4 ــ إبراهيم العطار (1160 ــ 1230 هـ /1744 ــ 1814 م)

كربلاء الحسين

2019-12-11

642 زيارة

 

قال في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) من قصيدة تبلغ (27) بيتاً:

وإذا تمثلتُ الحسيــــــــنَ بـ (كربلا)   ***   أصبحتُ ذا قـــــــــلقٍ ودمعٍ جارِ

لم أنسه فرداً يجـــــــــولُ بحومةِ الــــــــــــــهيجاءِ كالأسَـــدِ الهَزَبرِ الضاري

لا غرو إن أضحى يكرُّ على العدى   ***   فهوَ ابنُ حيدرة الــــــفتى الكرارِ

وقال من قصيدة حسينية أخرى:

ما سارَ عن دارِ الفناءِ مســـــــارعاً   ***   إلا ليغتنـــمَ النعيـــمَ السرمـدا

ومن اغتدى جار الشهيدِ بـ (كربلا)   ***   أضحى بجناتِ النعيـمِ مُخلّـدا

ليقرّ عيناً حيـــــــــــــثُ حـلَّ ببقعـةٍ   ***   أمسى ثــــراها للنواظرِ إثمدا

وقال في قصيدة حسينية أخرى أيضاً لم نعثر سوى على مطلعها:

هي (كربلاء) فقِــــفُ بأربعِها معي   ***   نبكِ الشهيــــــــدَ بأعينٍ لم تهجعِ

الشاعر:

السيد إبراهيم بن محمد بن علي بن سيف الدين بن رضاء الدين بن سيف الدين بن رميثة بن رضاء الدين بن محمد علي بن عطيفة بن رضاء الدين بن علاء الدين بن مرتضى بن محمد بن حميضة بن أبي نمي محمد نجم الدين الشريف – من أمراء مكة – وينتهي نسبه الشريف إلى الإمام الحسن (عليه السلام) من جهة الأب وإلى الإمام الحسين (عليه السلام) من جهة الأم.

ولد في بغداد ونشأ بها وتتلمذ على يد والده السيد محمد الذي كان من أعلام العلماء وكبار الأدباء فعني بتربيته وغذاه بعلمه فاقتفى سيرته وبقي ملازماً له حتى توفي السيد محمد عام (1171 هـ) فهاجر ولده السيد إبراهيم إلى النجف الأشرف مقتفياً أثر آبائه وسيرة أجداده في طلب العلم فحضر دروس أعلام عصره ولازم أستاذه السيد محمد مهدي بحر العلوم واتصل بأعلام ذلك العصر من العلماء والأدباء أمثال: محمد رضا النحوي، والسيد محمد زيني، والسيد صادق الفحّام، والشيخ جعفر صاحب كتاب كشف الغطاء وجد أسرة آل كاشف الغطاء، والشيخ محمد بن يوسف الجامعي، فبزغ نجمه بينهم وأحتل مكانة متميزة في صفوفهم.

في هدأة الليل الطويل الذي يزحف بطيئاً.. ثقيلاً كان يناجي أحزانه بعد أن تساوى عنده الجديدان فأصبح لا يبالي بالصبح إذا أسفر فهو لا ينتفع بنور الشمس بعد أن كفّ بصره. كان الليل يحمل إليه بعض الراحة قبل أن يفيق على مأساة الدنيا كلها. صار شيخاً مريضاً عاجزاً أقعدته الشيخوخة وأنهكته العلة ولكنه مع كل هذه الآلام فقد كان مطمئن النفس هادئ الضمير أضفت عليه أعوامه السبعون وقاراً وجلالة فكان يصارع الداء وهو على يقين من حبه لأهل البيت (عليهم السلام) وتمسكه بهم فيسترسل في نجوى هادئة:

أيبريني السقــامُ وحســــنُ ظنّي   ***   ببـــــرئي فـيــــكمُ لا بل يقيني

وأخشى أن أضامَ وفـــــي يقيني   ***   وعلمـــــــــي أن حبّـكم يقيني

وتتصاعد نفثاته من روحه المتأوّهة:

على مَ صددتمُ عــــــــني وأنتمْ   ***   على الإحســـانِ قد عودتموني

لقد عجزت أطبائي ومـــــــالي   ***   سواكمْ منقــــــــــذٌ فاستنقذوني

وتغرورق عيناه بالدموع وهو يخاطب أئمته الطاهرين:

أبيت وللأسى نــــــــــارٌ بقلبي   ***   فهل مـــن قائــــلٍ يا نارُ كوني

متى يُجلى قذى عيني وتحظى   ***   عقيب الفحـــــصِ بالفتحِ المبينِ

فدونكمو بني الزهــــراء نظماً   ***   يفوقُ قــــــــــــلائدَ الدرِّ الثمينِ

أرومُ به جلاء العين منــــــكم   ***   بعينِ عنـــــــــــــــايةِ اللهِ المعينِ

عليكمْ أشرفُ الصلواتِ ما أن   ***   شدتْ ورق على ورقِ الغصونِ

وما ســـــــــارت مهجّنة إليكم   ***   وسار بذكركم حــــادي الظعونِ

كان هذا ديدنه كل ليلة، وفي إحدى الليالي من شهر شعبان من عام (1230 هـ) كان قد قضاها على نفس الوتيرة تطلع الليل إليه من بين النجوم تاركاً خلفه ما تبقى من ركام القتام وإذا هبط الفجر وتسللت خيوط الصبح الأولى أو كادت كان هذا الرجل في إحدى حجرات بيته في بغداد وقد أغمض عينيه كلياً متخطياً عتبة العالم الفاني وعلى شفتيه رجاء بأن ينعم بالنور الأبدي الذي ليس له انطفاء وهو شفاعة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام).

كان ذلك هو إبراهيم العطار من أبرز علماء وأدباء بغداد في عصره والذي سخر قلبه وقلمه لخدمة الدين ونصرة مذهب أهل البيت (ع).

قالوا عنه

قال عنه الشيخ جعفر النقدي: (كان من ذوي الفضيلة والكمال أديباً جيد الشعر حي الشعور له مطارحات كثيرة مع أهل عصره وشعره الغالب عليه الحسن والرقة). (1) كما قال بمثل ذلك السيد الأمين (2)

وذكره السماوي في الطليعة فقال: (كان فاضلاً فقيهاً مشاركاً، وتقياً زاهداً ناسكاً، وله شعر إلى أدب ومعرفة باللغة، ومحاضرات لأدباء وقته).

عُرف العطار بأنه واسع الإطلاع ووصفه السيد جواد شبر بأنه: (بأنه شاعر مجيد تجول في مختلف أغراض الشعر ونجد في شعره صوراً لا نجدها عند غيره حتى ذاع صيته) (3) وعرفه الأدباء شاعراً عقائدياً تفانى في الدفاع عن العقائد الحقة التي هي العامل المطلق الذي يسمو بالأخلاق وقد سخر قلمه للتعبير الصادق عن حبه وولائه لأهل البيت (عليهم السلام).

والسيد العطار هو والد السيدين العلمين باقر وحيدر من أعلام العراق، والسيد حيدر هو الجد الأعلى لأسرة الحيدري المعروفة وهو الذي جمع ديوان والده الضخم الذي يحتوي على أربعة آلاف بيت أغلبه في مدائح ومراثي أهل البيت (عليهم السلام)، قال العلامة أغا بزرك الطهراني في ترجمة ابنه: (رأيت له في مكتبة الشيخ محمد السماوي مجموعة بخط المترجم جمع فيها مراثي والده ومنها مرثية له) (4)

وقد أعيدت كتابة الديوان حيث ذكر السيد جواد شبر: (أن ديوان العطار مخطوط بخط الوجيه السيد عبدالعزيز ابن السيد عباس ابن السيد ابراهيم ابن السيد حيدر ابن الشاعر ، ومن جملة مراثيه التي رثى بها الإمام الحسين قوله في مطلع قصيدة:

بكت عيني وقل لها بكاها   ***   ولو مزجت بأدمعِها دماها

وقال في مطلع قصيدة أخرى:

هي (كربلاء) فقف بأربعها معي   ***   نبك الشهيدَ بأعينٍ لم تهجعِ (5)

شعره

زخر شعره بمآثر أهل البيت ومدائحهم ومراثيهم وخاصة في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) يقول في إحداها:

لم أبكِ ذكرَ معالمٍ وديـــــــــــــــــــارِ   ***   قد أصبحتْ ممـــــــحوةُ الآثارِ

واستوحشتْ بعد الأنيـــــسِ فما ترى   ***   فيهنَّ غيرَ الـــــوحشِ من ديَّارِ

كلا ولا وصلِ العـــــــــذارى شاقني   ***   فخلعتُ فــي حبِّي لهنَّ عذاري

كلا ولا بــــــــــــــرقٌ تألّقَ من ربى   ***   نجدٍ فهيَّــــجَ مُذ سَرى تذكاري

لكن بكيـــــــــــتُ وحق أن أبكي دماً   ***   لمصابِ آل المصطفى الأطهارِ

وإذا تمثلتُ الحـــــــــسينَ بـ (كربلا)   ***   أصبــــــحتُ ذا قلقٍ ودمعٍ جارِ

لم أنسه فــــــــــرداً يجولُ بحومةِ الــــــــهيجاءِ كالأسدِ الهزبـــرِ الضــــاري

لا غروَ إن أضحى يكرُّ على العدى   ***   فهوَ ابن حيــدرةِ الفـــتى الكرارِ

حتى أحِـــــــــــيط به وغُودر مفرداً   ***   خلواَ من الأعـــــوانِ والأنصارِ

يا للحماةِ لمصـــــــــــــــــعبٍ تقتادُه   ***   أيدي الرَّدى بـــــــــأزمَّةِ الأقدارِ

يا للمــــــــــــــــــلا لدمٍ يـطلّ مُحَللاً   ***  بمحرَّمٍ لمحمــــــــــــــــدِ المختارِ

وبنوه صرعى كالأضـــــاحي حوله   ***   ما بين بدرِ دجىً وشـــمسِ نهارِ

أينَ الخضارمة القماقم مـــــــن بني   ***   مضرٍ وأيـــــنَ ليوث آلِ نزارِ ؟

كمْ مِن مــــــــــــــــخدَّرةٍ لآلِ محمدٍ   ***   قد أبرزتْ حــسرى من الأستارِ

نحرٌ له الهــــــــــــــادي النبيُّ مقبِّلٌ   ***   أضحتْ تقبِّله شفــــــــــــاهُ شفارِ

صدرٌ يرضَّضُ بالخيـــــــــولِ وإنه   ***   كنزُ العلـــــــــومِ وعيبةُ الأسرارِ

يا جدّ هل خبِّرتَ أن حمــــــــــــاتنا   ***   قد أصبحوا خـــــبراً من الأخبارِ

يا مدركَ الأوتــــــــــــارِ أدركنا فقد   ***   عظم البلا يا مـــــــدركَ الأوتارِ

فإليكَ يا غوثَ العـبــــــــادِ المشتكى   ***   ممَّا ألمَّ بنا من الأشــــــــــــــرارِ

والمؤمنونَ علـى شفا جرفِ الرَّدى   ***   فبدار يا ابن الأكـــــــــرمين بدارِ

يا سيِّداً بكتِ الوحوشُ عليه في الـــــــــــــــــخلواتِ والأطيارُ في الأشـــــجارِ

يا منيــــــة الكرارِ بل يا مهجة الـــــــــــــــــمختارِ بل يا صفـــــــــــوةَ الجبارِ

أتزلُّ بي قـــــــــــــــدمٌ ومثلك آخذٌ   ***   بيدي وأنتَ غداً مقيـلَ عِثــــــاري

ويذوقُ حرَّ النارِ مـن يُنمى إلى الــــــــــــــــكرار وهو غــــــــــــداً قسيمُ النارِ

أو يختشي منـــــــــــها ونارُ سميةٍ   ***   بكمُ خبتْ في ســــــــالفِ الأعصارِ

ولقد بذلتُ الجــــهدَ في مدحي لكم   ***   طمـــــــــعاً بأن تُمحى بكمْ أوزاري

صلى الإلهُ عليـــــــــــــكمُ وأحلّكم   ***   دارَ الســــــــــــلامِ فنعمَ عُقبى الدارِ

ومن قصيدة حسينية أخرى ينطلق الشاعر من مفردة (لهفي) في بداية كل بيت في رسم أحداث تتابعية تتصاعد تدريجياً فتشدُّ القارئ إلى الشعور بهول الفاجعة، فتبرز دلالة (المفردة) في تأكيد الشاعر عليها لتكوين حالة من التنبيه إلى عظيم الخطب وفداحة الجرم الذي ارتكبته بنو أمية في كربلاء، يقول:

لهفيْ لتلكَ الــــرؤوسِ يرفعُها   ***   على رؤوسِ الرمــاحِ أوضعُها

لهفيْ لتلكَ الجـســـــومِ عاريةٌ   ***   وذارياتُ الصبـــــــــــــا تلفِّعُها

لهفيْ لتلكَ الصـدورِ توطأ بالـــــــــــــــخيل ومنها العـــــــلومُ أجمعُها

لهفيْ لتلكَ الأسـودِ قد ظفرتْ   ***   بها كلابُ الشقا وأضبــــــــــعُها

لهفيْ لتلكَ الأوصالِ تنهبُها الــــــــــــــسمرُ وبيضُ الظبــــــــا تقطعِّهُا

لهفيْ لتلكَ البدورِ تأفلُ في الــــــــــــــــتربِ وأوجُ الجمـالِ مـــــطلعُها

لهفيْ لتلكَ البـحورِ قد نضبتْ   ***   وكم طما دافـــــــــــــــقاً تدفُّعُها

لهفيْ لتلكَ الجبـــــــالِ تنسفُها   ***   من عاصفاتِ الضلالِ زعزعُها

لهفيْ لتلكَ الغصـــــونِ ذاوية   ***   ومن أصــــــــولِ التقى تفرُّعُها

لهفيْ لتلكَ الديارِ مــــــوحشة   ***   تبكي لفقدِ الأنيــــــــــسِ أربعُها

محمد طاهر الصفار

.............................................................................................

 1 ــ الروض النضير في شعراء وعلماء القرن المتأخر والأخير. ص 346

2 ــ أعيان الشيعة ج 5 ص 437

3 ــ أدب الطف ج 6 ص 191

4 ــ الكرام البررة ج 1 ص 22  

5 ــ أدب الطف ج 6 ص 189  

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً