×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

نجوم في سماء الحسين عليه السلام (عبد الله بن يقطر  وقيس بن مُسهَّر الصيداوي رضی الله عنهما) القسم الأول

لم يقتصر عطاء الشهادة في النهضة الحسينية على ما قدمته من قرابين في عرصات كربلاء في اليوم العاشر من المحرم، بل كان هناك شهداء أبرار كتبوا أسماءهم في هذا السفر الخالد بمداد دمائهم الزاكية، وأبوا إلّا أن يكون لهم هذا الشرف والسؤدد الذي لا يضارعه شرف آخر، فسقطوا شهداء في سبيل نهضة الحسين علیه السلام  في الكوفة على يد عبيد الله بن زياد وجلاوزته، والحسين بأبي وأمي ما زال في طريقه إلى كربلاء.

إن الشهداء الذين استُشهدوا قبل واقعة عاشوراء الدامية باستثناء الشهيد مسلم بن عقيل وهاني بن عروة لم يأخذوا حقهم من التبجيل والتأبين والذكر الجميل، وإن كانوا في غنى عنه، بعد تبجيل الله سبحانه وتقديره لهم، وعدم تسليط الأضواء عليهم لعل مردّه إلى أن وهج عاشوراء الساطع وما حصل فيه من مآس ومآثر تُذهل كل شخص وتشغله عن غيره من الأحداث.

 ولكن الواجب يحتم علينا أن نقف إجلالاً وتقديراً لهؤلاء الأفذاذ والقمم الشامخة في البذل والعطاء؛ لسببين مهمين:

أولهما: أنّ من سمات الأُمم الحية والمتطورة هو تقديرها واحترامها لعظمائها والمضحين والباذلين أنفسهم في سبيل المبادئ التي يؤمنون بها؛ لإدامة زخم هذا العطاء عند الأجيال اللاحقة وإبقاء جذوته متّقدة.

وثانيهما: وفاءً منّا للدَّين الذي في أعناقنا لهؤلاء الشهداء الأبرار، الذين ضحوا لأجل الدين، ولولا تضحياتهم الجسام لما وصل إلينا هذا الدين نقيَّاً مصاناً من كيد الأعداء والمضلّين.

ومن بين شهداء النهضة الحسينية المباركة ـ الذين رووا شجرة التضحية بدمائهم ـ هما الشهيدان عبد الله بن يقطر الحميري، وقيس بن مُسهَّر الصيداوي.

إن الذي دعانا للحديث عن هذين الشهيدين مجتمعين هو التشابه الكبير بين قصتي استشهادهما من جانب، وحصول الخلط والتردد وعدم الجزم عند كثير من المؤرخين وأصحاب السير في أحداث قصتيهما من جانب آخر؛ فإن هناك اختلافاً كبيراً وخلطاً عجيباً بين قصتي هذين الرجلين، بل قد تجد في الكتاب الواحد قصتين مختلفتين عن أحدهما، وسوف نحاول التوفيق بين هذه الأقوال والخروج برؤية موحدة.

 

 التعريف بالشهيدين

1ـ عبد الله بن يقطر

لا تتوافر معلومات كافية عن نسبه وقبيلته ونشأته سوى نُتف هنا وهناك، فقد تحدث قطب الدين الراوندي عنه قائلاً: «عبد الله بن يقطر بن أبي عقب الليثي، من بني ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة»[1]، وكان من موالي أهل البيت علیهم السلام؛ فأبوه يقطر كان خادماً عند رسول الله صلى الله عليه وآله، وأُمه ميمونة تعمل في بيت أمير المؤمنين علیه السلام [2].

وأهم ما اشتهر به عبد الله هو كونه رضيع الحسين علیه السلام، وهو ما جاء في مصادر عديدة[3]، من جهة أن أُمه ميمونة قد ولدته قبل ولادة فاطمة علیها السلام الحسين بثلاثة أيام؛ فيبدو أنها أرضعت الحسين مع ابنها[4]، كما أرضعته علیه السلام  أُم الفضل لُبابة بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب[5]، ولكن بعضاً يرفض أن يكون الحسين علیه السلام  قد رضع من ثدي امرأة أُخرى غير أُمه فاطمة علیها السلام وإبهام رسول الله صلى الله عليه وآله. وميمونة وأُم الفضل إنما تولتا حضانته وتربيته؛ فجاز أن يُعدّا ممن أرضع الحسين علیه السلام [6].

 وقد ذكره ابن حجر من الصحابة[7]، فيكون ممن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله  وسمع حديثه، وهو أمر ليس ببعيد؛ لأنه كان قرين الإمام الحسين علیه السلام  في السن؛ ولذا يعبر عنه: لدة الحسين، واللدة مثلك في السن[8].

ويبدو أن عبد الله بن يقطر كان من حواريي الإمام الحسين علیه السلام  والمقربين لديه وموضع ثقته واعتماده؛ فقد وقع عليه اختيار الإمام لحمل رسالته إلى أخيه وابن عمه مسلم بن عقيل، كما أنه حاز على درجة سامية في الإيمان واليقين أهّلته لتحمُّل هذه المهمة المحفوفة بالمخاطر.

بقي أن نُشير إلى أن هناك خلافاً في ضبط اسم والده، فهل هو بالباء أم بالياء؟ والراجح أنه يقطر بالياء، كما ورد في أكثر المصادر[9]، وضبطه العلامة في الخلاصة، قائلاً: «عبد الله بن يقطر، بالقاف الساكنة بعد الياء المنقطة تحتها نقطتين، والطاء المهملة، والراء»[10]، ومثله النراقي في عوائد الأيام[11].

نعم، ورد في بعض المصادر أن اسمه عبد الله بن بقطر بالباء[12].

 

2- قيس بن مُسهَّر الصيداوي

وهو من خُلّص أصحاب الإمام الحسين علیه السلام  ومن رُسل أهل الكوفة الأوائل الذين وفدوا على الحسين بالكتب والرسائل التي تدعوه للقدوم إلى الكوفة؛ فإن أهل الكوفة، بعد أن أرسلوا أول كتاب لهم مع عبد الله بن مسمع الهمداني وعبد الله بن وال، وأمروهما بأن يُسرعا، فخرجا مُسرعَين حتى قدما على الحسين علیه السلام  بمكة، لعشر مضين من شهر رمضان، لبثوا يومين بعد تسريحهم بالكتاب، وأنفذوا قيس بن مُسهَّر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي، وعمارة بن عبد السلولي إلى الحسين علیه السلام، ومعهم نحو من مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة[13].

وقيس هو ابن مُسهَّر بن خليد، بن جندب بن منقذ، بن جسر بن نكرة، بن نوفل بن الصيداء[14]، من قبائل بني أسد، والصيداوي نسبةً إلى الصيداء، وهي بطن من أسد، ويبدو من ثنايا أحداث قصته أنه كان في الذّروة العالية من درجات الإيمان والإخلاص، كما يصفه بذلك الميرزا النوري[15].

واستجابة من الحسين علیه السلام  إلى مطالب أهل الكوفة وكتبهم بعث إليهم أخاه وابن عمه وثقته من أهل بيته مسلم عقيل، وأختار معه قيس بن مسهر؛ لعلمه بشجاعته وإخلاصه وخبرته مع بعض الصحابة المخلصين، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجَّل إليه بذلك. فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله وودّع مَن أحب من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس، فأقبلا به يتنكَّبان الطريق، فضلّا وأصابهم عطش شديد؛ فعجزا عن السير، فأومآ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن ومات الدليلان عطشاً. فكتب مسلم بن عقيل من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر، يُخبره بالأمر ليرى رأيه، فكتب إليه الإمام علیه السلام  يأمره بالمضي قُدماً في مهمته[16].

يتبيَّن لنا من الكلام المتقدم ـ الذي أورده الشيخ المفيد في الإرشاد، والطبري في تاريخه ـ أن قيساً هو مَن حمل رسالة مسلم إلى الإمام يُخبره بموت الدليلين، وما تعرّضوا له من أهوال، ولكن لم يخبرانا صراحة عن الشخص الذي أرسله الإمام حاملاً ردّه على كتاب مسلم، فهل هو قيس بن مُسهَّر أيضاً، مما يعني أنه قد رافق مسلماً إلى الكوفة[17]، أم أنه شخص آخر وأن الإمام علیه السلام  قد استبقى قيساً معه في مكة؟ وهذا ما سنتناوله بشيء من البحث لاحقاً إن شاء الله.

بعد أن بدأ مسلم بن عقيل رحلته من مكة إلى الكوفة سفيراً للإمام في مهمة تاريخية عظيمة، كان لابد له من التواصل مع القيادة الشرعية المتمثلة بالإمام علیه السلام، وإطلاعه على ما يحصل له وما يُعاينه عن كثب من أُمور، ويأخذ رأيه في ذلك، كما أن الإمام علیه السلام  كان ينتظر ما يأتي من أخبار الكوفة ويحتاج إلى التواصل مع سفيره وقواعده بشكل متوال، فكان لا بد له من قناة للاتصال، وهو ما يتم عبر الرسائل والكتب التي ينقلها الأشخاص بين الطرفين، وفعلاً فقد حصلت مراسلات بين مسلم بن عقيل وبين الإمام علیه السلام، شارك في حملها اثنان من خُلّص أصحاب الإمام والمتفانين في الدفاع عن عقيدتهم، ولا يخشون ما يصيبهم في سبيل ذلك، وإن كلفهم حياتهم.

وهذان الرسولان هما: الشهيدان عبد الله بن يقطر، وقيس بن مُسهَّر الصيداوي رضوان الله عليهما.

 

د. السيد حاتم البخاتي

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

_________________________

[1]     الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح: ج2، ص550.

[2]     السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام: ص93. السيد البراقي، تاريخ الكوفة: ص321ـ324.

[3]     الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4،  ص359. ابن حبان، الثقات: ج2، ص310. الشيخ الطوسي، رجال الطوسي: ص103. ابن شهرآشوب، مناقب آل      أبي طالب: ج3، ص243. ابن حجر، الإصابة: ج5، ص8. ابن طاووس، إقبال الأعمال: ج3، ص346. وغيرها من المصادر.

[4]     السيد البراقي، تاريخ الكوفة: ص321.

[5]     ابن نما الحلي، مثير الأحزان: ص 7.

[6]  السيد البراقي، تاريخ الكوفة: ص321. السماوي، محمد، إبصار العين في أنصار الحسين علیه السلام: ص 93.

[7]     ابن حجر، الإصابة في تميز الصحابة: ج5، ص8.

[8]     الخليل الفراهيدي، العين: ج8، ص71.

[9]     المفيد، الإرشاد: ج2، ص70. الطوسي، رجال الطوسي: ص103. الراوندي، قطب الدين الخرائج والجرائح: ج2، ص550. ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب: ج3، ص232. ابن طاووس، إقبال الأعمال: ج3، ص346.

[10]    العلامة الحلي، خلاصة الأقوال: ص192.

[11]    المحقق النراقي، عوائد الأيام: ص867.

[12]    ابن حبان، الثقات: ج2، ص310. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص300. ابن كثير، البداية والنهاية: ج8، ص182. وغيرها من المصادر.

[13]    اُنظر: المفيد، الإرشاد: ج2، ص37.

[14]    البلاذري، أنساب الأشراف: ج11، ص 164. ابن حزم، جمهرة أنساب العرب: ص195.

[15]    النوري، ميرزا حسين، خاتمة المستدرك: ج8، ص326.

[16]    اُنظر: المفيد، الإرشاد: ج2، ص39ـ40. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص263–264.

[17]    ذهب إلى هذا الرأي السماوي في كتابه إبصار العين في أنصار الحسين، ص112.