اللقاء الأخير

الأدب الحسيني

2019-01-03

364 زيارة

من قصص الانتفاضة الشعبانية المباركة

بين سعف نخلة فارعة الطول كان يرنو إلى الديار المجتمعة والمنارة بشموع نارية قديمة رغم حداثة البيوت ويستنشق رائحة الأرض المغبرة بعد توقف هطول المطر الذي فاجأهم، كان مبتلاً بالماء ورفاقه بعد أن فاض ملجأهم الذي حفروه قرب النهر والمغطى بالشوك والذي طالما داسه العسكر بأرجلهم الثقيلة وهم تحت مقبض أنفاسهم وبرودة دمائهم في اللحظة المنتظرة أو لأن فوق رؤوسهم يتمشى الموت بكل جلجلته.

فلم يجدوا مأوى هذه الليلة إلا تحت النخيل والبرد المنساق نحوهم كهم أو كخوف يدق عظامهم, حتى النار بخلت بدفئها خوفاً من أن تفضحهم, فيما هو يتأرجح فوقهم اجتاحه حنين ملح لبيته. إنه هناك خلف النهر ببضع مئات من الأمتار هي كل ما تفصله عنه.

استطاع أن يشم رائحته العبقة عبر الهواء المتشظي والقادم من هناك، المنطقة مخدرة ونائمة يغزوها شبح الخوف والسكون إلا أن تجوال بعض الكلاب والقطط والزبانية يكسر روعة الصمت الهادئ ويبث رعب الموت في القلوب، القلوب المكلومة والمجروحة والتي تتظاهر بالنوم أو يأتي النوم بهيئة حلم، حلم كأي حلم يأتي كابوساً أو أملاً.

صمم الذهاب فقفز في منتصف النخلة إلى الأرض الرخوة فانغمست قدماه في الأرض الموحلة، قفزته كانت من التصميم أن لا يثنيه شيء عن تحقيق هدفه الحلم، الاجتماع بهم فحمل بصمت سلاحه فمانعه أصدقاؤه بشدة:

ــ أتعرف بأنك ذاهب للهلاك.

ــ والآخر يشده من يده بالله عليك اصبر كلنا نملك أو ربما أكثر منك مشاعراً.

ـ لم نكن نعرف بأنك ضعيف.. عهدناك بطلاً مغواراً وفيما هو يتجه نحو الأضواء الخافتة استدار بصمت نحوهم وتأملهم عبر الظلام المضاء بضوء القمر. الكل يقف حيث هو كمشهد سينمائي وموسيقى الريح تعبئ الصمت بلغة أخرى لا أحد يفهمها غيرهم.

ضمّ خُطاه مسرعاً متوشحاً الظلام ستاراً ويتنقل بخفة بين جدار وجدار، تراءى له المنزل ففضل القفز إلى حديقة منزله خوفا من أن يوقظ طرق الباب أنفاس الجواسيس أحس في قلبه خفقة افتقدها منذ فترة، خفقة رجوعه إلى البيت, قفز إلى حديقة المنزل بلا ضوضاء، ومن خلال فتحة مألوفة رآهم وهم جالسون أمه وزوجته ومن حولهما أبناؤه وهم نائمون على شكل قوس تتوسطهم المدفأة القديمة أراد أن يباغتهم لكنه أرجأ الفكرة خوفاً من أن ينتابهم رعب المفاجأة فنقر بأصابع راجفة مستعجلة على الشباك.

جفلت الأم فقال بصوت يكاد لا يسمع لا تخافا هذا أنا.

إنها مفاجأة غير متوقعة فتحت أمه الباب وقالت له:

ــ أأنت مجنون تجازف بهذا الشباب الجميل وتقتحم جحيمهم في مثل هذه الليلة البائسة ؟

هو الوطن الذي أناضل من أجله. هي الحرية التي طالما حلمت بها، فليسلبوني كل شيء إلا هي..

ــ سوف أحضر الشاي. قالت زوجته  فقالت الأم: بل أنا من سوف يحضر الشاي في أثناء ذلك مد يديه المرتعشتين نحو المدفأة

بعد ساعة كان يستعد للخروج والالتحاق بزملائه بعد أن قبل أبناءه النائمين وفيما يهم بفتح الباب سمع صوت أمه:

خذ هذا الغطاء تدثر به لأنك سوف تموت برداً.

التفت إليها وابتسم وقال:

ـ سنلتقي

ـ وأنا سأكون بانتظارك كميناء مهجور

أقفل راجعاً منتعشاً لا يبالي بالكلاب والجواسيس, يتنقل بخفة من جدار لجدار نحو رفاقه بالضفة المظلمة، فسمع صوتاً بشعاً من خلفه قف.. قف.

فاستدار مسرعاً وأفاق من حلمه وسقط من تأملاته فتدارك:

ـــ جبناء..

رشقهم رشقة من سلاحه فتتالت عليه الإطلاقات.. اختبأ خلف أحد الجدران ورمى ثانياً باتجاه أصواتهم فسمع صرخات بعضهم وقذف برمانة يدوية كانت بحوزته نحوهم فسمع أنين آخرين ولم يبقى سوى أمتار قليلة تفصله عن النهر فأصابته طلقة ثم ثانية فسقط وبدأ يزحف وانهارت قواه عند حافة النهر.

سال دمه صوب النهر فرفع عينه إلى السماء فرآها صافية جميلة نجومها متألقة.. قمرها باسم وفيما هو يتأملها حتى سقط في النهر إثر ركلة أحدهم بحذائه الثقيل وجرفته المياه..

أحست أمه بضيق شديد وفيما هي تطل من فتحة الباب الممنوعة يصل إلى مسامعها عذاباته فيغشى عليها بعد أن تطلق من فمها صرخة بحجم المدينة.  

أحمد طابور

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً