فنون أندلسية..

فنون إسلامية

2019-06-30

506 زيارة

لقد كان للتقارب العربي مع شعوب العالم الاخرى اثراً كبيراً في البناء الجمالي لمختلف الفنون التي انتجتها الحضارة العربية الاسلامية، وبالأخص حينما صاغ المسلمون فلسفتهم العقلية وفق منظومة رمزية عقائدية اسلامية، انتج من خلالها الفنان المسلم اشكالاً ورموزاً ذات دلالات مضمونية اصبحت محوراً للتفاعل على مستوى الفن وباقي الثقافات الاخرى التي ساهمت في نمو الحضارة الاسلامية وتطورها.

تشير بعض الدراسات والبحوث الى ان هنالك ثلاثة شروط لابد أن تتوفر من اجل نمو وتطور أي حضارة ذات هوية فنية مميزة ، وقد لخصها الدارسين في ( المدة الزمنية الكافية والاستقرار السياسي في بلدان تلك الحضارة والأرضية الفنية الخصبة).. ويختص الشرط الأول في عامل الوقت والزمن وهو شرط مهم لأنه يعطي الناس فرصة كافية للتأقلم وفق أوضاع حكم جديد ووفق طريقة الحياة التي نتجت عن ذلك الحكم... اما الشرط الثاني والمتمثل بالاستقرار السياسي فهو يمثل أوقات الرخاء والرفاهية والسلم، فالاستقرار في وقت السلم يعطي الزمن الكافي للانشغال ببناء البلدان وتعميرها فيعمد الناس الى تشييد القصور و والمساكن الجميلة مع ازدياد الحاجة تزين تلك القصور والمساكن لإضفاء الجمالية والاستمتاع بالفن والجمال الذي صنعه لهم الفنانون والحرفيون.. أما الشرط الثالث المتمثل بالأرضية الفنية فهو ضروري بحد ذاته لاسيما للفنان أو الحرفي إذ تشكل الأساس الذي يتم بموجبه الابتكار والتحسين للأعمال الفنية، وهذا يشمل ثقافة الفنان ومهاراته في حقل اختصاصه الفني.

لذلك نجد الابداعات الفنية الإسلامية قد مرت بأدوار أو عصور مختلفة باختلاف الحكام وفتراتهم الزمنية حيث بدأت الفنون الاسلامية بالازدهار خلال فترة الحكم الأموي ثم تطورت في حكم بني العباس ومن بعدهم، فضلاً عن تكون بعض الاقاليم الإسلامية المستقلة بحكامها وخصوصاً بعد الفتوحات الاسلامية كما في الأندلس ومصر وإيران وتركيا وغيرها وصولاً الى ما آلت اليه الفنون اليوم وما رافقها من تطور في المجالات التقنية والفنية .

الأندلس مصدر إلهام وابداع..

لم تكن الاندلس عندما فتحها المسلمين أوائل القرن الثامن للميلاد مختلفة عن بقية بلدان غرب أوربا، من حيث انتشار الجهل والتأخر الفكري والفوضى بسبب النزاعات السياسية والاجتماعية والفتن الطائفية، ولكن المسلمين بعد أن فتحوها نقلت إلى مرحلة استقرار وإنشاء فاتجهوا نحو تعمير المدن الخربة واحياءها وتنشيط التجارة الراكدة وإنعاش الصناعة المتأخرة، حتى أصبحت الأندلس في ظل خلافة قرطبة أغنى الدول الأوربية وأكثرها ازدحاماً بالسكان.

وانصرف المسلمون نحو الآداب والعلوم والفنون، وكان للعمارة الأندلسية في كل مراحلها - ابتداء من مسجد قرطبة واسوار وحصون بعض المدن انتهاء بقصر الحمراء في مدينة غرناطة وبرج الذهب الذي يعد آخر صرح حضاري قد بني في إشبيلية- القدرة على الجمع بين الناحية الجمالية والناحية العلمية في البناء.. حيث يعد قصر الحمراء خلاصة للفن الاندلسي بشكل عام، فهو من أهم الصروح المعمارية التي تبرز جمال الفن العربي الإسلامي وأناقة التزيينات فيه، ويلاحظ الزائر اليوم ان مخطط القصر ما يزال قائماً في مجموعاته المعمارية الثلاثة وطريقة بنائها وجمالية نقوشها ورقوشها الاستثنائية.

لقد بدا تطور فن الزخرف منذ المراحل الأولى للحكم الإسلامي في الاندلس ولازم تطور الميزات العمرانية، فالأقواس المعمارية ومنها قوس حدوة الفرس أو القوس الحدوي كما يطلق عليه وصل الى قرطبة من الشام عن طريق مصر وأفريقيا، وقد بلغ ذروة الكمال في التصميم والأداء الوظيفي وتطور شكلياً ليتفرع منه قوس مفصص ومتشابك كما هو الحال في العقد المقرنص والعقد المتراكب والاقواس المكسورة أو الاقواس الحدوية المدببة إضافة الى القوس المضغوط ، وقد وضعت كلها وسط أطار من الرقوش النباتية والهندسية ويحيطها حزام من الخط الكوفي او النسخ الأندلسي ليزيده بهاء ورونقاً، كما ظهرت القبة المضلعة والمرفوعة على العقد النجمية وانتقلت من الأندلس إلى العمارة القوطية مع تأثيرات فنية أخرى كثيرة .

واستخدم الأندلسيون طريقة زخرفة الجدران بالنحت على الحجر والجص وابدعوا في تنفيذها، وكانت اشهر اعمالهم التي لا زالت قائمة حتى الوقت الحاضر لوحـتان رخاميتان أقامهما الحاكم آنذاك على جانبي محراب مسجد قرطبة، ويلاحظ المطلع على زخارف هذه الألواح تفريعات النبات الدقيقة مع تفرعات المراوح النخيلية وشجرة الحياة كما يظهر بها ميل الفنان المسلم إلى إزالة المادة وذلك بتغطية السطوح بالزخارف المزدحمة وعدم ترك مساحات خالية وهذا من أهم مميزات الفن الإسلامي كما هو معروف، ويتكرر ظهور هذا الأسلوب في زخارف الجص التي عثر عليها في قصر الزهراء وفي زخارف الفسيفساء التي تغطي محراب المسجد.

لقد تميزت الاندلس بصناعة انواع الخزف الفني الإسلامي بزخرفتها المميزة لها والمشتملة على طيور وكتابات وأشكال من الأزهار المرسومة باللون الأخضر والأزرق والبني الداكن، حيث عثر بمدينة الزهراء الاندلسية على بقايا من قطع الخزف ذو البريق المعدني، وأنتج الخزافون الأندلسيون أيضا أنواعاً جيدة من أغطية الآبار والازيار وزينوها بالزخاف المختومة والمصنوعة من القوالب، وطلي هذا النوع بطلاء اخضر أو ترك دون طلاء، كما أنتج الخزاف الأندلسي نوع من الخزف ذو زخارف مرسومة بالأخضر والبني أو الأرجواني الفاتح على الأرضية البيضاء.. وخزف ذا زخارف برسوم محورة لحيوانات وطيور وأشكال آدمية، فيما اشتهرت بعض مدن الأندلس بإنتاج الأواني والبلاطات والسلاطين ذات الرسوم الجميلة المميزة ببريق معدني ذي لون ذهبي أو ذهبي وأزرق، ومن أبدع القطع المعـروفة تلك الأواني البيضاوية الشكل ذات المقابض التي تشبه الأجنحة والتي تعرف باسم قـدور الحمراء والتي ترجـع بتاريخ صنعها إلى القـرن الرابع عشر برسوماتها وكتـاباتها الكوفيـة وزخارفها النباتية والحيوانية المحورة.

اعداد: سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً