11 ـــ ابن أبي الخصّال الشقوري: (465 ــ 540 هـ / 1073 ــ 1146 م)

كربلاء الحسين

2019-12-22

134 زيارة

 

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (13) بيتاً:

عرِّجْ على الطفِّ إن فاتتكَ مكرمةً   ***   واذرِ الدمـــــــــوعَ بها سحَّاً وهتّانا

وابكِ الحسيــــــنَ ومن وافى منيَّته   ***   في (كربلاء) مضوا مثنىً ووحدانا

يا ليتَ أنّي جريحُ الـــــطفِّ دونهمُ   ***   أهينُ نفساً تفيــــــــــدُ العزَّ من هانا

وقال من قصيدة أخرى تبلغ (29) بيتاً مصوّراً حالة الحزن العميق التي تصيب (المؤمنين والمؤمنات) لمجرد استذكار حادثة كربلاء الأليمة:

إنّ في (كربلاءَ) كــــــــرباً سقيماً   ***   فتـنَ المؤمنينَ والمؤمناتِ

فاتني نصركمْ بنصــــلي فنصري   ***   بفـــــــؤادٍ مجددِ الزفراتِ

وقوافٍ موســــــــــــــومةٍ بدموعٍ   ***   قدحـتْ في توقّدِ الجمراتِ

ويقول في قصيدة حسينية أخرى تبلغ (12) بيتا:

ولو حدثتْ عن (كربلاءَ) لأبصرتْ   ***   حسيــــــــــناً فتاها وهو شلوٌ مقدَّدُ

وثاني سبطي أحمدٍ جــــــعجعتْ بهِ   ***   رعاةٌ جفاةٌ وهو في الأرضِ أجردُ

ولم يرقبوا إلاً لآلِ محــــــــــــــــمدٍ   ***   ولم يذكــــــــروا أنَّ القيامةَ موعدُ

الشاعر :

أبو عبد الله محمد بن مسعود بن طيّب بن فرج بن أبي الخصال بن خلصة الغافقي الشقوري المعروف بـ (ابن أبي الخصال) وقد عرف والده به أيضاً، ولد بقرية (فرغليط) من قرى قرطبة وهو فقيه، ومحدّث، ومؤرِّخ، وأديب، وشاعر، ووزير لقب بـ (ذي الوزارتين) سكن قرطبة وفاس، وقد برع في الكتابة حتى قيل: (لم ينطلق اسم كاتب بالأندلس على مثل ابن أبي الخصال)، اشترك في ثورة ابن الحاج ملك قرطبة على المرابطين وانتقل مع ابن تاشفين إلى سرقسطة لكن الثورة فشلت فاقتحموا عليه داره وقتلوه وكان العلماء والأدباء يقصدون قبره يزورونه بقولهم: السلام عليك يا زين الإسلام.

أساتذته

درس ابن أبي الخصال على يد كبار علماء الأندلس في اللغة والأدب والفقه منهم:

1 ــ محمد بن سابق الصقلي.

2 ــ أبو علي الصدفي

3 ــ ابن مالك اليعمري.

4 ــ أبو الحسين ابن السراج.

5 ــ أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب.

6 ــ أبو علي الغساني.

مؤلفاته

يعد كتاب (رسائل ابن أبي الخصال) من أهم مؤلفاته حيث ضم رسائل وخطباً ومقامات وأشعاراً وقد طبع الكتاب في دمشق بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، وذكر له الزركلي أيضاً كتباً أخرى منها: (مجموعة ترسّله وشعره) في خمس مجلدات، و(ظل الغمامة)، و(منهاج المناقب) وهما مخطوطان، كما له عدة قصائد حسينية وكثير منها فقدت وله أيضاً مدائح نبوية منها قصيدته الغراء (معراج المناقب ومنهاج الحب الثاقب).

وقد كتب في ترجمته السيد جواد شبر (1) ما يلي:

(كتب الدكتور عبد السلام الهرّاس مقالا عنوانه (مأساة الحسين في الأدب الأندلسي) ونشر هذا المقال في مجلة (المناهل) المغربية والتي تصدرها وزارة الشؤون الثقافية في الرباط. وفي العدد ١٤ من السنة السادسة.

وذكر شعر أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال الشقوري، وقال : هو الكاتب المرابطي البليغ وقد استحيى مأساة الحسين وجدد ذكرى كربلاء، ولا شك إنه أنشأ عدة قصائد وقطع نثرية في الموضوع، لان الرجل كان غزير الانتاج جيّاش العاطفة، يمتح من نفس مليئة بالأحزان تنفجر من أغوار عميقة، لكن لم نسمع من ذلك الانتاج إلّا بعض الأبيات خلال قصائد نبوية، وقصيدتين رواهما ابن خير عن الشاعر نفسه كما نص على ذلك في كتابه المفيد (الفهرست) (2) والقصيدتان حسب ما وصل عن ابن خير إحداهما على قافية النون المردفة بالألف، والثانية على قافية التاء بعد الألف. وإلى حدود السنتين الأخيرتين كان البحث يعتبرهما مفقودتين إلى أن وُفقنا أخيراً إلى اكتشافهما، فوقعنا بذلك لأول مرة على بداية واضحة صادقة لعشر بكاء الحسين في قصائد مستقلة.

يقول في الأولى:

عرِّجْ على الطفِّ إن فاتتكَ مكرمةً   ***   واذرِ الدمـــــــــوعَ بها سحَّاً وهتّانا

وابكِ الحسيــــــنَ ومن وافى منيَّته   ***   في (كربلاء) مضوا مثنىً ووحدانا

يا ليتَ أنّي جريحُ الـــــطفِّ دونهمُ   ***   أهينُ نفساً تفيــــــــــدُ العزَّ من هانا

إني لأجعل حــــــــزني فيهما ترفاً   ***   يكونُ للذنبِ تكفيـــــــــــراً وغفرانا

لله عينٌ بكتْ أبنـــــــــــــاءَ فاطمةٍ   ***   ترى البكـــــــــــا لهمُ تقـوىً وإيمانا

ما سرَّني ببكــــــــائي ملكُ قاتلهمْ   ***   ومثله معه لـــــــــــــو صــحَّ أو كانا

آليتُ باللهِ لا أنسى مصــــــــائبهمْ   ***   حتى أضمَّنَ أطبـــــــــــــــاقاً وأكفانا

فيا محمد قمْ للهِ معتـــــــــــــــرفاً   ***   فإنَّ ربَّكَ قد أولاكَ إحســـــــــــــــــانا

لم يفرغ الله في جنبيــــــكَ حبَّهمُ   ***   إلا لتلقى به فـــــــــوزاً ورضوانا (3)

قال الهراس: وهي تبلغ عندنا ثلاثة عشر بيتاً. أما الثانية فتبلغ تسعة وعشرين بيتاً، يقول فيها:

لهفُ نفسي على الحسينِ ومن لي   ***   إن تقضّـــي حقوقَه عبراتي

يا جنونـــــــــي برئتُ منكَ إذا لمْ   ***   تغرقي في بحورِها نظراتي

لهفُ نفسي عـلى قتيــــــلٍ يُعزى   ***   عنه خيرُ الآبـــاءِ والأمَّهَاتِ

أيّ عيشٍ يطيـــــــــــبُ بعدَ قتيلٍ   ***   ماتَ بالمرهـفــاتِ أيَّ مماتِ

حرموهُ ماءَ الفــــــــــراتِ ولولا   ***   جدّه ما سُقـوا بمــــاءِ الفراتِ

وثووا في قصــــــوره واطمأنوا   ***   وبناتُ الرسولِ في الفــلواتِ

إنَّ في (كربلاءَ) كـــــرباً سقيماً   ***   فتنَ المؤمنيـــــــنَ والمؤمناتِ

فاتني نصركمْ بنصـلي فنصري   ***   بفؤادٍ مجدِّدُ الزفـــــــــــــراتِ

وقوافٍ موسومةٍ بدمـــــــــــوعٍ   ***   قدحتْ في توقّدِ الـجمــــــراتِ

ما بقاءُ الدمـــــــوعِ بعدَ حسينٍ   ***   فخُذي من صميمِ قلبي وهــاتِ

أتكونُ الدمــــــوعُ فيه وفي النــــــــــــــاسِ سواءٌ كلا وهادي الهــــداةِ

هوَّنَ اللهُ بعــــــدهمٍ كلَّ خطبٍ   ***   وحلت ليْ عـــــــلاقمُ الحادثاتِ

ويواصل الهرّاس حديثه عن ابن أبي الخصال فيقول: (ولابن أبي الخصال عدة قصائد نبوية منها قصيدته الشهيرة المسماة بـ (معراج المناقب ومنهاج الحب الثاقب) عارض بها قصائد حسان بن ثابت، وقد مخمساً أبيات أبو عبد الله محمد بن الحسن بن جيش المرسي، وبفضل هذا التخميس استطعنا التقاط أبيات من شعر أبي الخصال في هذا المجال، يقول في الموضوع الذي يهمنا ــ يقصد رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) ــ :

ويلحقهم فضلُ الشفاعةِ بالرضـى   ***   كلوا واشربوا من خيرِ أكلٍ ومشربِ

سوى أن قوماً جعجعوا بابن بنته   ***   وحفّوا به من قـــــــــــــــاتلٍ ومؤلّبِ

وانحوا على أوداجِـهِ كلَّ مرهفٍ   ***   طريـــــــــــــــرٍ وحزّوا رأسَه لتتوِّبِ

كأنهم لما أبـــــــــــــاحوا حريمه   ***   أباحوا حـــريمَ الديلميِّ المحرَّبِ (4)

ويقول في إحدى الحسينيات:

ولو حـــــدثتْ عن (كربلاء) لأبصرتْ   ***   حسيناً فتـــــــــــاها وهو شلوٌّ مقدَّدُ

وثاني سبـطي أحمــــــــــدٍ جعجعتْ بهِ   ***   رعاةٌ جفاةٌ وهوَ فـي الأرضِ أجردُ

ولم يــــــــــــــــــــرقبوا إلّا لآلِ محمدٍ   ***   ولم يذكروا أن القيــــــــــامةَ موعدُ

وإنَّ عليهم في الكــــــــــــــــتابِ مودَّةٌ   ***   بقرباهُ لا ينحاشُ عنها مــــــــــوحِّدُ

فيا سرعَ ما ارتدوا وصدّوا عن الهدى   ***   ومالوا عن البيتِ الذين به هُــــدوا

ويا كبـــــــــــدي إن أنتِ لم تتصـدعي   ***   فأنتِ من الصفـــــوانِ أقسى وأجلدُ

فيا عبرتي إن لـــــــــــم تفيضَ عليهـمُ   ***   فنفسيَ أسخى بالحيــــــــــاةِ وأجودُ

أتنتهبُ الأيامُ فلذةَ أحمــــــــــــــــــــــدٍ   ***   وأفلاذُ من عــــــــــــــــاداهمُ تتودَّدُ

أيضــــــــــــحى ويظمى أحمدٌ وبـناته   ***   وبنتُ زيادٍ وِردها لا يصـــــــــــرَّدُ

وما الدينُ إلا ديـــــــــــنُ جدِّهـمُ الذي   ***   به أصدروا في الصالحينَ وأوردوا

ينامُ النصارى واليهودُ بــــــــــــأمنهمْ   ***   ونومُهــــــــــــمُ بالخوفِ نومٌ مشرَّدُ

وما هيَ إلّا ردَّةٌ جــــــــــــــــــــاهلية   ***   وحقدٌ قديمٌ بالحــــــــــــــــديثِ يُؤكّدُ

يقول الهراس معقبا على قصائد ابن أبي الخصال: (إن ابن أبي الخصال يلحّ على مأساة كربلاء ويقدمها في صور شتى ويكرر أفكاره خلال قصائده، وهو أول شاعر أندلسي ــ فيما نعلم ــ يعتبر قتل الحسين ردّة جاهلية ذلك القتل الذي كان بدافع حقد قديم يضمره بنو عبد شمس لبني هاشم قبل الإسلام وأكده الحديث، كما أبرزته الأحداث بعد الدعوة الإسلامية ويؤكد كفر القتلة نثراً في بعض رسائله بقوله: وما يلقاها إلا كل خارج عن الإسلام ومارق، كلا إن ملائكة العذاب لتدخل عليهم بالمقامع من كل باب، فأي وسيلة بينهم وبين شفاعة جده يوم الحساب) (5)

أدرك ابن أبي الخصال مكانة عالية على عهد المرابطين كما يتبيّن ذلك من إنتاجه الأدبي الغزير لكنه نشب في ثورة فاشلة عليهم مع عامل قرطبة ابن الحاج الذي كان ملازماً له بالأندلس والمغرب، وقد نجا من هذه الورطة ليعتزل الحياة السياسية ويزهد في المناصب، سيما وقد شاهد من الفتن والقلاقل والتمردات ما زهده في تلك الحياة، فلزم داره خائفاً من تلك الأحقاد القديمة ولم يسلم المترجم له حتى ذبحه بعض الجنود الأجلاف واقتحموا داره ونهبوها وكان ذلك يوم السبت (١٢ ذي الحجة سنة ٥٤٠ ه‍) ولما توفي الرجل كان العلماء والأدباء يقصدون قبره ويزورونه ويجيبونه بقولهم: السلام عليك يا زين الإسلام).

محمد طاهر الصفار

...................................................................................................

1 ــ أدب الطف ج 10 ص 305 / قسم المستدركات

2 ــ فهرست ابن خير ص ٤٢١

3 ــ القصيدة عن مخطوط يملكها الأستاذ مصطفى الطاهري الذي يهيئ رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا في موضوع (ابن أبي الخصال حياته وأدبه).

4 ــ الأبيات نقلها الهراس عن مخطوط (أزهار الرياض) بالخزانة العامة بالرباط.

5 ــ رسائل ابن أبي الخصال، توجد لدى الأستاذ الطاهري مصطفى.

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً