هندسة الحروف.. سحر يأسر الاذواق

فنون إسلامية

2019-10-18

436 زيارة

يميز المتتبع لمسيرة الخط العربي التطورية ان هناك تطوراً مميزاً في أسلوب كتابة الخطوط وتحسين انواعها.. وبالخصوص الرقع  الخطية المميزة بخطي النسخ والثلث، فلم يكن ذلك الا من خلال التنوع في أساليب استخدام هذين الخطين من ناحية تدوين النصوص واختلاف التصاميم التي كتبت بها، اضافة الى السعي الحثيث لتشذيب وتطوير الأساليب المعتمدة في تنفيذ هذه الرقع على اختلاف اجناسها وهيئاتها، فقد كان الخطاطون ومازالوا يكرسون ويبذلون جل إمكانياتهم الخطية وجهودهم الابداعية في التمرين المتواصل لكتابة الرقع الخطية المختلفة الاحجام والاشكال،  لما تحمله من أهمية كبيرة عند الخطاطين من الناحية الفنية و التدوينية وفي تطوير وتجويد وتزيين انواع الخطوط العربية  ورقيها.

المخطوطة اعلاه احدى ابداعات الرقع الخطية المميزة للخطاط التركي الراحل  أحمد كامل أفندى* الذي يعد من اقدر الخطاطين الذين كتبوا في الخط العربي،  وقد وظف الخطاط في مقطعي الرقعة الافقيين خطي النسخ والثلث كما جرت العادة في الرقع الخطية -  لتمييز واختبار الإمكانية المهارية للخطاط - ، والتي كانت ومازالت هي المقياس الامثل لقياس إمكانية الخطاط المهارية، وقد أعدت هذه الرقعة الخطية كما يبدو بصيغة اقرب الى الحُلية الخطية  لما تحتويه من اشكال وزخارف مختلفة، فضلا عن تحقق البعد القرائي التي تتصف به من خلال الوضوح التام التي تتسم به المقولة بخط النسخ اضافة الى عدم التراكب الواضح في خط الثلث  ليدفع بالمخطوطة الى تحقيق بعدها الوظيفي بالشكل الامثل _  تجويد الخط من جانب ووضوح الخط المقروء من جانب آخر- .

وهناك ابعاد جمالية رائعة حاول الفنان تحقيقها في هذه الرقعة الخطية عزز بها الجانب الوظيفي للرقعة، وقد تمثلت هذه الابعاد بالنقاط التالية: 

1- الوضع ألاتجاهي لخط النسخ:

ونميزه باستخدام الخطاط للاتجاه المائل في كتابة خط النسخ وذلك لإضفاء مسحة جمالية للرقعة وخلق حركة بصرية للنص داخل الرقعة مما عزز الجانب الجمالي فيها .

2- التناسب في مساحات النصوص :

     تحقق التناسب قي المساحات من خلال التوزيع المساحي المتكافئ للنص، اذ خصصت المساحة الأكبر لخط الثلث لكبر قياس حروفه وارتفاعها عمودياً وجعلت المساحة الأصغر لحروف وكلمات خط النسخ والذي أسهم بتعزيز جمالية الرقعة بشكل ملحوظ.

3- التناسب في قياس القلم :

     لقد حقق الخطاط التناسب بين قياس قلمي النسخ والثلث من خلال اعتماد النسبة المقدرة ( 3:1 ) وهذه النسبة هي الأكثر اعتمادا عند الخطاطين في كتابة خطي النسخ والثلث معا .

4- ضبط القواعد:

     عكست هذه الرقعة الخطية المهارة التي يتمتع بها الخطاط من خلال ضبطه لقواعد الحروف ورسمها  المميزة بانتظام الحروف والكلمات على السطر ولكلا الخطين مما اظهر سمة الإتقان واضحةً في مساحة الرقعة .

5- التوازن :

     لقد تحقق التوازن التام للرقعة الخطية من خلال توزيع المساحات الخطية والأُطر الزخرفية المحيطة بالنص المكتوب، مما أسهم في توازن المخطوطة وكذلك إشغال المساحات الموجودة على جانبي مساحة خط النسخ بزخارف لونية مبسطة اتصفت بخاصية التناظر والتماثل مما ساهم بخلق التوازن الواضح في الرقعة.

6- المعالجات اللونية :

اما المعالجات اللونية فنلاحظ ان الخطاط قد اعتمد المداد الأسود لكتابة النص لتحقيق الوضوح، اضافة الى استخدام مجموعة من الألوان المتناغمة لرسم الزخارف الجانبية والأطر المحيطة بالرقعة محققاً من خلالها طابعاً جماياً مؤثراً في المتلقي .

7- تنظيم المساحات الخطية :

وهنا عمد الخطاط على تقسيم المساحات الخطية في الرقعة الى مساحتين، معتمداً بذلك مبدأ التنظيم الثنائي للتكوين لذا خصصت المساحة الأعلى لخط الثلث والى الاسفل منها شُغلت بالنسخ .

8- المعالجات الزخرفية :

     ومن الواضح هنا ان الخطاط لم يركز اهتمامه بدقة العناصر الزخرفية واجزائها، بل عمد على إشغال المساحات الفارغة بحشوات زخرفية نباتية وقوامها بعض الاشكال من الاوراق وبعض الأزهار والأغصان المبسطة الاشكال، وقد وضع إطارا خطياً أحاط بالرقعة الخطية وفصل بينها وبين الحدود الخارجية المجردة للرقعة.

من هذا نستطيع التأكيد بان الخطاط احمد كامل افندي قد افلح في اظهار وتحقيق الأبعاد الوظيفية والجمالية من خلال هذه الرائعة الخطية، فنجده قد حقق فيها التنوع في اشكال الحروف والتكافؤ المتناسب في مساحة النصوص المكتوبة، إضافة الى التناسب المفضل ما بين قلمي النسخ والثلث وضبط القواعد ودقة التنفيذ.. ولا ننسى تأثير المخطوطة المباشر في نفس المتلقي من خلال التنوع اللوني المتناغم الذي حقق انسجاما مدروسا بين لون النص المكتوب والوان الرقعة والاطر الزخرفية المحيطة بالنص المنظم تكافؤياً داخل مساحة الرقعة الخطية.

  • الخطاط احمد كامل افندي  من مواليد أسطنبول 1862 م ، وهو من اعلام الخط العربي.. تعلم الخط وتجويده على يد والده و لقب برئيس الخطاطين لأنه عاصر كبار الخطاطين العرب والاتراك، ومنهم استمد قوة التراكيب في خط الثلث وانسيابية  واتقان الخطوط الاخرى وطرق تجويدها حتى عُد أقدر الخطاطين الذين كتبوا الخط العربي وظل للحرف العربي عاشقاً حتى وافته المنية  في عام 1941 م ودفن في مقبرة أيوب في استانبول. وبقيت خطوطه خير شاهد على رقي خطه وتميز فنه.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً