قبر الامام الحسين في عصر القادر العباسي

كربلاء الحسين

2018-09-05

1680 زيارة

 

الحريق الكبير

في عام (407هـ/1016م) تعرض ضريح الحسين إلى حريق كبير أحرق المرقد بالكامل وسقطت القبة والأروقة وتحولت إلى رماد ولم يبق من الضريح سوى السور وقيل في سبب الحريق هو سقوط شمعتين كبيرتين في منتصف الليل قضاء وقدراً حيث يذكر ابن الأثير وابن الجوزي: (إن القوام أشعلوا شمعتين كبيرتين فسقطتا في جوف الليل على التأزير فأحرقتاه) غير أن الدكتور عبد الجواد الكليدار له رأي آخر حول هذا الحريق حيث يقول بعد أن يستعرض قولي ابن الأثير وابن الجوزي: (ويظهر من هذين التقريرين المقتضبين الرسميين أو شبه الرسميين, التاريخ في تلك العصور المنصرمة ولا زال سجل لما ترفعه السلطات عادة أو ترتضيه, بأن الحادث وقع عفواً, والحريق نشب بغير عمد أو قصد. ولكن نظرة عامة على حوادث سنة (407هـ) في كافة أنحاء الأقطار الإسلامية في عهد أحمد القادر بالله العباسي المعروف بنزعاته المتطرّفة وميوله الهدامة ضد حرية الفكر وتحريمها على المسلمين, وتحامله الشديد على آراء المعتزلة وتكفير من يعتنق مبادئهم, ثم تكفيره الفاطميين ولعنهم علناً, وخلقه روح البغضاء والعداء بين الطوائف الإسلامية بالفتاوى الدينية التي كان يحصل عليها من الفقهاء, كل ذلك ربما يلقي بعض الضوء على حقيقة أسباب الحريق الذي نشب في حرم الحسين (عليه السلام) في ربيع الأول سنة (407) من الهجرة لا سيما إذا أخذنا بنظر الاِعتبار حوادث تلك السنة من غرة المحرم (407هـ) من حوادث دامية كانت قد سبقت الحريق في حرم الحسين وكانت قد وقعت بين الطوائف الإسلامية في أفريقيا على عهد المعز بن باديس كما أعلنها ابن الأثير فذهبت ضحيتها الشيعة بأجمعهم قتلاً ونهباً وسلباً بجميع أنحاء أفريقيا إلى الفتن الداخلية التي تلت حادث الحريق مباشرة وفي مدة لا تتجاوز العشرة أيام وهي التي رواها ابن الأثير وابن الجوزي بأن:

(وفي الشهر نفسه اتصلت الفتنة بين الشيعة والسنة بواسط, ونهبت محال الشيعة والزيدية بواسط واحترقت وهرب وجوه الشيعة والعلويين فقصدوا علي بن مزيد واستنصروه)

ويستطرد الكليدار في تعداد تلك الحوادث التي مرت على الشيعة فيقول: (ثم أليس من الغريب أن تقع كل هذه الحوادث الدامية المتشابهة بأفريقيا وواسط في وقت واحد خلال الأشهر الأولى من تلك السنة على عهد القادر بالله العباسي المعروف بميوله الهدامة, ومع ذلك كله, يعتبر حادث الحريق في حرم الحسين أمراً عادياً حصل قضاءً وقدراً دون أي مسبب ؟ مع أنه قد توافرت وتعددت قرائنه ونظائره في نفس الوقت في بقية الأماكن على ما يحدثنا كل منهما بحيث أصبحت فتنة عامة وحركة واسعة النطاق شملت كل الأقطار الإسلامية دون استثناء إذ أنه بعد عشرة أيام من حريق حرم الإمام الحسين احترق أيضاً حرم العسكريين بسامراء واحترقت في نفس اليوم محلات الشيعة ببغداد في جانب الكرخ من محلة (نهر طابق) ومحلة (دار القطن) وقسم من محلة (باب البصرة) وامتدت دسائس القادر بالله العباسي فشملت بيت الله الحرام وسقط حائط قبر النبي ووقعت القبة الكبرى على الصخرة في بيت المقدس وهكذا من جراء دسائس القادر عم البلاء وساد الفزع في كافة الأقطار الإسلامية في وقت واحد

ثم يلخص الكليدار الفظائع التي ارتكبها القادر العباسي خلال سني حكمه بالقول: (في الاثنين والأربعين سنة من حكمه الطويل (381ــ422هـ) فقد عبث القادر بالله بالبلاد الإسلامية, وأشعل النار فيها, وأراق الدماء وهدم البيوت والبلدان حتى الأماكن المقدسة واضطهد المسلمين بجميع طبقاتهم مستظهرا بالفقهاء في كل وقت, ومثل دوراً فاق فيه المتوكل (نيرون العرب) من حيث القسوة والفظاعة. بدأ أعماله الإرهابية بإثارة الفتن بين الطوائف الإسلامية في ذي الحجة من سنة (389ــ390) وقبلها ليختمها في أخريات حياته بالفتن التي تجددت ببغداد في سنة (422) والتي انتهت بأن:

(اعترض أهل البصرة قوماً من قم أرادوا زيارة مشهد علي والحسين فقتلوا منهم ثلاثة نفر ومنعت زيارة مشهد موسى بن جعفر)

وتؤكد العديد من المصادر التاريخية رأي الدكتور الكليدار الذي حلل الواقعة على ضوء المنهج التاريخي والحقائق التاريخية يقول ابن الأثير:

(في هذه السنة، في المحرّم، قُتلت الشيعة بجميع بلاد إفريقية. وكان سبب ذلك أن المعزّ بن باديس ركب ومشى في القيروان، فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء رافضة، فقال: رضي الله عن أبي بكر وعمر ! فانصرفت العامّة من فورها إلى درب المقلى من القيروان، وهو مكان يجتمع به الشيعة، فقتلوا منهم، وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم، طمعاً في النهب، وانبسطت أيدي العامّة في الشيعة، وأغراهم عامل القَيروان وحرّضهم).(2)

ولم يبق قبر الحسين على هدمه الأخير طويلا إذ سرعان ما بني في نفس السنة على يد ابن سهلان الرامهرمزي وزير سلطان الدولة البويهي وأحاط القبر بسور كما ذكر ذلك ابن الجوزي (3) وابن كثير (4) وهذا البناء هو الذي ذكره ابن ادريس الحلي في كتاب السرائر عند تحديده الحائر سنة (588هـ) ورآه ووصفه ابن بطوطة في رحلته عندما زار كربلاء عام (727هـ).   

محمد طاهر الصفار

.......................................................

1ــ تاريخ كربلاء وحائر الحسين  ص161،171

2ــ الكامل في التاريخ ج 9 ص 294-295 ط. دار صادر/ في حوادث سنة 407هـ

3ــ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك  ج 4 ص 282

4ــ البداية والنهاية ج 12 ص 16

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً