6 ــ إبراهيم الوائلي (1332 ــ 1408هـ / 1914 ـ 1988 م)

كربلاء الحسين

2019-12-14

223 زيارة

 

قال من قصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) تبلغ (20) بيتاً:

يا يومَ وقعةِ (كربلاء) كفى أسىً   ***   ألا يُطــــــــــاقَ تصبُّرٌ وتجلّدُ

ودمُ الحسيــــنِ الطهرِ كلُّ عشيةٍ   ***   شفقٌ بآفاقِ السمــــــاءِ مُجسَّدُ

فلأنت يومٌ صفحتيــــــن تلطخت   ***   هذي، وتلكَ مع الزمانِ تُمجَّدُ

الشاعر

إبراهيم بن محمد بن حرج الوائلي ولد في البصرة، وتعلم مبادئ العربية والإسلامية بها ثم سافر بصحبة والده إلى النجف وفيها درس علوم العربية والفقه على يد والده وبدأ بكتابة الشعر وهو في العشرين من عمره ونشر شعره في الصحف فاشتهر بين الأدباء، عمل مدرساً في المدارس الأهلية ببغداد ثم سافر إلى مصر والتحق بكلية دار العلوم بجامعة فؤاد الأول في القاهرة وتخرج منها، ثم تخرج من قسم الدراسات العليا في الآداب، ثم عاد إلى بغداد فعمل كأستاذ مساعد في كلية الآداب ببغداد.

يحتوي ديوانه على أكثر من أربعة آلاف بيت واشتمل على كافة أغراض الشعر ومواضيعه وخاصة مواضيع الغربة وقضية فلسطين والقضايا السياسية في عصره وقد ذكر الكرباسي مجموعة من أشعاره في مختلف المواضيع (1)

ثم قال: (وللشاعر قصائد أخرى منها في الإمام الحسين عليه السلام وقد أثبتناها في محله) .

احتل الوائلي مكانة متميزة بين أدباء العراق وكتب عنه كثير منهم يقول الأستاذ علي الخاقاني: (امتاز الوائلي في شعره بظواهر كانت تبدو عليه من الصغر منها رصانة التعبير وقوة الديباجة وفخامة اللفظ وتصوير الفكرة الجديدة) (2)

 وقال عنه محمد حسين الصغير: (شاعر كبير وأديب إنساني لامع، ضليع في النحو واللغة والأدب له عدة مؤلفات خطية ومقالات نقدية طبع له الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر، كما له ديوان مخطوط). (3)

وقد كتب عنه الباحث حميد المطبعي مقالا مطولا عنه بعنوان (إبراهيم الوائلي شاعر أديب محقق مؤرخ عراقي) (4) تحدث فيه عن مراحل حياته ونشاطه السياسي وشاعريته وقد ارتأينا اقتباس فقرات منه لاحتوائها على معلومات عن الشاعر جاء فيها:

(إبراهيم  الوائلي كان نجفياً قلباً وقالباً، لأنه استقى رؤاه من مدرسة  الشعر النجفي، ونحت القصيدة في أجواء الإرادة النجفية وكان عراقياً نسج علي منوال الإنسان العراقي المتوثب الروح الصاعد إلى المدى وعندما اختمرت  فيه الحاسية التاريخية اتجهت قصيدته إلى الإنسان النوع أو العام، وكأن  النجف أو العراق أو التاريخ كادت تنصهر في ايقاع واحد ليغني أو يبوح بأسرار  القصيدة.

وهو من رواد تخرّجت به أجيال بجامعة بغداد علمهم كيف يمارسون حرفة الوطن في الأدب والبلاغة وكان مؤرخاً للأدب أرخ العهود والأجيال بحسب نظريته الأدب انعكاس لانتفاضات الأمة وشأنه هذا كشأنه الأول أراد أن يضع للأجيال قواعد لمفهوم: (الأدب الوطني كيف يكتب وكيف يوجه أو يقرأ) وكان يقول: (الأدب هو الذي يلد الضرورة وإن الضرورة هي التي تلد الأدب) وسأله جيل: (ولماذا هذا التخريج ؟) فقال لهم: (الحرية هي قاعدة الالتزام وكتب على ضوء تخريجه النظري عشرة مقالات تحت عنوان (الأدب الملتزم) وسُمِّي في حينه (الكاتب المتمرّد) ومنذ زمانه الأول تمرّد على المفاهيم التقليدية في الأدب والمجتمع وثار على تاريخ هش شبحي الإرادة، وسُجن علي تمرُّده مرتين الأولى في إثر ثورة الفلاحين في سوق الشيوخ 1935 عندما نشر قصيدة تدين انحراف السلطة المركزية وقتلها بؤساء الأرض وسجن في المرة الثانية لأنه قرأ قصيدة في الإذاعة العراقية تمجّد حركة مايس 1941 وتلعن سنابك خيل الاحتلال البريطاني.

كان من أدباء الخط المستقيم يقول له الرصافي (رمزك واقع) ويمر عليه الجواهري ويأخذ منه قصيدة وينشرها في جريدته (الرأي العام) أو في جرائده الأخرى وتمرّده على الأوضاع ليس في فوضي شاعر يبحث عن شهرة إنما كانت النجف كلها تدخل إلى قلبه فتحيله إلى لحظة نار تئز وتحرق ثم تنذر أولئك الذين يسيئون إلى قدر الشعوب).

أما عن جذوره وبواكير طفولته فقد تحدث المطبعي عن الشاعر تحت عنوان فرعي (مخاض الريف الأول) قائلاً:

(كان ثقل الريف عليه كبيراً وأثر فقره وبؤسه على نسيجه الإنساني ، فهو ولد في جزيرة الصقر بأرياف البصرة، وكانت قرية من قرى أجداده تغرق في الظلام والجوع والمرض وقد صوّرها في عشر قصائد مبثوثة في ديوانه الكبير وفي قريته جذور عشيرته بني حطيط، التي سكنت أوائلها هور الحمّار بين البصرة والناصرية منذ القدم وكان أبوه رجل دين يرأس أهم فرع في بني حطيط وهم قسمان ويرجع إلى قبيلة ثقيف وقسم إلى وائل من ربيعة ومن هذا القسم أسرة إبراهيم الوائلي فكان يعتز بهذا النسب العريق وفي الوقت نفسه يعتز بفقر قريته فسرى هذا التناقض في قصيدته دون وعي مباشر منه فقوي الرمز فيها وقوي هو ايضاً في أن يباشر الحياة ويتصدى لها.

وفي قريته الأولي أيضاً أطياف أمه وأسرته الصغيرة وشط العرب وبساتين النخل وصيد السمك وبؤس الفلاحين ومواقد الشتاء وقد التم حولها الشيوخ والشباب وكيف رأى أن أولئك يحرقون تعاستهم في رمادها ودخانها وكان يسمع أخبار الانكليز واحتلال البصرة، وفي القرية أتراب له وكان معه في الكتّاب وفي الملاعب بين النخل وعلى الشاطئ ومنهم من شاخوا مثله وصاروا جدوداً ومنهم ودعوا الدنيا وودعوا البؤس والفاقة والحرمان وطفلته الصغيرة (حياة) التي اختطفها الموت فدفنها ليلاً بين الثلاث الخضر وكأنه يدفن معها أحب طفولة، وكم من مرة عاد إلى القرية فتذكرها وفي قلبه غصة وتساءل في قصيدته هل تبقي هذه الطفلة تمثل ما في قلبه من صور القرية ؟ قد يكون ذلك في قصيدة أخرى ترى صور القرية وقد تغيرت وإن لم تتغير في ذاكرته فقد تحوّلت الصرائف إلى بيوت من الآجر والإسمنت والحديد واختفت السفن الشراعية و(البلم العشاري) وحلت محلها السيارات وجرى الماء في الأنابيب ودخل المذياع والتلفاز وذهب الجوع والعري والكدح في الماء والطين وكل هذا التغيير انساب في شعره وفي مناخ صوره الشعرية وكانت بعض قصائده (أو تصرفاته الأدبية) تستلف من ما ضيع القروي بعض إبداعه حتى وهو يكتب آخر قصائده ولاسيما قصيدته الطويلة: (على شواطئ ميسان 1985)، وكان وفياً لذاكرته).

كما تحدث عن عشقه للنجف والطابع النجفي الأصيل الذي طبع عليه شعره تحت عنوان (روح النجف في باطنه) قائلاً:

(وفي مطلع شبابه رافق والده إلى النجف للدراسة في معاهدها العلمية وحل في حلقة علمية من الحلقات الدراسية التي يشرف عليها المرجع الرائد العلامة عبد الكريم الجزائري، وعرف يومئذ باسم: إبراهيم ابن الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الحسين حرج. وحرج هو جد جده لأبيه، وتلقبت به أسرته في النجف منذ زمن طويل، وإبراهيم ذاته تلقب به في بداية نشره في صحف النجف وأبدله إلى لقب الوائلي في أواخر الثلاثينات فهو أول شخص في عشيرته تلقب بلقب الوائلي وآل حرج سكنوا النجف في المئة الثالثة عشرة للهجرة ونبغ فيهم علماء فقه وكلام.

وفي النجف له بيت علم ودين تشعبت به أوراق شجرتهم الكريمة وفيه ولد أبوه وجده وجماعة من بني عمومته وفيه كان جد أبيه محمد يتحدى الشطار وذعار الطريق بين كربلاء والنجف فيقتل ويجرح ولقد أدرك حديدة بندقيته عند ابن أخيه واسمه ايضاً (محمد) وهو الذي تولي مسؤولية توصيل أسرى الانكليز من الكوفة إلى النجف في ثورة العشرين وفي النجف دفنت عظام أجداده وجدّاته وأبيه وامه واخوته وفي النجف أجيال من الوائليين مزجهم بحرارة وتلهف في قصائده وفي عراقة النجف ترعرع خيالاً وذاكرة وشعراً وأدباً متمرداً وفي صحف النجف نشر ثمراته واسمع صوته الأول وفي محافلها عرفت حنجرته وكانت حنجرة متميزة في انشاد الشعر وفي (الرابطة الأدبية) وهي مركز إشعاع العقل النجفي 1935 قرأ مقاطع من تمرّده وسجاله وفيها التقى الأديب المصري الشهير (زكي مبارك 1938) وناقشه في إمارة الشعر وبعد عودة الأديب إلى مصر نشر جدل الوائلي في كتابه (ليلي المريضة في العراق) وفيه ظهرت صورة الوائلي (المعمم الوسيم) وفي تلك المدة ذاتها اشترك بالتظاهرات التي خرجت في النجف وهي تلعن الأذناب 1937 وبعدها بساعة ألقى قصيدة في دار المجاهد محمد حسين كاشف الغطاء وقبل أن يستمع هو ورهطه إلى خطاب الإمام كاشف الغطاء حول جرائم المحتل.

كان الشيء الكثير من رسالة النجف في خزينه الشعري، النجف العلم، والنجف حين تلم بها التناقضات أو حين تجتاحها النقائض وما أكثرها وما أكثر الدوافع التي حملت الوائلي على أن ينقل هذه الأضداد والنقائض إلى شعره فيجعله شعراً جدلاً يثير ويستثير في لغته ما أجمل رنينها الداخلي، ولأن شعره يحفل بحيوية تلك الحقبة ولأنه عرى الدجل العلمي أو الدنيوي فقد أحبه علماء الحوزة العلمية، ووقفوا إلى جانبه وخلصوه من براثن التحقيقات الجنائية ومنهم في المقدمة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ عبد الحسين الحلي، والسيد عيسي كمال الدين).

أما عن أساتذته وموارد ثقافته وقراءاته الأولى فيقول المطبعي:

(وكان أبوه مدرسته الأولى في قراءة العلم وتشبّه به كثيراً، وكان يقرأ العبارة وأبوه يفسّرها وإذا أخطأ في قراءة كلمة أو جملة وهو دون العاشرة من عمره صحح له الخطأ، فدرس عليه النحو في الاجرومية، وقطر الندى، والألفية، ومغني اللبيب، وقرأ علم المنطق (الحاشية)، و(الشمسية)، وعلم البيان (المطول) للتفتازاني، و(المختصر) وعلم أصول الفقه والفقه في التبصرة للعلامة الحلي و(الشرائع) للمحقق الحلي، وغيرها من كتب اللغة والتفسير.

وتوفي أبوه عام 1956 فذرف عليه دمعة بحجم قصيدته في أثناء دفنه في الصحن الحيدري، يقول فيها:

أبتاهُ ذابَ اللحنُ في شفـــــــتي دما   ***   فأبى علـــــــيَّ الحزنُ أن أترنّما

تلك المقاطعُ وهي أعذبُ ما الـتقت   ***   فيه الشفـــــاهُ قد استحالتْ علقما

ما كان قيثاري ليرقدَ صــــــــــامتاً   ***   فوق الرمــالِ وأن يبيتَ محطّما

ثم يذكر فضله العلمي عليه:

أنتَ الذي مهدَ الطريقَ لصــــــاعدٍ   ***   ما اجتـــازَ لولا نبضُ كفّكَ سُلّما

غذيتني الفصحى لســــــــــانَ أبوَّةٍ   ***   حفظتْ ربيعة في الخيامِ وقشعما

لكن أبوه لم يكن يرضى له باقتناء أي ديوان من الشعر أو أي ميل إلى نظم الشعر لأن ذلك في ميزانه وميزان الأكثرية من رجال الدين يصرفه عن الدراسة الفقهية التي قطع فيها شوطاً بعيداً ولكنه تركه وشأنه حين رأى قصائده تنشر في أمات الصحف. وعدا عن أبيه فقد درس أصول علم المنطق على الشيخ محمد رضا المظفر، وفصولاً من علم الكلام على مرجعية الشيخ عبد الكريم الجزائري وفصولاً في الفلسفة على الفيلسوف المجاهد الشيخ جواد الجزائري وهؤلاء كلهم منحوه الإجازة العلمية التي مهّدت له الطريق للدراسة في القاهرة.

وكان ينهمك في جمع المصادر في مكتبة على وزنه وضمّ إليها بعض كتب أبيه منها: (شرح ابن أبي الحديد)، ومعجم البلدان لياقوت، والمحاسن والمساوئ للبيهقي، والمناقب لابن شهراشوب، ثم ذهب إلى كتب أخيه الشيخ قاسم المتوفى سنة 1981 الذي علمه أوزان الشعر فلم يجد فيها غير ديوان أبي العتاهية ولم يكن يعجبه فأشترى مجموعة (العراقيات) وهي طائفة من الشعر: للمجاهد محمد سعيد الحبوبي، والسيد حيدر الحلي، والسيد جعفر الحلي، والأخرس، وعبد الباقي، والكاظمي، وجواد الشبيبي، وكاظم الأرزي، والشاعر العاشق عباس الملا علي. وشرع إبراهيم الوائلي يقرأ ويستقرئ ثم دخل الطريق من نهايته فأشتري المتنبي، وحماسة أبي تمام حتى حفظ الشطر الأكبر منها واشترى بلاغة العرب في القرن العشرين وهي مجموعة من شعر المهجريين فتوافق مع هذا النمط من الشعر لأنه جديد في صوره وأشكاله ولأن جيل الوائلي أحبوه فتأثروا به).

وعن الأجيال الشعرية التي عاصرها وأترابه من الأدباء والشعراء في النجف وبغداد وعلاقاته معهم فيقول:

(وتضاف إلى تأثيرات النجف تفاعلات جيله الواحد بالآخر حيث أقام هذا الجيل مدرسة الشعر النجفي الحديث وفيها توحّدت النظرة إلى التاريخ وفيها أيضاً روّضت المعاني وهذّبت القوافي ومن جيله من كان في عمره ومنهم كان أسن منه ومنهم من كان دونه في السن وكلهم يلتقون في الإنشاد، وكانت النجف وحدها تتميز وتختص في الانشاد وتقوم على حنجرة تؤدي الشعر بإيقاع وترخيم معينين وكانوا يسمرون في الشعر ويجادلون وينقدون فلا يجزع أحدهم بالنقد وكانت إدارات الصحف والمجلات حلبات صراع للشعر وفنونه وممن كان ترباً للوائلي: مرتضي فرج الله (ت 1984)، ومحمد جمال الهاشمي (ت 1977)، والمحامي الشاعر محمد رضا السيد سلمان، ومن جيله الأدبي الذين كانوا يكبرونه سناً محمد شرارة (ت 1979)، ومحمود الحبوبي (ت 1969) وصالح الجعفري (ت 1979) ومن جيله أيضاً محمد جواد السوداني (ت 1933) وقد توفي وهو شاب في مرض السكر وكان هذا الشاعر يجاري إيليا أبي ماضي، وميخائيل نعيمة، وشعراء المهجر، ومن جيله عبد الرزاق محيي الدين والسيد خضر القزويني وهو (صناجة) الإنشاد في النجف، والسيد نوري شمس الدين، وعبد الكريم الدجيلي، ومحمد صالح بحر العلوم الذي جعل مجلته (المصباح) ملتقى هذا الجيل، ومن لداته أيضاً شاعر الانشاد الأول في النجف عبد المنعم الفرطوسي حيث كان في أخرياته ضريراً يقرض الشعر والحياة بأسلوب صوفي وهؤلاء جيله جالسهم وجالسوه وجميعهم ترنّم بالحرية تلك التي يسمونها: خالقة الرؤى.

وغادر النجف إلى بغداد 1940 بعد أن كافأته وزارة المعارف بتعيينه مدرساً في الثانوية وراح يندمج في مجالسها الأدبية وصحفها ويقرأ شعره في الإذاعة في بغداد التي حفرت في أعماقه الحزن والفرح والفقر والغنى وهذه جميعاً تحوّلت إلى نداءات عميقة في عمق قصائده وأشعاره).

أما في مصر فللشاعر حضور مؤثر وكبير في نواديها الأدبية ومجالسها الشعرية وصحفها تحدث عنه المطبعي قائلاً تحت عنوان (رحلة القاهرة):

(وكانت رحلته إلى القاهرة عام 1945 للدراسة في كلية دار العلوم ليست دراسة للتطوير الأكاديمي إنما هي ألقت فيه دفعة أخرى لرؤية عصر آخر من عصور الأدب ولرؤية رواد الأدب العربي ومجادلتهم وجهاً لوجه وحمل إلى القاهرة حصيلته العلمية (دراسة النجف الفقهية).

وعدت هذه الوثيقة كافية لترشيحه إلى الكلية ونجح بامتياز ونال الليسانس عام 1949 في الأدب العربي ثم نال الماجستير عام 1956 وسجل رسالة الدكتوراه لكنه لم ينل هذه الشهادة لظروف سياسية معينة.

وخلال شهور تعرف الوائلي علي معالم القاهرة الثقافية ففي بداية عام 1946 أرسل أول قصيدة له إلى مجلة (الرسالة) فنشرت من غير تأخير ومن سنة 1947 إلى 1952 كانت قصائده ومقالاته تنشر تباعاً في الرسالة وربما تتوالى الأعداد واسمه لا ينفصل عن أي عدد منها، وفي أوقات يتناول بعض الكتب بالنقد وقد يعقب على مفردات لغوية كالذي حدث بينه وبين الدكتور عبد الوهاب عزام في لفظة (أطأد) التي استعملها في مقال له، وقد رد عليه ووافقه في أنها مبتورة الجذر لو لم يستعملها مسلم بن الوليد وأبو تمام ثم نشر في مجلته (الثقافة) وفي (العالم العربي) و(الفجر الجديد) شعراً ونثراً تم نشر في الفكر الجديد والبلاغ والكتلة وصوت الأمة مقالات عن معاهدة بورتسموث وندد بها تنديداً أغاظ أنصارها آنذاك وكان الوائلي قد دخل مع الكتاب المصريين في نقاش نقدي)

ثم يذكر مناقشاته ومجادلاته مع العقاد وزكي مبارك وحضوره المجالس الأدبية فيقول:

(ثم يبدأ رحلته في المجالس الأدبية المصرية رفيعة المقام المنتشرة في أحياء القاهرة وأول مجلس عليه (ندوة الزيات) وتعقد في كل مساء اثنين من كل أسبوع في إدارة مجلة الرسالة في العمارة التي يملكها صاحب الرسالة أحمد حسن الزيات وكانت بجوار قصر عابدين ومن رواد هذه الندوة الناقد المعروف أنور المعداوي، والشاعر محمود الخفيف، والشاعر علي محمود طه المهندس، وتوفيق الحكيم، وثروة أباظة، وزكي نجيب محمود، وشهد الوائلي نقاشات هذه الندوة التي جرت بلا تعقيد وبلا إثارة وصادقهم وتبادل معهم الرسائل بعد عودته إلى بغداد ومن الندوات الأخرى التي شهد وقائعها ندوة إبراهيم ناجي وهو طبيب وشاعر معروف فقد أحب عراقية الوائلي وقدر نبوغه الفكري، وندوة كامل كيلاني وكان يحضرها مع الشيخ محمد رضا الشبيبي وندوة المجاهد الفلسطيني محمد علي الطاهر حيث تقرأ فيها الصحف المهجرية والشعر المهجري وكان بين مدة وأخرى يحضر ويسهم في الندوات الخاصة التي تعقد في قاعة بورت التذكارية وهناك يستمع إلى بعض محاضرات طه حسين وفي (نادي الخريجين) ويستمع إلى محاضرات الدكتور محمد حسين هيكل ومرة دعي إلى نقابة الصحفيين لقراءة إحدى قصائده في شهداء فلسطين).

ثم يختم المطبعي مقاله بالحديث عن مؤلفات الوائلي قائلاً:

(أصدر ديوانه الشعري عام 1981 وهو جزءان وفيه صور الريف ببراءته وشقائه وفيه آلام الحرية والمعذبين في الأكواخ والسجون وفيه أيضاً أن الإنسان لا يموت لأنه نبوءة وغد.

كما أصدر (الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر) طبعة أولى سنة 1961 وطبعة ثانية سنة 1977.

وأصدر (لغة الشعر العراقي ) سنة 1964.

وله أًيضاً (ثورة العشرين في الشعر العراقي) سنة 1968 و(اضطراب الكلم عند الزهاوي) سنة 1971 وله دراسات أخرى وكتب خطية وكتب محققة ومجموعة كبيرة من (التصويبات اللغوية) وعشرات المقالات في النقد والتعقيب).

وكان يكتب لوجه من وجوه الرسالة الأدبية أو ولوجهه الأبيض من أيام النحس والأحزان ولم يكتب لمشورة من أحد أو يكتب زلفى إنما عارك الحياة واستخرج منها أعذب الألحان وأشجى الأناشيد وأغمض عينيه بلا حسرات).

وهذا المقال يعد قراءة سريعة لحياة الوائلي الضاجة بالأحداث ولكنها تعطي صورة ولو مصغرة عن مراحل حياته ومعاناته.

شعره

أما بالنسبة إلى شعره فقد تطرق فيه إلى جميع أغراض الشعر وقد اخترنا منه ما يلائم الموضوع وهو ما عثرنا عليه من الشعر الحسيني والشعر الذي يختص بأهل البيت (عليهم السلام) ومنه هذه القصيدة في حق أمير المؤمنين بعنوان (من وحي الإمام) وتبلغ (55) بيتاً:

صهرُ النبوَّةِ حسبي منكَ إيحـــــــــــــاءُ   ***   دنياكَ صــــوتٌ ودنيا الناسِ أصداءُ

آمنتَ بالحقِّ لم تعصــــــــــــف بموكبهِ   ***   هوجُ الخطــــــــوبِ ولم تفلله أرزاءُ

وبالصراحةِ أدنى ما يُــــــــــــــرادُ بـها   ***   للخلقِ أن يتـســاوى الذئبُ والشـــاءُ

يا أيُّها الآيةُ العـــــــــــــــظمى ألا قبسٌ   ***   من الهدى فـحــواشي الأفقِ ظــلماءُ

أشرقْ على السفــحِ وانظرْ كيـفَ جانبه   ***   فإنّه اليومَ لا نبـــتٌ ولا مـــــــــــــاءُ

واستنطقِ البيدَ هلْ في البيـــــــــدِ قافلةٌ   ***   يقتادُها لبلوغِ القـــصــــــــــــدِ حدَّاءُ

دنيا مفككة لا شـــــــــــــــــيء يجمعُها   ***   كأنّها في زوايــــــــــــا القفـرِ أشلاءُ

سرى الخلافُ بها حتّى غـــــدتْ شِيعاً   ***   أقصى معــــــــارفِها حـــقدٌ وشحناءُ

وأضحتِ الأيكةُ الشمَّــــــــــــاءُ خاوية   ***   تلفّها من بنـاتِ الريـحِ هوجـــــــــــاءُ

عدلٌ أطلّ على دنيــــــــــا الوجودِ كما   ***   يطلُّ فجرٌ وراءَ الـليـــــــــــلِ وضَّاءُ

وفوقه الرايةُ الكبرى مرفـــــــــــــرفةٌ   ***   يحوطها معشـرٌ صـــــــــــــيدٌ أشدّاءُ

قد عاد لعبة أفّــــــــــــــــاكين سيرتهمْ   ***   في مسرحِ الدهــرِ إضــحــاكٌ وإبكاءُ

يا طورَ سيناء إنَّ الـركــــــــبَ منحدرٌ   ***   إلى الحضيـــضِ فأيـنَ اليـــومَ سيناءُ

ويا سنا النورِ أوضـــــــــحْ من معالمِنا   ***   ما ليسَ يوضــــــــحه همـسٌ وإيماءُ

ماذا على السيــــــــــفِ لو ألقى مغامدَه   ***   وقيلَ: زالتْ عـــــن الجنبيـنِ أصداءُ

فقد طغى الجـرحُ واســتشرتْ مخاطرُه   ***   في كلِّ جانـــــــــحةٍ واستفـحلَ الداءُ

سيفٌ أقيمــــــــــــــــتْ به للعدلِ قاعدةٌ   ***   أكنافُها في ذرى التـــــــــأريخِ شمَّاءُ

ودكَّ للجهلِ أصنـــــــــــــــــــاماً وآلهةً   ***   عبّادُها في الدُّجــى أعمــــى وعمياءُ

ما كانَ أجداهُ لو أذكــى مـضــــــــاربَه   ***   ولاحَ منه بهـــــــــــــــذا الأفقِ لألاءُ

فنزعةُ الشرِّ قد شــــاعت مظـــــاهرُها   ***   كما تكشّـــــفَ في الظــــلـماءِ أسواءُ

جيلٌ أسفَّ وضــــــــــــلَّ الدربَ رائدُه   ***   وطالَ مـــنه لداعي الجــــهلِ إصغاءُ

وراحَ يتّبعُ الأهواءَ جـــــــــــــــــامحةً   ***   تبثّها زمـرةٌ في النــــــــــــاسِ رعناءُ

واستدرجته دعــــــــــــــــــاواتٌ ملفّقة   ***   باسمِ التــــحرُّرِ تُزجــــى وهي أدواءُ

حريةُ الفكرِ ما كـــــــــــــــــانت مكبَّلةً   ***   لو لم تعــــكِّرْ صفــــــاءَ العيشِ أقذاءُ

ولا الحقيقة، ما ديست جـــــــــــوانبُها   ***   لولا هيــــــــاكل ملء الأرضِ جوفاءُ

صهرُ النبوُّةِ ما أسمــــــــــاكَ في بشرٍ   ***   أغرتهمُ من فضــــولِ العيشِ صفراءُ

وما أجلّكَ في دنـــيا يمــــــــــــــــالئها   ***   من الحثالةِ أذنـــــــــــــــــــــابٌ أذلّاءُ

باعوا الضمـــــــــائرَ حتّى لاتَ مُدّكر   ***   وأنتَ أنتَ بجنبِ اللهِ ميفـــــــــــــــــاءُ

هم ناوؤوكَ وكـــــــــــانَ الشرُّ قائدُهم   ***   لكلِّ حربٍ كما تنقـــــــــــــادُ عشـواءُ

وكانَ عيشُكَ غيــــــــــــظاً في قلوبِهمُ   ***   تذكيهِ من نزواتِ الحقدِ بغضــــــــــاءُ

وفي الجوانحِ أضغانٌ مــــــــــــؤجَّجةٌ   ***   على الوجــــــــــوهِ ترى منهنَّ سيماءُ

حتّى أثيرتْ فلم تخـــــــــــمدْ لها شعلٌ   ***   قد اكفهرتْ بهـــــــــــــــا بيدٌ وأرجاءُ

وراحَ يوقظها في كلِّ ثـــــــــــــــــانيةٍ   ***   لؤمُ الطباعِ وبعــــــــــضُ اللؤمِ إيذاءُ

فأصبحَ الحقُّ أنقـــــــــــــــاضاً مبعثرةً   ***   وتمَّ للنفرِ الباغيــــــــــــــنَ ما شاؤوا

وقوِّضتْ شرعةٌ ما كـــــــــان منهجُها   ***   إلّا لتشملَ هذا الخلقَ نعـــــــــــــــماءُ

أمُّ الشرائعِ أقصاها وأوّلــــــــــــــــــها   ***   ظلٌّ على الخلقِ ممـــــــــــدودٌ وأفياءُ

فلا الغنيّ غنيّ حيـــــــــــــــــنَ تنظرُه   ***   لأن ميزتَه في النـــــــــــــــاسِ إثراءُ

ولا الفقيرُ فقيرٌ حين تبصـــــــــــــــرُه   ***   لأن سيماءه عُدْمٌ وبأســــــــــــــــــــاءُ

كلٌّ سواسيةٌ لا فـــــــــــــــــــرقَ بينهمُ   ***   لولا نعـــــــــــــــوتٌ وألقابٌ وأسماءُ

صهرُ النبوَّةِ إنَّ العدلَ قــــــد عـــــبثتْ   ***   به المطامعُ واجتـــــــــــــاحته أهواءُ

أين الجهادُ الذي كـــــــــــــانتْ مواكبُه   ***   خفّاقة النصرِ يحــــــــــــدوهنَّ أكفاءُ

وأينَ سيفٌ مشتْ والمـوتُ ضــــــربته   ***   وطعنةٌ في مدبِّ الشرِّ نــــــــــــجلاءُ

قل للكتائبِ تنهضْ من مـــــــــــراقدِها   ***   فقد خلتْ من صهيـــــــلِ الخيلِ بيداءُ

ولبَّ للحقِّ يــــــا ابنَ الحقِّ دعــــــوته   ***   فقد عراهُ من التضـــــــــــــليلِ إعياءُ

كتيبةُ اللهِ لمْ تهدأ عـــــــــــــــــــلى تِرَةٍ   ***   أو تستجبْ للتغاضي وهيَ خرســــاءُ

صهرُ النبوُّةِ كمْ من حــــــــادثٍ عجبٍ   ***   تلته بعدكَ أحـــــــــــــــــــداثٌ وأنباءُ

عمرٌ طويتَ به التــــــأريخَ أجــــــمعَه   ***   فكلُّ سِفرٍ عليه منـكَ طغــــــــــــــراءُ

تلكَ البلاغةُ ما كانت خـــــــــــلاصتها   ***   إلّا لتلتمَّ حــــــــــــــــولَ النورِ دهماءُ

ماذا جنيتَ فنالتْ منكَ بــــــــــــــغيتَها   ***   تحتَ الظلامِ يدٌ من قبــــــــــــلِ جذّاءُ

واغتيلَ أصيدُ لم تفللْ عــــــزيمـــــــتُه   ***   بيضُ السيـــــــوفِ ولم ترهبه هيجاءُ

دمٌ بكوفانَ مطلــــــــــــــــولٌ تسـيلُ به   ***   من جانبِ البيــــــتِ ساحاتٌ وبطحاءُ

يا مشرقَ النــــــورِ إنَّ الليــــلَ معتكرٌ   ***   تجهَّمتْ منه آفـــــــــــــــــــاقٌ وأنحاءُ

متى نـــــــرى الفجرَ يمـحو كلَّ داجيةٍ   ***   وتستجدُّ بهـــــــــــــــذا الكونِ أضواءُ

هذي الركائبُ في الصحراءِ قد وقفتْ   ***   حيرى وفي البيدِ أهـــــــوالٌ ورمضاءُ

وذي السفينةُ والأمــــــــــواجُ صاخبةٌ   ***   لا يستقيمُ لها في اليـــــــــــــــمِّ إرساءُ

ومن شعره هذه القصيدة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) وتبلغ (22) بيتاً:

حدثُ الحـــــوادثِ كم نعيدُ وننشدُ   ***    الجرحُ دامٍ والأسى يتــــــــــجدَّدُ

في كلِّ عــــــامٍ من حديثِ محرمٍ   ***   ألمٌ يحزُّ وجمــــــــــــــــــرةٌ تتوقدٌ

أفكلما عـــــادتْ بعرضِ فصولِها   ***   عادَ التفجُّعُ والشعارُ الأســــــــــودُ

ثارتْ عـــــلى آلِ النبيِّ خصومةٌ   ***   كبرى يشيبُ لها الزمــــانُ الأمردُ

من عهدِ حـربِ المشركينَ لأحمدٍ   ***   ومن الذي لاقاهُ مـنــــــــــهمْ أحمدُ

همْ عصــبةٌ وتـروا النبيَّ فسامهمْ   ***   إحدى اثنين السيــــــفَ أو يطرَّدوا

فتوغّرت حـــقداً عليه صدورُهم    ***   للهِ ما تخفي الصــــــــــدورُ وتحقدُ

يا يومَ وقعةِ (كـربلاء) كفى أسىً   ***   ألّا يُطــــــــــــــــــاق تصبرٌّ وتجلّدُ

ودمُ الحسيـــــنِ الطهرِ كلُّ عشيَّةٍ   ***   شفقٌ بآفاقِ السمــــــــــــــاءِ مُجسَّدُ

فلأنتَ يومٌ صفحتيــــــن تلطّختْ   ***   هذي، وتلكَ مع الزمـــــــــانِ تُمجَّدُ

يومٌ تجلّتْ فيه كلُّ طويَّـــــــــــــةٍ   ***   من آلِ حربٍ واستبـانَ المـقصـــــدُ

بشرٌ تموجُ به الرمــــــــالُ كــأنّه   ***   سيلٌ تدفَّقَ أو خضمٌ مُــــــــــــــزبِدُ

يستهدفونَ من الحسينِ حـــــــميَّةً   ***   ليستْ تمدُّ لهـــــــــا عـلى كـرهٍ يدُ

فمضى يجاهدُ والجهادُ فريـــضةٌ   ***   موروثةٌ وعقيدةٌ لا تـجــــــــــــــحدُ

حتى أطلَّ على الفراتِ مُرمَّــــلاً   ***   دمهُ الزكيُّ وما أبيــــــــــحَ الموردُ

وبجنبهِ من آلِ هــــــــــــاشمَ فتيةٌ   ***   نزلوا على حكمِ الرَّدى فاستشهدوا

من كلِّ مخضوبِ الشبابِ مضرَّجٌ  ***   خضلِ الشقيقِ لدى الضحى يتورَّدُ

أغصانُ وارفـــة الظلالِ تناوحتْ   ***   هـــــــــــوجُ الرياحِ عليهمُ فتأوَّدوا

حدثُ الحوادثِ ما مررتَ بخاطرٍ   ***   إلا ألمَّ بـــــــــــــــه الأسى يتصعَّدُ

ولقد عظمتَ فكــــــــــلُّ قلبٍ دمعةٌ  ***   لم تجف قط وحــــــــرقةٌ لا تخمدُ 

محمد طاهر الصفار

................................................................

1 ــ معجم الشعراء الناظمين في الحسين ج 1 ص 314

2 ــ شعراء الغري ج 1 ص 155

3 ــ فلسطين في الشعر النجفي المعاصر ص 147

4 ــ ملاحق جريدة المدى اليومية 21 /11 / 2012

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً