منطلقات الوعي الجمالي في الفنون الاسلامية..

فنون إسلامية

2019-10-11

393 زيارة

لم تكن ظاهرة تأثر الحضارات والفنون الانسانية ببعضها البعض بالظاهرة الغريبة والمستهجنة بين ثقافات العالم المختلفة، اذ ان الحضارات الانسانية على العموم لم تكن وليدة رحم حضاري واحد، بل كانت نتيجة لسلسة التواصل الفكري بين الشعوب وعبر مراحل التاريخ والتي قد تكون مفروضة بسبب ضرورات الحياة ومقتضياتها التي ادت بالتالي إلى التلاقح الفكري بين تلك الحضارات، فكانت الحضارة السابقة تعد نقطة الانطلاق للحضارة التي تلتها.. ولا غرو ان يكون الفن الاسلامي متأثراً بفنون الحضارت الأخرى، شأنه شأن الحضارات الاخرى لكنه استطاع ان يتفرد في اسلوبه الفني بخصوصية ميزته عن سائر الفنون نتيجة للترابط المتين بين ذهنية الفنان المبدع وروح العقيدة الاسلامية والتي جسدها الفنان في المساجد ودور العبادة .

لقد اختلفت المساجد ودور العبادة الاسلامية في هدفها عن معابد الأديان السابقة من حيث ماهيتها ووظيفتها الجمالية والروحية، فهي( المساجد) تعد المظهر المكاني لمنطلقات الفكر الإسلامي في التوحيد والدعوة الى الله الواحد الاحد وفي التأكيد على وحدة المسلمين وروح الاجتماع والعبادة الحياتية والاخروية من خلال الصلوات الخمس، وفي الحركة حيث يسعى الناس اليها للتفكر والعبادة وتعميق الروابط الروحية مع الخالق جل وعلا والاجتماعية مع المجتمع.. ومن هذا المنطلق يمكننا تحديد المنطلقات الفكرية للوعي الجمالي الإسلامي والمتمثلة بثلاث مفاصل مهمة هي ( منطلق التوحيد ، منطلق الوحدة  و منطلق الحركة ) .

1. نطلق التوحيد :

يتمثل المعبود في الأديان الوثنية القديمة المختلفة بمن يملك القوة القادرة على تحقيق الخير للناس من الاشياء او الظواهر من اجل استمرار وجودهم حسب اعتقاداتهم، مثل عبادة الالهة الأم والبقرة وعبادة الكواكب والقمر وغيرها من الاوثان.. حتى دعا الاسلام الى الايمان باله إبراهيم عليه السلام فالله جل وعلا هو القوة المطلقة والمثل الأعلى وعلة الوجود ((هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))، وهذه كانت من أولويات ما دعت اليه الفلسفة الاسلامية، اذ كانت غايتها التوحيد الذي يتجسد بالشهادتين ( اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمداً رسول الله) ، وخلق التوازن والانسجام والتناسب بين السماوي والأرضي في لفظهما الذي يستند اليها الاحساس الجمالي في جزئها الاول والموصول بجزئها الثاني الذي يحمل الاستمرار السماوي مع الأرضي ويجعل العلاقة الجمالية نابعة من كونها فكرية وواقعية معاً.

 وهنا لا يخفى على المتأمل ان ادراك جمال الطبيعة يرتقي بالمرء الى ادراك الكلي المطلق الجمال.. وهذا بدوره يقوده الى ادراك تجليات المطلق الجمال في الطبيعة، والإدراك في كلا الحالتين يكون عبر عملية توحيدية تؤكد وحدة الفكر ووحدة الجمال ،وبهذه التوجهات الروحية نحو الكلي وجماله المطلق تنتفي التعددية الالهية ويحل محلها التنوع والتوزيع المتوافق الذي تندمج فيه المتعددات في كلي واحد يفيض جماله الكلي على الخلق، وان مفهوم الجمال الإسلامي لا يـخرج عن مديات هذه العلاقة.. وما فيه من غنى وتنوع هو تجليات يفيض بها العقل الإنساني الذي هو فيض جمالي عن الحق المطلق الجمال وهذه حقيقة يقر بها الوجدان الإنساني، فالجمال ليس أحساساً باللذة الحسية الأرضية فحسب ، وانما هو أحساس صاعد نحو الأعلى.

هذا ما عاشه الفنان المسلم في تجربة التمسك بالتوحيد واظهاره في فنه، فهو من خلال تجربته الابداعية يكشف عن التوحيد كقضية شخصية عن طريق تجريده للأشياء من تجسيماتها وتصويرها على شكل خطوط او مسارات وكلاهما ينبعان من رؤية معرفية خاصة يتبعها الفنان للوصول الى التوحيد.. لذا فليس غريباً ان يعبر فن الارابسيك او الخط او الزخارف الهندسية التجريدية مثلاً عن مضمون الاسلام الروحي المتمثل بالتوحيد.
2. الوحدة :

يشير مفهوم الوحدة في النظام الكوني الى تمام الجمال في المخلوقات وبرهان صدورها عن الواحد المطلق، ولا شك انه لا يصدر عن الواحد الا وحدة في كل المتعددات او وحدة في الكثرة، وأسس الجمال في هذا النظام تقوم على التوازن والتجاذب والتناسب والانسجام والروح، فهناك نظام كلي مشترك ينظم العلاقات من صغائر الأشياء إلى اكبرها في الذرة وفي المجتمع وفي الكون، فهو ناظم تجاذبي بما فيه من علاقات الجذب التي تجمع الاطراف الى المركز.

لقد اختص الانسان وحده بوعي جمالي يجعله موضوعاً وذاتاً ، فهو كموضوع جزء من نظام جمالي واحد، وكذات قادر على ان يأخذ بواسطة وعيه الجمالي وفكره موقفاً خارج العالم، وعلى امتلاك القدرة في التصور على القيام بالتراجع الكافي من اجل تأمل النسق الجمالي في موضوعات العالم، ومن هذا المنطلق الفكري والروحي تشكل وازع قوي للفنان المسلم ليجعل فنه يحمل طابعاً موحداً على مدى العصور وفي كل البلدان الاسلامية، فالوحدة من الخصائص التي أمتاز بها الفن الإسلامي ، اذ انها صفة ربما لم تكن لتكتمل لولا التزام الفنان المسلم بقواعد الفكر الذي يحدد له الغاية من المنتج الفني الذي يبدعه، ولذلك جاءت النتاجات الفنية الإسلامية في الأمصار المختلفة متشابهة رغم تباعد المسافات وتباين الأزمنة، ويعزى ذلك الى ان تلك النتاجات تنتمي الى اصل واحد ثابت هو الفكر السائد في المجتمع الإسلامي، وبالرغم من العلاقة بين المنتج الفني والمعتقد الديني في بادئ الامر.. لم يقم الفن الإسلامي بدور تبشيري او اعلامي قط، إذ لم يكن غاية الفنان المسلم تقديم أية شروح دينية، على الرغم من انه اخذ من دين الاسلام رؤيته الكبرى في الوجود واللاوجود ووقف إزاءه وقفة ايمان مطلق وعميق .

3. منطلق الحركة:

اما منطلق الحركة فيشكل جزءاً مهماً من جمال الموضوع الفني وعاملاً اساسياً في تكامل جماله.. فالحركة ليس مادية فحسب، بل هي جمالية ايضاً، فالنهر كما يقال يبلغ غاية جماله بحركة جريانه، وان سر جمال الكواكب يكمن في حركة دورانها حول الشمس ونفسها ، والوردة يتكامل جمالها باطراد حركة نموها، فهذه الحركة بالنسبة للباحث عن الجمال هي مصدر المتعة الجمالية وهي مصدر قيمة وجودية لها دلالاتها ووظيفتها في نسق الحياة، ومن خلال استقصاء بعض مواطن الحركة في الصور التي يعرضها القرآن الكريم، نجد فناً خاصاً في اظهار جماليات هذه الحركة من حيث تناغمها ودلالاتها ووظائفها، فكأن المرء يسمع حركة عسعسة الليل وحركة تنفس الصبح وصوت جريان الانهار في قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ))، وقوله الحق   و(( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)) ، فكل ما في الكون مغمور بالحركة سواء اكانت ظاهرة او باطنة، مرئية او لا مرئية ، محسوسة او معقولة ، مادية او نفسية ، وكل ما هو في مدى التقاط الحواس الانسانية.. ومن هذه الحركة الكلية تتولد حركات متعددة ينتج من تكاملها الجمال التام للموضوع المتوسم بحركة الفكر وحركة المادة وحركة الفعل التي بدورها هي حركات مولدة أيضاً، فحركة الفكر مولدة للجمال النفسي، وحركة المادة مولدة للجمال الظاهري،وحركة الجمال مولدة للجمال المنتج وهذا جلي في كتاب الله بقوله : ((وَأَن لَّيْسَ للإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى))، وقوله : ((وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ))..

وهنا نستطيع التيقن ان الفنان المسلم يدرك القيمة الجمالية للحركة، فهو يحاول في عمله الفني ان يضفي عليه حركة انتقائية توحي بالحياة بعد فراغه من مماثلة الموضوع الأصلي كما في الوحدات الزخرفية المختلفة الاصناف، لكنها تبقى حركة جمالية جزئية ثابتة مفتقرة الى أهم شرط فيها - على الرغم من محاولة الفنان الجهيدة في دعمها بمنطلقي الوحدة والتوحيد - وهو ان تكون حركة جمالية كلية حية وهذا من المحال.. فهذا من ابداع الخالق المبدع عز وجل.

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً