m

بحوث ومقالات

الموضوع السابق
الموضوع التالي

تاريخ النشر 19 ذو الحجة 1430 | الاحد 06 كانون الأول 2009

عيد الغدير... بقلم الأستاذ حسن كاظم الفتال

back fsize+ fsize-  send print 

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكمُ الإسلام دينا ) – المائدة /3

العيد : ما يعود على الناس من شوق وفرح وغير ذلك .. وهو اليوم الذي يحتفل فيه بذكرى كريمة أو حبيبة وعزيزة على النفس.

ترى هل أعز وأجل وأكرم وأشرف وأحب من مناسبة يوم الغدير هذه المناسبة التي فرح بها أهل السماء قبل أهل الأرض. حيث فيها يتم تنفيذ أمر الله من قبل رسوله العظيم صلى الله عليه وآله . لذلك يقول صلى الله عليه وآله : يومُ غدير خم أفضل أيام أمتي..

فهو إذن عيد المسلمين المؤمنين بالله وبرسوله والمتبعين قول الله (إنما وليكمُ اللهُ ورسولُهُ والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاةَ ويؤتون الزكاةَ وهم راكعون ) – المائدة /55 ولو اردكنا فضل هذا اليوم وكرامته وأهميته وما يرد علينا من استذكار مروره فما علينا إلا أن نعبر عن فرحتنا بكل معاني ووسائل التعبير وأولها حمد الله وشكره على ما أنعم علينا بهذه النعمة إذ جعلنا من السائرين إن شاء الله على نهج رسول الله صلى الله عليه وآله ونهج الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم فنحمده ونشكره عدد الرمل والحصى ونبارك لأنفسنا هذا الإنتماء .

ذاكرة الخلود .. تختزن البشائر وتحتفظ بصور لأطهر وأقدس ذكرى . تلك هي ذكرى يوم العهد المعهود يومِ وقوف رسول الله (صلى الهل عليه وآله) عند غدير خم بأمر من ربه .لينصب عليا (عليه السلام) خليفة من بعده

مكة .. البقعة التي باركها الله وشرفها بوضع بيته عليها ( وإن أولَ بيتٍ وضِع للناسِ للذي ببكةَ مباركاً وهدىً للعالمين ) – آل عمران /96 تستبشر وتتهيأ وتتزين لاستقبال أعظم خلق الله.

الكعبة .. التي بناها إبراهيم الخليل بيتا مباركا لله ليؤمه الحجيج من كل فج عميق تتدلى عليها ديباجة قدس فوق قداستها وتبدأ بإشراقاتها تذري أشعة الأنوار القدسية . كل ركن فيها يسبح ويهلل .. وكأن أركانها تردد بتسبيحها سبحان الله والحمد لله والله اكبر وسلامٌ على رسولَ الله صلى الله عليه وآله .

.. سلامٌ أيها الفاتح بنصر الله .. والسائرُ بأمر الله .. أيها القادم ليحج حَجَتَه الأخيرة . سلام أيها القادم ليودع حرم الله ثم يمضي إلى أعلى عليين .

سيد الكائنات .. وخير خلق الله .. يقدم ويحج ويودع البيت ويسير ركبه بأمان الله وحفظه .. تشيعه الكعبة بأنوارها تتمايل الأستار وكأنها تلوح له بإيماءات تتمنى بها له السلامة بالوصول إلى الرفيق الأعلى بعد زمن ليس بطويل . تهتز أركان الكعبة وكأنها تتوسل بالعودة في العام القابل. يا رسول الله : هل من عودة ؟ ولكن أمر الله حكم وحتم .

يسير الركب وتليه الملائكة تشيع بتهليلها وتسبيحها وتقديسها رسول الله وخليفته .. ويصل الركب إلى موقع يحدده جبرئيل بأمر من الله .. ها هنا.. ليتوقف الجميع .. إنه موقع غدير خم.. يأتي النداء أسرع من قدوم البرق الخاطف .

بسم الله الرحمن الرحيم

( يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس )

قال رسول الله(صلى الهي عليه وآله) : يوم غدير خم افضل أيام أمتي . وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى بتنصيب أخي علي بن أبي طالب علما لأمتي يهتدون به من بعدي وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم على أمتي فيه النعمة ورضي لهم الإسلام دينا.

بعد أن يهبط جبرائيل وليخبر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأمر الله جل جلاله وحين يتبلغ النبي الكريم صلى الله عليه وآله يقف لينفذ أمر الله جل وعلا .. يأمر برجوع من تقدم الركب وانتظار من تخلف حتى يكتمل عدد الجمع الذي كان معه صلى الله عليه وآله وهو مائة وعشرون ألفا حتى حضر الجمع..

تتجمع الأحداج ما أسرع انتصاب المنبر الذي كونته أقتاب الأبل. منبر كأنه قمةٌ تنوش السماء فتسترق من نورها الكثير الكثير..

رسول الله الذي يتشرف الكون كله للوقوف له حين يمر.. يقف صلى الله عليه وآله ويعتلي ذلك المنبر . يمسك بعَضُدِ أخيه وابن عمه وصنوه ووصيه وزوج بضعته وترتفع اليدان منهما ويبين بياض الإبطين . تشرئب الأعناق ..

تتسائل الضمائر توسوس النفوس تتمتم الشفاه تتغامز تتنابز تتهامس ما الذي يجري ماذا يفعل رسول الله9 . ثم يخيم الصمت وتنهار قمم الحسد وتدك جبال التوقعات حين ينادي(صلى الهي عليه وآله) : من كنت مولاه فهذا علي بعدي مولاه . ثم يقول(صلى الهي عليه وآله) :

معاشرَ الناس أن علي بن أبي طالب عليه السلام مني وأنا منه . علي خلق من طينيتي ، وهو إمام الخلق بعدي . يبين لهم ما اختلفوا فيه من سنتي . وهو أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين ويعسوب الدين وخير الوصيين وزوج سيدة نساء العالمين وأبو الأئمة المهديين .

معاشر الناس من أحب عليا أحببته ومن أبغض عليا أبغضته ومن وصل عليا وصلته ومن قطع عليا قطعته ومن جفا عليا جفوته ومن والى عليا واليته ومن عادى عليا عاديته..

تنتصب خيمة بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله لتكون مقرا لإتيان المبايعة وإعطاء العهد والوعد والميثاق والإيفاء بها مستقبلا . أجلس صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وأمر جميع من كان معه أن يحضروا عنده جماعات وأفراد ليسلموا عليه وله بأمرة المؤمنين ويبايعوه ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول : لقد أمرني ربي بذلك وأمركم بالبيعة لعلي عليه السلام .

فيقدم الكل بين صادق واثق وبين مرغم تدفعه المراوغة والمناورة والرياء وغير ذلك .

ويقف حسان بن ثابت ليدون تلك الوقفة في سجل التأريخ ولتكون تذكرة وحجة على من أنكرها من أولئك الذين قال الجليل فيهم : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهم ظلما وعُلُوا ) ـ النمل / 14

يناديهم يوم الغدير نبيهم ... بخم فأسمع بالرسول مناديا

وقد جاء جبرائيل عن أمر ربه ... بأنك معصوم فلا تك وانيا

وبلغهم ما أنزل الله ربهم ... اليك ولا تخشى هنالك الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفه ... بكف علي معلن الصوت عاليا

فقال: من مولاكم ووليكم ... فقالوا: ولم يبدوا هناك تعاليا

إلهك مولانا وأنت ولينا ... ولم تلق منا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا علي فإنني ... رضيتك من بعدي إماما وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليه ...فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا اللهم وال وليه ... وكن للذي عادى عليا معاديا

فيا رب انصر ناصريه لنصرهم ... إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا

أيها الأحبة الكرام:

أعطت الأمة عهدا وميثاقا في ذلك اليوم العظيم لكنها يبدو أنها لم تلتزم بميثاقها

ويبدو أن يوم الغدير كان يوم الإمتحان الأكبر .. فمثلما أُستوْضِحَ الحق فيه واستدل أهل الحق بالحق حين استوضح لديهم . وبدأوا بالتوجه إلى جادة الصواب وسلكوا سبيل الوصول إلى الصراط المستقيم . راح أهل الباطل كل منهم يحوك دسيسته وبدأت تمتد خيوط المؤمرات لينسج بها النساجون شراك الحقد والضغينة وراحت أفاعي الأحقاد التي خلفها الحسد والغيرة غير المشروعة راحت تنفث سمومها لتحرق الأخضر واليابس.

ولعل هذه العوامل كانت دلائل وإمارت لفشل الأمة في امتحانها وفي اقتفائها أثر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أنها فضلت أن تتبع غيره وتأتمر لأمر سواه وتنتهي عما ينهى غيره وأهملت التمسك بحبل الله وتفرقت وتشتت جمعها فصارت طرائق قددا كل ذلك حصل عندما غدرت بعترة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله .

فالرسول9 الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وذلك بلحاظ الآية الكريمة ( النبي أولى من المؤمنين بأنفسهم) – الأحزاب /6

وقد قال صلى الله عليه وآله : أنا أولى بكل مؤمن من نفسه . ثم قال ألست أولى بكم من أنفسكم .؟ قالوا بلى ، فقال: من كنت مولاه علي بعدي مولاه .

يقف صلى الهل عليه وآله ليأمر النفوس التي هو أولى بها أن تستجيب لقول الله سبحانه وتعالى فيقول : من كنت مولاه فهذا علي بعدي مولاه . فهل لمن يتخذ رسول الله(صلى الهي عليه وآله) مولى أن يتخذ غير علي مولى له . إلا إذا كان مخالفا لله ورسوله. وكان من الذين يشاقون الله ورسوله .

وإن تلبية نداء النبي والإستجابة لدعوته إنما هي تلبية لنداء الله واستجابة لدعوته ومصداقية ذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ ولا تُبطِلوا أعمالَكم ) – محمد/ 33

فبمخالفة الرسول والإمتناع عن إطاعته تبطل كل الأعمال ولا ينفع لأحد شيئا يوم لا ينفع مال ولا بنون .

ولعل سائل يسأل ما الذي يدفع البعض لأن يخالف الله ورسوله صلى الله عليه وآله ..؟ من أين أتت الجرأة لمثل هؤلاء ..؟ .. الكثير من هذه الأسئلة طرحت على مدى مرور الزمن ولو طوينا المسافات وعدنا إلى بدايات الأحداث التاريخية ووقفنا على شرفة الإطلال على الماضي وشاهدنا بعين البصيرة موقع غدير خم والتفتنا إلى مقدم الحارث بن عمرو الفهري ونستمع بتعقل القلوب إلى تساءل هذا الحاسد الحاقد لرسول الله صلى الهر عليه وآله يأتي وهو يحمل في أعماق نفسه كوة من الحقد ويقف أمام أكرم وأعظم خلق الله واشرفهم فيحاول أن ينفث ما يحمل من سم قاتل .قائلا : يا محمد أمرتنا أن نصلي ففعلنا وأمرتنا أن كذا وكذا إلى آخره أمنك هذا الأمر أم من الله ؟ قال صلى الله عليه وآله : بل من الله فغضب الحارث وقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل ــ ويقصد ملكا بعد ملك ــ فامطر علينا حجارة من السماء أو ءإتنا بعذاب أليم .

وللحاقدين والمخالفين عقابهم:

أراد النبي صلى الها عليه وآله أن يلقي الحجة عليه من ناحية وأن يبعد عنه العذاب المحقق لأنه صلى الله عليه وآله رسول الإنسانية والرحمة ، فقال : إما تبت وإما رحلت . فقال ذلك العاصي أمر ربه والمتمرد : يا محمد قلبي لا يتابعني على التوبة ولكن أرحل عنك .

وبما أنه في حضرة رسول الله صلى الها عليه وآله لم ينزل به العذاب إلا حين يخرج إذ يقول عز من قائل ( وما كان اللهُ ليعذِبَهم وأنت فيهم وما كان الله مُعذِبَهم وهم يستغفرون ) – الأنفال/ 33

حتى خرج ولما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضت هامته . فقال رسول الله صلى الهأ عليه وآله : لمن حوله من المنافقين : انطلقوا إلى صاحبكم فقد اتاه ما استفتح به .

نزلت آية ( سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع* من الله ذي المعارج )

لقد بلغ بهذا الحاقد أن يدعو على نفسه ويتمنى الموت وحصول جزاءه والذهاب إلى الجحيم..

أي حقد يحمل .. ؟ وأي حسد ذلك الذي يدعوه لملاقات حتفه..؟ ويدعو الله أن يمطر عليه من السماء حجارة ..؟ . وما اسرع الإستجابة لتلك الدعوة ليأخذ نصيبه ويذهب إلى الجحيم فيكون مثواه جهنم وبئس المهاد .

من يصنع التأريخ:

بيدو أن موقف الحارث كان موقفا واضحا رغم ما ينتابه من حقد وضغينة وحسد وعدم مقدرة على اتباع الحق .

ولعل الذي هو أدهى وأكثر مكرا من ذلك هو موقف الآخرين من ذوي الأوجه المتعددة والمواقف المتذبذبة .والنفوس المتقلبة

لقد سمع الجميع نداء رسول الله(صلى الهي عليه وآله) ولكن لم يستجب الكل إلا ثلة آمنت بالله ورسوله صلى الهع عليه وآله ورغم أن الأغلبية أظهرت الإدعاءات ..ولكن هذه الإدعاءات كانت صورة ظاهرية تخالف الباطن كثيرا ولا تشابه قط الخفايا والمقاصد والنوايا السيئة المضمورة في أعماق النفوس الأمارة بالسوء . فكم منهم وقف مباركا ومهنئا وصائحا بخ بخ لك يا علي .. ولكن هذه الكلمة أخرجها الغل المحتشد في الصدور وخرجت كما يتطاير الشرار من النيران .

فإن ذلك الموقف العظيم الذي وقف فيه رسول الله صلى الهر عليه وآله لو استجاب له المسلمون عندها ولبوا نداءه وأدوا البيعة بما ينبغي لها أن تؤدى لتغيرت ملامح التأريخ وشكل خريطته ولما حل بنا ما حل اليوم . ..

ولكن:

نطقت الألسن ولم تلب القلوب ..وكان قول بخ لا يأتي إلا على الألسن وكم هي كانت ثقيلة . ولعلها كانت لقلقة لسان حسب .

رغم أن رسول الله صلى الهو عليه وآله كان في غير موقف يردد إعلانه لوصف أمير المؤمنين علي عليه السلام وبيان مكانته عنده إنما أراد أن يلقي الحجة على الجميع .. فكم وكم سار مع علي عليه السلام أو أقبل عليه وأشار إليه بقوله :

( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ). اما اليوم ومن فوق المنبر الذي أمره الله أن ينشأه وأمام الجموع الغفيرة والآلاف التي كانت تتابع السير معه من الحجيج

وتحت هجير الشمس وليس من حاجب بينه وبين السماء . يقف ليعلن إعلانه الذي لا إعلان غيره ليسمع الجميع ويذكر من يتذكر من ينكر القول أو يتناساه يوما ما . (يا علي أنت مني بمزلة هارون من موسى ) وحين يقول رسول الله صلى الله عليه وآله قولا ويأمر أمرا لابد للمسلم أن ينفذ ويطبق مضمون الأمر ولا خيار غير ذلك إذ يقول الله سبحانه وتعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللهُ ورسولُه أمرا ان يكون لهم الخَيَرَةُ من أمرهم ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فقد ضلَّ ضلالا مبينا ) –الأحزاب /36

فما علينا إلا أن نتبع أمر الله الذي أتانا عن طريق رسوله الكريم إذ هو ( وما ينطفق عن الهوى )

دعاء رسول الله للمسلمين بركة وخيرا:

ما حال من يدعو له رسول الله صلى الهل عليه وآله …..

أية بشارة تلك التي يبشرنا بها رسول الله صلى اله عليه وآله .. لم يدعو لنفسه بل يدعو للموالين .. وذلك بقوله اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله . بخ بخ لكم ايها المقتفون آثار رسول الله واهل بيته الأطهار صوات الله وسلامه عليهم أجمعين هنيئا لكم عيدكم وهنيئا لكم ثبوت الإيمان والثبات على الولاية

( ومن يتولَّ اللهَ ورسولَهُ والذين آمنوا فإنَّ حزبَ اللهِ همُ الغالبون) – المائدة /56

اليوم أكملت لكم دينكم واتتمت عليكم نعميت .

لقد أكمل الله سبحانه وتعالى الدين بوصية رسول الله(صلى الهي عليه وآله) وتنصيبه خليفة من بعده ..وقد أتمت النعمة بأمير المؤمنين عليه السلام فبذلك إكمال لحلقة الولاية فإن الرسالة لابد لها أن تستمر بعد النبي(صلى الله عليه وآله) عن طريق أمير المؤمنين علي عليه السلام ومن ثم الأئمة الأطهار عليهم السلام .

فأن وجود النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم السلام نعمة للبشرية حيث هم المرشدون والأدلاء إلى الخير ويوم سنسأل عنهم وعن الإقتداء بهم وذلك بلحاظ الآية الكريمة ( ثم لَتَرَوُنَّها عينَ اليقين * ثم لَتُسألُنَّ يومئِذٍ عن النعيم ) – التكاثر/7-8

قال الصادق عليه السلام : يوم الغدير يوم عيد ، سر الله تعالى به المسلمين ، ولطف لهم به بكمال الدين ،وأعلن فيه خلافة نبيه سيد المرسلين عليه وآله الصلاة والسلام . فكان من سننه الصيام فيه شكرا لله تعالى على نعمته العظمى من حفظ الدين ، وهدايته إلى القائم بعد الرسول(صلى الهي عليه وآله) في رعاية المؤمنين

أتم الله نعمته وباها ** بمن ولّاه يوم الحق طه

ودين قد أتاه كمال نهج ** لشرعة أحمد حيث ارتضاها

شهاب العيد قد أجلى ظلاما ** لدنيانا مضى يمحو أساها

ألا يا أيها الماضي بركب ** يسوق بنا الهموم إلى فناها

تمهل فالوداع له نوايا ** هجير الظهر أعلن عن خفاها

فذي مئة من الآلاف تمضي ** وعشرون التقت همَّت خطاها

توقف ها هنا فالأرض مدت ** وبلغ في رسالة من دحاها

وإن لم تأتي بالتبليغ حالا ** فكل يد ستقطعها عداها

سيعصمك الذي ولاك أمرا ** وتنجو في مسيرك من أذاها

ترجل واجمع الأقتاب جمعا ** وشيد منبرا من معتلاها

وإن بلّغت فانشر مرتجاها ** فها هي خم هذا ملتقاها

لكي لا تنقض الآلاف عهدا ** لها شهد الهجير وقد كفاها

بل ارفد خم من شهد الأماني ** ليحلو لها الغدير إذا سقاها

فأنت بكل نفس صرت أولى ** من النفس التي وهبت رضاها

وذي البطحاء دب العقم فيها ** وجدبٌ دون رغبتها اعتراها

عليٌ عضده خذ فيه عهدا ** يد عاشت لتنجد من أتاها

وقل من كنت مولاه اشتياقا ** فذا بعدي عليٌ لا يضاها

هو المولى الذي لو كل نفس ** فدته غير مستوف فداها

سيُخذل كلُ من عاداه عمدا ** ومن والاه قد والى الإلاها

وكفك إذ رفعت بها لواءً ** فسلم للوصي بها لواها

بخٍ لك يا علي فصرت مولى ** لمن بهدى الولاية قد تباها

ومن ولى ويدعو الله غيضا ** ودعوته جحود محتواها

ينادي ربه أمطر علينا ** حجارة منقذ تجفو سماها

وعينٌ إن تغاضت عن سمير ** تسامره المجرةُ إذ علاها

وأغمضها ظلام الحقد جهرا ** تمنت لو يدانيها عماها

وتحتسب العمى نصرا عظيما ** لكي لا ترتاي حقا يراها

ألا بلغ وإن بلغت فاكشف ** بنورك في منازلة دجاها

ونصِّب في الجموع أبا تراب ** ليحميها إذا باغٍ غزاها

هو الكرار في كفيه سيف ٌ ** وآياتٌ يشعشع مجتلاها

يؤسس للظلالة ألف رمس ** صروحا للهداية إذ بناها

نهى الأسحار أرقها بتقوى ** مناجٍ ما تأرق من تقاها

إذا ما غاسق وقب اختلاسا ** بخلسة شره أمما غواها

يزق الداجيات بنافلات ** يذوب لكي يميت بها دجاها

وفي صبح الوطيس يكر ليثا ** وهامات تطيح إذا اجتباها

تكنيه الوقائع رعد موت ** وثبت ذو الفقار لها كناها

كماة الحرب تعصيها سيوفٌ ** وطائعة تلين لمن عصاها

تلوح بالحِمام وقد تلوت ** باعناقٍ يقوِّم ملتواها

ففي إقدامه شدت رحالا ** ليحدوها لظى أجل دعاها

جفا زهو العروش وكان فيها ** محل القطب حقا من رحاها

وراحلة الزمان له أناخت ** وشيد مجدها لما حداها

بها الأمصار تبحث عن محامٍ ** فطوفان الضغينة قد غزاها

تلِّوح للأباة بألف نجوى ** وساعة عز حاميها حماها

هو النبأ العظيم .. فعمَّ جاءت ** تسائله الثريا .. عن مداها ؟

فلولا من عطاء الغيث يهمي ** غدت آمالنا أحوى غثاها

قصدت هداه تسبقني جراحي ** أراقت من منازفها جواها

وإذ لثمت ضريحا قد تعافت ** ونزف القبلة الأولى شفاها

فكيف إذن يمس الضر روحي ** ولا يطفأ بمنهله ظماها

سأشرب من غدير العهد شهدا ** يروي الروح منبع مبتلاها

لترجع وهي في اطمئنان عهد ** وتدخل في العباد بمرتضاها

ولو جفت بمعصية بسهو ** يصير سماح كوثره سُقاها

4/5/1996 / ذو الحجة 1416 .