المهذب بن الزبير .. الرحلة الخصبة

الأدب الحسيني

2019-07-30

131 زيارة

كانت مصر في عهد الفاطميين عبارة عن جامعة علمية وفكرية وأدبية كبرى أخذ عنها الكثير من علماء الشرق والغرب، فقد نشطت الحركة الثقافية فيها نشاطاً لم تعهد له سابقاً في تاريخها فبرز أعلام الفكر الإسلامي في تلك الفترة.

والحديث عن الجوانب المضيئة للدولة الفاطمية يحتاج إلى دراسات مطولة نقل بعضها الباحثون فكانت صوراً مشرقة في سجل التاريخ الإسلامي والإنساني فقد حرص الخلفاء الفاطميون أشد الحرص على أن يتسنّى العلم للجميع وأن يتسنّى للعلماء الاطلاع والاستفادة من العلوم السابقة حتى سجل التاريخ للخليفة المعز قوله: (اننا لنسرّ بمن نراه من أوليائنا يطلب العلم والحكمة ويرغب في الخير كما نسر بذلك في الولد).

ويحلل الدكتور محمد كامل حسين الحرص الشديد من قبل الفاطميين على نشر العلم واستقطاب العلماء بقوله: (ويخيّل إليّ أن السبب الذي من أجله شجع الخلفاء الفاطميون العلم والعلماء أن المذهب الشيعي نفسه يقوم على العلم والعقل قبل كل شيء فلا غرو ان رأينا الفاطميين يشجعون العلم الذي هو دعامة من دعائم العقيدة الشيعية).

ومن أعلام هذه الدولة القاضي الحسن بن الزبير الذي استطاع بفضل هذه الدولة أن ينقش اسمه في سجل العلماء والأدباء.

مع الشعر

لم تشر المصادر التاريخية إلى سنة ولادته بالتحديد غير أنه يمكن الاعتماد على القول بأنها كانت في بداية القرن السادس الهجري لأن وفاته كانت عام (561هـ/1166م) أما مكان ولادته فكان في أسوان وقد لقب بالأسواني فهو أبو محمد الحسن بن علي بن إبراهيم بن محمد بن الحسن بن الزبير الغساني الأسواني المصري كما لقب بالقاضي والمُهذَّب, وهو أخو القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد.

ظهرت ميول ابن الزبير إلى الشعر منذ صغره فما كاد يبلغ مبلغ الشباب حتى اشتهر اسمه في أسوان شاعراً كبيراً قبل انتقاله إلى القاهرة وهناك وجد من يحتضن موهبته ويرعاها حيث التقى بالملك الصالح طلايع بن رزيك الذي كان يخوض حروبا مع الروم فمجد انتصاراته عليهم وأشاد بشجاعته وببطولاته.

غادر ابن الزبير القاهرة متوجّها إلى اليمن فالتحق بأخيه القاضي الرشيد الذي كان مبعوثاً من قبل الدولة الفاطمية قاضياً عليها وهناك درس علم الأنساب وصار من علماء هذا العلم الكبار فألف كتاباً كبيراً في الأنساب لم يصنف مثله كما يقول الحموي كما درس علوم القرآن وألف فيها فكانت فترة إقامته في اليمن من أخصب فترات حياته العلمية وعندما رجع إلى القاهرة لم يطل به المقام أكثر من عدة أشهر حتى توفي فيها

في أقلام الأعلام

 قال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: كان كاتباً مليح الخط فصيحاً جيد العبارة، وكان أشعر من أخيه الرشيد، وكان قد اختص بالصالح بن رزيك وزير المصريين ...

وقال العماد الأصبهاني: محكم الشعر كالبناء المشيد، وهو أشعر من أخيه الرشيد وأعرف بصناعته وإحكام معانيه. توفي قبل أخيه بسنة، لم يكن في زمانه أشعر منه أحد وله شعر كثير ، ومحل في الفضل أثير.

وقد وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء بالكاتب البليغ وقال عنه وعن أخيه الرشيد: ولهما يد في النظم والنثر ورئاسة وحشمة، فالمهذب أشعرهما والرشيد أعلمهما .

وقال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: وكان قاضياً فاضلاً عالماً نسابة شاعراً أديباً استقضاه الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الفاطميين

ويقول عن تشيعه: يعلم تشيّعه مما يأتي في شعره ومن كونه من قضاة الخلفاء المصريين ويؤكد الأمين بأنه كان إماميا فقال: وكونه من قضاة الخلفاء المصريين لا يقتضي كونه إسماعيليا.

مؤلفاته

طرق المهذب أبواب العلوم الأخرى إضافة إلى شاعريته الكبيرة التي تزعم بها عصره وله من المؤلفات إضافة إلى ديوان شعره الضخم:

1 ــ كتاب الأنساب: وهو أكثر من عشرين مجلد، كل مجلد عشرون كراسة, قال عنه ياقوت الحموي في معجم الأدباء: رأيت بعضه فوجدته مع تحققي بهذا العلم وبحثي عن كتبه لا مزيد عليه. وكان المهذب قد مضى رسولاً إلى اليمن عن بعض ملوك مصر واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد يدل على جودة قريحة مؤلفه وكثرة اطلاعه

2 ــ تفسيرٌ للقرآن في خمسين مجلداً

3 ــ الجنان: ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ولم يتحدث عن موضوعه

شعره وديوانه

عرف ابن الزبير بقصائده المطولة التي تفوق المائة والمائتي بيت ومن أطول قصائده التي فاقت المائتي بيت النونية التي يقول فيها في رثاء سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)

وهجرت قُـوماً ما استجارَ سـواهمُ   ***   قدماً قرى الضيـــــــفانِ بالذيفانِ

إلا الأولـــى نزلَ الحسـينُ بدارهمْ   ***   واختارَ أرضهمُ عــــــلى البلدانِ

فجنوا علـــى الإسلامِ والإيـمانِ إذ   ***   أجنوه مرَّ جناً من الــــــــــمرَّانِ

جعلوا الجــــفانَ المترعاتِ لغيـرِهِ   ***   وقـــــــروه ما سلِّوا من الأجفانِ

وسقوه إذ منـــعوا الشريعةَ بعـدما   ***   رفضوا الشــريعةَ ماء كان يمانِ

حتى لقد وردَ الحِمـامَ على الـظما   ***   أكــــــــــــرم به مـن واردٍ ظمآنِ

لا الـدينَ راعوه ولا فعـــــــلوا به   ***   ما يفعلُ الـــــــــجيرانُ بالجيرانِ

تاللهِ مــــــا نقضوا هناكَ بقتلهِ الإيــــــــمانَ بل نقضوا عـــــــــــرى الإيمانِ

فثوى وآل المــــصطفى من حوله   ***   يكبون للجبهـــــــــــاتِ والأذقانِ

نزلوا على حكمِ السيوفِ وقد أبوا   ***   في اللهِ حكمَ بني أبــــــــي سفيانِ

وتخيَّروا عزَّ المــــــماتِ وفارقوا   ***   فيه حيــــــــــــــــاةَ مذلّةٍ وهوانِ

يا لهفتي لمصرعّــــــــينَ قبورهمْ   ***   في كربلاء حواصـــــــلَ العقبانِ

بُزّت ســـــــــوابغ عنهم وتمزَّقت   ***   أشــــــــلاؤهم بسواغـب الذؤبان

وأنيخَ في تلـــــــكَ القفارِ حمامهمْ   ***   فأتيحَ لحـــــــــمَ الـليثِ للسرحانِ

إن لم تجنّ جســــومهمْ في تربِها   ***   فلأنّها اعـتاضـــــــتْ بخيرِ جنانِ

 

 

كم روح ثاوٍ منهــــمُ قد أصبحتْ   ***   تختـــــــالُ في روحٍ وفي ريحانِ

ما ضرّهمْ والخلدُ مـــن أوطانِهم   ***   أذ أزعــــجوا كرهاً عن الأوطانِ

ولقد دنا بهمُ التــــــقى مـن ربِّهم   ***   ونأت رؤوســـــــــهمُ عن الأبدانِ

وأتى إليهم قومُهم مــــــا لم يكن   ***   يأتيـــــــــــه أهلُ الكفرِ والطغيانِ

لم يتركوا لهمُ قتيلاً واحـــــــــداً   ***   إلّا لــــــــــــــه رأسٌ برأسِ سِنانِ

حتى غدت لمســـامعِ الأطفالِ فـــــــــــــوقَ السمرِ أخراصٌ من الخرصانِ

عجباً لهم نقلــــوا رؤوسهمُ وقد   ***   نقلوا فضـــــــــــــائلهمْ عن القرآنِ

وتفرَّقوا في بغــضهمْ فرقاً وهم   ***   يروون معـــــــجزهمْ عن الفرقانِ

الجاهلية قبلهـم لـــــــــم يغدروا   ***   بهمُ وكانـوا عابـــــــــــــدي أوثانِ

أيخافُ آلُ مـحمدٍ في أمـــــــــةٍ   ***   شهــــــــدتْ له بالصدقِ والبرهانِ

ومحمـــــدٌ في قومِهِ مـع كفرهم   ***   لمّا يــــــــــــــزل في منعةٍ وأمانِ

فالمشركــونَ أخفُّ جـرماً منهمُ   ***   وأشفُّ يومَ الحـــــشرِ في الميزانِ

ومن العجائـبِ أنّهـم عدّوا الذي   ***   فعلوهُ قرباناً من الــــــــــــــقربانِ

ورجوا به الزُّلفى كما زعموا ونَـــــــــــيلُ المنِّ عند الـــــــــــواحدِ المنّانِ

وأحقّ من خـابتْ مطامـعُ جهلِهِ   ***   من يرتجي الغفرانَ بـــــــالكفرانِ

أبني أميةَ خـــــــــابَ مؤتمٍّ بكم   ***   فيما مضى من سالفِ الأزمـــــانِ

سقطت غداة وليتموها جـــهرةً   ***   بالغصـــــــبِ هاء خلافة الرحمانِ

وغدتْ أمـــــارتكم دماراً يستعــــــــــــــاذ الله إن ذكـــــــرت من الشيطانِ

وقد نقل السيد محسن الأمين في ترجمته في أعيان الشيعة بعض أشعاره عن الشيخ محمد السماوي فقال: أورد له صاحب الطليعة أشعاراً في أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) وفي أهل البيت (عليهم السلام) ومن شعره في أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) قوله:

أميرُ المؤمنـيــــــن وخيرُ ملجأ   ***   يُسارُ إلى حمــــــاهُ وخيرُ حامي

كأني إن جـعلتُ إليــــكَ قصدي   ***   قصدتُ الــــركنَ بالبيتِ الحرامِ

وخُيِّلَ لي بأني في مقـــــــــامي   ***   لديـــــــــــــه بين زمزمَ والمقامِ

أيا مـــــولاي ذكركَ في قعودي   ***   ويا مولاي ذكركَ فـــــي قيامي

وأنتَ إذا انتبـــهت سمير فكري   ***   كذلك أنت أنســـــــي في منامي

وحبّكَ إن يكن قـــــــد حلّ قلبي   ***   وفي لحمي استكنّ وفي عظامي

فلولا أنت لم تُقبَل صــــــــلاتي   ***   ولولا أنــــــــتَ لم يُقبَل صيامي

 

عسى أسقى بكأسِكَ يوم حشري   ***   ويروي حيــــــن أشربها أوامي

وأُنعَمُ بالجنــــــــانِ بخيرِ عيشٍ   ***   بفضلِ ولاكَ والنِّعـــــــمِ الجِسامِ

صلاةُ الله لا تعـــــــــدوك يوماً   ***   وتتبعــــــــــــــها التحيةُ بالسلامِ

وقوله من قصيدة أخرى في أهل البيت عليهم ‌السلام:

خيرةُ اللهِ في العبادِ ومن يعــــــــــضد ياسين فيهم طاسينُ

والأولى لا تقر منهم جنوبٌ في الدياجي ولا تـــنامُ عيونُ

ولهم في القرآنِ في غسقِ الليــل إذا طرب السفيهُ حنيــن

وبكاء ملء العيون غزيــــــــــر فتكاد الصخور منه تلين

أما ديوانه فقد طبع ونشر عام 1984 بتحقيق محمد مصطفى رضوان، ونشر مرة أخرى عام 1988 بتحقيق محمد عبد الحميد سالم.

محمد طاهر الصفار
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً