الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 25/جمادي الاولى/1440هـ الموافق 1 /2 /2019م :

منبر الجمعة

2019-02-01

701 زيارة

ايها الاخوة والاخوات ما زلنا في الحديث عن الظواهر المجتمعية التي تهدد المنظومة الاخلاقية والتعايش الاجتماعي..

ايها الاخوة والاخوات من وظائفنا الاساسية ان نبين المعارف الالهية والاحكام الشرعية ومناهج الاسلام وكذلك ان نعمل على تعريف المجتمع بتلك الظواهر التي تهدد المنظومة الاخلاقية والتعايش الاجتماعي وان نحصنّ المجتمع التي نشعر ان بعض الظواهر المجتمعية تهدد كيانهُ وتماسكه الاجتماعي ومنظومته الاخلاقية..

من جملة هذه الظواهر المجتمعية (الافتراء وتلفيق الاخبار ونشرها والقول بغير علم...)

ايها الاخوة والاخوات..

من المعلوم ان الاداة الاساسية والوسيلة الاكبر الغالبة لدى الانسان فرداً ومجتمعاً في التعريف بالعلوم والمناهج المعرفية والعلمية والثقافات، ثانياً : نشر ونقل هذه المناهج المعرفية والثقافات بين ابناء البشر، ثالثاً : نقل حقائق التاريخ والاحداث التي تمر بها البشرية ماضياً وحاضراً وكذلك نقل سير وتراجم العظماء من ابناء البشر والصلحاء للتعرف على سيرتهم ونقل التاريخ عن الاحداث السابقة للامم والاقوام التي مضت والاعتبار.. الوسيلة للتفاهم والتخاطب والحوار والنقاش كل هذه الامور نحتاج اليها حاجة ضرورية هذه من الامور المهمة التي لا يمكن ان يعيش الانسان فرداً ومجتمعاً من دونها الوسيلة الاساسية انما هو اللسان او ما يقوم مقامه..

اخواني حتى نعرف ما هي اثار الكذب والتلفيق والتزوير والافتراء نذكر هذه المقدمة التي هي من نقطتين :

لاحظتوا اهمية اللسان تارة يستعمل استعمال خير وتارة استعمال شر، والتفتوا الى حديث واحد لخطورة اللسان او ما يقوم مقام اللسان، التفتوا اخواني القلم الذي تكتب به انما هو لسان ثانٍ خطورته احياناً اشد من اللسان وخصوصاً مع توفّر هذه الوسائل وهذه النقطة الاولى في هذه المقدمة.

النقطة الثانية : من الضرورات المجتمعية التي نحتاج اليها فرداً ومجتمعاً للقيام بوظائف الحياة والوصول الى الاهداف التي ننشدها من الاستقرار والسعادة والتعايش الاجتماعي والثقافي والفكري المطلوب لاستقرار المجتمع انما هو التفاهم والتآزر والتكافل والتعاون، لا يمكن لأي مجتمع ان يقوم بوظائفه ويصل الى اهدافه الا من خلال التعاون والتآزر والتفاهم والحوار والتكافل بين ابناء المجتمع لكي يصل الى هذه الاهداف..

هذا التعاون والتآزر لا يمكن ان يقوم الا اذا كانت هناك ثقة متبادلة وائتمان متبادل بين افراد المجتمع.

ما علاقة هذين الامرين بحديثنا عن التلفيق؟

لاحظوا اخواني اذا كان اللسان او ما يقوم مقامه من القلم والكتابة اذا كان هذا اللسان صادقاً في لهجته وفي حديثه واذا كان اميناً في نقل الحقائق وكشف الحقائق في التاريخ او الحال الحاضر وكان اميناً في تراجمة السِير والرجال وطبعاً من جملة الامور المهمة التي فاتني ان اذكرها من جملة الامور للسان هو ان يكون كاشفاً عن الانفعالات والعواطف والمشاعر والمواقف والارادات للانسان.. مهم ان اعبّر عن شعور وعن عواطفي واكشف عن هذه الامور واللسان هو من يكشف عن هذه الامور.. ان كان اللسان او القلم الذي يقوم مقام اللسان صادقاً في لهجته وكاشفاً عن الحقائق واميناً في الكشف عن الحقائق والمشاعر والعواطف وكان صادقاً في كل ذلك امكن ان يكون رائد خير وصلاح ورسول صلاح وخير الى المجتمع ويؤدي الى هذه الحالة التي ينشدها المجتمع من الاستقرار والسعادة والكمال وتحقيق الوظائف..

واما ان كان كاذباً وسيلته التضليل والخداع والكذب والتزوير والتلفيق سواء كان في نقل الحقائق العلمية او في نقل حقائق التاريخ او سير وتراجم الرجال والاقوام السابقين حينئذ رائد شر ورسول افساد واهلاك للفرد والمجتمع.. وانتبهوا للحديث الشريف (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)، كثير من الايات القرانية والاحاديث تبين ان اكثر ما يلج الناس في النار انما هو حصائد اللسان والقلم..

اخواني من السلوكيات والاخلاقيات التي انتشرت في الفترة الاخيرة هي ظاهرة التلفيق والتزوير والتضليل والخداع والقول بغير علم ونشر هذه الامور وقد اصبحت وهنا الخطورة اخواني مرة انا امام اثنين او ثلاث الفّق وازوّر واتهم هذا الفرد او هذه الجهة او هذا الكيان بأمور كاذبة وباطلة واتهم الابرياء بأمور باطلة امام شخصين او ثلاثة.. وتارة لدي فضائية يشاهدها الملايين او لدي موقع في الانترنت من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها وهذه الوسيلة يشاهدها الملايين فاذا الملايين يقرأون ويشاهدون التلفيق والتزوير والبهتان .. مع انتشار وسائل التواصل ووجود هذه الظاهرة اصبحت ظاهرة مجتمعية خطيرة لها تأثير خطير في المفاسد الاجتماعية التي تهدد الكيان للفرد وللمجتمع لذلك لابد ان ننتبه حينما تُستعمل هذه الوسائل لابد ان نكون اكثر حذراً ويقظة..

نأتي الآن الى الاسباب ونلتفت اخواني هذه الاسباب كم منها لدينا وكم نصيبنا من الاتصاف بهذه الصفات..

أولها الحسد: لماذا شخص يلفّق ولماذا يزوّر ولماذا يتهم انسان بريء بهذه الاتهامات الباطلة.. السبب هو الحسد.. قد يرى احد انساناً آخر فاقهُ علماً وذكائاً او اكثر منهُ مالاً او اعظم منهُ جاهاً او احذق منهُ مهارة وفناً ومهنة او انشط منهُ عملاً او انجح منه في حياته الاجتماعية او المهنية او الفكرية فيحسدهُ وهذا الحسد لا يستطيع ان يرى هذه النعمة عند هذا الانسان.. وتارة عندنا كيان اجتماعي او سياسي او فكري او مؤسسة تفوقت على اخرى.. فينشأ الحسد الذي يدفع صاحبه ومن اُبتليَ به (فرداً او كياناً) الى التلفيق والتزوير والافتراء ليفقد الاخرين ميزاتهم وتفوقهم ومحبوبيتهم ونجاحهم أو ليوهن مقاماتهم المعنوية وكمالات الصفات النفسية كما يحصل مع العلماء والمؤمنين..

اخواني لاحظوا الايات القرانية ما هو الغرض هابيل وقابيل الله تعالى يسرد لنا قصة قابيل وهابيل هل هي قصة تاريخية وانتهت قبل الاف السنين؟ (لا)، انما هي للتذكرة والعِبرة، اخوة من نبي احدهم يحسد الآخر لأنه افضل منهُ تقوى وعملاً صالحاً يدفعه الحسد ان يقتل اخيه الذي هو من أبيه وامّه، اخوة يوسف (عليه السلام) اولاد نبي من انبياء الله لم يستطيعوا ان يتحملوا ان يروا يوسف ان يتميز بحب ابيهم الشديد له.. فأرادوا قتله ولكن في النهاية قدّر الله تعالى ان يرموه في الجُب ثم ينقذه الله تعالى الى هذه القصة الطويلة..

الانبياء والاولياء والائمة عليهم السلام في كثير من الاحيان يُقتلون ويُشرّدون لماذا؟ بسبب الحسد..

لذلك التفتوا اخواني الخطورة هنا في كثير من الاحيان اقوالنا واعمالنا ما نكتبه وما نذكره عن الاخرين في دافعه الحقيقي هو الحسد ولكن الشيطان يغلّف لنا ويؤطّر لنا هذا الفعل بإطار آخر ينطلي على الانسان الذي ليس لديه ايمان وهناك قدرة في التمييز بين الحق والباطل وبين الخير والشرّ وتنطلي عليه هذه العناوين والاغلفة التي يغلفها الشيطان للانسان وهي في حقيقتها حسد دفع هذا الانسان الى ان يفتري ويلفّق الاخبار والباطل على اولئك الناس الابرياء..

السبب الثاني ايضاً هو الحقد والعداء للاخرين.. الانسان حتى يشفي حقده وعداوته وغليل حقده وعداوته يدفعه الى ان يلفّق ويزوّر الاخبار وينسب اشياء باطلة الى اناس ابرياء..

من جملة الاسباب الطمع في المال والمنصب والجاه والتزلّف والتملّق لأصحاب السلطة والنفوذ والمال من اجل حطام الدنيا..ومن تلك الاسباب ايضاً التحزّب والتعصّب لدين او مذهب او قوم او عنصر.. احياناً التحزّب هكذا انا ارى نفسي الافضل ولكن في واقع الحال هناك افضل.. كيف اٌسقطه من هذا المقام والمنزلة يدفعني ذلك الى ان افتري عليه..

ايضاً من جملة الامور سوء الظن.. في كثير من الاحيان كثير منّا يفسر عمله وفعله وسلوكه وتصرف هذه الانسان تفسيراً سيئاً ويحمله على محمل سيء.. كلام صدر من هذا الانسان المؤمن افسرّهُ بتفسير سيء بسبب سوء الظن واحمل عليه بهذا التفسير السيء ويصدر مني حكم وكلام بسبب سوء الظن الذي يدفعني ان احمل كلام وتصرفات الاخرين واعمالهم على محمل سيء وارتّب عليه..

الذي الآخر الذي نحن مُبتلين به وهو التسرّع والعجلة في الحكم على الامور.. اخواني كم منّا يرى كتابات في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.. كم منّا يرى افلام وكم منّا يقرأ مقالات عن اخرين ويُسرع ويتعجّل في الحكم بصحة هذه الامور المنشورة ثم يقوم بنقلها ونشرها دون ان يتثبت من ان هذه الامور صحيحة او حقيقية ويكون قد ساهم في نقل الباطل والكذب والتزوير والتضليل وتسقيط شخصيات الناس والجهات الاخرى خصوصاً ما يتعلق بالعلماء واهل العلم والدين والفضل والصلاح والخير..

كم منّا يتسرع ويتعجّل بمجرد ان يقرأ مقالا ً او يقرأ شيئاً او يرى فيلماً عن شخصية او جهة معينة ثم يُسرع في نقل او نشر واذا ترى ينتشر هذا الخبر او المقال كالنار في الهشيم ويطلّع عليه الملايين.. هناك ربما شخص واحد وجهة واحدة لا تملك شيء من الايمان والدين والورع هي التي قامت بنشر هذا الامر خصوصاً ما يتعلق بالعلماء واهل العلم والدين والفضل والخير والصلاح نلتفت اخواني لا يكون لدينا فهذا احد الاسباب هو العجلة والتسرع في الحكم على الامور من دون التثبّت منها فيكون هذا الانسان قد ساهم في التلفيق والتزوير والكذب..

الآن بعد ذكر الاسباب لنرى وجهة نظر الاسلام في اتهام الناس بالباطل والافتراء على الابرياء.. قال الله تبارك وتعالى : (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)..

اخواني كم مِنّا يتلهى ويأنس بأن ينقل هذه الاخبار المزوّرة والمقالات الباطلة خصوصاً ما يتعلق منها بأهل العلم والدين والفضل والصلاح.. كم مِنّا يُسرع في نقل الكتابات وكم مِنّا ينقل هذه الاحاديث.. جريمة عظيمة خطيئة كبيرة ان الانسان يسمع ويقرأ ويرى شيئاً ربما يكون باطلاً وتلفيقاً وتزويراً ولا يأخذه بالعقل ولا يأخذه بالدليل ولا يأخذه بالحجة والبرهان انما يأخذه باللسان فقط وبالبصر فقط دون ان يمرر هذه الامور الملفقة والمزورة والكاذبة على قلبه وعقله فيجعل العقل والضمير والاخلاق والقانون هي الحاكم على مثل هذه الامور انها صادقة او كاذبة..

الله تعالى يقول انتم تستهلون هذا الامور ويكون سهل عندكم وتسرعون الى نشره وبثّه الى الاخرين الله تعالى يقول لا تستهلون هذه الامور..

لذلك نقول الظن السيء والاتهامات عظيم عند الله تعالى لأنه ظلم لهؤلاء الابرياء حتى الانسان العادي وحتى الانسان غير المؤمن الانسان ينتبه لأن لا يتهم هذا الانسان حتى غير المؤمن بشيء ليس فيه فيكون قد افترى عليه ولفّق عليه هذه التهمة فكيف اذا كان من العلماء والصلحاء واهل العلم والتقوى والدين..

ايضاً التفتوا اخواني هذا يسبب تسقيط وتوهين لهذه الشخصية خصوصاً المؤمنة واهل العلم والاخلاق والصلاح والنتيجة سيؤدي الى نفور الناس وابتعادهم عن هؤلاء وهذا النفور والابتعاد نتيجته حرمان المجتمع من خيرات وعلوم وبركات هؤلاء خصوصاً العلماء واهل الفضل والخير والصلاح..

كم من الاشخاص يغلف نفسه ويؤطر نفسه بعنوان ديني ويكتب في صفحات التواصل الكثير من الاكاذيب والافتراءات الباطلة على اهل العلم والدين وهم منها براء.. ربما البعض يساهم في نقل ونشر هذه الاخبار خصوصاً لأهل العلم والدين والتقوى وينسب اليهم افعال وتصرفات وسلوكيات وصفات هم منها براء..

ماذا يعني ذلك؟ والمشكلة الكبيرة ان احياناً عناوين الجهات التي تنشر والاسماء التي تنشر نُخدع بها ونُضلل بها لأنها متصفة بأسماء وعناوين دينية قد هي كبيرة لدينا ولكن هؤلاء قد اغواهم الشيطان..

نحن علينا ان نلتفت خصوصاً ما يتعلق بأهل العلم والتقوى والصلاح الذي ارادهم الله تعالى ان ينتفع بهم الناس من علومهم وفقههم وورعهم وتقواهم وكمالاتهم المعنوية فاذا بهذا التضليل والتزوير فهذا ينشر وذاك ينشر وتلك الجهة تنشر وكم من الرجال الصالحين المؤمنين وكم من النساء البريئات عن الكثير من التُهم الشنيعة والامور غير الاخلاقية يُتهمون وهُم براء منها وقد يؤدي ذلك الى القتل او الى القطيعة بين العوائل وبين العشائر او يؤدي الى حرمان هذا الرجل او هذه المرأة من حقهم في الحياة وما غير ذلك التي سنبينها ان شاء الله تعالى..

اضافة الى الايذاء المعنوي والنفسي الذي سيعيشه هذا الانسان الذي نُسبت اليه هذه الافعال والاقوال والاعمال والتصرفات والصفات التي هو براء منها.. وقد يعيش هذا الانسان المؤمن الصالح وغيره سنين من العذاب والمعاناة النفسية، قال تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).

انسان بريء تُلصق به تهمة ويُلفق عليه شيء باطل واخطر شيء اخواني ان نساهم من حيث لا نعلم في نشر الاكاذيب والاباطيل والافتراءات على اهل العلم والدين والتقوى فتؤدي بنا الى هذه النتائج التي آثارها ضارة في الدنيا والاخرة..

لذلك علينا ان نلتفت الى هذه الاثار ونتأمل وندقق وحينما نتكلم وكما ورد في الحديث ان المؤمن اذا اراد ان يتكلم يتأنى قليلا ً ويمرر الكلام على قبله فاذا وجد ان الكلام فيه صلاح وخير أمضاه وان كان فيه حرام وشر وايذاء أمسكه..

وكذلك في الكتابة خصوصاً مع وجود هذه الوسائل الان وكذلك عبر وسائل الاعلام هذه خطرها أعظم لذلك قُلنا ظاهرة مجتمعية لأنها اصبحت على نطاق واسع لذلك لابد على الانسان ان يحذر من هذا..

نسأل الله تعالى التوفيق للجميع وان يجنبنا ويعصمنا من مثل هذه الامور وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

حيدر عدنان

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً