ظلال السماء ..

فنون إسلامية

2018-09-16

1155 زيارة

أن انتشار الرسالة الإسلامية في بقاع الأرض والامتزاج الحضاري مع مختلف البلدان، أوجد أعمالاً فنية رائعة امتزجت ما بين الرمزية والتشخيصية .. عبّر الفنان من خلالها عن مفاهيمه ومعتقداته والأحداث العظيمة التي ألمّت بالأمة الإسلامية بعد الرسول صلى الله عليه وآله، وأغلب هذه الأعمال العقائدية كانت تخلو من أية إشارة إلى مبدعيها لتأكيدها على انصهار الذات في الجماعة وعقيدتها، هذه العقيدة التي بدت مهددة بانحراف خطها ومسارها الذي أعد لها منذ أن خولفت وصايا رسول الله، فبان التصدع والانحراف بها نحو العبودية من جديد وتحولت الخلافة الإسلامية إلى ملك تتلاقفه الأيدي كالكرة خلافاً لمرضاة الله، وتحولت إلى طلب للثأر من الرسول وآل بيته عند حكام الدولة الأموية .. حتى انتقمت لأصنامها بقتل الأمام الحسين عليه السلام في واقعة ألطف، تلك الواقعة التي لم يعرف التاريخ الإسلامي مثيلاً لها.

مثل الفن دوراً بارزاً في التعبير عن هذا الحادث الجلل وكانت هناك أعمالاً فنية شعبية وأكاديمية ــ قولية وتمثيلية ــ تؤرخ لهذه الواقعة وتستلهم مروياتها التاريخية منها، مشكلة باختلاف هيآتها بنية جمالية خاصة بها وخاضعة لمضمونها، فازداد تعلق الناس بها واستمر تداو لها وانتشارها حتى تحوّلت إلى علامات جمالية تفسّر وترسّخ العقيدة لأتباع أهل بيت النبي صلوات الله عليهم باعتبارهم الأمل وسفن النجاة، فاستمدت بقاءها وتداوليتها من خلود الواقعة ومأساة أصحابها وولاء الناس لهم .

اللوحة أعلاه من منجزات الفنان الإيراني المبدع الأستاذ عبد الحميد قديريان، وقد جاءت كإحدى المفاصل المهمة في معرض شخصي للفنان بعنوان (سماء كربلاء) والتي استعرض فيها واقعة الطف بأغلب أحداثها المفجعة.    

أعاد الرسام في هذا التكوين الفني المميّز صياغة البُنية المكانية لخيام أبي عبد الله الحسين عليه السلام ومن معه في أرض كربلاء، بسلوكه سلّماً أدائياً تعبيرياً لطرح هذه الصيغة الجمالية مبتعداً عن التمثيل الواقعي لجغرافية الواقعة.

أعتمد الرسام بشكل أساس على مساحات اللون وبعض الخطوط لبناء هيكل اللوحة العام بتشكيلات تُشعر المتلقي بحركتها المستمرة إلا في المركز المضيء منها كدلالة للتجمع أمام خيمة الحسين، مستحضراً في فضاء اللوحة العلاقة الرابطة بين السماء وأرض الطفوف وما سيحل بها من حادث عظيم بإراقة الدماء الطاهرة لآل بيت النبوة الأطهار، معوّضاً عن الأشكال الصريحة بامتداد الخطوط المدركة ذهنياً والمنسابة من السماء(الملائكة) باعتبارها فيضاً جمالياً عن مطلق الجمال بحضور تمثلاته في الأرض، مما جعل الخطوط تضفي جانب الاستقرار على أشكال المقدّسات في جوِّ اللوحة العام حيث أصبحت كتلة واحدة وتشكل ضاغطاً دينياً وعقائدياً للدلالة على الامتداد التكليفي الإلهي لرسوله الكريم وأهل بيته صلوات الله عليهم اجمعين، فضلاً عن اكتسابها صبغة فكرية أخرى تؤكد عظمة واقعة الطف وقدسيتها، ثم الانتقال إلى إبراز محور العمل بواقعية الحدث عبر ربطه بما يجاوره من علاقات رمزية يستدل عليها تحت الضغط السردي للواقعة.

أما عن كيفية صياغة الرسام للرموز المقدسة، فقد سلك الرسام أسلوباً خاصاً باعتماده الضوء لتشكيل هيأة الأشكال ومحيطها، فقد عمد إلى الابتعاد عن الأشكال بعمق اللوحة ــ التصوير عن بعد ــ لتضبيب ملامح المقدس تحت الضاغط العقائدي وأحاطتها بهالة من الضوء بحضور اللون الأصفر لغرض إبراز خيمة الإمام الحسين والأبيض في السماء المتمثل بنزول الملائكة بانسيابية نحو الخيام .

ولا يخفى على المشاهد إن مرويات الواقعة قد شكّلت عامل ضغط على الرسام، فقد عمد إلى جعل جوِّ العمل يسوده اللون الأزرق تعبيراً عن السكون والحزن والترقّب، مستخرجاً منه تدرّجات لونية منسجمة مع الألوان الأخرى لتشترك مع خطوط الخيام والنخيل في إبراز الأشكال السيادية في العمل مع ملاحظة التناوب بين الغامق والفاتح في إظهار الأشكال، إضافة إلى الوحدة ما بين الشكل والمضمون حيث لا وجود لأي شكل دون أن يكون حاملاً لدلالته ومعناه، بل إن المضمون في العمل بكله وأجزائه فرض على الرسام بناء الأشكال بهذه الصورة الرائعة .

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً