13 ــ ابن التعاويذي (519 - 583 هـ / 1125 - 1187 م)

كربلاء الحسين

2019-12-25

72 زيارة

قال من قصيدة تبلغ (76) بيتاً: 

لطيبةَ والبقيــــــــــعِ و(كربلاءٍ)   ***   وســــامـراءَ تغدو والغريِّ

وزوراءِ العراقِ وأرضِ طوسٍ   ***   سقاها الغيثُ من بلدٍ قصيِّ

فحيــــــــا اللهُ من وارته تلكَ الـــــــــــــــقبابُ البيضُ من حبرٍ نقيِّ

الشاعر:

أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبدالله المعروف بـ (ابن التعاويذي) وبـ (سبط ابن التعاويذي) ولد في بغداد وتوفي فيها، شاعر العراق في وقته والكاتب الكبير، لُقِّب بابن التعاويذي نسبة إلى جدّه لأمّه وهو المبارك بن علي بن نصر السراج الجوهري الزاهد (ت533 هـ) المعروف بابن التعاويذي أيضاً، وسُمي بذلك لأنّ أباه كان يصنع التعاويذ (الأحراز).

قال السمعاني عن ابن التعاويذي (الجد): (واشتهر بهذه النسبة أبو محمد المبارك بن المبارك السراج البغدادي المعروف بابن التعاويذي، كان شيخاً صالحاً سديد السيرة يقعد في سوق الجوهريين ببغداد، وكان الناس يتبركون به، ولعل والده كان يرقي ويكتب التعاويذ) (1)

وقد تولى هذا الجد تربية سبطه فعُرِف به، أما أبوه فلم يذكر التاريخ عنه شيئاً سوى: (أنه كان مولى لبني المظفر واسمه (نشتكين) ثم أطلق عليه اسم عبيد الله). و(نشتكين) هو اسم فارسي. 

وقد ذكره السيد الأمين (2)، كما ذكره الشيخ الأميني فقال: (وكل شعر أبي الفتح غرر وديوانه كبير يدخل في مجلدين جمعه بنفسه قبل أن يضرّ، وافتتحه بخطبة لطيفة ورتبه على أربعة أبواب، وما حدث من شعره بعد العمى سمّاه الزيادات، وهي ملحقة ببعض نسخ ديوانه المتداولة وبعض النسخ خلو منها، وله كتاب سماه (الحَجَبَة والحُجَّاب) في مجلد كبير ونسخه قليلة) ثم قال عنه: (مات ببغداد ودفن في مقبرة باب أبرز). (3)

وقال عنه ابن خلكان: (كان شاعر وقته لم يكن مثله، جمع شعره بين جزالة الألفاظ وعذوبتها، ورقة المعاني ودقتها، وهو في غاية الحسن والحلاوة، وفيما أعتقده لم يكن قبله بمائتي سنة من يضاهيه ... وكان كاتباً بديوان المقاطعات ببغداد، وعُمي في آخر عمره سنة تسع وسبعين، وله في عماه أشعار كثيرة يرثي بها ويندب زمان شبابه وتصرفه، وكان قد جمع ديوانه بنفسه قبل العمى، وعمل له خطبة طريفة، ورتبه أربعة فصول) (4)

وقال عنه ياقوت الحموي: (كان شاعر العراق في وقته، وكان كاتباً بديوان الأقطاع ببغداد، واجتمع به العماد الكاتب الأصفهاني لما كان بالعراق وصحبه مدة .....) ثم يقول: (وكل شعره غُرَرْ) (5)

وقال عنه معاصره العماد الأصبهاني: (هو شاب فيه فضل وآداب ورياسة وكياسة ومروة و أبوة وفتوة، وجمعني وإياه صدق العقيدة في عقد الصداقة، وقد كملت به أسباب الظرف واللطف واللباقة ...) (6)

وإضافة إلى أقوال هؤلاء الأعلام فقد ترجم له العديد من العلماء والمؤرخين وأثنوا عليه منهم: الصفدي (7) وابن تغري بردي (8)، وابن كثير (9)، وابن شحنة (10) وابن العماد الحنبلي (11) والصنعاني (12) والسيد جواد شبر (13) وجرجي زيدان (14) وغيرهم.

أما تشيعه فقد أثبته علماؤنا الأعلام فذكره السيد الأمين في الأعيان وقال الشيخ عباس القمي: (أورده بعض علمائنا في رجال الشيعة. ونقل عن نسمة السحر قال: إنه من كبار الشيعة وذكر قصيدته في رثاء الحسين عليه السلام وأبياته المرسلة إلى ابن المختار نقيب مشهد الكوفة التي فيها التصريح بتشيّعه) (15)

حقق ديوان ابن التعاويذي المستشرق مرجليوث وطبع في القاهرة سنة (1905)، وكتب نوري شكري الآلوسي دراسة عن حياته وشعره طبعت في كتاب ببغداد سنة (1975) بعد عثوره على نسخة مخطوطة سنة (585 هـ) واستدرك عليها (1590) بيتاً.

شعره

لا يضيف قولنا على أقوال الأعلام شيئاً عن شاعرية ابن التعاويذي وتُستشفُّ هذه الشاعرية الكبيرة من خلال شعره

يقول في القصيدة الحسينية التي تبلغ (76) بيتاً:

ولو أكـــرمتَ دمــــعَكَ يا شؤوني   ***   بكيتَ على الإمـــــــــــامِ الفاطميِّ

على المقتـــــــــولِ ظمآناً فجودي   ***   على الظمــــــــــآنِ بالدمعِ الرويِّ

على نجمِ الهدى الساري وبحرِ الـــــــــــــــعلومِ وذروةِ الشــــــــــرفِ العليِّ

على الحامي بأطـــــرافِ العوالي   ***   حِمَى الإسلامِ والبطــــــــلِ الكميِّ

على الباعِ الرحيــــــــبِ إذا ألمّتْ   ***   يدُ الأزمــــــــــاتِ والكفِّ السخيِّ

على أندى الأنـــــــــامِ يداً ووجهاً   ***   وأرجحهــــــــــــمْ وِقاراً في النديِّ

وخيرِ العـــــــــــــــالمينَ أباً وأمّاً   ***   وأطهرهمْ ثـــــــــــرىً عرقٍ زكيِّ

فما دفعوهُ عن حســـــــــبٍ كريمٍ   ***   ولا ذادوهُ عن خُــــــــــــلقٍ رضيِّ

لئن دفعوهُ ظلماً عن حــقـــوقٍ الــــــــــــــخلافةِ بالوشيــــــــــــــجِ السمهريِّ

فما دفعوهُ عن حســـــــــبٍ كريمٍ   ***   ولا ذادوهُ عــــــــــــن خُلقٍ رضيِّ

لقد فصموا عُرى الإسلامِ عوداً    ***   وبدأً في الحسيــــــــــــنِ وفي عليِّ

ويومُ الطفِّ قامَ ليـــــــــــومِ بدرٍ   ***   بأخذِ الثأرِ مـــــــــــــــــن آلِ النبيِّ

فثنّوا بالإمامِ أما كــــــــــــــفاهمْ   ***   ضلالاً ما جـــــنوهُ على الـوصيِّ ؟

رموهُ عن قلـوبٍ قاسيــــــــــاتٍ   ***   بأطــــــــــــــــرافِ الأسـنَّةِ والقَسِيِّ

وأسرى مقدمـــــاً عمرُ بن سعدٍ   ***   إليهِ بكلِّ شيطــــــــــــــــــــانٍ غويِّ

سفوكٍ للدمــــــــــــاءِ على انتهاكِ الـــــــــــــــمحارمِ جّـدّ مقــــــــــدامٍ جريِّ

أتاهُ بمحنقينَ تجيــــــــــــــــشُ غيظاً   ***   صدورهمُ بـجيـــــــــشٍ كالآتيِّ

أطافوا محدقينَ به وعــــــــــــــاجوا   ***   عليهِ بكــــــــلِّ طـرفٍ أعوجيِّ

وكلِّ مثقـــــــــــــــــفٍ لدنٍ وعضبٍ   ***   سريـــــــــــجـيٍّ ودرعٍ سابريِّ

فأنحوا بالصـــــــــــــوارمِ مشرعاتٍ   ***   على البرِّ التـــــــــقيِّ ابن التقيِّ

وجوهُ النارِ مظلـــــــــــــــــمةٌ أكبَّتْ   ***   على الوجـــهِ الــهلاليَّ الوضيِّ

فيا لكَ من إمـــــــــامٍ ضرَّجـــــوهُ الــــــــــــــدمَ القاني بخـــــــــرصانِ القُنيِّ

بكتهُ الأرضُ إجـــــــــلالاً وحـــزناً   ***   لمصـــــــــرعِهِ وأمـلاكُ السميِّ

وغُودرتِ الخيـــــــــامُ بــــغيرِ حامٍ   ***   يناضـــــــــــلُ دونهـنَّ ولا وليِّ

فما عطفَ البغـــــاةُ عـــلى الفتاةِ الـــــــــــــحَصَانِ ولا عـلى الطـفلِّ الصبيِّ

ولا بذلوا لخــــــــــــــــــــائفةٍ أماناً   ***   ولا سمحوا لظـمـــــــــــآنٍ بريِّ

ولا سفروا لثـــــــــــــاماً عن حياءٍ   ***   ولا كـــــــــــرمٍ ولا أنــفٍ حميِّ

وساقوا ذودَ أهــــــــــلِ الحقِّ ظلماً   ***   وعُدواناً إلى الــــــــــوِردِ الوبيِّ

تذودهمُ الرمـــــــــــاحُ كما تذادُ الــــــــــــــركابُ عن المـــــــواردِ بالعصيِّ

وساروا بـالكرائمِ مـــــــــن قريشٍ   ***   سبايا فوقَ أكــــــــــــوارِ المَطِيِّ

فيا للهِ يومَ نـــــــــــــــــــــعوهُ ماذا   ***   وعى سمعُ الرســــولِ من النعيِّ

ولو رامَ الحـــــياةَ ســــــــعى إليها   ***   بعزمتِهِ نجاءَ المـــضــــــــرحيِّ

ولكنَّ المـــــنيَّةَ تــــــــحتَ ظلِّ الـــــــــــــــرقاقِ البيضِ أجــــــــــدرُ بالأبيِّ

فيا عُصبُ الضــــلالةِ كيف جرتمْ   ***   عناداً عن صــــــــراطكمُ السويِّ

وكيفَ عــــدلتمُ مولـــودَ حجرِ الـــــــــــــــــنبوُّةِ بالغـــــــــــــويِّ ابنِ الغويِّ

فألقيتمْ  ــ وعهــــــــــدكم قريب ــ   ***   وراءَ ظهـــــــــــوركمْ عهدَ النبيِّ

وأخفيتمْ نفـــــــــــــــــاقكمُ إلى أن   ***   وثبتمْ وثبةَ الليــــــــــــثِ الضريِّ

وأبديتمْ حــــــــــــــــقودكمُ وعدتمْ   ***   إلى الدينِ القديـــــــــــــمِ الجاهليِّ

ولولا الضغنُ ما ملتمْ على ذي الـــــــــــــــقرابةِ للبعيـــــــــــــــــــدِ الأجنبيِّ

كفى حرباً ضمــــــــــانكمُ لقتلِ الــــــــــــــحسينِ جـــــــــــوائزَ الرفدِ السنيِّ

وبيعكمُ لأخراكمْ سِفـــــــــــــــاهاً   ***   بمنزورٍ من الدنــيــــــــــــــــا بليِّ

وحسبكمُ غداً بأبيـــــــــــهِ خصماً   ***   إذا عُرف السقيــــــــــمُ من البريِّ

صَليتمْ حربَه بغيـــــــــــــــاً فأنتمْ   ***   لنارِ اللهِ أولــــــــــــــــــى بالصليِّ

وحرمتمْ عليهِ المــــــــــــاءَ لؤماً   ***   وإقبــــــــــــالاً علـــى الخلقِ الدنيِّ

وأوردتمْ جيــــــــــــــادكمُ وأظمــــــــــــــأتموهُ شربـــــــــــــــــتمُ غيرَ الهنيِّ

وفي صفينَ عانـــــــــــــدتمْ أباهُ   ***   وأعرضتـــــــــمْ عـــن الحقِّ الجليِّ

وخادعتمْ إمامكمُ خـــــــــــــداعاً   ***   أتيتمْ فيهِ بالأمــــــــــــــــــرِ الفَرِيِّ

إماماً كان ينصفُ في القضـــايا   ***   ويأخذُ للضعيـــــــــــــفِ من القويِّ

فأنكــرتمْ حــديثَ الشمسِ رُدَّتْ   ***   له وطويتــــــــــــــــــمُ خبرَ الطويِّ

فجُـــوزيتمْ لبغضِكمُ عــــــــــلياً   ***   عذاب الخــــــلدِ في الـدركِ القصيِّ

سأهدي للأئمةِ مــــن ســــلامي   ***   وغرِّ مدائحـي أزكـــــــــــــى هديِّ

سلاماً أتبع الوســـــــــــميَّ منه   ***   على تلكَ المـشاهدِ بـــــــــــــــالوليِّ

وأكسو عـــــاتقَ الأيــــــامِ منها   ***   حبائرَ كــــــــــــــــالرداءِ العـبقريِّ

حســـــاناً لا أريدُ بـــــــــهنَّ إلّا   ***   مساءةَ كلِّ باغٍ خــــــــــــــــــارجيِّ

يضـــــوعُ لها إذا نُشـرتْ أريجٌ   ***   كنشرِ لطـــــــــــــائمِ المسـكِ الذكيِّ

كأنفاسِ النسيمِ ســــــــرى بَلِيْلاً   ***   بهنَّ ذوائبَ الــــــــــــــــوردِ الجنيِّ

لطيبةَ والبقيـــــــــعِ و(كربلاءٍ)   ***   وســـــــــــــــامـراءَ تغــدو والغريِّ

وزوراءِ العراقِ وأرضِ طوسٍ   ***   سقـاها الغيثُ مـن بـــــــــــلدٍ قصيِّ

فحيـــــــــا اللهُ من وارته تلكَ الـــــــــــــــقبابُ البيضُ من حبــــــــــــرٍ نقيِّ

وأسبلَ صــــوبَ رحمتهِ دراكاً   ***   عليها بالغـــــــــــــــــــــدوِّ وبالعشيِّ

فذخري للمـعــــــــادِ ولاءُ قـومٍ   ***   بهمْ عُرفَ السعيـــــــــــدُ من الشقيِّ

كفاني علمهـمْ أنّي معـــــــــــادٍ   ***   عدوَّهمٌ، مـــــــــــــــــــــــوالٍ للوليِّ

محمد طاهر الصفار

......................................................................

1 ــ الأنساب ج 1 ص 468

2 ــ أعيان الشيعة ج ٧ - ص ١٨٣

3 ــ الغدير ج 6 ص 391

4 ــ وفيات الأعيان ج 2 ص 123       

5 ــ معجم الأدباء ج 2 ص 410

6 ــ خريدة القصر وجريدة العصر (قسم شعراء العراق) ج 3 ص 82

7 ــ الوافي بالوفيات ج 4 ص 11

8 ــ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج 4 ص 11

9 ــ تاريخ ابن كثير ج 3 ص 80

10 ــ روض المناظر في علم الأوائل والأواخر  ص 291

11 ــ شذرات الذهب شذرات الذهب في أخبار من ذهب 4 ص 281

12 ــ نسمة السحر في من تشيع وشعر ج 2 ص 151

13 ــ أدب الطف ج 3 ص ٢٢١

14 ــ آداب اللغة العربية ج ٣ ص ٢٤

15 ــ الكنى والألقاب ج ١ ص ٢٣٥ 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً