن ما منحها الإشراق ورسم لها ملامح السعادة هما ولديها أحمد وخضر اللذان كانا رجلين منذ نعومة أظفارهما, وابنتها التي كانت لها بمثابة الابتسامة التي تتعكز عليها إن عبست الأقدار في وجهها, فبعد أن فارقها زوجها في بداية مشوارهما تاركا لها مسؤولية تربية ولدين وبنت لتحيا حياتها برغيف الصبر وسلسبيل رحمة الله, تمكنت بعد فترة من الزمن على مسامحة الحياة, بل والتمسك بها كونها رأت للسعادة وجوها أخرى!

الأم لا تنتظر من أولادها ردا لمعروف تعبها وإيثارها لأنها لا تعده معروفا, فكل اللحظات التي أشقتها في تربيتهم ورعايتهم في نظر قلبها كانت لحظات استثمار ستدر عليها أرباحا لاحقة, أشبه بمشقة الأجر وزيادته الموسومة بالثواب الجزيل.

أم أحمد التي كانت ومازالت تتشبث بلطف الله ما عادت تقوى على متابعة حياتها بكل هذا الشحوب, فبنتها التي هاجرت قبل سنتين مع زوجها الذي أختار التحليق مع نوارس الغربة إلى ضفة الأمان المحفوف بالمجهول عادت إلى أحضان  والدتها لتجدها باردة كصقيع الغربة وأكثر.....

سبايكر ذلك الاسم الذي قض مضجع الأمهات هو ذاته من سلب ام احمد احمدها واخضرار سنيها (خضر) دفعة واحدة ليمنحها جثة أحدهما ويبتلع جثة الأخر في غياهب النهر الذي أرتوى من الدماء حد التخمة!

لم يكن أحمد قبل التحاقه للتدريب في قاعدة سبايكر ضمن القاعدة الجوية إن لخضر الرغبة ذاتها في الالتحاق والتدرب في هذه القاعدة, لكنهما كانا متفقين على كل شيء في الحياة حتى أذواقهما وميولهما وحتى مساعيهما ليكونا ضباط في القوة الجوية, وبعد مفاوضات طويلة تمكنا من إقناع والدتهما بالالتحاق سوية.

لم يعودا كما وعداها... وليتها لم تطمئن لوعدهما وأصرت على إبقاء أحداهما ولكن! هذا ما ادخرته لها الحرب, دفنت أحمد قرب أبيه ومازالت حتى الساعة تجوب الحلم باحثة عن جثمان خضر!

إيمان كاظم الحجيمي

قد يعجبك ايضاً