×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

تداعياتٌ تشكيليةٌ

طالب عباس الظاهر

اللوحةُ الأولى

*دمعةُ الدمِ*

هيأ الرسامُ عُدتَه،وعلى صدرِ بياضِ اللوحةِ الناصعِ،كلحيتِه الثلجيةِ المطلقةِ على سجيتِها، وبخبرةِ سبعينَ من السياحةِ مع الريشةِ والألوانِ، والتوحدِ القدسيِّ معهما بالترحالِ الصوفيِّ؛ جسَّدَ جواداً أصيلاً أشهبَ، حتى يبدوَ كأنّه يسبحُ في فضاءاتِ حلمٍ ملكوتيٍّ شفافٍ، وعليه فارسٌ مهيبٌ، تكادُ رجلاه تـنوشانِ الأرضَ، وبيدِه قربةٌ وقد خرقَها سهمٌ غادرٌ، فاندلقَ الماءُ منها، سالَ نحوَ الأسفلِ، وأتلفَ ألوانَ اللوحةِ!.

انتزعَ الرسامُ الورقةَ بوقارٍ من المحملِ، واستبدلها بورقةٍ ثانيةٍ، وبعد تكررِ نزولِ الماءِ مرةً تلوَ أخرى، رسمَ للفارس قربةً بلا ماءٍ هذه المرّةَ، حسماً للمأزقِ!، لكنه استذكرَ أطفالاً عطشى ينتظرون، ووعد حرٍ قطعَه لنساءٍ وفتياتٍ، فكيف...كيف............؟

ومثلُه لا يمكنُ أن يخلفَ وعدَه.

همسَ الرسامُ مع ذاتِه بحيَرةٍ:

ـ ما قيمةُ لوحةٍ كهذه في واقعةٍ كتلك من دونِ الماءِ؟

مزقها أيضاً، فنزلت من عينيه دمعةٌ بلونِ الدمِ، فرسمَ بجوارِها قربةً فارغةً،وقد نُشبَ السهمُ فيها، ورايةً خضراءَ مطروحةً أرضاً قربَ المشرعةِ، وكفاً مبتورةً.

*****  *  *****  *  *****  *  *****  *  *****  

اللوحةُ الثانيةُ

*رأسٌ ورمحٌ*

في أعلى اللوحةِ... وسطَ مساحةٍ سوداءَ كقطعةِ ليلٍ دامسٍ، أكملَ الرسامُ بإعجازٍ حركاتِ الريشةِ وتجليها؛ رسمَ أدقَّ تفاصيلِ الرأسِ التريبِ، المخضبِ بالدمِ... بالشفاهِ الذابلةِ، بأناملَ راعشةٍ وهي تضعُ بإتقانٍ مذهلٍ؛ لمساتهِا الأخيرةَ بحذقٍ... مراعياً ومتبعاً مساربَ الضوءِ والظلِّ، وحُسنَ تدريجِ الألوانِ، وبراعةَ المزجِ بينَها... فانشغلَ الفنانُ لبرهةٍ مأخوذاً بسحرِ التجسيدِ، تراجعَ للخلفِ قليلاً كي يلقي نظرةً.

 فجأةً بدا الرأسُ له يتوهجُ كوجهِ البدرِ، المشع ِّ في فضاءٍ داجٍ، وراحَ ينشرُ قبسَ نورِه الباهرِ في أرجاءِ المكانِ، ثم تراءَت له الشفتانِ تبسملُ!.

اندهشَ الرسامُ...وفي لحظةِ ذهولِه؛ سقطت من بين أناملهِ الريشةُ، وانقلبَت ألوانُه، وانسكبَ الماءُ؛ فجثا على ركبتيه وبكى... بكى حتى أجهشَ في البكاءِ، وتثاقلَ رأسُه، وهوى نحوَ الأرضِ، حينما خطرَت له ضرورةُ إتمامِ نقصِ اللوحةِ برسمِ الرمحِ، وبدلَ النهوضِ عفّرَ وجهَه بالترابِ، وبدأ ينثره على رأسهِ وبدنهِ، وبيأسٍ همسَ في ذاتِه:

أيُّ رمحٍ ذاك سيقوى على حملِ هذا الرأسِ المذبوحِ؟! 

*****  *  *****  *  *****  *  *****  *  ***** 

اللوحةُ الثالثةُ

*صهيل ُالنخوةِ*

بضرباتِ ريشةٍ غايةٍ في الدقةِ والإتقانِ، جسَّدَ الرسامُ صعوبةَ حركةِ جوادٍ، واقفٍ عمودياً على رجليه، وقوائمُه الأماميةُ مرفوعةٌ نحوَ الأعلى، فوقَ مستوى رؤوسِ الصفِّ الأقربِ من الفرسانِ.. بعدَ سقوطِ سيدِّه مضرجاً بالدمِ، وقد بانَ الذعرُ في حركتِهم وتبعثرِهم، بانكماشِ الحيواناتِ، وتقهقرِها للخلفِ رعباً، والجوادُ يحاولُ التخلصَ من طوقِ حصارِ الخيلِ والرجالِ المحتشدةِ لأسرِه؛ فأودى بحياةِ عددٍ منهم، وفكاه منفرجانِ كأنه يصرخُ فيهم غضباً عبرَ صهيلِه الذي يقطعُ نياطَ القلبِ، ويصكُّ آذانَ الكونِ: الظليمةَ... الظليمةَ...!!

همسَ الفنانُ بحسرةٍ:

ـ ثارت في الحيوانِ النخوةُ... أيمكنُ أن تموتَ بهذا الشكلِ في الإنسانِ؟!

فرشقَ وجهَ اللوحةِ، بمزيجٍ متناقضٍ من الألوانِ.. بغيةَ إسكاتِ غرورِ تعجرفِها؛ بالإمساكِ بسرِّ اللحظةِ... ومحاولةَ تزييفِ الأزمانِ.

*****  *  *****  *  *****  *  *****  *  *****  

اللوحةُ الرابعةُ

 *قربانُ الدمِ*

صوّرَ الرسامُ تقاطيعَ الكفِّ الطاهرةِ، وهي تحتَ نحرِ رضيعِها النازفِ، المذبوحِ غدراً.. فتراءت له يدا الرضيعِ؛ ترتجفانِ ألماً.. بعد إنفلاتهِما من أسرِ القماطِ الملفوفِ بإحكامٍ حولهَما؛ بفعلِ اختراقِ السهمِ...!

 ولمح شفتي الصغيرِ القرمزيتينِ تختلجانِ عطشاً، اختلاجتَهما الأخيرةَ... كفمِ سمكةٍ تنازلتْ عن حقِّها في الماءِ من أجلِ شهقةِ هواءٍ...!

بينما القطراتُ تنزلُ من المنحرِ.. فتتصلُ كخيطٍ دلقٍ، وقبلَ أن تقذفَ تلك الكفُّ العلويةُ، برشقةِ الدمِ المتجمعِ فيها... الطافحِ من راحتِها نحو الأعلى، أمطرتِ السماءُ... فاصطبغَت اللوحةُ بالدمِ...!

*****  *  *****  *  *****  *  *****  *  *****  

اللوحةُ الخامسةُ

*العارُ والنارُ*

بحركاتٍ بارعةٍ من ريشتِه الفنانةِ، وهي تضربُ وجهَ اللوحةِ، وبلمساتٍ متقنةٍ رسمَ المبدعُ؛ أوغاداً يحملون مشاعلَ،وخياماً عدةً تلتهبُ النيرانُ فيها بسرعةٍ من كلِّ جانبٍ، وتكاد تلتهمُها بخفقاتهِا المتطاولةِ مع هبوبِ الريحِ.

 بعد أن قضَى قتلاً حماةُ الديارِ, مجندلينَ ومجزرينَ كأفضلِ ما يلقى المرءُ من ميتةٍ بالشرفِ الرفيعِ... دفاعاً عن دينِه، وداخلَ حلقتِها المضاءةِ بأوارِ اللهبِ المتصاعدِ؛ صوّرَ أطفالاً مذعورينَ، ونسوةً مبجلاتٍ يخرجْنَ منها عنوةً... إذ لم يبقَ للتأجيلِ سبيلٌ، وقد نشبت بأطرافِ أرديتهِنَّ ألسنتُها المستعرةُ...!

 بهتَ الرسامُ للحظاتٍ مشدوهاً، وهو يحجبُ وجهَه خجلاً عن جبنِ الفعلةِ، وخستِها، ويتلقى براحتيه قطراتِ الدمِ... الدمعِ؛ مما أغرى النارَ لأن تستمرَّ وتتفاقمَ... فتأتي على كلِّ التفاصيلِ الأخرى , حتى على الريشةِ والألوانِ... وأوراقِ الرسم...!

جمعَ الفنانُ الرمادَ المتبقيَّ في كفيه بغضبٍ، وبدأ يسوّدُ به وجهَ اللوحةِ...!!

*****  *  *****  *  *****  *  *****  *  *****

اللوحةُ السادسةُ

* تلبيةُ العصورِ*

بعمقِ اللوحةِ من بينِ خيامِ معسكرِه، أتمَّ الرسامُ تصويرَ حركةِ جوادٍ؛ يمرُّ رشيقاً كالرمحِ... والفارسُ عليه يصولُ ويجولُ في الميدانِ وحيداً، من دونِ جدوىً يطلبُ معيناً ينصرُه، فتحيطُ به كثبانُ الفرسانِ والخيلُ تتناسلُ من حولِه كالدخانِ...!

 لا أحدَ من أهلِ بيتِه أو أصحابِه يملكُ رمقاً؛ ليذودَ به في حمايةِ عرينِه، ويسندَ ظهرَه.. حينما يزمجرُ فيهم كريحٍ صرصرٍ...أنّى صالَ يكشفُ غبرتهَم ويُخلّفُ هشيماً...وحوافرُ جوادِه تركسُ بالأجسادِ الرخوةِ متعثرةً، تبحثُ عن أرضٍ أكثرَ صلابةً لتوثبها.. ليقطعَ دابرَهم في الأصلابِ؛ فيشفي غيظَ الأرضِ من دنسِ وطأتهِم...!

وعندما فرغَ الفنانُ من تصويرِ المشهدِ، توقفَ برهةً مذهولاً من سطوةِ استحواذِ الشيطانِ عليهم، وقد اختنقَ بعبرتِه، وصدى تلك النداءاتِ يتعالى في ذاكرتِه...!

ـ أما من معينٍ يعينُنا.. أما من ناصرٍ ينصرنـــ............!.

ومزقَ اللوحةَ، فسمعَ في ذاتِه زحفَ حشودِ التاريخِ المتكاثرةِ أبداً، لها صخبٌ يجتازُ الآفاقَ، كالسيلِ الجارفِ وهي تهتفُ:

لبيك.. لبيك.. لبيك...!!

*****  *  *****  *  *****  *  *****  *  *****

اللوحةُ السابعةُ والأخيرة

*عرسُ الشهادةِ*

تفنّنَت ريشةُ الرسامِ وتجلَّت في تصويرِ خدٍ، كفلقةِ قمرٍ موضوعٍ على خدٍ أسودَ، لعبدٍ نصرانيٍّ يحتضرُ على وجهِ اللوحةِ، لكنَّ الابتسامةَ لم تفارقْ شفتيه المبيضتينِ عطشاً، والفرحةُ في عينيه كأنه يزفُّ تواً لحبيبتِه، تحفُّ به أسرابُ الملائكةِ وحورُ العينِ، ولأقدامِ الخيلِ خلفَهما بعمقِ اللوحةِ، تتصاعدُ غبرةٌ تملأُ فضاءَ الميدانِ.. حتى يكادَ المرءُ لا يتبينُ مواضعَ أقدامِه بين القتلى والأشلاءِ وبركِ الدمِ...!

همسَ الفنانُ في ذاتِه بعد أن أنهى تصويرَ المشهدِ بسحرِ ريشتِه:

ـ هو ذا الخدُّ ذاتُه الذي سيضعُه على خدِّ ولدِه الأكبرِ؛ شبيهِ محمدٍ؛ ليتعلَّمَ الناسُ الدرسَ فيدركوا معنى الإنسانيةِ ولكن لن.............!!

فمزّقَ الرسامُ اللوحةَ أيضاً، وهو يكفكفُ دموعَه؛ وقذفَ بالريشةِ والألوانِ بعيداً.. كي لا يوغلَ بتعسفِه أكثرَ فأكثرَ؛ فيقحمُ اللامحدودَ في المحدودِ، ومضى يطلبُ فضاءاتٍ أرحبَ لا تكبلُها قيودُ التجسيدِ، وهو يتبعُ أثرَ جوادٍ هامَ في عمقِ الصحراءِ اللامتناهي من ألفِ ونيفٍ، لكنه مازال يخطرُ كالنسمةِ في كلِّ ظهيرةِ عطشٍ ملتهبةٍ على النهرِ؛ فيزرعُ في رحمِ الآفاقِ صهيلَه.