×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

يوم ليس كمثله يوم..

يوم ليس كمثله يوم..

ثامر الحلي

كان يوماً بائساً ليس كمثله يوم، مرَّ على مدينة الموصل وجمانة التركمانية التي فقدت جميع أهلها في مدينة تلعفر، فعندما سقطت صواريخ البغي على المنازل هوى منزلها على من كان فيه , بينما كانت هي تسكن في بيت لجدتها فاستطاعت أن تنجو بعفافها بعد أن فرّت مع من بقي ممن كتب لهم النجاة.

اتجهوا قاصدين مدينة الحسين (عليه السلام) وعيناها تحكيان قساوة ذلك اليوم قبل أن تبلغ أطراف المدينة، ومن خلال رحلة مضنية استمرت أيّاماً اعتنقت فيها الصبر بعد أن غادرت مدينة الطفولة والذكريات حين كانت تنظر إلى أخيها عبّاس قبل أن يسافر إلى بلاد المهجر منذ التسعينيات، وهو يحيي مأتماً حسينيّاً في يوم عاشوراء، وحينما كانت هي تئن باكيةً كلّما تذكرت زينب (عليه السلام) وهي تنعى أخاها أبا الفضل (عليه السلام)، ياترى أين أنت وما جرى من بعدك ياعبّاس؟

هي بأمسّ الحاجة إلى من يربّت على كتفيها أو يمسح على رأسها مواسياً في هذا الوقت الذي فاق جميع التصورات، انعكس المشهد على هيئتها الواهنة , و بدا غافياً على بريق عينيها الدامعتين وهي تنظر قبالة الحرمين الشريفين عند وصولها كربلاء، كربلاء التي كانت تقف على قدمٍ وساق لاستقبال النازحين إليها من كلّ حدب وصوب حين اجتمعت مآسي العالم بأجمعها في قلب واحد هو ذات القلب قلب مدينة الحسين (عليه السلام).

جالت بعينيها في المكان، وارتفعت بهما صوب قبّة أبي الفضل (عليه السلام) تلسعها نار الحيرة قلبها خافق مستعر بين مصابها من جهة , وبين أخيها من جهة أخرى، لم تيأس فما إن وصلت كربلاء حتى اتصلت بعبّاس وأخبرته بما حصل لها وأهلها، وأخبرته بما حلّ بمدينتها المغتصبة المخضّبة بالويل والثبور، وما إن سمع عباس بالخبر حتّى عاد من فوره إلى أرض الوطن بعد غياب دام خمسة عشر عاماً.

كان بصحبة زوجته وأطفاله قاصدين كربلاء المقدّسة، عبّاس رجل طالما كانت جمانة فخورة به منذ طفولتها عندما كانت تكنّيه بـ (أبي الغيرة)، فقد تعلّمت منه الكثير من المواعظ والعبر في الصبر والكبرياء والعفة، فطالما كانت تذكر طيبته تجاهها، وحينما كان يقف لها مواسياً في أحلك المواقف التي مرت بها.

ـ لم يخب من سمّاه عبّاساً ـ عبارة كانت تتردّد على مسامعها حينما كانت أمها تناجي اسمه باكية كلما تذكّرته واشتاقت له، لقد كان عبّاس بارّاً بوالديه حتى بعد أن أجبرته ظروف القهر والحرمان في عهد نظام القمع والاستبداد ليغادر العراق إلى بلاد المهجر، وأخيراً عاد إلى الوطن الذي عشقه وناضل من أجله عمراً.

وأخيراً اكتحلت عيناها برؤية أخيها من جديد، ولكنهما لن تفارقا الدموع ما لم تنتقم لأحبّتها الذين تواروا عن أنظارها منذ وقت قريب، وما إن أحاط بها عبّاس وعائلته حتى بدا جسدها غافياً على صدره العارم دون شعور منها، غير شعور وحيد بقي يراود مخيلتها طويلاً، حاكته لها يد القدر المشؤوم نمّ عنه نحيب طويل، وعتاب أطول منه، قد نال من أحقاب الدهر كله، بعد أن كانت تنعم بأيام السكينة في ظلّ دفء الأسرة وسقف ذلك المنزل الذي ترعرعت به وتلك المدينة الغافية على متن التاريخ منذ آلاف السنين.

ظلّ عبّاس طوال الوقت يصغي لكلّ حرف تقوله جمانة، فيما كان قلبه ينبض سريعاً وعيناه تتسعان دهشة وألماً من هول ماسمع منها، فما برِحت قصّة سيّد الشهداء عالقةً بأذهانه منذ صباه، لا يوم كيومك يا حسين، قالها ليربط بها جأشه حتّى يرى مايفعل في سالف الأيّام.

ـ أخي عبّاس.. أأطلب منكَ شيئاً؟ قالت له بمرارة و حرقة، و ما إن سمع عبّاس نداءها حتّى اتّسع صدره العارم بعد أن ملأ رئتيه بالهواء وقال: كلّي آذان صاغية أخيّتي، قالت: لا أخبِرك بما أكتم في داخلي حتّى نذهب سويّةً إلى مرقد أبي الفضل (عليه السلام)، قال لها: هلّمي إذن فأنا مشتاق لزيارته منذ زمن..

ما إن وصلا إلى الصحن الشريف وكانت برفقتهما زوجته وأطفاله حتى تنهّدت جمانة قبل أن تؤدّي مراسيم الزيارة في كنف أبي الفضل (عليه السلام)، ووقفت قبالة المرقد الشريف مخاطبةً أخاها.. أقسم عليك بهذا وكانت تشير نحو مرقد أبي الفضل (عليه السلام)...  أن تأخذ بثأري وثأر أهلي وإخوتي ومدينتي من هؤلاء السفّاكين المردة الفسقة الذين عاثوا في الأرض فساداً بغير حقّ، أقسم عليك:

قالتها مجهشة بنحيب حتى اغرورقت عينا عبّاس بالدموع قبل أن يخاطبها قائلاً:

لقد حملت هذا القسم بين عينيّ يا أختاه حتّى يتحقق ما صبوتِ إليه بإذن الله، وكل ما عليك هو رعاية هؤلاء لحين عودتي إليكم سالماً، وكان يشير إلى عائلته وهي تقف بالجوار منهم.

لم يغب ذلك المشهد عن ذاكرة جمانة أبداً وهو يعني لها الكثير حين قبّلته بفخرٍ متأسية بموقف العقيلة زينب (عليه السلام) التي تحمّلت رعاية نسوة وأطفال إخوتها الذين استشهدوا دفاعاً عن الشرف والكرامة...

لبيك يا حسين... هي آخر ما تمتم به عبّاس في كنف أبي الفضل (عليه السلام) قبل أن يلتحق بكوكبة من جموع الحشد الشعبي نحو معارك الشرف و الفضيلة، فلم يكن يخشى مصيراً آخر غير أن يفي بذلك القسمِ وذلك العهد الذي قطعه أمام جمانة داخل مرقد أبي الفضل (عليه السلام)، ولم يترك مكاناً لم يذهب إليه قد هاجمه الغزاة البغاة، فقاتل عبّاس بشراسة في جرف النصر والزيدان وصدر اليوسفيّة وسامراء وتكريت بعد أن قتل منهم مقتلاً وما زال يقاتل ببسالة تحفه بركة الزهراء (عليه السلام) بانتظار معركة تحرير الموصل الكبرى التي ستقر بها عين جمانة وهي تنتظر عبّاساً  ليعيد البسمة إليها.