مقتل أبي مخنف الأزدي الكوفي - أشهر المقاتل الحسينية (ج2)

موسوعة وارث الأنبياء

2018-06-13

481 زيارة

البحث الثاني: كتابه (مقتل الحسين عليه السلام)

الحديث حول مقتل أبي مخنف حديث ذو شجون، والإحاطة به من جميع الجهات يحتاج إلى بحث مستقلّ ودراسة مفردة؛ ولذا سنحاول أن نتحدَّث بإيجاز عن عدّة أُمور أساسية ورئيسية حول هذا المقتل:

الأمر الأول: إنّه لا ريب ولا شبهة في أنّ أبا مخنف قد كتب كتاباً حول واقعة الطف أسماه مقتل أو قتل الحسين عليه السلام.

فقد ذكره ابن النديم (ت  438ﻫ) في قائمة كتبه، وذكر أنّ اسمه مقتل الحسين عليه السلام[97]، ولعل ابن النديم هو أقدم مَن نصّ على وجود كتاب لأبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام.

وذكره النجاشي (ت 450ﻫ) كذلك في قائمة مصنفاته، وذكر أنّ اسمه قتل الحسين عليه السلام، ثمَّ ذكر طريقه إلى هذا الكتاب وسائر كتب أبي مخنف، فقال: «أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، قال: حدَّثنا عبد الجبار بن شيران الساكن بنهر جطا (خطى)، قال: حدَّثنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي، قال: حدَّثنا عبد الله بن الضحاك المرادي، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي مخنف»[98].

وقد ذكره الطوسي(ت460ﻫ) أيضاً في الفهرست، وذكر أنّ اسمه مقتل الحسين عليه السلام، ثمَّ ذكر طريقه إلى مصنفات أبي مخنف بما فيها كتاب المقتل، فقال: «أخبرنا بها أحمد بن عبدون، والحسين بن عبيد الله جميعاً، عن أبي بكر الدوري، عن القاضي أبي بكر أحمد بن كامل، عن محمد بن موسى بن حماد، عن ابن أبي السري محمد، قال أخبرنا هشام بن محمد الكلبي، عنه...»[99].

ثمَّ جاء بعدهما ابن شهر آشوب(ت 588ﻫ) فأكَّد لنا وجود هذا الكتاب في قائمة كتب أبي مخنف، فقال ـ بعد التعريف بأبي مخنف ـ: «له كُتُب كثيرة في السير، كمقتل الحسين عليه السلام»[100].

وممّن ذكره أيضاً الحموي (ت 626ﻫ) في معجم الأدباء، وهو يذكر ذلك عن محمد بن إسحاق[101].

فهذه أهمّ النصوص الأصيلة الموجودة في هذا المجال، وقد اخترناها من أشهر المصادر في عالم الفهارس ومعاجم المؤلفات، وجميعها صرحت بوجود كتاب لأبي مخنف في مقتل الحسين عليه السلام، وهناك نصوص أُخرى صرحت بوجود هذا الكتاب في قائمة أبي مخنف، ولكنّها بأجمعها تنهل من المصادر التي ذكرناها.

الأمر الثاني: ذهب بعض الباحثين إلى القول: بأنّ مقتل أبي مخنف هو أقدم المقاتل الحسينيّة وأسبقها.

قال محمد مهدي شمس الدين: «فكُتُب المقتل تصلح أن تكون موضوعاً لدراسة علمية واسعة وعميقة تشتمل على تاريخ نشوء هذا النوع من كتابة التاريخ وتطوره، ومنهجه ومحتوياته، ونوعيات المؤلفين، والأُسلوب الذي كتب به، وتطور هذا الأُسلوب خلال العصور، وعلاقة هذا الأُسلوب بلغة الكتابة في المجالات الأُخرى، واللغات التي كتبت بها (العربية، والفارسية، والتركية، والأردو، وغيرها) والمحتوى الشعري لهذه الكتب التي بدأت ـ فيما نحسب ـ بأبي مخنف ولم تنته بعد...»[102].

 وقال اليوسفي الغروي: «وكذلك بقيت هذه الحادثة الأليمة في سنة 61ﻫ، أحاديث شجون تتناقلها الألسن نقلاً عن الذين كانوا قد شهدوا المعركة، أو الحوادث السّابقة عليها أو التالية لها، كسائر أحاديث المغازي والحروب في الإسلام... حتّى انبرى لها في أوائل المئة الثانية للهجرة أبو مِخْنف، لوط بن يحيى بن سعيد بن مِخْنف بن سليم الأزدي الغامدي الكوفي (ت 158ﻫ)، فجمعها من أفواه الرواة وأودعها كتاباً أسماه: (كتاب مقتل الحسين عليه السلام) كما في قائمة كُتبه. فكان أوّل كتاب في تاريخ هذه الحادثة العظمى على الإطلاق»[103].

ونحن لا نوافق ما ذهب إليه هذان المحققان وغيرهما، فقد أثبتنا ـ في بحوثنا السابقة ـ أنّ أول مَن كتب في المقتل الحسيني هو الأصبغ بن نباتة، ثمَّ جاء بعده جابر بن يزيد الجعفي، ثمَّ جاء بعدهما عمّار الدهني، فلا يكون أبو مخنف هو أول مَن كتب في المقتل الحسيني، وإن جرى ذكر ذلك على بعض الألسن.

الأمر الثالث: إنّ مقتل أبي مخنف مفقود، ولم يصل إلينا منه إلا ما انتقل إلينا عِبر مطاوي الكتب، وفي ضوئه؛ فإنّ المقتل المتداول بين الناس والمنسوب لأبي مخنف، ليس له بإجماع المحققين.

يقول السيد عبد الحسين شرف الدين: «ولا يخفى أنّ الكتاب المتداول في مقتله عليه السلام، المنسوب إلى أبي مِخْنف قد اشتمل على كثير من الأحاديث التي لا علم لأبي مِخْنَف به، وإنّما هي مكذوبة على الرجل، وقد كثرت عليه الكذّابة وهذا شاهد على جلالته»[104].

ويقول الشيخ عباس القمّي: «وليعلم أنّ لأبي مِخْنف كُتُباً كثيرةً في التاريخ والسير، منها كتاب: مقتل الحسين عليه السلام الذي نقل عنه أعاظم العلماء المتقدِّمين واعتمدوا عليه... ولكن للأسف أنّه فُقد ولا يوجد منه نسخة، وأمّا المقتل الذي بأيدينا ويُنسب إليه، فليس له، بل ولا لأحد من المؤرِّخين المعتمدين، ومَن أراد تصديق ذلك، فليقابل ما في هذا المقتل وما نقله الطبري وغيره عنه حتّى يعلم ذلك، وقد بيّنت ذلك في نفس المهموم، في طرمّاح بن عدي، والله العالم»[105].

ويقول اليوسفي الغروي: «تتداول الأيدي والمطابع في هذه العهود المتأخّرة كتاباً في مقتل الحسين عليه السلام، نُسب إلى أبي مخنف، ومن المعلوم الواضح أنّه ليس لأبي مخنف، وإنّما هو من جمعِ جامعٍ غير أبي مخنف، ولا يُدرى بالضبط متى؟ وأين؟ وممّن وجد هذا الكتاب؟ ومتى طبع لأول مرّة؟» [106].

 أقول: ولكن صاحب الذريعة قد صرّح بأنّ الطبعة الأُولى لهذا المقتل كانت على الحجر في بمبئي منضمّاً إلى المجلد العاشر من(البحار) في سنة 1287ﻫ [107].

ثمَّ أُعيدت طباعته على الحجر مرّتين: الأُولى في بمبئي عام 1326ﻫ، منضمّاً إلى مثير الأحزان واللهوف، كما نصّ على ذلك التبريزي في مرآة الكتب[108]، والأُخرى في النجف الأشرف عام 1353ﻫ، كما صرح بذلك الأميني في معجم المطبوعات النجفيّة[109].

وللمقتل المتداول علامتان أساسيتان يمكن معرفته من خلالهما:

العلامة الأُولى: من خلال العنوان؛ حيث إنّ هذه النسخة عادة ما تُطبع بعنوان (مقتل الحسين عليه السلام ومصرع أهل بيته وأصحابه في كربلاء).

العلامة الأُخرى: من خلال الكلمات الأُولى فيه؛ حيث يبدأ بهذه الكلمات: «قال أبو مخنف: حدَّثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي...».

وهذه الكلمات هي أول مؤاخذة على هذا المقتل؛ فإنّ أبا مخنف هو شيخ هشام بن محمد وأُستاذه، فكيف يصح أن يحدِّث الأستاذ عن التلميذ؟!

الأمر الرابع: أشرنا في الأمر السابق إلى أنّ الباحثين المحققين قد أجمعوا على ضياع مقتل أبي مخنف، وأنّه لم يصلنا منه إلّا ما نقله المؤرِّخون عن هذا المقتل، والمعروف بين المحققين أنّ أقدم نصٍّ نقل مرويات هذا المقتل هو كتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري (ت310ﻫ).

يقول اليوسفي الغروي: «وأقدم نصّ معروف لدينا ممّن نقل أحاديث هشام الكلبي في كتابه عن أبي مِخْنَف هو: تاريخ أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري (310ﻫ)، وهو لمْ يُفرِد لها تأليفاً خاصّاً، وإنّما ذكر الوقعة في أثناء تاريخه لحوادث سنة (60 ـ 61ﻫ)»[110].

ويقول حسن غفاري: «... أردت أن أجمع الأخبار الواردة في مقتل مولانا الشهيد أبي عبد الله الحسين ـ روحي له الفداء ـ بحيث كان كلّ مَن نظر فيه وتأمّل في مضامينه أغناه عن الرجوع إلى سائر المقاتل، وبينا أنا كنت مشغولاً بذلك بان لي أنّ من جملة المقاتل التي استندوا إليها ونقلوا عنها مقتل أبي مخنف المشهور بين الخواصّ والعوام، ونقل مهرة الفنّ عنه في زبرهم القديمة، كمحمد بن جرير الطبري في كتابه تاريخ الأُمم والملوك...»[111].

ويتكوّن مقتل أبي مخنف المستخرَج من تاريخ الطبري ـ بحسب ما حققه اليوسفي الغروي ـ من 65 حديثاً مسنداً[112]، رواها أبو مخنف بالمباشرة وبالواسطة عن 39 راوياً، وقد وضع اليوسفي الغروي ستّ قوائم تفصيليّة بأسماء الرواة الوسائط بين أبي مخنف والأحداث، ووضع أمام اسم كلّ راوٍ منهم الحديث الذي رواه، فكانت هذه القوائم هي في حدّ ذاتها فهرستاً لأحاديث الكتاب أيضاً[113]. وتتوّزع هذه الأحاديث المتناثرة في الطبري على حوادث المعركة وما قبلها وما بعدها، بشكل يغطّي أكثر التفاصيل، ويجيب على أغلب التساؤلات التي تشغل الباحث؛ ومن هنا أمكن إعادة تنسيقها وتشكيلها بحسب التسلسل الزمني للأحداث والخروج بمقتل متكامل أو شبه متكامل.

ولذا؛ قام المحققان الميرزا حسن الغفاري والشيخ اليوسفي الغروي بالتصدّي لإحياء مقتل أبي مخنف من خلال العمل على استخراج روايات أبي مخنف من تاريخ الطبري، ثمَّ تنسيقها بحسب تسلسل الأحداث ووضعها في كتاب مفرد يكون بديلاً للطبعة المتداولة بين الناس.

فكتب الأول مقتل الحسين عليه السلام، وكتب الثاني وقعة الطفّ، وكلاهما مستخرَجان من تاريخ الطبري.

طريق الطبري إلى مقتل أبي مخنف

طريق الطبري إلى مقتل أبي مخنف هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، الكوفي (ت 206ﻫ).

ولا ريب في أنّ الطبري لم يتّصل بهشام بن محمد، فقد توفّي الأخير قبل ولادة الطبري بحوالي 18 عاماً، ومع ذلك نجد أنّ الطبري ـ في أحداث سنتي 60 ـ 61 ﻫ ـ يسند مروياته إلى هشام من دون أن يذكر الواسطة بينهما، ويمكن أن نتصوّر في هذا الخصوص ثلاث فرضيات:

الفرضية الأُولى: أن نقول بانقطاع السند بين الطبري وهشام الكلبي؛ وبالتالي سنحكم على مجموع روايات الطبري عن أبي مخنف بالإرسال؛ فتكون ضعيفة بحسب المقاييس الفقهية؛ لأنّنا نجهل الواسطة بينهما.

ولو أردنا أن نتكلّم بلغة مبسَّطة وواضحة للجميع نقول: بما أنّنا نجهل الواسطة التي نقلت مقتل أبي مخنف من هشام إلى الطبري، فلا يمكننا الجزم بنسبة هذا المقتل إلى أبي مخنف، فلا تكون قيمته التاريخية أفضل من المقتل المتداول.

الفرضية الثانية: ما ذكره اليوسفي الغروي ومفاده: أنّ الطبري كان يمتلك نسخة من مقتل أبي مخنف، فكان ينقل من الكتاب بشكل مباشر، وكان يعزز ذلك بمرويات من هذا المقتل، وردت إليه عن طريق تلميذه هشام، ولا يعيِّن لنا مَن حدَّثه عن هشام[114].

وعلى ضوء هذه الفرضية؛ يكون دور هشام بن محمد دوراً هامشياً، والمصدر الأساسي الذي اعتمده الطبري هو كتاب مقتل أبي مخنف نفسه.

وممّا يعزّز هذه الفرضية، أنّ الطبري كثيراً ما يتجاوز هشام ويحدِّث عن أبي مخنف بالمباشرة، فيقول ـ مثلاً ـ: «وقال: أبو مخنف».

الفرضية الثالثة: ـ وهو ما توصلنا إليه في المقام ـ فنحن نرى أنّ طريق الطبري إلى هشام بن محمد معروف، فإنّ الطبري يروي عن الحارث بن محمد (ت 282ﻫ)[115]، عن محمد بن سعد صاحب الطبقات (ت 230ﻫ)، عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف.

 وليس للطبري طريق إلى هشام غير ما ذكرنا، وقد صرَّح الطبري بذلك في ستّة موارد في الجزء الأول من تاريخه[116]، وبعد أن صار طريقه معروفاً إلى هشام بن محمد، بدأ يسند إلى هشام بن محمد بقوله  ـ مثلاً ـ :«حُدِّثتُ». بصيغة المبني للمجهول، وهذه الطريقة في الاختصار تُسمى في علم الرجال بـ(التعليق)، وهي طريقة معروفة بينهم، لا سيما بين المتقدِّمين.

قال صاحب المعالم في منتقى الجمان: «اعلم أنّه اتّفق لبعض الأصحاب توهم الانقطاع في جملة من أسانيد الكافي؛ لغفلتهم عن ملاحظة بنائه لكثير منها على طرق سابقة، وهي طريقة معروفة بين القدماء، والعجب أنّ الشيخ رحمه الله ربما غفل عن مراعاتها؛ فأورد الإسناد من الكافي بصورته ووصله بطرقه عن الكليني من غير ذكر للواسطة المتروكة؛ فيصير الإسناد في رواية الشيخ له منقطعاً، ولكن مراجعة الكافي تفيد وصله. ومنشأ التوهم الذي أشرنا إليه فقد الممارسة المطّلعة على التزام تلك الطريقة...»[117].

يقول جعفر السبحاني ـ حول طريقة الكليني في الإسناد ـ: «... قد يحذف الكليني صدر السند في خبرٍ مبتنياً على الخبر الذي قبله، وهذا ما يُعبَّر عنه في كلام أهل الدراية بالتعليق، فمثلاً يقول في الخبر الأول من الباب: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس.. وفي الخبر الثاني منه: ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطية، عن عمر بن يزيد. أو يقول في الخبر الأول من الباب: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله صاحب السابري.. وفي الخبر الثاني منه: ابن أبي عمير، عن ابن رئاب، عن إسماعيل بن الفضل. وفي الخبر الثالث منه: ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام...»[118].

وعلى هذا الأساس ـ أيضاً ـ نفسِّر إسناد الطبري إلى أبي مخنف مباشرة؛ فإنّه لم يسند إليه إلّا بعد أن صار واضحاً أنّه يروي عنه بواسطة هشام.

وفي ضوء هذه الفرضية تتهاوى الفرضيتان السابقتان، وإن كنّا في الوقت نفسه لا نمانع من وصول كتاب مقتل أبي مخنف إلى الطبري، من خلال هذا الطريق عينه.

الأمر الخامس: أشرنا ـ فيما مضى ـ إلى أنّ أقدم نصٍّ تاريخي يحتوي على نقولات من مقتل أبي مخنف هو تاريخ الطبري، وهذا لا يعني أنّه النصّ الوحيد، فهناك العديد من النصوص التي اشتملت على مرويات من هذا المقتل، وهذه النصوص على أنواع:

النوع الأول: ما لم يكن طريقه إلى مقتل أبي مخنف يمرّ بالطبري، كالبلاذري (ت279ﻫ) في أنساب الأشراف، وابن أعثم الكوفي (ت نحو314ﻫ) في الفتوح، والمسعودي (ت345ﻫ) في مروج الذهب، وأبو الفرج الأصفهاني (ت356ﻫ) في مقاتل الطالبيين، وغيرهم ممّن نقل عن أبي مخنف عن غير طريق الطبري.

 ويمكن عدّ المفيد (ت413ﻫ) في الإرشاد، وسبط ابن الجوزي (ت654ﻫ) في التذكرة منهم؛ فإنّهما لا ينقلان عن مقتل أبي مخنف عن طريق الطبري على ما يبدو، ففي هذه الكتب وأمثالها يجد الباحث شذرات مبثوثة من هذا المقتل يمكن اقتصاصها وإضافتها إلى مقتل أبي مخنف المستخرَج من الطبري.

النوع الثاني: ما كان معتمداً على نسخة الطبري من المؤرخين المتأخرين عنه، كابن الأثير(ت630ﻫ) في الكامل في التاريخ، والذهبي (ت748ﻫ) في تاريخ الإسلام، وابن كثير(ت774ﻫ) في البداية والنهاية، وابن شهر آشوب (ت588ﻫ) في مناقب آل أبي طالب؛ فإنّ لكلّ واحد من هؤلاء طريقه الخاصّ إلى تاريخ الطبري، وبعض هذه النسخ غير مطابقة لنسخة الطبري المتداولة في بعض الموارد.

وبالتالي؛ فإنّ المتتبّع لا يعدم ـ من خلال المقارنة ـ من التقاط بعض العبارات الساقطة من تاريخ الطبري، وهي وإن كانت نادرة جداً إلّا أنّنا بحاجة إليها أيضاً، فلعل فيها سداً لثغرة مهمّة في التاريخ الكربلائي.

النوع الثالث: نسخ من مقتل أبي مخنف لا تتطابق مع نسخة الطبري، ولا مع الطبعة المتداولة، وأبرز نماذج ذلك نسختان:

1ـ نسخة القندوزي (ت1294ﻫ) في ينابيع المودّة:

فقد خصص الباب الحادي والستين من الجزء الثالث من كتابه لما أورده أبو مخنف، وعند المقارنة يتّضح للباحث عدم تطابق هذه النسخة مع النسخة الشائعة المتداولة ولا نسخة الطبري، كما اتّضح لنا عند التحقيق أنّ هذه النسخة لا يمكن أن تكون ملفّقة من النسختين لانفرادها بالعديد من الموارد، مع أنّه يقول في صدر الباب: «الباب الحادى والستّون في إيراد ما في الكتاب المسمى بـ(مقتل أبي مخنف)، الذي ذكر فيه شهادة الحسين وأصحابه مفصلاً...»[119].

وهذا النصّ صريح بأنّه ينقل عن كتابٍ كان لديه اسمه (مقتل أبي مخنف)؛ فتكون هذه نسخة ثالثة من مقتل أبي مخنف ينبغي للباحثين والمحققين أن يلتفتوا إليها.

2ـ نسخة إعجاز حسين النيسابوري الكنتوري (ت1286ﻫ):

قال في كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار: «مقتل الحسين عليه السلام للوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف (بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح النون) بن سالم الأزدي الغامدي أوله: قال أبو منذر هشام بن السائب الكلبي: أخبرنا أبو عبد الله بن الجاسر، قال أخبرنا أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي إلخ»[120].

ولا ريب في أنّ هذا المقتل الذي يتحدَّث عنه صاحب (كشف الحجب) غير المقتل المشهور؛ لأنّ أوله ـ كما مرَّ علينا ـ هكذا: «قال أبو مخنف: حدَّثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي...».

وممّا لا بدّ أن يُشار إليه: هو أنّ صاحب (كشف الحجب) من العلماء المحققين والمنقِّبين في الآثار، حيث يقول عنه شهاب الدين الحسيني المرعشى النجفي: «واعلم أنّه سافر إلى العراق، وزار المشاهد المشرَّفة، واجتمع بعلمائها فأفاد واستفاد، وكثرت مجالسته مع العلّامة الحاج الميرزا حسين النوري شيخ مشايخنا في الرواية، وجمع هناك عدّة كُتب، ومن نفائس المخطوطات، فجاء بها إلى خزانة كُتب أخيه صاحب العبقات»[121].

ولا يخفى أنّ عصر صاحب (كشف الحجب) هو عصر اكتشاف الأُصول المندثرة، وقد اكتُشفت في هذه الفترة العديد من الكتب التراثية المفقودة[122]؛ ولذا لا نستبعد أن تكون نسخة صاحب (كشف الحجب) من بين تلك الأُصول المكتشفة في تلك الفترة، ولكنّنا مع شديد الأسف لا نعلم شيئاً عن مصير تلك النسخة.

إنّ هاتين النسختين ـ نسخة ينابيع المودّة، ونسخة كشف الحجب والأستار ـ هما أبرز نماذج نسخ مقتل أبي مخنف، التي لا تطابق نسخة الطبري، ولا النسخة المتداولة، ويظهر من خلال التأمّل في منقولات صاحب أسرار الشهادة عن مقتل أبي مخنف، ومقارنتها بالمقتل المتداول، ونسخة الطبري، وجود نسخ متعددة لمقتل أبي مخنف، ويبدو أنّ الدربندي كان ملتفتاً إلى ذلك، حيث يقول في بعض تلك الموارد: «وفي نسخة من نسخ كتاب أبي مخنف هكذا...»[123].

فهذه العبارة تدلّ بوضوح على تعدد نسخ مقتل أبي مخنف، وأنّ صاحب أسرار الشهادة كان ملتفتاً إلى هذا التعدد.

وفي ضوء هذه الحقائق التي ذكرناها؛ فإنّنا نرى أنّه يمكن ـ مع مضاعفة الجهود ـ أنّ يُكتب مقتل أبي مخنف بحجم أكبر من المقتل المستخرَج من تاريخ الطبري.

خاتمة بأهم نتائج البحث

في ختام بحثنا ـ حول أبي مخنف ومقتله ـ نرى أنّه من تمام البحث أن نقوم بتلخيص أهمّ النتائج التي خرجنا بها:

1ـ إنّ أبا مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأزدي هو من أعلام القرنين الأول والثاني الهجريين.

2ـ كان أبو مخنف من كبار الأخباريين والمؤرِّخين في عصره، وقد اختصّ بتاريخ العراق والتشيّع في الفترة التي تلت رحيل النبي صلى الله عليه وآله إلى أواخر العصر الأُموي، وقد عُدَّ أعلم المؤرِّخين بتاريخ العراق والتشيّع فيما يخصّ هذه الفترة.

3ـ كان أبو مخنف شديد الولاء والمحبّة لأهل البيت عليه السلام، متجاهراً في نقل مخازي أعدائهم إلى الحدّ الذي أوهم بعض الباحثين بكونه إمامياً، مع أنّه لم يكن على مذهب أهل البيت عليهم السلام، ولكنّه لم يكن متعصباً.

4ـ تكاد تتّفق كلمة الرجاليين منّا على توثيق أبي مخنف، وقبول مروياته، وفي المقابل تكاد تتّفق كلمة مخالفينا على ترك أبي مخنف وتضعيفه، ومع ذلك فقد أجمع المؤرِّخون من الفريقين على عدم الاستغناء عنه فيما يخصّ مروياته التاريخيّة.

5ـ يُعتبر أبو مخنف من أهمّ مؤرِّخي واقعة الطف، ويُعتبر مقتله أشهر المقاتل الحسينيّة على الإطلاق، وقد جاءت هذه الأهمّية والشهرة ممَّا تضمنه هذا المقتل من تفاصيل تكاد تكون مفقودة في غيره، ومما سلكه من طريق علمي في جمع أخباره وتدوينها، وهو طريق الإسناد المعمول به بين المحدثين.

6ـ مقتل أبي مخنف مفقود في هذا العصر، ولم يتبقَّ منه سوى ما نقله المؤرِّخون المتأخرون عنه، وفي مقدمتهم الطبري في تاريخه الكبير، وأمّا النسخة المتداولة فهي منحولة عليه بإجماع المحققين.

7ـ تمكنّا من العثور على الواسطة المفقودة بين الطبري وهشام بن محمد الكلبي راوي مقتل أبي مخنف، وبذلك سددنا الطريق على مَن أراد أن يطعن بمرويات هذا المقتل بكونها مراسيل، ولا أتصور أنّ أحداً من الباحثين والمحققين قد سبقنا إلى هذه النتيجة المهمّة.

8ـ أثبتنا أنّ تاريخ الطبري ليس هو النصّ الوحيد المتضمِّن لمرويات أبي مخنف، وهذه النصوص بعضها لا يمرّ بالطبري، وينهل من أبي مخنف مباشرة، وبعضها ينهل من الطبري، ولكنّها تحتوي على زيادات غير موجودة في المطبوعة المتداولة، وبعضها عبارة عن نسخ من هذا المقتل لا تتطابق مع نسخة الطبري، والنسخة المتداولة؛ وبهذا نكون قد أعنَّا الباحثين والمحققين المختصّين في هذا الشأن على التوصل إلى إمكانية كتابة مقتل أبي مخنف بصورة أوسع من الصورة المستخرَجة من تاريخ الطبري.

 

الكاتب: الشيخ عامر الجابري

مجلة الإصلاح الحسيني - العدد الخامس

مؤسسة ووارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

________________________________________

[97]    اُنظر: ابن النديم، الفهرست: ص122.

[98]    النجاشي، رجال النجاشي: ص320.

[99]    الطوسي، الفهرست: ص129.

[100]   ابن شهر آشوب، معالم العلماء: ص129.

[101]   اُنظر: الحموي، معجم الأُدباء: ج5، ص2253.

[102]   شمس الدين، محمد مهدي، أنصار الحسين عليه السلام: ص33.

[103]   أبو مخنف، وقعة الطفّ: ص16ـ ص17. تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[104]   شرف الدين، عبد الحسين، مؤلفو الشيعة في صدر الإسلام: ص42.

[105]   القمّي، الكنى والألقاب: ج1، ص55.

[106]   أبو مخنف، وقعة الطفّ: ص32. تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[107]   اُنظر: الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج22، ص27.

[108]   اُنظر: التبريزي، مرآة الكتب: ج1، ص434.

[109]   اُنظر: الأميني، معجم المطبوعات النجفيّة: ص131.

[110]   أبو مخنف، وقعة الطف: ص18، تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[111]   أبو مخنف، مقتل الحسين عليه السلام: ص386، تحقيق: حسن الغفاري.

[112]   مرّ علينا عند الحديث عن مصنّفات أبي مخنف أنّ موياته حول كربلاء تبلغ (118)، وهذا الرقم بملاحظة تقطيع بعض الروايات، وعدِّ كلّ مقطعٍ روايةً، فالمسألة نسبية.

[113]   اُنظر: أبو مخنف، وقعة الطف: ص40 ـ 81. تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[114]   اُنظر: أبو مخنف، وقعة الطف: ص18ـ ص19، تحقيق: محمد هادي اليوسفي الغروي.

[115]   الحارث بن محمد ابن أبي أسامة داهر التميمي: من حفّاظ الحديث، له (مسند) لم يرتّبه، ولِد سنة 186ﻫ وتوفّي سنة 282 ﻫ، سمع يزيد بن هارون وعبد الوهاب الخفاف والواقدي ومحمد بن سعد وغيرهم، وروى عنه أبو جعفر الطبري، وأبو بكر بن خلاد، وأبو بكر الشافعي وخلق كثير. وثّقه أكثر أهل الحديث، ومنهم الدارقطني، وهو راوي كتاب الطبقات عن أُستاذه محمد بن سعد. اُنظر ترجمته في: ابن حبان، ثقات ابن حبان: ج8، ص183. الذهبي، المغني في الضعفاء: ج1، ص143. البغدادي، تاريخ بغداد: ج9، ص114. الذهبي، تذكرة الحفّاظ: ج2، ص145. الذهبي، ميزان الاعتدال: ج1، ص442. السيوطي، طبقات الحفّاظ: ج1، ص276. الصفدي، الوافي بالوفيات: ج11، ص200. الزركلي، الأعلام: ج2، ص157. عمر كحالة، معجم المؤلفين: ج3، ص176. وغير ذلك من المصادر والمراجع.

[116]   اُنظر: تاريخ الطبري: ج1، ص120، ص127، ص152، ص160، ص206، ص209.

[117]   حسن (صاحب المعالم)، منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان: ج1، ص24ـ 25.

[118]   السبحاني، كليات في علم الرجال: ص450.

[119]   القندوزي، ينابيع المودة: ج3، ص53.

[120]   النيسابوري الكنتوري، كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار: ص545.

[121]   المصدر السابق (مقدمة الكتاب): ص3.

[122]   اُنظر: حبّ الله، حيدر، نظرية السنّة في الفكر الإمامي: ص276.

[123]   الدربندي، أسرار الشهادة: ج3، ص465.

 

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً