الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 29/جمادي الاخرة/1437هـ الموافق 8 /4 /2016 م

منبر الجمعة

2016-04-08

1706 زيارة

في هذه الخطبة نقرأ مقطعاً من عهد الامام امير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر لمّا ولاّه مصر مع الشرح له بإيجاز – وفيه يحذره (عليه السلام) من مجموعة من الرذائل النفسانية ومخاطرها على الحاكم والرعية وهي تصلح كنصائح وارشادات مهمة لمن يُنَصَّبُ في موقع القيادة والادارة لأمور البلاد..

(وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَالنَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) .
(وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَأَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ).
(وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ)
حذر الامام (عليه السلام) الولاة من الاعجاب بالنفس والثقة الزائدة بالذات وصفاتها والاعجاب بالنفس هو ان يستعظم الانسان نفسه لما يرى فيها من صفات كمال سواء كانت موجودة فيه ام لا – فيرى نفسه اشرف وافضل من غيره- ..
1- يستعظم رأيه وعمله ويحتقر الآخرين في آرائهم واعمالهم مما يؤدي الى نفرة الاخرين منه وابتعادهم عنه فيحرم نفسه ورعيته من الانتفاع بها.
2- العُجب يؤدي الى الغرور والاستبداد بالرأي ويعرضه للهلاك.
قال الامام علي (عليه السلام): من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها.
3- يرى اعماله الصغيرة كبيرة وافكاره الوضيعة عظيمة او آراؤه الخاطئة صحيحة فيوقع نفسه وغيره من الرعية في النتائج السلبية وربما الكارثية لهذه الآراء الخاطئة واذا ما رأى من غيره اعمالا افضل واعظم من اعماله واراءاً اكثر سداداً فلا يعيرها اهمية بل يحتقرها ويزدري بها.
4- والعُجب يحجبه عن اكتشاف اخطائه وعثراته وتقصيره وزلاته.
5- الاعجاب بالرأي والعقل والعلم يمنعه من السؤال والاستشارة من الاخرين فيستبد برأيه ويستنكف عن سؤال من هو اعلم منه واكثر خبرة وتجربة وربما يعجب برأي له وهو خطأ او عمل له وهو مضر وفاشل..
(وحُبَّ الإطْرَاءِ)
ومنها التحذير من حب الاطراء والمدح والثناء من الاخرين والخوف من ذمهم وهذا ناشيء من حب الجاه وقد ذكر (عليه السلام) ان الشيطان يعتبر حب الاطراء والعُجب من الفرص الهامة والتي يثق بها الشيطان لفاعليتها وتأثيرها في الانسان..
وعن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) حب الاطراء والثناء يعمي ويصم عن الدين ويدع الديار بلاقع..
(البلاقع : جمع بلقع.. الارض الخالية من كل شيء، والمرأة الخالية من كل خير..).
ومن مخاطر حب المدح:
1- ان يحاول الانسان ان يجعل افعاله وارائه وسيرته على ما يوافق رضا الناس رجاءاً لمدحهم وخوفاً من ذمهم له فيختار رضا المخلوق على رضا الخالق فيرتكب المحظورات ويترك الواجبات ويتهاون في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتعدى عن الانصاف والحق ويخشى من لوم الآخرين له فيدور عمله وقوله مدار رضى الناس وسخطهم..
عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (انما هلك الناس باتباع الهوى وحب الثناء).
2- ان حب المدح يمنع الاخرين من قول الحق والنصيحة والتقييم لعمل الانسان وارائه لانهم يخشون من ردود فعله وغضبه عليهم وعداوته لهم – فيحرم من تشخيص اخطائه وزلاته وعثراته- بل يصورون له الخطأ صحيحاً والباطل حقاً..(وعن امير المؤمنين (عليه السلام) : اجهلُ الناس المغترُ بقولِ مادحٍ متملق يُحسِّنُ له القبيح ويبغض اليه النصيح).
3- يؤدي الى اصابة الشخص المحب للمدح بالغرور والعُجب من كثرة اطراء ومديح الاخرين.
(لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ)
فالمعجب بنفسه المستعظم لصفاته وافعاله وعطائه لا يرى للاخرين احسانا عليه بل يرى نفسه هو المتفضل والمنعم والمحسن للاخرين وان كان واقع الحال غير ذلك..او انه يرى احسانه عظيما على الاخرين بسبب اعجابه بنفسه فيمتن عليهم ويؤدي ذلك الى محق احسانه على الاخرين..

(وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ)
بأن يمن عليهم ما يقوم به من اعمال ومشاريع وادارة لشؤون البلاد وانه قد جلب لهم الخير والاستقرار والتقدم والازدهار مع العلم ان هذه حقوق رعيته عليه والحاكم اذا فعل ذلك فانه واجب عليه قد أداه..
وهذا المن يبطل اجر وثواب هذه الخدمة التي يؤديها الحاكم لرعيته وذلك اشارة لقوله تعالى : (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى).
(أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ)
أي اظهار الزيادة فيما فعله وقدمه من اعمال وجهود اكثر مما هو واقع وهو ان ينسب الى نفسه من الاحسان والخدمة الى رعيته ازيد مما فعل فيقوم بتضخيم وتهويل اعماله وخدماته الصغيرة ويصورها بانها امور كبيرة وجليلة في حق شعبه- وهذا يعد تضليلا ً للشعب وحرفاً للحقائق عن موضعها ولما كان اظهار الزيادة اكثر مما هو حاصل نوع من الكذب وهو رذيلة عظيمة فانه يذهب بنور الحق وهو الصدق في الادعاء على ما هو واقع فعلا - .
(أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ)
بأن يعد الحاكم او المسؤول الشعب ومن هو معني بأمر خدمتهم وتقدمهم بوعود وتعهدات كثيرة من قبيل الوعد بالمشاريع الاصلاحية والخدمية والاغاثية والخطط الانمائية وتشريع القوانين، وبعد الانتظار والترقب من الناس لا يجدون ان الحاكم قد وفى بعهده ووعوده فيثير ذلك سخطهم وغضبهم ويفقدهم الثقة بالحاكم والمسؤول ولا يبقى له احترام وتقدير من الرعية والاهم من ذلك انه يؤدي الى سخط الله تعالى وغضبه على الحاكم..
(وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا)
أي عدم التعجل بالاقدام على الامور التي لم يتضح صلاحها او تهيؤ مقدماتها او لم يعرف عاقبتها ونتائجها هل هي الى خير ام شر او لا يعرف كونها صالحة للرعية ام فيها الفتنة والفساد او كونها صعبة وشاقة ولا يتيسر فعلها فعليه ان يحذر من التسرع والاقدام على فعل هذه الامور..
(أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا)
أي التهاون والتساهل وعدم الاهتمام واللامبالاة عند حصول الفرصة وتيسرها والتمكن من العمل والخدمة فلابد ان يغتنم الفرصة ولا يؤخر الانتفاع منها بل يبادر الى العمل بجدية وعجل..
(أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ)
بأن لم تتضح الامور وكانت غامضة فلا يكثر ويلح في النزاع فيها.
(أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ)
أي الضعف والتساهل في ادائها اذا استوضحت حقائقها ومصالحها..
الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً