
بقلم الأستاذ حسن كاظم الفتال
السلام عليكم يا أنصار دين الله، وأنصار نبيه، وأنصار أمير المؤمنين، وأنصار فاطمة سيدة نساء العالمين، السلام عليكم يا أنصار أبي محمد الحسن الولي الناصح، السلام عليكم يا أنصار أبي عبد الله الحسين الشهيد المظلوم.
لقد تحدث عن أصحاب سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام الأخيار النجباء الكثير من المحدثين والعلماء والفضلاء وحين يكون ذلك فماذا عساي أن أضيف ؟
من المحتم أنه لا يتسنى لي أن أضيف شيئا ولكن ما يدعوني للكتابة هو حصول الشرف أولا والمساهمة في إحياء ذكر ثلة طيبة ونخبة منتخبة مصطفاة اصطفاها الله لأن تسير في قافلة ناصر دين رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الشهداء الحسين عليه السلام وقد بالغوا في نصرته وبذلوا مهجهم دون ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وفلذة كبد بضعة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله الزهراء البتول عليها السلام.
وحين عزمت على ذلك تأملت كثيرا ووقفت حائرا عند عدة محطات من تلك التي مر عليها أولئك الذين بذلوا مهجهم دون سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وتركوا آثارا قدسية لا تمحى على مر الدهور. ولعل وقوفي لدى تلك المحطات أتى من أجل البحث عن عناصر تصبح من مكونات ومقومات الحديث وبذلك تعضد الحديث وتكون سندا لتوثيقه.
ترى من يتسنى له أن يحسن وصف المواقف العظيمة المشرفة التي جسدها أصحاب سيد الشهداء عليه السلام ؟
اختلف الرواة والمحدثون حول دقة وصحة التأكد من عدد أصحاب الحسين عليه السلام وتباينت الروايات مثلما تباينت المواقف. ولكن بعيدا عن الخوض في غمار معرفة العدد وعدمها وبعيدا عن وصف المواقف فإن الأصحاب هم خير أصحاب وسنأتي على ذلك فيما بعد. وما أريد ألفت المستمعين الأكارم إليه أنني ربما سوف لا أدرج في حديثي هذا كل أصحاب الحسين عليه السلام الذين استشهدوا معه في وادي الطفوف لا لشيء إلا لأن وقتي لا يسمح ولأني أريد أن اصل بغيتي بوقت اقل. لذلك لذا سأحاول أن أختار أسماء معينة منهم وربما سأركز على أولئك الذين شاركوا في غزوات مع رسول الله صلى الله عليه وآله على المشركين وحدا بهم امتداد الرسالة في أن يشاركوا في معركة الطف لأنها امتداد لكل معارك النبي الكريم صلى الله عليه وآله مع المشركين. فمثلما شاركوا في بدر وأحد و حنين لنصرة الدين ونصرة رسول الله صلى الله عليه وآله شاركوا في معركة الطف العظيمة لنصرة سبط الرسول صلى الله عليه وآله ونصرة الدين الحنيف.
خروج الإمام الحسين عليه السلام..
في يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة لسنة إحدى وستين للهجرة الشريفة. يوم التروية خرج الإمام الحسين عليه السلام ومعه إثنان وثمانون رجلا من شيعته ومواليه وأهل بيته عليهم السلام. وأختلف بعض الرواة في هذا العدد ولعل هذا العدد ليس من المؤكد أنه ظل ثابتا ( أنصار الحسين / محمد مهدي شمس الدين).
يروى أنه لما خرج الإمام الحسين عليه السلام من مكة اعترضه صاحب شرطة أميرها عمرو بن سعيد بن العاص في جماعة من الجند، فقال : إن الأمير يأمرك بالإنصراف فانصرف وإلا منعتك، فرفض الحسين عليه السلام هذا الطلب وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط. وبلغ ذلك عمرو بن سعيد فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطته يأمره بالإنصراف ـ أنصار الحسين عليه السلام / محمد شمس الدين
يبدو أن هذه أول محاولة رسمية اتسمت بالعنف بعد أو قبل المحاولات التي جرت لمنع الحسين عليه السلام من توجهه إلى العراق.
وانتقل الخبر إلى أهل المدينة بأن الحسين بن علي عليهما السلام يريد الخروج إلى العراق، فكتب إليه عبد الله بن جعفر :
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن علي عليهما السلام من عبد الله بن جعفر، أما بعد : أنشدك الله أن لا تخرج عن مكة فإني خائف عليك من هذا الأمر الذي قد أزمعت عليه أن يكون فيه هلاكك وأهل بيتك فإنك إن قتلت أخاف أن يطفئ نور الأرض، وأنت روح الهدى وأمير المؤمنين فلا تعجل بالمسير إلى العراق فإني آخذ لك الأمان من يزيد، وجميع بني أمية على نفسك ومالك وولدك وأهل بيتك والسلام.
فكتب إليه الحسين عليه السلام ( أما بعد : فإن كتابك ورد علي فقرأته وفهمت ما ذكرته، وأعلمك أني رأيت جدي رسول الله في منامي فخبرني بأمر وأني ماضي له، لي كان أو علي، والله يا ابن عمي ليعتدين علي كما اعتدت اليهود على السبت والسلام. (كلمات الإمام الحسين عليه السلام / الشيخ الشريفي).
وقد كان لعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير لكل منهما موقف مع الحسين عليه السلام وثم موقف أخيه محمد بن الحنفية. حين أخذ بزمام ناقة سيد الشهداء عليه السلام فقال : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألت ؟ قال: بلى، قال فما حداك على الخروج عاجلا ؟ قال : أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك فقال: يا حسين اخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا. فقال محمد بن الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟ قال عليه السلام : فقال لي صلى الله عليه وآله : إن الله شاء أن يراهن سبايا.
وجاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلالة وحذره من القتل والقتال، فقال عليه السلام : يا أبا عبد الرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ؟ أما تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا ؟ فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام. اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدع نصرتي. (بحار الأنوار ج44/ العلامة المجلسي).
ولأم سلمة موقف أيضا..
ويروى أن أم سلمة رضي الله عنها قالت : يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق أنا سمعت جدك صلى الله عليه وآله يقول : يقتل ولدي الحسين عليه السلام بالعراق بأرض يقال لها كربلاء. فقال يا أماه : والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة وأعرف اليوم الذي أقتل فيه وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وأعرف من يقتل من أهل بيتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريتك حفرتي ومضجعي، ثم أشار بيده الشريفة إلى جهة كربلاء فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه ومشهده فبكت بكاء شديدا.
وخرج الحسين عليه السلام بمن معه كان الحسين عليه السلام لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة، عبد الله بن بقطر وقد كان أرسله مع مسلم بن عقيل عليه السلام فأتى الخبر إلى الحسين عليه السلام فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة وعبد الله بن بقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام. فتفرق الناس عنه تفرقا فأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة.
خروج الإمام الحسين من مكة جاء بعد أن وردت إليه كتب أهل الكوفة يدعوه إلى أن يقدم إليهم ليجدهم له جند مجندة وسيوفهم تنتظر أن تسل من أغمادها لتشهر بوجه أئمة الضلالة والجور والظلم أعداء العدالة والمساواة.
الكوفة تستنجد بمنقذ..
إذ أنه لما بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية وخروج الحسين عليه السلام إلى مكة اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد واتفقوا على أن يكتبوا إلى الحسين عليه السلام يسألونه القدوم عليهم ليسلموا الأمر إليه، ويطردوا النعمان بن بشير، فكتبوا إليه بذلك ثم وجهوا الكتاب مع عبيد الله بن سبيع الهمداني وعبد الله بن وداك السلمي فوافوا الحسين عليه السلام بمكة لعشر خلون من شهر رمضان فأوصلوا إليه الكتاب.ثم لم يمس الحسين عليه السلام يومه ذلك حتى ورد عليه بشر بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبيد الأرحبي ومعهما خمسون كتابا من أشراف أهل الكوفة ورؤسائها، كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة بمثل ذلك. فلما أصبح وافاه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الخثعمي ومعهما أيضا نحو من خمسين كتابا.
ولما أمسى أيضا ذلك اليوم ورد عليه يزيد بن الحارث وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج ومحمد بن عمير بن عطار وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة وهكذا تتابعت عليه في أيام رسل أهل الكوفة ومن الكتب ما ملأ منها خرجين كما يورد الرواة. ( الأخبار الطوال / الدينوري)
فكتب إليهم الحسين عليه السلام جميعا كتابا واحدا ودفعه إلى هاني بن هاني وسعيد بن عبد الله ونصه :
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة : سلام عليكم، أما بعد :
فقد أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم وإني باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهلي ( مسلم بن عقيل ) ليعلم لي كنه أمركم ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم وأخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم عليكم إن شاء الله والسلام
وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة إلى مكة، فقال له الحسين عليه السلام : ( يا ابن عم : قد رأيت أن تسير إلى الكوفة فتنظر ما اجتمع عليه رأي أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كتبهم فعجل بكتابك لأسرع القدوم عليك، وإن تكن الأخرى فعجل بالإنصراف.
لماذا اختار الحسين عليه السلام مسلماً سفيرا ؟..
السفارة: هي مركز إدارة شؤون رعايا بلد في بلد آخر وإدارة شؤونهم بمعنى أن يتمتعوا بكل الحقوق والواجبات كما في بلدهم عدا إلتزامهم بقوانين البلد المقيمين فيه الدستورية. وأما السفير هو الذي يرسل من قبل الملك أو الرئيس أو السلطان ومهام هذا السفير والذي هو رسول كثيرة.
وحتى العرب في الجاهلية كانت تستخدم السفير فيما بينها عند وقوع الحرب. ويبدو أن مفردة السفير والسفارة انبثقت من السفرة وهي جمع سافر والذين هم الكتبة وقيل الملائكة الذين يحصون الأعمال وقال تعالى : ( في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة * كرام بررة ) ـ عبس /13ـ 16 هو تبليغ الرسالة. وقيل أن الرسول هو دليل عقل المرسل ويمكن أن يمثل شخصيته في أمور عديدة. والسفير ينقل رسالة مرسله ويرسل في الوقت نفسه الصورة كاملة وناصعة كما هي دون تشويه وتمويه لتعكس حقيقة ناصعة غير مزيفة لتتوضح لمرسله ويراها كما هي. وقد أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل وهم سفراء. ويفترض أن يكون السفير موضع ثقة المرسل وتتوفر فيه مؤهلات الإدارة السياسية والإجتماعية والشرعية وغيرها لتمكنه من إدارة الشؤون على أتم وجه.
الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وسبط رسول الله صلى الله عليه وآله والإمتداد الطبيعي له بنشر الدعوة الإسلامية فلابد أنه حين يعتمد رسولا له يساير اختياره مدلولات اختيار جده صلى الله عليه وآله حين اختار وصيا له لا نظير له لا من قبل ولا من بعد.
اختار الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل عليه السلام إذ أنه على يقين بأن مسلما أهلا لهذا الإختيار ولهذه المهمة والتي هي مهمة إرشاد وتوجيه وإقامة عدل وتوضيح شرائع وأحكام وتطبيقها ونشر مكارم الأخلاق التي دعا إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله والمثل العليا وإقامة العدل ودحر الظلم ودحض الأباطيل وإصلاح ما فسد من الأمة. وبذلك يأخذ السفير دور المصلح الحقيقي ليجعل الناس تتكهرب بمبادئ الإنسانية التي يدعو إليها. إذ أن مسلم بن عقيل عليه السلام
اكتسب من عمه أمير المؤمنين عليه السلام من السجايا ما تؤهله لإرتقاء مراكز العظمة. فهو يتمثل بالشجاعة وهو ذو رأي سديد، حكيم في عمله، بليغ في منطقه وهو من فقهاء البيت الهاشمي يتمتع بكياسة وعقل نير وعلم غزير وسياسة حكيمة وحنكة ولياقة بين القوم. ويكفي أن الإمام الحسين عليه السلام نص على ذلك كله بقول: وإني باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهلي ( مسلم بن عقيل ) ليعلم لي كنه أمركم ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم وأخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم عليكم إن شاء الله والسلام.
ومن جملة الكتب التي وصلت الإمام الحسين عليه السلام من (سليمان بن صرد) وجاء فيه :
للحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.أما بعد
فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي اعتدى على هذه الأمة فانتزعها حقوقها واغتصبها أمورها وغلبها فيئها وتامر عليها على غير رضا منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها فبعدا له كما بعدت ثمود إنه ليس علينا إمام فأقدم علينا، لعل الله يجمعنا بك على الهدى فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه على عيد ولو بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة وألحقناه بالشام. والسلام.
وبما أن الكوفيين طال عهدهم بالعدل والمساواة وبالأمن الإستقرار وقد فقدوا كل ذلك بفقدانهم أمير المؤمنين عليه السلام إذ تحقق العدل والمساواة والمراعات وإحقاق الحق أيام حكمه صلوات الله وسلامه عليه.
وعند ذاك وجد الإمام الحسين عليه السلام أن التكليف الشرعي يحتم عليه الخروج إلى العراق لوجود الناصر فبعث مسلم بن عقيل ثم خرج هو وأهل بيته على أثره آملا في إقامة العدل وتطبيق حكم الله في الأرض.
مسلم بن عقيل صحابي شجاع..
يعرف التاريخ مسلم بن عقيل عليه السلام بأنه من أصحاب أمير المؤمنين ومن أصحاب الحسن والحسين عليهم السلام وقد تزوج رقية بنت أمير المؤمنين عليه السلام فولد منها عبد الله ومحمد وكانا من الشهداء يوم عاشوراء ويصف الرواة مسلم بن عقيل عليه السلام بأنه كان مثل الأسد وقد قال عمرو وغيره : لقد كان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت. ولقد تحلى بالإضافة إلى طهارة المولد وعراقة النسب وطيب النشأة بالعلم والفقاهة والحكمة وسداد الرأي وحسن التدبير والتقوى والعفة والوفاء بالعهد
فخرج مسلم بن عقيل على طريق المدينة ليلم بأهله ثم استأجر دليلين من قيس وسار فضلا ذات ليلة، فأصبحا وقد تاها واشتد عليهما العطش والحر فانقطعا، فلم يستطيعا المشي فقالا لمسلم : ( عليك بهذا السمت فالزمه لعلك تنجو ) فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتى أفضوا إلى طريق فلزموه حتى وردوا الماء فأقام بذلك الماء.
ووصل مسلم عليه السلام الكوفة فنزل في بيت المختار الثقفي لوثوقه من إخلاصه لأبي عبد الله الحسين عليه السلام وقد فتح المختار باب داره واستقبل مسلم عليه السلام بكل حفاوة وتكريم وقد دعا الشيعة إلى مقابلته فأقبلوا من كل حدب وصوب ليظهروا ولاءهم وطاعتهم له ولمن بعثه سفيرا لهم.
وتسابقت جماهير الكوفة على بيعة الحسين عليه السلام على يد مسلم بن عقيل عليه السلام. وقد اختلف المؤرخون في عدد من بايعه فمنهم من عدهم أربعين ألفا ومنهم من جعلهم ثلاثين أو ثمانية وعشرينا ومنهم من ألمح بأنها ثمانية عشر ألفا مستندا على ما جاء في رسالة مسلم إلى الإمام الحسين عليهما السلام حين يقول : وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا
ويبدأ التآمر على الحق..
ويبدو أن الإتصالات بالبلاط الأموي بدأت وعلى أسرع ما يكون تحذر من قيام ثورة في الكوفة ولابد من اتخاذ إجراءات فورية واحترازات أمنية. وكان من الداعين لأخذ الحذر عبد الله الحضرمي وقد بعث برسالة إلى يزيد يعلمه بذلك قائلا: أما بعد فإن مسلم بن عقيل قدم إلى الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي عليهما السلام فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان بن بشير ضعيف أو يتضعف. فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد وهو والي البصرة آنذاك هذه الرسالة :
أما بعد : فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني بأن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام.
ولما وصل ابن زياد الكوفة وفي الصباح أخذ يصول ويجول فيها ويرعد ويبرق وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة، وقد عمد إلى ذلك لإماتتة الأعصاب وصرف الناس عن الثورة المزعومة.وقد خرج في اليوم الثاني بزي غير زيه بالأمس بعد أن أمر أن يجمع الناس في المسجد فخطب فيهم خطابا عنيفا تهدد فيه وتوعد وأخاف الناس حتى يحذروا من كل شيء حتى من أنفسهم وطلب من موظفي الإدارة الحكومية في الكوفة أن يكتبوا له في عشائرهم من الحرورية وأهل الريب. والحرورية اسم ثان للخوارج أطلق عليهم منذ معركة حروراء.وأعلن حالة الطوارئ بقوله : أيما عريف وجد عنده بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا صلب بباب داره. وهذا هو عمل الطواغيت حين يريدون أن يمرروا مخططاتهم.
دخول مسلم دار هاني بن عروة..
دخل مسلم بن عقيل عليه السلام دار هاني بن عروة ليلا مستجيرا فأخلى له هاني وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم في دار هاني أفواجا ومسلم يأخذ منهم البيعة للحسين عليه السلام ويستوثق منهم المواثيق والعهود ويوصيهم بالكتمان. وكان شريك بن الأعور وهو من كبار الشيعة قد اتى من البصرة ونزل عند هاني بن عروة. وكان يحث هانياً على تقوية أمر مسلم وتمشيته.
فمرض شريك وسمع ابن زياد بمرضه وأرسل إليه : أنه يريد أن يعوده، فقال شريك لمسلم : ان ابن زياد يعودني غدا وإني لأشغله بالكلام، فاغتنم الفرصة واخرج واقتله فتستقر لك إمارة الكوفة، ولئن عوفيت من مرضي لأسعى لك في تسخير البصرة. فلما أتى ابن زياد استبطأه شريك مسلما، فأخذ عمامته من على رأسه ووضعها على الأرض ثم وضعها على رأسه ففعل ذلك مرارا ونادى بصوت عال يسمع مسلما :
ما الإنتظار بسلمى لا تحيوها حيوا سليمى مني حيّوها
هل شربة عذبة أسقى على ظمأ ولو تلفت وكان منيَّتي فيها
وأن تخشيت من سلمى مراقبة فلست تأمن يوما من دواهيها
أخرج مسلم سيفه من غمده وهم يقتله فمنعه هاني وناشده الله أن لا يقتل ابن زياد في داره، وقال له: إن في الدار نساء وأطفالا كثيرة وأخاف إن قتلته فيها تقطع قلوبهم من الخوف. فغضب مسلم من قوله ورمى السيف من يده. أما شريك فراح يلومه على عدم انتهاز الفرصة.. لعلنا نستطيع أن نتخذ من هذا الموقف نقطة تسجل لصالح مسلم عليه السلام. إذ أنه لم يغدر حتى بعدوه واستجاب لطلب هاني بعدم قتله.
وقد كان حبيب بن مظاهر الأسدي يأخذ البيعة للحسين لدى دخول مسلم بن عقيل الكوفة..
وكذلك الرجل المؤمن عابس بن شبيب الشاكري قد أعلن ولائه الشخصي لمسلم بن عقيل واستعداده للموت في سبيل الدعوة إلا أنه لم يتعهد له بأي أحد من أهل مصره وتمثل ذلك بقوله لمسلم :
أما بعد، فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم، والله إني محدثك عما أنا موطن عليه نفسي، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ولأقاتلن معكم عدوكم ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى الله، ولا أريد بذلك إلا ما عند الله.
وقد شرع مسلم بن عقيل بعقد الإجتماعات مع الزعامات الشيعية والمتأهبة والشخصيات المهمة من قادة الرأي وصارح الناس وكشف لهم الكثير من الخفايا وبين أهداف النهضة الحسينية العظيمة والمنهج الذي ينتهجه سيد الشهداء عليه السلام وأطلعهم على الكثير من الحقائق فاستقطب الكثير المجاميع الشعبية والتفوا حوله مقدمين بذلك فروض الطاعة والولاء والإنقياد التام لأمر سبط رسول الله صلى الله عليه وآله مما دعاه لمكاتبة الإمام الحسين عليه السلام .
بهذا قد استطاع مسلم بن عقيل عليه السلام أن يكون طبقة لا بأس بها من المؤيدين للحق حتى وإن تدخلت عناصر معينة بتغير بعض من الواقع. لو أردنا شاهدا على أن مسلم بن عقيل عليه السلام قد استطاع أن يكون قاعدة جماهيرية قوية هو طريقة دخول ابن زياد إلى الكوفة.
فإن ابن زياد حين أراد دخول الكوفة دخلها بشكل تنكري فقد لبس ثيابا يمانية كما يذكر المؤرخون وعمامة سوداء وانحدر وحده فكلما كان يمر بأناس كانوا يظنوا أنه الإمام الحسين عليه السلام فيحيونه ويرحبون به على طول الطريق بأقدس ترحيب ويهتفون بصوت واحد ( مرحبا يا ابن رسول الله ) مما يدل على أن الناس كانت تعلق آمالا على قدوم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وتنتظر فرجا على يديه. لذلك فقد صنع ما صنع حين ألقى خطابه وأعلن حالة الطوارئ، ولمح بالضرب بيد من حديد لكل من يعارضه ويعارض أمر أميره.
وعمل بواسطة جلاوزته على تفتيت التجمعات بزجه بالقيادات المهمة في السجن وقتل من يرغب بقتله
عند ذلك جعل الناس يقولون ما لنا والدخول بين السلاطين فبايعوا يزيد عن طريق ابن زياد ونقضوا البيعة لابن رسول الله صلى الله عليه وآله ولما خرج مسلم بن عقيل إلى الصلاة دخل إلى الجامع فأذن وأقام وصلى وحده ولم يصل معه أحد من أهل الكوفة. فخرج ورأى رجلا فقال له: ماذا فعل أهل مصركم ؟ قال : يا سيدي نقضوا بيعة الحسين عليه السلام، وبايعوا يزيد، فصفق مسلم بيديه.
وللغادرين ثمن..
وراح ابن زياد يهب ما لا يملك ويضع الجوائز ويوعد بالعطايا لمن يأتي له بمسلم بن عقيل عليه السلام وكان ممن رغب في ذلك مولى له يقال له ( معقل ) ويقال أن ابن زياد دفع إليه أربعة آلاف درهم ، وقال له : تعرف موضع مسلم بن عقيل عليه السلام، فإذا لقيته فادفع إليه المال، وقل له: تستعين به على أمرك. فخرج هذا اللعين يدور في الكوفة ويتحيل على الإستطلاع على خبر سفير الحسين عليهما السلام إلى أن وقع على خبره، أنه عند هاني بن عروة.
فبعث ابن زياد في طلب هاني، فلما وصل إليه وسلم عليه أعرض عنه ولم يرد عليه جوابا، ثم قال : يا هاني أخبئت مسلم وأدخلته في دارك وجمعت له الرجال والسلاح وظننت أن ذلك يخفى علي ؟ فقال هاني : الذي بلغك عني باطل، فقال ابن زياد : يا معقل اخرج غليه وكذبه. فخرج معقل وقال : يا هاني ما تعرفني ؟ فقال: نعم أعرفك فاجر غادر ثم علم أنه كان عينا لابن زياد.
فقال ابن زياد عليه لعائن الله : يا هاني ائتني بمسلم وإلا فرقت بين راسك وجسدك. فغضب هاني من قوله ن فقال: إنك لست تقدر على ذلك أو تهرق بنو مذحج دمك. فغضب ابن زياد اللعين. فضرب وجه هاني بقضيب كان عنده، فضربه هاني بسيف كان عنده فجرحه فاعترضه ( معقل ) فقطع وجهه بالسيف. فراح هاني يضرب فيهم يمينا وشملا حتى قتل من القوم رجالا، وهو يقول : والله لو كانت رجلي على طفل من أطفال أهل البيت عليهم اللاسم ما رفعتها حتى تقطع، فتكاثر عليه الرجال فأخذوه وأوثقوه بين يدي ابن زياد وكان بيده عمود من حديد فضربه فقتله.
وقد وصل الخبر إلى مسلم عليه السلام وكان حوله أربعة آلاف فارس ممن بايعوه ثم إليه ثمانية آلاف فتحرز ابن زياد وغلق الأبواب وسار مسلم عليه السلام حتى أحاط بالقصر، فبعث عبيد الله كثير بن شهاب الحارثي ومحمد بن الأشعث الكندي من باب الروميين براية الأمان لمن جاءها من الناس، فرجع الرؤساء إليها فدخلوا القصر، فقال لهم عبيد الله اشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة وخوفوا أهل المعصية، فما زال الناس يتفرقون حتى أمسى مسلم عليه السلام وما معه إلا ثلاثون نفسا.
طوعة تأوي سفير العقيدة..
فلما صلى المغرب ما رأى أحدا فبقي في أزقة كندة متحيرا ومشى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة كانت أم ولد محمد بن الأشعث فتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا وكان بلال خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره فقال لها مسلم : يا امة الله اسقيني، فسقته وجلس، فقالت له " يا عبد الله اذهب إلى أهلك فسكت، ثم عادت فسكت فقالت سبحان الله قم إلى أهلك فقال: ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة. فقالت: فلعلك مسلم بن عقيل ؟ فآوته. فلما دخل بلال على أمه وقف على الحال ونام ولما أصبح أذن مناد من دل على مسلم عليه السلام فله ديته وبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره، فجاء بلال إلى عبد الرحمن بن محمد الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عنده فاقبل عبد الرحمن ودنا من أبيه وساره، فقال ابن زياد : ما يقول ابنك ؟ فقال: يقول : ابن عقيل في دار من دورنا. فأنفذ عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي ومحمد بن الأشعث في سبعين رجلا حتى أحاطوا بالدار فحمل مسلم عليهم وهو يقول:
هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع فأنت بكاس الموت لا شك جارع
فصبر لأمر الله جل جلاله فحكم قضاء الله في الخلق ذايع
ويقتل سفير الحسين عليه السلام..
لقد قتل مسلم بن عقيل عليه السلام واحدا وأربعين رجلا، فلام ابن زياد ابن الأشعث فقال" أيها الأمير إنك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام من آل خير الأنام. قال: ويحك فقالوا لمسلم عليه السلام : لك الأمان، فقال عليه السلام : لا حاجة لي في أمان الفجرة وهو يرتجز :
أقسمت أن لا أقتل إلا حرا وأن رأيت الموت شيئا نكرا
أكره أن أخدع أو أغرا كل امرئ يوما يلاقي شرا
أضربكم ولا أخاف ضرا ضرب غلام قط لم يقرا
فضربوه بالسهام والأحجار حتى عيي واستند على حائط فقال : ما لكم ترموني بالأحجار كما ترمون الكفار وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار لا ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وآله في ذريته ؟ فقال ابن الشعث : لا تقتل نفسك وأنت في ذمتي، قال عليه السلام : أؤسر وبي طاقة لا والله لا يكون ذلك أبدا. وحمل عليه فهرب منه فقال مسلم عليه السلام : اللهم إن العطش قد بلغ مني فحملوا عليه من كل جانب وبالغو بالضرب والطعن وهو يقول اسقوني شربة من الماء فأتي به إلى ابن زياد فتجاوبا وكان ابن زياد يسب الحسين وعليا عليهما السلام فقال مسلم عليه السلام : فاقض ما أنت قاض يا عدو الله، فقال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه. وكان مسلم عليه السلام يدعو الله ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا واستشهد مسلم بن عقيل عليه السلام. وهو أول شهيد من أصحاب ابي عبد الله الحسين عليه السلام فرحمه الله والسلام عليه يوم ولد في أحضان الرسالة ويوم استشهد ويوم يعود مع عمه وابن عمه شفيعا مشفعا.
ــــــــــــــــــ
(*) برنامج من إذاعة الروضة الحسينية المقدسة