إيقاعية النص في دعاء التضرع والاستكانة للإمام السجاد عليه السلام

نفحات إسلامية

2018-12-31

329 زيارة

أ.د. ياسر علي عبد سلمان الخالدي& أ.م.د. حازم كريم عباس الكلابي

كلية الآداب / جامعة القادسية

    لاشكّ في أن الإيقاع يبعث إحساسا بالسرور وشعوراً بالمتعة و الارتياح يهيئ للمتكلم تَنزيل المعاني وانسياب الألفاظ، والنص الأدبي في استعانته بالموسيقى الكلامية إنما يستعين بأقوى الطرق الإيحائية لأن الموسيقى طريق السمو بالأرواح والتعبير عمّا يعجز التعبير عنه، وتقوم الأصوات في ذلك بأثر بالغ الأهمية بوصفها المادة  الخام لتأليف أشكال هذه الموسيقى بما يمتلكه كل صوت من صفات خاصة مستقلة، وبما يترشح من تجاور صوتين مختلفين من صفات جديدة تظهر في أحدهما أو تظهر في كليهما.

إنّ دراسة البنية الإيقاعية لنص أدبي تعني دراسة كل ما من شأنه أن يحدث نغما في الأذن، وأثرا في النفس، أو يلفت إليه الفكر، فالطبقة الصوتية تسهم في تحقيق التأثير الجمالي في الأعمال الأدبية، وإلى لفت انتباه المتلقي، وشدّه إليها كما مرّ سالفا، وبما أنه يمثّل الإفادة من جرس الألفاظ وتناغم العبارات، واستعمال الأسجاع وسواها من الوسائل الموسيقية الصائتة، ما يحدث نوعا من الانسجام في العبارات، فيأتي الكلام متحدرا كتحدّر الماء المنسجم، سهولة سبك، وعذوبة ألفاظ، حتى يكون للجملة من المنثور والبيت من الموزون وقع في النفس وتأثير في القلوب ما ليس لغيره، مع خلوِّه من البديع وبعده عن التصنّع، لذلك حاول الباحث في هذا البحث دراسة الوسائل الموسيقية الصائتة من تكرار و تجنيس وسجع، محاولا كشف دلالاتها وإيحاءاتها ومدى أهميتها في تشكيل جمالية الخطاب التأثيري في دعاء ابن افصح العرب جميعا، لاسيما إذا ما علمنا ان العرب القدماء قد تفننوا في طرق ترديد الأصوات في الكلام، حتى يكون لها نغم وموسيقى، وحتى يسترعي الآذان بألفاظه، ما يدلّ على مهارتهم في نسج الكلمات وترتيبها وتنسيقها، والهدف من هذا هو العناية بحسن الجرس، بحيث يصبح البيت الشعري أو الجملة من الكلام أشبه بفاصلة موسيقية متعددة النغم، مختلفة الألوان، يستمتع بها من له دراية بهذا الفن، ويرى فيها دليل المهارة والقدرة الفنية، فتؤثِّر فيه أيّما تأثّر، ويتفاعل معها بكلّ ما أوتي من إحساس.

 

 

أولا:ايقاعيةالتجنيس([1]):

   تقوم جمالية الجناس على أساس تكرار مجموعة من الحروف في الكلمات المتجانسة، ما يمنح الكلام صفةً إيقاعيّةً تشدّ انتباه المتلقي، وتشوِّقه لمعرفة المعنى الآخر للفظ المشترك، فتدفعه ((إلى الإصغاء إليه، فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاءً إليها، ولأن اللفظ المشترك إذا حُمِلَ على معنى، ثم جاء والمراد به آخر، كان للنفس تشوّق إليه))([2]).

وعلى الرغم من أنه وسيلةٌ فنيةٌ مهمةٌ  لتحقيق مزايا الجرْس الصوتي الموسيقي الذي ينبّه الأذن والعقل على ما فيه من استقطاب للمتلقي وإثارة حسِّه و تحقيق موسيقى داخلية في النص([3])، إلا انه لا يؤتى إلا بدقّة متناهية من قبل مبدعٍ متمكّن، اذ لا يُستَحسن ((تجانُس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً، ولم يكن مَرْمَى الجامع بينهما مَرْمًى بعيداً))([4]).

وبما أنّ للجرس أثراً في إحداث التأثير النفسي والوجداني المطلوبين في نشر الدعوة الاسلامية([5])، فقد وردَ التجنيس في ادعية الامام السجاد عليه السلام  بشكل واسع، ربّما بسبب ما يمتلك من تعزيزٍ للجانب الإيقاعي وتحقيق موسيقى مؤثرة، وإمكانات صوتية تحقق نوعا من

 الموسيقى الداخلية التي تثير حسّ المتلقي وتجذب نظره، فيستشعر مواطن الجمال ويتلذذ بالاستماع لما يقال، ويكون تأثّره به أكبر وانتباهه لما يراد منه أشدّ، وفي الذاكرة أحفظ.

ومن التجنيس في دعاء الامام السجاد عليه السلام في التضرع والدعاء قوله عليه السلام: ((إلهي أحمدك وأنت للحمد أهل ، على حسن صنيعك إلي، وسبوغ نعمائك علي))، فـ(إلي) و (علي) جناس، اذ تشابهت الكلمتان في كل الحروف سوى الحرف الاول منهما، اذ جاء في الاولى الهمزة: ومخرجها من اقصى الحلق، وفي الثانية العين: ومخرجه من وسط الحلق[6]، وهما حرفان متقاربا المخرج، ويسمى هذا النوع من الجناس: الجناس المضارع،  وهو اتِّفاق اللفظتين في نوع الحروف وعددها وترتيبها، سوى حرف واحد، مع اتحاد أو تقارب الحرفين المختلفين في المخرج([7])، ويشترط فيه ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف واحد([8])، فالتقارب في الصوتين المختلفين، و التجنيس، والفاصلة المتشابه، قد جعلت الكلام ينساب بنغمية عالية وإيقاع متراتب جميل، تستسيغه الأسماع وترتاح له القلوب. ومثل ذلك نراه ايضا في دعائه عليه السلام اذ يقول: ((تسمع من شكا إليك ، وتلقى من توكل عليك)).

ومن الجناس المضارع في دعاء التضرع والاستكانة قوله عليه الصلاة والسلام: ((فنجني من سخطك يا كهفي حين تعييني المذاهب ، و يا مقيلي عثرتي ، فلولا سترك عورتي لكنت من المفضوحين))، فكلمة (عثرتي) و (عورتي) كلمتان متجانستان تجانسا مضارعا، فهما متشابهتان في حروفهما ما عدا الثاء (الذي مخرجه من بين طرف اللسان واطراف الثنايا العليا)[9]، والواو (الذي مخرجه من بين الشفتين منفتحتين)[10]، فمن تجانس أغلب أصوات اللفظتين وتقارب مخرجي الحرفين المختلفين وُلد الإيقاع المتسق، ومُلئ النصّ بشحنة موسيقية، وأحدث نوعا من المزاوجة النغمية، كان لها تأثيرها الواضح في ازدياد ايقاعية العبارة، ما جعل القول يتّسم بالفنية والجمالية.

وهناك نوع آخر من التجنيس ورد ذكره في الدعاء الشريف، وهو ما يعرف بالتجنيس الناقص، أي: أن تختلف إحدى اللفظتين عن الأخرى بعدد الحروف([11])، وهذا بطبيعة الحال يستلزم زيادة إحداهما على الأخرى؛ لذا يسمى الزائد أيضا. والنقص في هذا النوع من التجنيس ((يلبّي حاجة النفس إلى الإيقاع المتباين، كما يلبي الجناس التام حاجتها إلى الإيقاع الواحد المتكرر))([12])، للجنوح بالعبارة عن الرتابة والتكرار، إذ إنّ الطاقة التأثيريّة لأسلوبٍ ما تتناسب تناسبا عكسيا مع تواترها، فكلّما تكررت الخاصية نفسها في النصّ كلما ضعفت مقوِّماتها الأسلوبية، ما يفقدها شحنتها التأثيرية تدريجيا في بعض الأحيان؛ لذا فانّ توظيف الأديب لمظاهر التنوع الصوتي يوشّح العبارة ببعد  موسيقي ممّيّز، يوقظ السامع، ويزيد من انتباهه، فيكون انجذابه نحو النص أقوى، واستجابته أشد، وهذا التجنيس نجده في قوله عليه السلام: ((، إلهي فكم من بلاء جاهد قد صرفت عني ، وكم من نعمة سابغة أقررت بها عيني))، اذ زادت الثانية على الاولى بصوت: الياء، و ذلك الاختلاف أدّى الى زيادة في الإيقاع؛ لأنّ ((اختلاف عدد الحروف يؤدي إلى اختلاف زمن الإيقاع بين المقطعين الصوتين))([13])، ما يحدث فراغا إيقاعيّا بينهما، يبعد النصّ من التكرار والرتابة، والخدر الناشئ منهما، وذلك الاختلاف في الحروف يجعل الاختلاف في الدلالة واضحا، ويبعد العبارة عن الإيهام والغموض الدلالي، ويبقي اللفظتين تحت ظلال الإيقاع المتساوق المتناغم في أغلب أصوات اللفظتين، فيرفع من مستوى التلذذ والتفاعل والانتباه، وذلك ما يزيد العبارة حسنا وجمالا وتأثيرا.

ومثل ذلك نجده في قوله عليه الصلاة والسلام: ((دعوتك يا رب مسكينا ، مستكينا ، مشفقا خائفا ، وجلا ، فقيرا))، فالجناس الناقص في اللفظتين: (مسكينا) و (مستكينا)، فعلى الرغم من اختلاف حركة الميمين فيهما الا اننا مع التشابه الكبير في حروفهما وتشابه اغلب حركاتهما، يمكننا ان نهمل هذا الفارق البسيط بينهما، ونعدّ هذا من الجناس الناقص، فالتناغم الموسيقي بين اللفظتين: (مسكينا) و (مستكينا) فيه بعضٌ من تطريبٍ تتلذذ له الأسماع  وترتاح له القلوب. وكان من الممكن أن يقال الفقير، فهو يؤدي تقريبا المعنى نفسه، ولكن ليس له من الحسن والرونق ما للعبارة المجنّسة المتناغمة الأصوات، فلم يأت التجنيس هنا عبثا، وإنما حدا إليه المعنى والإيقاع، فتكاملت الدلالة والموسيقى، وأنتجت قيمة ايقاعية جمالية واضحة في النص الدعائي الشريف.

ثانيا: ايقاعية السجع:

السجع جزء لا يتجزأ من فنية الإيقاع، وله أثره الجمالي الذي لا يُنكر في التأثير على القارئ، وربما يجد النثر فيه وسيلة تعويضيّة ناجحة عن ذلك الافتقار للوزن والقافية وما لهما من وظيفة جمالية تمنح البيت الشعري موسيقى منسجمة لها تأثيرها الكبير في جذب الانتباه وشدّ الأسماع اليه والتلذذ فيه.

   وفي السجع  يوقع الأديب بين الكلمات في نهاية الجمل أو المقاطع، ما يحدث نوعاً من التوافق الصوتي ((بتقسيم الحدث اللغوي إلى أزمنة منتظمة ذات علامات متكررة وذات وظيفة وملمح جمالي))([14])، يتولد منه إيقاع يسهم في إضفاء خاصيّة التطريب التي تمنح العمل الأدبي جمالا وإيقاعا، وحلاوة نغمية يقابلها المتلقي بالقبول والارتياح.

وموسيقى السجع تعتمد على خاصيّة الإيقاع الصوتي المرتبطة بنهاية الجمل أو الفواصل([15])، إذ تقوم على ((تواطؤ الفاصلتين في النثر على حرف واحد))([16])، أي: اتفاق في الحرف أو الوزن أو فيهما معا([17]). وبروز صوت بعينة في نهاية كل فاصلة، أو مقطع صوتي وتكراره في أكثر من موضع يحدث إيقاعاً متكررا يتوقعه المتلقي، ومن ثمّ ينشأ نوع من التجاوب الصوتي بين النغمة المتوقعة، والنغمة البارزة على سطح الصياغة، فيولد ذلك شعورا بالمتعة الإيقاعية. ولأجل ذلك كان السجع فنّاً من فنون القول والدعاء عند العرب القدماء، فالابتهالات والصلوات بطبيعتها تحتاج إلى لون من الفن يتمثل في السجع؛ لان فيه استجابة للموسيقى الوجدانية في قلوب المتبتلين([18])؛ فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسمعه أنشط، وهو أحقّ بالتقييد وبقلّة التفلّت([19])؛ لذلك مال الخطباء والبلغاء عبر الأزمنة الإسلامية إلى انتقاء الكلام الإيقاعي في بناء النص، فـ((لا يكاد بليغ يرتجل خطبة أو يحرر موعظة إلا كان أكثر كلامه مبنيا على السجع))([20])، ولم يجدوا في ذلك أيّ تعارضٍ مع – قول الرسول الأعظم  صلوات الله عليه وآله لمن تكلّف السجع وتقوّل كالكهان: «أسجعا كسجع الكهان»([21])، إذ لم ينكره صلوات الله عليه وآله على إطلاقه، وإنما أنكر منه سجع الكهان، الذين يريدون به إبطال حقٍّ، والتأثير على السامع  بما يؤديه تشدّق ألسنتهم به من فورة انفعالية([22])، فهو الذي يُقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه([23])، ومجرّد إيقاع بلا معنى، وتكلّف وتخليط([24])،وقد جاء السجع في دعاء التضرع والاستكانة في أنواع عدّة، منها قوله عليه السلام: ((إلهي ما وجدتك بخيلا حين سئلتك ، ولا منقبضا حين أردتك))، إذ جاءت الجملتان متتابعة متساوية الوزن، متشابهة الفواصل، وهو ما يسمى بالسجع المتوازن، وهو ما اتفقت فيه الفقرتان في الوزن والتقفية([25])، فجملة: (حين سئلتك) و (حين أردتك) جاءت بوزن واحد هو: (فَعْ مُتَفَاعِيْ)، وفاصلةٍ واحدة هي: التاء المضمومة والكاف الساكنة، ما جعل السامع لاسيما بعد الجملة الثانية يتوقّع الوزن والفاصلة القادمة، فكلّ ضربة من ضربات الجُّمل الموزونة المتشابهة النهايات ((تبعث في نفوسنا موجة من التوقع تأخذ في الدوران، فتوجِد ذبذبات عاطفيّة على نحو غريب))([26])، ما يجعل المتلقي يتلذذ بتحقق المتوقع، فضلا عن التطريب الذي منح النص هذا الإيقاع المتساوق والموسيقى المتراتبة.

ومثل ذلك نراه في قوله عليه السلام: ((وعلى ما فضلتني به من رحمتك ، وأسبغت علي من نعمتك))، فتشابه الفواصل، ووحدة الوزن  في هذين المقطعين لهما فاعليّتهما في التأثير بما تملكه من إيقاعٍ متوازن متساوي الألفاظ متشابه النهايات، إذ إنّ ((أحسن السجع هو الذي تتساوى فيه القرائن))([27]) في الألفاظ والوزن، فتتحقق بهذا النوع من السجع في النص ايقاعية مؤثِّرة، تجعل القول في غاية اللطافة والجمال.

ومثله قوله عليه السلام: ((فلولا سترك عورتي لكنت من المفضوحين ، و يا مؤيدي بالنصر ، فلولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين))، فتشابهت العبارتان : (لكنت من المفضوحين) و (لكنت من المغلوبين)، في الوزن والفاصلة، ما أسهم في إطّراد الايقاع، وهذا الصوت المتكرر المتساوي، والنهايات المتشابهة، وقصر العبارات، تجعل من كلِّ جملةٍ جملةً تامة تمتلئ بخفّة الإيقاع على الأذن، ولا شكّ في أن ((السجع القصير أصعب أنواع السجع مسلكا، وأطيبها على السمع، وأخفها على القلب، لانّ الألفاظ إذا كانت قليلة فهي أحسن وأرقّ؛ لقرب فواصلها، والتحام أطرافها))([28]).

ومن جميل هذا السجع ايضا قوله عليه السلام: ((، وصرفت عني جهد  البلاء ، ومنعت مني محذور القضاء)) وقوله عليه السلام: ((إلهي لم تفضحني بسريرتي ، و لم تهلكني بجريرتي))، وهو من السجع المتوازن الذي يعدّ ألطف أنواع السجع وأحلاها في الأسماع، لما فيه من انسجام موسيقي يمنح النصّ تطريبا ومتعة يرتاح لها المستمع، وتنجذب نحوها النفوس، إذ إنّ ((هذا الاستواء في أوزان الفواصل يجعل للكلام رونقا وطلاوة؛ لما في ذلك من الاعتدال المطلوب طبعا))([29])؛ لذا نجد هذا النوع من السجع قد استعمل بكثرة في الادعية الشريفة ليكون ليكون تعلّمه بالنسبة للمتلقي أسهل، وفي الحافظة ألصق، ((فالنفس تأنس به، والسمع يرضى عنه، والذاكرة تتلقّفه، والميل يجنح إليه))([30]).

ونجد في الدعاء ايضا نوعا اخرَ من السجع يسمى بالسجع المطرّف، وهو ما اختلفت فيه اللفظتان في الوزن واتفقت في التقفية([31])، وهي أشبه ما تكون بالقافية الشعرية، و((القافية هي أشرف ما في الأبيات، فهي مقاطع الشعر والسجع، وآخر السجعة، والقافية أشرف عندهم من أولها، والعناية بها أمسّ، والحشد عليه أوفى وأهم))([32]) وهذا ما يجعل التأثير والجمالية ينحصران في النهايات المتشابهة، وما تخلّفه من أثر في المتلقي، بحيث يكوِّن هذا التكرار جزءا مهما من الموسيقى الداخلية تسهم في إثراء إيقاعية النصّ، فتكون هذه النهايات ((بمثابة الفواصل الموسيقية، يتوقّع السامع ترددها، ويستمتع بمثل هذا التردد الذي يطرق الآذان))([33])، فتنشأ عن ترددها لذة موسيقية خاصة([34])، تستهوي السامع، وتشدُّ إليها الانتباه، كما في قوله عليه السلام: ((ووجدت نعماك علي سابغة في كل شأن من شأني وكل زمان من زماني))، فتشابهت العبارتان في (كل شأن من شأني) و (كل زمان من زماني) فلفظة (شأني)، ولفظة (زماني) انتهت بفواصل متشابهة دون الوزن، إذ إن وزن (شأني) هو: فَعْلُنْ، ووزن (زماني) هو: فعولن، وعلى الرغم من اختلاف الوزن الا انّ النهايات المتشابهة، وانسجام أصوات تلك الكلمات بطريقة حسنة تطرب لها الأذن يكسب الكلام جرسا موسيقيا له تأثيره ووقعه في النفس.

ومنه ايضا قوله عليه السلام: ((متعوذا فأعذني ، مستجيرا فلا تخذلني))، فالتوافق الصوتي بين الكلمتين الاخيرتين: (أعذني) و (تخذلني) على الرغم من عدم تشابه الوزن الا ان النهايات المتشابهة والتقارب الايقاعي بينهما جعل لدى ((المتلقي احساسا بالتعادل والتوازن بين الحركة النفسية المعنوية، والحركة الشكلية اللغوية))([35])؛ إذ إنّ تعلّق المعنى المنتظر على نحو يشبه تعليق السمع بانتظار القافية، يمنح المتلقي متعة نغميّة تزيد من تفاعله مع النصِّ وتأثّره به.

ومثل ذلك ايضا قوله عليه السلام: ((أشكو إليك يا إلهي ضعف نفسي عن المسارعة فيما وعدته أوليائك، والمجانبة عما حذرته أعدائك))، وقوله عليه السلام: ((وأقلت عند العثار زلتي ، وأخذت لي من الأعداء بظلامتي)) اذ إن تشابه الحرف الأخير في لفظتي: (أوليائك)، و(أعدائك) في النص الاول، و(زلّتي) و (ظلامتي) في النص الثاني أفضى إلى نوع خاصٍّ من ((الجرس الصوتي، نتج عنه نوع من التنغيم الموسيقي المؤثِّر، وبذلك ساعد الإيقاع الموسيقي والجرس الصوتي على استقرار الفكرة في نفس السامع))([36])، وذلك ما زاد من جمالية النصّ والتفاعل مع معطياته.

   اما النوع الثالث من السجع الذي ورد في دعاء التضرع والاستكانة هو السجع المتماثل وهو ان تتساوى الفقرات في الوزن وتختلف في النهايات او الفواصل([37])، فالتعادل او التوازن بين ((فقرات الكلام وجمله كما في النثر المزدوج، أو شطري البيت الواحد، من حيث الإيقاع والوزن))([38]) ،  وارتفاع درجة التماثل بين صيغ الجمل، قد يؤدي إلى تعويض بعض التفاوت الصوتي الذي يمكن أن يقع بينهما، بحيث لا يشعر المتلقي به ولا يكاد يتحسسه، وبخاصة إذا كان الصوتان يشتركان في كثير من الصفات الصوتية، أو يتفقان في المخرج، كما في قوله صلوات الله عليه: ((فأنت عندي محمود ، وصنيعك لدي مبرور)) فلفظة: (محمود) و (مبرور)، متساويتان في الوزن دون التقفية او تشابه الفواصل، فكان للطرق المتشابه على الأذن تأثير جيد تستسيغه الأسماع، ولا تنفر منه القلوب، حتى غطى بتوازنه على ذلك الاختلاف القفوي بين العبارتين، باعثا إيقاعا مؤثرا ه، وبأنساقٍ صوتية تكثف الإيقاع داخل النص وتقويه.

ومثله قوله عليه السلام: ((وتفرج عمن لاذ بك إلهي فلا تحرمني خير الآخرة والأولى لقلة شكري ، واغفر لي ما تعلم من ذنوبي)) فالوزن الواحد يكثِّف الإيقاع ويمنحه قوة ورنينا، و يحمل دلالة شعورية تترك لدى المتلقي إحساسا بالانسجام والوحدة بين العبارتين، ما عمل على حفظ الموسيقى ودفعها للتواصل السمعي بين المتكلِّم والمستمع.

   ومنه أيضا قوله عليه السلام: ((دعوتك يا رب مسكينا مستكينا، مشفقا خائفا، وجلا فقيرا)) هذا التوحد في الوزن على الرغم من التقفية المختلفة؛ حقق توازنا بين الجمل المسجوعة بتوفير الأبعاد الزمنية المتساوية التي يقوم عليها الإيقاع، ما أضفى موسيقى متناغمة متساوية، يستحليها المتلقي، فتطرب لها أذنه ويديم بها تواصله مع النصِّ الشريف.

الأستنتاجات

       نستنتج مما مرّ أن ايقاعية النص تعمل على تنشيط حس القارئ واستمالته, وكذلك تعمل على تغيير الحس الإلقائي للنص بتعميق الحس الغنائي فيه فيما يطلق عليه التشكيل الزماني للملفوظ الفني, عبر الإسراع أو البطء، وأنها -إيقاعيّة النص- قد تعنى التكرار الدورى لعناصر مختلفة في ذاتها متشابهة في مواقعها ومواضعها من العمل بغية التسوية بين ما ليس متساويا، أو بهدف الكشف عن الوحدة من خلال التنوع، وقد تعني تكرار المتشابة بغية الكشف عن الحد الأدنى لهذا التشابه، أو حتى إبراز التنوع بوساطة الوحدة([39])، لذلك يمكننا القول: إن الإيقاع في النص هو العنصر الذي يميِّز العمل الأدبي عما سواه، فضلا عن أنه يتخلل البنية التركيبيّة للعمل؛ ولذا فإن العناصر اللغوية التي يتكون منها ذلك العمل تحظى من تلك الطبيعة المميزة بما لا تحظى به في الاستعمال العادي، فالبنية الإيقاعية مجموعة من العلاقات المعقدة بين ما يثور على النظام وما يحافظ عليه، بل إن تحطيم النظام في حد ذاته نظام ولكن من نوع آخر .

الهوامش:

 


([1]) - هو: اتفاق اللفظين في وجه من الوجوه مع الاختلاف في المعنى. ينظر: قواعد الشعر، لأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (200-291هـ) تحقيق وتقديم وتعليق د. رمضان عبد التواب ، دار المعرفة، ط1، القاهرة، 1966م:65. وعرّفه القزويني بأنه: تشابه بين اللفظين، الايضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني (ت739هـ)، شرح وتعليق وتنقيح د. محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، ط3، بيروت: 6/90، وسمي الجناس جناسا لمجيئ حروف ألفاظه من جنس واحد ومادة واحدة، ينظر: فن الجناس: 3.

([2]) - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تحقيق سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، ط1، 1416هـ-1996م : 2 / 244

([3])- يُنْظَر: خصائص الأسلوب في الشوقيات، محمد الهادي الطرابلسي، تونس، منشورات الجامعة التونسية، 1981م: 73.

([4]) - أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني،  تحقيق : محمود شاكر، دار المدني، القاهرة، 1991م: 7

([5]) - الجرس والإيقاع في التعبير القرآني، للدكتور كاصد ياسر الزيدي، مجلة آداب الرافدين، العدد التاسع، 1978م: 351.

[6] -ينظر: اسرار الحروف لاحمد رزقة، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1993: 85.

([7]) - ينظر: الايضاح: 6/96، مختصر المعاني: 290، انوار الربيع في انواع البديع: 1/140، المصباح في المعاني والبيان والبديع: 188-189، فن الجناس: 133، في البلاغة العربية (علم البديع): 114-115، فن البديع: 117

([8]) - ينظر: الايضاح: 6/96، مختصر المعاني: 290

[9] - ينظر: اسرار الحروف: 86.

[10] - ينظر نفسه.

([11]) - ينظر: الايضاح: 6/94، مختصر المعاني: 289، فن الجناس: 93، في البلاغة العربية (علم البديع): 115، فن البديع:117

([12]) - البديع تأصيل وتجديد:82

([13]) - البديع تأصيل وتجديد، د.منير سلطان: 76

([14])- علم الأصوات، برتيل مالمبرج، تعريب ودراسة الدكتور عبد الصبور شاهين، مكتبة الشباب، مصر، 1985م: 199 .

([15])- ينظر: جدلية الإفراد والتركيب في النقد العربي القديم، للدكتور محمد عبد المطلب، مكتبة الحرية الحديثة، 1984 م: 147 .

([16]) - ينظر: الايضاح: 6/106.

([17]) - ينظر: فن البديع: 127.

([18])-ينظر: النثر الفني في القرن الرابع الهجري، للدكتور زكي مبارك، دار الجيل، بيروت، لبنان: 1/78.

([19]) - ينظر: البيان والتبين: 1/287.

([20]) - فن البديع: 126.

([21]) - ينظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/129، فتح الباري بشرح صحيح البخاري شرح صحيح البخاري لابن حجر : 13/452.

([22]) - ينظر: فن البديع: 127.

([23]) - ينظر: البرهان في علوم القرآن: 1/54.

([24]) - ينظر: البديع تأصيل وتجديد: 42.

([25]) – وقد سماه القزويني: المتوازي، ينظر: الايضاح: 6/107.

([26]) - مبادئ النقد الادبي لـ أ.أ. رتشاردز، ترجمة مصطفى بدوي، مراجعة لويس عوض، المؤسسة المصرية العامة، 1969م: 194.

([27]) -علم البديع: 127، وينظر: فن الجناس: 129.

([28]) - فنّ الجناس: 128.

([29]) - فن الجناس: 127.

([30]) - البديع تأصيل وتجديد: 19.

 

([31]) - ينظر: الايضاح: 6/107، وشي الربيع بألوان البديع في ضوء اساليب العربية: 203.

([32])- الخصائص، ابن جني، تحقيق: محمد علي النجار، ط2، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، (د.ت)، 1/84.

([33]) - موسيقى الشعر للدكتور: 246.

([34]) - ينظر: تاريخ النقد العربي، د. محمد زغلول سلام، مصر، 1964 م، ص: 4.

([35]) - الاسس الجمالية للايقاع البلاغي في العصر العباسي: 216.

([36]) - البديع والتوازي، الدكتور عبد الواحد حسن الشيخ، مكتبة ومطبعة الاشعاع الفنية، ط1، مصر، 1419هـ-1999م: 34.

([37])- ينظر: صبح الأعشى في صناعة الانشا، الشيخ أبو العباس احمد النقشبندي، دار الكتب الخديوية، المطبعة الأميرية، القاهرة 1941م: 2/305 .

([38]) - الاسس النفسية لاساليب البلاغة العربية: الدكتور مجيد عبدالحميد ناجي، الطبعة الاولى، وزارة الاوقاف والشؤون الدينية العراقية – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، 1984م.: 59.

([39]) - ينظر: تحليل النص الشعري، ميخائيلوفتش لوتمان، ط1، ترجمة: محمد أحمد فتوح، النادي الأدبي الثقافي، السعودية، جدة، 1999م: 95-96

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً