الحسين في الشعر العاملي

كربلاء الحسين

2018-12-05

124 زيارة

قد يستشعر القارئ إن العنوان أكبر بكثير من هذه السطور، ولكن المبتغى هو أنه قد يؤدي هذا البصيص إلى أنوار الشموس التي أشرقت في هذه البلدة فشعّت بعلومها وآدابها على البلاد, فتاريخ (جبل عامل) حافل بإنجاب أفذاذ العلماء والأدباء والشعراء الذين كانت ولا زالت نتاجاتهم مصدراً مهماً وثرياً للمكتبة الإسلامية والعربية في كل فنون العلم والأدب.
وكان لشعراء هذه البلدة مكانة متميزة في قائمة الشعر العربي, فقد جمع أغلبه قضايا مهمة في التاريخ الإسلامي فضلاً عن تميّزه بصدق العاطفة ورقة الأسلوب وقوة المعنى, ولعل أهم قضية تناولها الشعر العاملي هي قضية أهل البيت (ع) وإبراز مظلوميتهم وعدالة مبدئهم في الحفاظ على الإسلام الحقيقي وخاصة ثورة الإمام الحسين (ع) وتجسيد واقعة الطف والتفجّع على المصائب التي جرت عليه وعلى آله وصحبه في كربلاء حيث كانت تمثل لهم قمة العطاء الإنساني والتضحية في سبيل حرية الإنسان ومبادئ الدين الحنيف وهذه باقة من الأسماء الكثيرة التي كتبت عن واقعة كربلاء ولعل فيها ما يعطي صورة ــ ولو مصغرة ــ عن هذا الشعر الذي أثرى الساحة الإسلامية والعربية:
الكفعمي (ت 900هـ) 
يصل الشيخ إبراهيم الكفعمي العاملي صاحب الكتاب المعروف (المصباح) إلى كربلاء فيهزه الإباء الحسيني وتتدفق مشاعره نحو المرقد الطاهر فيرتجل قصيدة تربو على المائة والثلاثين بيتاً يقول منها:
أتيتُ الامامَ الحسـينَ الشهيد   ***   بقلبٍ حزينٍ ودمـــــعٍ غزيرِ
أتيتُ ضــــــريـحاً شريفاً به   ***   يعودُ الضريرُ كمثلِ البصيرِ
أتيتُ إمامَ الهـــــــدى سيدي   ***   بشوقٍ هو الكهفُ للمـستجيرِ
وعندما يستقر به المقام في كربلاء يحفر له حفرة و يوصي أهله بدفنه فيها بعد موته فيقول:
سألتــــكم بالله هل تدفنونني   ***   إذا متُّ في قبر بأرض عقيرِ
فأني به جارُ الشهيد بكربلا   ***   سليلُ رســولِ اللهِ خيرُ مجيرِ
ولكن للأسف لم تتحقق أمنية الشيخ فقد روى (الأمين) في أعيان الشيعة في ترجمة الكفعمي إنه توفي في جبل عامل ودفن في قريته وعُثر على قبره بعد زمنٍ بعيد تحت صخرةٍ فعُمّر وصار مزاراً يُتبرك به ولله حكمته البالغة.
الشهيد الثاني (ت 1030هـ) 
وفي قصيدة مفعمة بالأسى يبكي الشيخ محمد بن الحسن بن زين الدين العاملي المعروف بـ (الشهيد الثاني) هذه الفاجعة الأليمة ويرى أن لا عذر لعبد لا يجري دمعه لها فيقول من قصيدة طويلة:
ليت شعري ما عذر عبدٍ محبّسٍ   ***   جامدَ الدمع ساكنَ الأحشاءِ
وابن بنتِ النبيِّ أضحـــى ذبيحاً   ***   مستهــــــاماً مرمّلاً بالدماءِ
وحريمُ الوصــــــيِّ في أسرِ ذُلٍ   ***   فــــــــاقداتِ الآباءِ والأبناءِ
البهائي (ت 1031هـ) 
اما الشيخ بهاء الدين العاملي المعروف بـ (البهائي) فأن مصيبة الحسين (ع) فقد أورثته الحرقة المستديمة فيقول:
مصابُكَ يا مولاي أورث حرقةً   ***   وأمطرَ من أجفــانِنا هاطلَ المُزنِ
فلو لم يكن ربُّ السمــاءِ منزهاً   ***   عن الحزنِ قلنا إنه لكَ في الحزنِ
زين الدين العاملي (ت 1064هـ ) 
وللشيخ زين الدين العاملي ــ حفيد الشهيد الثاني ــ مخمّسة طويلة يقول فيها:
لهفَ نفسي على رهينِ الحتوفِ   ***   حين أمسى نهـبَ القنا والسيوفِ
ثـــــاوياً جسمه بأرضِ الطفوفِ   ***   وهو ذو الفضــلِ والمقامِ المنيفِ
وسليلُ الشفيعِ يوم المرادِ
العيثاني (ت 1011هـ) 
ويرى الشيخ أحمد بن خاتون العيثاني العاملي إن هذه المصيبة عمّت كلَّ حرٍ معتصمٍ بدينِ الله فيقول من قصيدة طويلة:
فيا لها حسرةٌ عمّـــــــــت مصيبتها   ***   لكلِّ حرٍ بحبـــــــلِ اللهِ معتصمِ
والطاهراتُ على الأقتابِ في عنفٍ   ***   تسيرُ فوقَ متـونِ الأنيقِ الرُّسمِ
يا سبطَ احمدَ يا ابنَ الطــهرِ فاطمةٍ   ***   يا نجلَ حيدرةِ المنعوتِ بالكرمِ
إذا أتتْ عشرُ عاشورٍ يفيـضُ لك الـــــــــــــطرفُ القريحُ بدمعٍ منه منسجمِ
الحر العاملي (ت1104هـ) 
ولا يبكي الحر العاملي طلولاً ولا منازل ولكن يبكي لكربةٍ أهاجت نفسه:
لكن بكيـــــــتُ لرزءِ آلِ محمدٍ   ***   بمـدامعٍ تهمي كغيثٍ ماطرِ
وا كربتاه لمـن ثوى في كربلا   ***   فرداً وحيداً ما له من ناصرِ
كتبوا إليه و ازعموا من بعدها   ***   غــــــدراً فتبّاً للشقيِّ الغادرِ
الفتوني (ت1150هـ) 
وكذلك حال أبي طالب الفتوني العاملي الذي يخاطب نفسه:
فإلى متى تبكين رسماً دارساً   ***   وتخاطبين بجـــــــهلك الأطلالا
هلاّ بكيت السبـط سبطَ محمدٍ   ***   نجلَ البتــــــولِ السيدَ المفضالا
بأبي إماماً ليس يـنسى رزؤه   ***   في الناسِ ما بقيَ الزمانُ وطالا
علي العاملي (ت1130هـ) 
ويصور الشيخ علي العاملي السبط الحسين (ع) في صحبه كالبدر بين الكواكب وهم يتسابقون نحو إدراك العلى:
والسبط في صحبهِ كالبدرِ حيث بدا   ***   بين الكــواكبِ لم يرهقهمُ الوجلُ
تسابـــــقوا نحو إدراكِ العُلى فجنوا   ***   ثمـــــــــارَها بنفوسٍ دونها بذلوا
من كلِّ قـــرمٍ أشمِّ الأنفِ يومَ وغى   ***   ضرغام غابٍ ولكن غابُه الأسلُ
حسن آل سليمان العاملي (ت1184هـ) 
أما الشيخ حسن آل سليمان العاملي فأنه لا يرى ضراً من صاحب اللبّ أن يبلغ به الحزن العميق إلى البكاء الذي يقطع القلوب ويحرق النفس أسىً يوم عاشوراء لأنه أورث حزناً إلى نفخة الصور:
ما ضرّ مـــن كان ذا لُبٍّ وتفكيرِ   ***   لو قطّع النفس وجداً يوم عاشورِ
وكلّف القلبَ حــــــزناً لا يخامره   ***   تكلّف الصبرِ حتى نفخة الصورِ
خطبٌ أقامَ عمودَ الشركِ منتصباً   ***   وشدّ أعضـادَ أهل الغيِّ والزورِ
مهدي الفتوني العاملي (ق 12 هـ )
أما الشيخ محمد مهدي الفتوني العاملي فأنه يستحضر الواقعة بلسان حال من يشاهدها فكأنه يستمع إلى صراخ الأطفال من الظمأ:
فقف على الطفِّ واسمع صوتَ صارخِهم   ***   يشكو الظما وحديثُ الحالِ ينشرُه
ونادِ بالويلِ في أرجـــــــــائه حزناً   ***   فليسَ يحمدُ من عـــانٍ تصبُّره
وامزج دماءَ دموعِ العينِ من دمِهم   ***   لأي يومٍ سوى ذا اليومِ تذخرُه
ابراهيم بن يحيى العاملي (ت1214هـ)
وتظل هذه المصيبة جديدة كلما تعاقب الليل والنهار كما يرى الشيخ إبراهيم بن يحيى العاملي:
مصيبةٌ أبلتِ الدنيا وســــــــــــاكنَها   ***   وهي الجديـــــدةُ ماكرَّ الجديدانِ
وكيف يُنسى امرؤٌ رزءاً به فجـعت   ***   كريمة المصطفى من آل عدنانِ
الشيخ نصر الله يحيى العاملي (ت1230هـ) 
فالعيون تقل منها الدموع لهذه الواقعة التي أدمت قلب المصطفى (ص) كما يقول: الشيخ نصر الله يحيى العاملي:
رزءٌ يقلُّ من العيونِ له البكا   ***   بدمائِها وبيــــــــاضِها وسوادِها
من مبلغِ المختـــارَ أن سليلَه   ***   أمسى لقىً بين الربى و وهادِها
ومنابرُ الهادي تظـــــلّ أميةٌ   ***   تنزو كلابُهــــــــمُ على أعوادِها
صادق العاملي (ت1240هـ) 
وفي أبياته الرثائية يمزج الشيخ صادق العاملي بين التفجّع على المصاب وتجسيد وقفة الإباء التي وقفها أبو الأحرار وسيد الشهداء (ع) في رفضه الظلم والهوان فيقول:
عرِّج على شاطي الفراتِ ميمماً   ***   قبرَ الأغــــرِ أبي الميامينِ الغُررْ
قبرٌ ثـــــوىً فـيه الحسين وحوله   ***   أصحابُــــه كالشهبِ حفّت بالقمرْ
مولى دعـــوه إلى الهوانِ فهاجه   ***   والليــــــثُ إن أحرجته يوماً زأر
فانسابَ يختطـــفُ الكماةَ ببارقٍ   ***   كالبرقِ يخطفُ بالقلوبِ وبالبصرْ
موسى شرارة العاملي (ت 1304هـ)
ولم يتصرّم هذا المصاب ولا ينقضي حزنه مدى الأيام فقد كسا الدنيا ثياب الأسى التي لا تزول كما يقول الشيخ موسى شرارة العاملي:
بيومٍ أحــــــــالَ الدهرَ ليلاً مصابه   ***   وأجَّج أحشاءَ العبادِ بمضرمِ
مصـــــــــابٌ على آلِ النبيِّ محمدٍ   ***   عظيمٌ مدى الأيامِ لمْ يتصرّمِ
وخطبٌ كسا الدنيا ثياباً من الأسى   ***   وطبّق آفـــــــاقَ البلادِ بمأتمِ
على الامين العاملي (ت1328هـ) 
وتهيج لوعة السيد على الأمين العاملي عندما يسمع قصيدة السيد حسين بن السيد مهدي القزويني فتجود قريحته بتخميسها فيقول:
بنفسي الحسين سقته عداهُ   ***   كؤوسَ المنونِ وساقتْ نساه
فقلْ للوصيِّ وحامي حماهُ   ***   أبا حسنٍ أنــــــتَ عينُ الإلهُ
فهل عنك تعزبُ من خافيه
علي شرارة (ت 1335هـ) 
ويستذكر الشيخ علي شرارة حادثة مقتل الشهيد علي الأكبر (ع) وبطولته فيقول:
ولم أنسَ شبلَ السبطِ حين أجالها   ***   فقرّب آجالاً وفــــــــــــرّق فيلقا
يُصول عليهم مثلما صـالَ حيدرٌ   ***   فكم لهمُ بالـــسيفِ قد شـجّ مفرقا
كأنَّ قضاءَ اللهِ يجري بــــــــكفِّه   ***   ومن سيفـــهِ يجري النجـيعُ تدفُّقا
ولما دعاهُ اللهُ لبّـــــــــاه مسرعاً   ***   فســـــــــارعَ فيما قد دعاهُ تشوّقا
فخرّ على وجهِ الصعيـــــدِ كأنه   ***   هلالٌ أضاءَ الأفقَ غرباً ومشرقا 

 

محمد طاهر الصفار

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً