×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام -القسم الثالث-

 

تقدم الكلام في مقالين سابقين حول الروايات الدالّة على وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام  بقسميها، وهما: ما دلَّ بالصراحة، وما دلَّ بالظهور. وقد ثبت من خلال البحث في دلالات وأسانيد تلك الروايات أنّ أكثرها له دلالة واضحة وصريحة على الوجوب، كما أنّ أسانيدها لها من القوة والوثاقة ما يجعل النفس تطمئن بصدورها عن الأئمة المعصومين عليهم السلام.

والآن وصل الكلام بنا إلى اقتطاف الثمرة النهائية من تلك الأبحاث وهي: هل يمكن أن نحكم بوجوب الزيارة بمجرد ما تقدم من الروايات، أو أنّه تُوجد موانع أُخرى في طريق ذلك الحكم؟ فلا بُدَّ إذاً من بحث الإشكالات والعقبات المحتملة التي يمكن أن تمنع القول بالوجوب، والوقوف عندها بشكل علمي دقيق؛ حتى يمكن الاعتماد على النتائج المستخلصة من الروايات المتقدمة.

ثمّ إن تمَّ دفع تلك الإشكالات ـ أو لا أقل بناءً على قول مَن لا يرى ورود تلك الإشكالات في المقام ـ لا بُدَّ من بحث حدود الوجوب الذي أثبتته الروايات المتقدمة بقسميها الصريح والظاهر.

بحث التواتر:

وقبل الدخول في الإشكالات، من المناسب أن نُشير إلى مطلب تواتر تلك الأخبار، فهل يمكن أن ندّعي أنّ روايات الوجوب متواترة؛ بحيث تكون غنية عن البحث السندي، أو ليست كذلك؟

وهذا البحث وإن كان الأنسب أن يُدرج ضمن الأبحاث السندية وطرق إثبات الصدور، إلاَّ أنّه باعتبار شموله لجميع الروايات، وقد قسمناها إلى قسمين مستقلين؛ لذلك ارتأينا إفراد هذا البحث عن كلا القسمين، وإدراجه ضمن هذه الأبحاث في هذا القسم من الدراسة.

إنّ التواتر ـ كما عرّفه علماء الأُصول والمنطق ـ: هو عبارة عن امتناع التواطئ على الكذب، وهو على ثلاثة أنحاء:

1ـ التواتر اللفظي: وهو أن تتحد ألفاظ الروايات بحيث يكون المنقول أمراً واحداً لفظاً ومعنًى، وهذا لا مجال للقول به في المقام ـ كما هو واضح ـ لعدم إمكان تحقُّق ذلك فيما نقلناه من الروايات.

2ـ التواتر الإجمالي: وهو القطع بصدور إحدى الروايات لا على التعيين. ولا مجال للقول به لعدم المحصّل منه؛ لأنّه إمّا أن يرجع إلى التواتر المعنوي أو ـ لا أقل ـ لا فائدة منه.

3ـ التواتر المعنوي: وهو اشتراك الروايات في معنى واحد، والكلام في إمكان تحقُّق هذا النوع من التواتر:

قد نُقلت هذه الأخبار عن أربعة من الأئمة عليهم السلام، وهم: الإمام علي، والإمام الباقر، والإمام الصادق، والإمام موسى الكاظم  عليهم السلام.

وقد روى عنهم هذه الأحاديث مجموعة من الأصحاب يبلغ عددهم 21، منهم الأجلاّء، من قَبيل: محمد بن مسلم، وصفوان الجمّال، ومحمد بن أبي عمير، وأبي أيوب الخزاز، وغيرهم.

ثمّ تتكثر الطبقات إلى أن تصل إلى أصحاب الكتب والمؤلفات التي اشتُهرت وعُرفت وذاعت، والتي نقلنا عنها هذه الروايات، وهي عبارة عن: مَن لا يحضره الفقيه والأمالي والمقنعة للشيخ الصدوق، وكامل الزيارات لابن قولويه، والتهذيب للشيخ الطوسي، ومسار الشيعة والمزار والإرشاد للشيخ المفيد، والمزار لمحمد بن المشهدي، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري، ونوادر علي بن أسباط ضمن الأُصول الستة عشر، إلى غير ذلك من المصادر التي أرسلت تلك الروايات إرسال المسلَّمات، أو نقلتها عن مصادر أُخرى، إلى أن استمر النقل في الموسوعات الحديثية وغيرها، إلى يومنا هذا.

إشكال وجواب:

ربما يُقال: إنّه قد يصعب إحراز التواتر في طبقة المؤلفين؛ وذلك لإمكان تواطئهم على الكذب، حيث إنّ العقل لا يمنع من التواطئ على ذلك ما دام الناقلون لهم ثقافة واحدة، وتجمعهم مشتركات عديدة مشخَّصة.

نعم، إن هذا الكلام وإن كان يبعد في حق أمثال هؤلاء الأجلاّء، إلاَّ أنّ شرط تحقق التواتر لا يمكن إحرازه.

ونقول ـ في مقام الإجابة عن ذلك ـ:

أولاً: إن تلك الروايات قد اشتُهرت وذاعت وعُرفت في زمن أصحاب المؤلفات، بحيث يصعب جداً تحريفها وتزويرها والتلاعب بها، هذا بالإضافة إلى أنّ أزمان المؤلفين تختلف من حيث الوفاة وزمن التأليف؛ الأمر الذي يمنع من حصول الاتفاق فيما بينهم على الكذب.

نعم، هذا قد يضرُّ بالتواتر من جهة أُخرى؛ حيث إنّ اتحاد الطبقة شرط.

ثانياً: إذا نظرنا إلى مؤلفي تلك الكتب، وعرفنا منزلتهم وتقواهم وورعهم؛ فإنّ النفس تطمئن إلى عدم تواطئهم على الكذب، وتستبعد ذلك كل الاستبعاد، وهذا ما يُعبَّر عنه بالعامل الكيفي الذي يُسرِّع تحقُّق التواتر، فهو متحقّق هنا بأجلى صوره.

نعم، هذا التواتر بهذه الكيفية يجزم به العقل الشيعي الإمامي الذي له معرفة خاصّة بأصحاب المؤلفات، لا مطلق العقول، فمَن لا يعرف هؤلاء المؤلفين، ولا يدري عن عقيدتهم وتاريخهم شيئاً، لا يمكن أن يُفرض عليه هكذا تواتر. ويمكن القول: إنّ هذا تواتر خاص لظروف خاصّة.

ومعه يحصل القطع بصدور المعنى المقصود إثباته من قِبَل أهل البيت عليهم السلام.

ولا يخفى أنّه لا بُدَّ من الاقتصار على المعنى الذي تشترك فيه جميع الروايات، وهو الوجوب الظاهري لا النصّي؛ لعدم إحراز القطع بالوجوب النصّي كما هو واضح.

وعلى كل حال؛ فمَن يعتقد بحصول التواتر من هذه الروايات، فالنتيجة واضحة عنده، ومَن لا يعتقد بذلك؛ ففي صحة الأسانيد وتمامية الدلالة الكفاية على المطلوب.

حدود الوجوب:

بعد أن ثبت أصل الوجوب من خلال الروايات ـ بقسميها ـ يصل بنا البحث إلى حدود الوجوب الذي تُثبته تلك الروايات؛ حيث إنّها قد تكون مختلفة في ذلك للوهلة الأُولى؛ لأنّ بعض تلك الروايات نصَّ على أنّ الزيارة واجبة في كل سنة مرّة، وبعضها نصَّ على أنّها في كل أربع سنوات مرَّة، وبعضها أنّها واجبة على نحو التكرار، وبعضها مطلقة.

فهنا أنحاء متعددة؛ تبعاً لمعطيات الروايات، أو القرائن الخارجية أو الداخلية المحيطة بالروايات، أو المُستنتجة من مجموعها؛ فلا بُدَّ أولاً من عرض طوائف الروايات، ثمّ بيان وجه الجمع فيما بينها:

الطائفة الأُولى: ما دلَّ على أصل الوجوب من دون تقييده بزمان أو عدد معين

 من قَبيل: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (مَن لم يأتِ قبر الحسين عليه السلام  ـ وهو يزعم أنّه لنا شيعة ـ حتى يموت؛ فليس هو لنا بشيعة، وإن كان من أهل الجنة، فهو من ضيفان أهل الجنّة))[1].

ومن قَبيل: ما روي أيضاً عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (لو أنّ أحدكم حجَّ دهره ثمّ لم يزر الحسين بن علي عليهما السلام؛ لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسول الله عليهما السلام؛ لأنّ حقّ الحسين فريضة من الله تعالى واجبة على كل مسلم))[2].

ومن قَبيل: ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، قال: ( (مُرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي عليهما السلام؛ فإنّ زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبُع، وزيارته مُفترضة على مَن أقرَّ للحسين عليه السلام  بالإمامة من الله عز وجل))[3].

وقد تقدَّم أنّ مجموعة من هذه الروايات صحيحة السند.

الطائفة الثانية: ما دلَّ على وجوب تكرار الزيارة

 من قَبيل: ما روته أُمُّ سعيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قالت: ( (قال لي: يا أُمَّ سعيد، تزورين قبر الحسين؟ قالت: قلت: نعم. فقال لي: زوريه؛ فإنّ زيارة قبر الحسين واجبة على الرجال والنساء))[4].

إنّ الإمام عليه السلام  أمر أُمَّ سعيد بالزيارة، وأوجبها على الجميع، مع أنّ أُمَّ سعيد أجابت بالإيجاب عندما سألها الإمام عليه السلام  عن ذلك، فلو لم يكن تكرار الزيارة واجباً لما وُجّه عليه السلام  الأمر إليها.

وقد تقدَّم أنّ هذه الرواية تامّةٌ سنداً.

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على وجوب الزيارة في كل أربع سنين مرّة

 من قَبيل: ما عن أبي الناب، قال: ( (سألت أبا عبد الله عليه السلام  عن زيارة قبر الحسين عليه السلام، قال: نعم، تعدل عمرة، ولا ينبغي أن يُتخلّف عنه أكثر من أربع سنين))[5].

ومن قَبيل: ما قاله أبو عبد الله عليه السلام: ( (أنّه يُصلّي عند قبر الحسين عليه السلام  أربعة آلاف ملك من طلوع الفجر إلى أن تغيب الشمس، ثمّ يصعدون وينزل مثلهم، فيُصلّون إلى طلوع الفجر، فلا ينبغي للمسلم أن يتخلّف عن زيارة قبره أكثر من أربع سنين))[6].

ودلالة الرواية على المطلوب واضحة، نعم، كلا الروايتين ضعيفة السند.

الطائفة الرابعة: ما دلَّ على وجوب الزيارة في كل سنة مرَّة

 من قَبيل: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (ائتوا قبر الحسين عليه السلام  في كل سنة مرَّة))[7].

ومن قَبيل: ما عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام  عن زيارة قبر الحسين عليه السلام، قال: ( (في السنة مرَّة، إنّي أكره الشهرة))[8].

الروايات في هذه الطائفة واضحة الدلالة على المطلوب، وهي صحيحة السند.

الطائفة الخامسة: ما دلَّ على وجوب الزيارة على الغني في كل سنة مرتين وعلى الفقير في كل سنة مرة

 من قَبيل: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (حقٌّ على الغني أن يأتي قبر الحسين عليه السلام  في السنة مرَّتين، وحقٌّ على الفقير أن يأتيه في السنة مرَّة))[9].

والرواية صحيحة السند.

الطائفة السادسة: ما دلَّ على وجوب الزيارة للقريب في كل شهر مرة والبعيد كل ثلاث سنوات مرة

 من قَبيل: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام  في حديث طويل، قلت: ( (مَن يأتيه زائراً، ثمّ ينصرف عنه، متى يعود إليه؟ وفي كم يأتي؟ وكم يسع الناس تركه؟ قال: لا يسع أكثر من شهر. وأمّا بعيد الدار، ففي كل ثلاث سنين، فما جاز ثلاث سنين فلم يأته؛ فقد عقَّ رسول الله  عليهما السلام، وقطع حرمته، إلاَّ عن علّة))[10].

والرواية صحيحة السند.

هذه ستّة طوائف دلّت على الوجوب، إلاَّ أنّها اختلفت في تحديد فترة الوجوب التي على الزائر أن لا يتخطّاها؛ فلا بُدَّ من الجمع بين مداليل هذه الروايات.

الجمع بين الروايات:

إنّ الطوائف المتقدمة من الروايات يمكن تقسيمها إلى قسمين أساسيين:

القسم الأول: الروايات المطلقة التي صبَّت الوجوب على نفس الزيارة ولم تُقيّد بشيء.

ومن الواضح، فإنّ الروايات المطلقة لا تُعارض الروايات المُقيّدة بتعارض مستقر، بل يمكن الجمع بينهما بحمل المطلق على المُقيّد، وهو أحد وجوه الجمع العرفي بين الروايات.

القسم الثاني: الروايات المُقيّدة بشيء، وهي على نوعين أساسيين أيضاً:

النوع الأول: الروايات المُقيَّدة بمجرد التكرار، كما في الطائفة الثانية المتقدمة.

النوع الثاني: الروايات المقيَّدة بزمان مُعيَّن، كبقية الطوائف.

ومن الواضح ـ أيضاً ـ أنّ ما دلّ على وجوب التكرار لا يُعارض ما دلَّ على وجوب التكرار في أزمنة مُعيَّنة.

وأمّا ما كان منها مُقيّداً بزمان مُعيَّن، فهي على أربع طوائف: وهي ما دلَّ على الوجوب في كل أربع سنوات ـ مع غضّ النظر عن ضعف هذه الطائفة من الروايات ـ وما دلَّ على الوجوب في كل سنة مرَّة، وما دلَّ على الوجوب لبعيد الدار كل ثلاث سنين، ولقريبها كل شهر، وما دلَّ على الوجوب في السنة مرَّتين للمُوسر ومرَّة للمُعسر.

فهذه الروايات متعارضة فيما بينها، فإنّ ما دلَّ على وجوب الزيارة في كل أربع سنوات مرَّة يعارض ما دلَّ على الوجوب في كل سنة مرَّة، كما يعارض ما دلَّ على الوجوب للمُوسر في السنة مرَّتين وللمُعسر مرَّة، كما أنه يُعارض ما دلَّ على الوجوب في كل ثلاث سنوات لبعيد الدار وكل شهر للقريب... وهكذا، فإنّ كل طائفة تُعارض بقية الطوائف، إمّا بالتباين، وإمّا بالعموم والخصوص من وجه.

وجه للتوفيق بين الروايات:

إنّ هذه الطوائف المُقيّدة بزمان معين لا يمكن التمسّك بدلالة أحدها، حتى لو لم يكن هناك تعارض في البين؛ وذلك لأنّ التسالم الفقهي الإمامي قائم على عدم ثبوت وجوب الزيارة بأي نحوٍ من الأنحاء في هذه الطوائف الأربع.

وعليه؛ فالتمسك بإحداها لا يُجدي نفعاً، وبتبعه فالتدقيق أكثر في تعيين إحدى هذه الطوائف أيضاً لا يُجدي نفعاً.

فلا بُدَّ ـ إذاً ـ من بيان وجه يمكن قبوله بحيث ينسجم مع هذه الروايات، ولا يكون محطّاً لإعراض المشهور، ولا مخالفاً للتسالم الفقهي، وهذا الوجه يتشكل من خطوتين بمجموعهما يتضح المقصود من روايات الوجوب المتعارضة؛ وذلك لأنّ تلك الروايات احتوت على جهتين، بالإضافة إلى أصل الوجوب:

 الجهة الأُولى: تكرار الزيارة؛ فإنّ جميع تلك الروايات المُقيّدة بزمان مُعيّن تدلُّ على التكرار.

 الجهة الثانية: تعيين زمان للزيارة الواجبة.

الخطوة الأُولى:

إنّ مجموع تلك الروايات دلَّ على وجوب تكرار الزيارة، وهذا ينسجم تمام الانسجام مع الطائفة الثانية من روايات الوجوب، ولا يوجد أي إشكال في ذلك، ولا يوجد تسالم فقهي على خلافه، كما سيأتي بحثه عند التعرُّض لإشكال الإعراض.

الخطوة الثانية:

إنّ هناك روايات عديدة دلَّت على حرمة جفاء الإمام الحسين عليه السلام  من قَبيل: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، قال: ( (حدَّثني أبي، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة، عن العباس بن عامر، قال: قال علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن عليه السلام، قال: لا تجفوه، يأتيه المُوسر في كل أربعة أشهر، والمُعسر لا يُكلّف الله نفساً إلاّ وسعها. قال العباس: لا أدري، قال هذا لعلي، أو لأبي ناب))[11].

وغيرها من الروايات الصحيحة بهذا المضمون، والتي تقدَّم بحثها الدلالي والسندي في مقالٍ سابق.

 فما دلّ على التقييد بزمان معين، محمول على القضية الخارجية التي يُعيّن فيها الإمام عليه السلام  المقدار الذي يجب على المكلف مراعاته حتى لا يتحقّق منه الجفاء؛ وذلك لأنّ الزيارة كما هي واجبة، فإنّ الجفاء أيضاً محرم، وتحديد الجفاء أمرٌ عرفي، يمكن أن يتغيَّر من زمانٍ إلى آخر، فما دلَّ على التقييد محمول على أقل المقدار الذي يتحقّق بتركه الجفاء، فنجد أنّ هذا المقدار تارة يكون بسنة، وأُخرى بثلاث سنوات، وثالثة بأربع، وهكذا.

وبذلك يثبت أنّ أصل وجوب الزيارة وتكرارها مما اتفقت عليه جميع روايات الوجوب، وما اختصت به كل رواية من التقييد بزمانٍ مُعيّن محمولٌ على القضية الخارجية المحددة لمقدار تحقُّق الجفاء الذي بيَّنته روايات الجفاء.

فإن قلت: لماذا لم تحمل وجوب الزيارة على مسألة الجفاء؛ فتكون الزيارة واجبة في فرض الجفاء لا مطلقاً، كما أفتى بذلك بعض مراجع التقليد؟

قلت: إنّ الحمل على خلاف ظاهر الروايات لا يُصار إليه إلاَّ مع عدم إمكان الأخذ بظاهر الرواية، فبدلاً من أن تُطرح الرواية تُحمل على معنى مقبول، وأما لو كان ظاهر الرواية لا يواجه أي مشكلة، فالأخذ به هو المتعين؛ لذلك عملنا بمثل هذا الظاهر في المقام، وحملنا ما كان ظاهراً بالتقييد بزمان معين على فرض الجفاء؛ لأنّ هذا الظاهر يُعارضه التسالم الفقهي والإعراض.

الجفاء النوعي والشخصي:

ليس الهدف من هذه الدراسة تسليط الضوء على حرمة جفاء الإمام الحسين عليه السلام  بشكل تفصيلي، وإنّما ذكرنا ذلك استطراداً، وكأحد وجوه الجمع بين بعض مداليل الروايات، ولكن لا بأس بالإشارة إلى مطلب مهم ليس عن مبتغانا ببعيد، وهو أنّ الجفاء المحرَّم هل هو الجفاء الشخصي أو الجفاء النوعي؟

بمعنى لو أنّ ملايين الناس يذهبون إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام  باستمرار، وكان هناك شخص لا يزور، فهل يكون الجفاء متحقّقاً من ذلك الشخص أو لا يكون؟

فإن قلنا: إنّ الجفاء نوعي، فهو غير متحقّق بحقِّ ذلك الفرد، وأمّا إن كان شخصياً، فهو متحقّق.

ولا بُدَّ من الرجوع إلى مدلول الروايات لتحديد ذلك؛ فإنّ بعضها يظهر منه الجفاء النوعي، وبعضها يظهر منه الجفاء الشخصي، إلاَّ أنّ ما صحَّ منها سنداً هو ما دلَّ على حرمة الجفاء النوعي.

والذي يؤكّد أنّ المقصود هو الجفاء النوعي ما ثبت من وجوب الزيارة مكرراً، فهي كافية في التحريك، والمنع من ترك الزيارة، وتكون حرمة الجفاء النوعي مُحفّزاً إضافياً للزيارة في حال تحقّقه؛ الأمر الذي لم يتحقّق منذ زمنٍ بعيد حتى في أشدّ الظروف وأقساها.

كيفية الزيارة:

المقصود من كيفية الزيارة: هو أنّ الزيارة الواجبة والتي تحتاج إلى تكرار؛ بحيث لا يتحقّق الجفاء بفعلها، هل هي عن قرب بحيث يكون الزائر عند القبر الشريف، أو تكفي حتّى الزيارة عن بُعد؟

إنّ المقصود من الزيارة هو الزيارة عن قرب، وعن حضور عند القبر الشريف؛ وذلك لعدّة أُمور:

الأول: إنّ المعنى العرفي المنصرف من الزيارة هو الحضور عند المزار، والتواجد الفعلي في الحضرة.

الثاني: الروايات التي أمرت بإتيان القبر والحضور عنده:

 من قَبيل: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (مَن لم يأتِ قبر الحسين عليه السلام  ـ وهو يزعم أنّه لنا شيعةـ حتى يموت؛ فليس هو لنا بشيعة، وإن كان من أهل الجنة فهو مِن ضيفان أهل الجنّة))[12].

ومن قَبيل: ما رواه أيضاً ابن قولويه في كامل الزيارات، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ( (مَن لم يأتِ قبر الحسين عليه السلام  من شيعتنا كان منتقص الإيمان، منتقص الدين، وإن دخل الجنّة كان دون المؤمنين في الجنّة))[13].

ومن قَبيل: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات أيضاً، عن علي بن ميمون، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام  يقول: ( (لو أنّ أحدكم حجَّ ألف حجّة ثمّ لم يأتِ قبر الحسين بن علي عليهما السلام؛ لكان قد ترك حقّاً من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله. وسُئل عن ذلك، فقال: حقُّ الحسين عليه السلام  مفروض على كل مسلم))[14].

فهذه الروايات جميعها تدلُّ على لزوم الحضور عند القبر الشريف، ولا تكفي الزيارة عن بُعد.

الثالث: الروايات التي بيّنت كيفية زيارة الإمام الحسين عليه السلام، وشرحت كيفية ذلك بالغُسل والمشي والدعاء عنده، وكيفية الدخول والوقوف وتقبيل القبر ومكان الصلاة وما إلى ذلك، وهي روايات كثيرة مذكورة في محلّها، وهي جميعاً تدلُّ على أنّ الزيارة تكون بالحضور عند القبر المقدس.

الرابع: الروايات التي بيّنت كيفية الزيارة عن بُعد مع عدم إمكان التوصّل إلى القبر الشريف؛ فجعلتها في فرض مَن تعذّر عليه الحضور، وهي روايات عديدة أيضاً، وتدلُّ على المطلوب.

والنتيجة: هي أنّ المقصود من الزيارة هو الحضور عند القبر الشريف.

الإشكالات على القول بالوجوب:

هناك مجموعة من الإشكالات التي قد ترد على القول بالوجوب، وهي تُعتبر موانع بحدّ ذاتها؛ بحيث لا يمكن أن يُصار إلى القول بالوجوب ما لم تُحلّ تلك الإشكالات، وهي:

الإشكال الأول: الروايات التي تُعارض الوجوب

هناك مجموعة من الروايات تعارض بظاهرها القول بالوجوب؛ لأنّ الظاهر منها هو استحباب الزيارة، والاستحباب يُنافي الوجوب، وهي على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما دلَّ على المساواة بين زيارة الإمام الحسين عليه السلام  وبين باقي الأئمة عليهم السلام، أو مع زيارة غيرهم حتّى.

 من قَبيل: ما رواه ابن قولويه، بسندٍ معتبر، قال: ( (حدّثني محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا  عليه السلام، قال: زيارة قبر أبي مثل زيارة قبر الحسين عليه السلام))[15].

وما رواه الشيخ الطوسي في التهذيب، بسندٍ معتبر: ( (عن الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن زيارة قبر أبي الحسن عليه السلام، هل هي مثل زيارة قبر الحسين عليه السلام؟ قال: نعم))[16].

وما رواه الصدوق في ثواب الأعمال، بسندٍ صحيح عن الحسن بن علي الوشاء، قال: ( (قلت للرضا عليه السلام: ما لِمَن أتى قبر أحد الأئمة عليهم السلام؟ قال: له مثل ما لِمَن أتى قبر أبي عبد الله عليه السلام ))[17].

وما رواه الصدوق في ثواب الأعمال، قال: ( (حدّثنا علي بن أحمد، قال: حدّثنا حمزة بن القاسم العلوي، قال: حدّثنا محمد بن يحيى العطار، عمَّن دخل على أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليهما السلام  من أهل الرَّي، قال: دخلت على أبي الحسن العسكري عليه السلام، فقال: أين كنت؟ فقلت: زرت الحسين عليه السلام. قال: أما إنّك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم؛ لكنت كمَن زار الحسين بن علي عليهما السلام))[18]. ورواه أيضاً ابن قولويه في الكامل[19].

وجه الإشكال: إنّ هذه الروايات جعلت زيارة الإمام الكاظم عليه السلام، وزيارة بقية الأئمة عليهم السلام  كزيارة الإمام الحسين عليه السلام، بل جعلت زيارة السيد عبد العظيم الحسني كزيارة الإمام الحسين عليه السلام، مع أنّه من المتسالم عليه أنّ زيارة الإمام الكاظم عليه السلام، وكذا زيارة بقية الأئمة عليهم السلام  ليست واجبة، فضلاً عن زيارة غيرهم عليهم السلام؛ وعليه فما قُرن بها أيضاً غير واجب؛ فزيارة الإمام الحسين عليه السلام  غير واجبة.

جواب الإشكال: يمكن الإجابة عن هذا الإشكال بأُمور.

الأمر الأول: قد تقدّم أنّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام  لها مراتب متعدّدة، وهي متفاوتة بالفضل، تبدأ من أقلّ الثواب إلى أن تصل إلى حدّ الوجوب والفرض، وهذه الروايات قارنت زيارة بقية الأئمة عليهم السلام  بزيارة الإمام الحسين عليه السلام  بشكلٍ مطلق، وهو يتحقّق بأحد تلك المراتب لا بجميعها، أو فقل: إنّ الإطلاق مُقيَّد بما دلَّ على وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام؛ وبذلك يتبيَّن الفرق أيضاً بين زيارة السيد عبد العظيم وزيارة بقية الأئمة عليهم السلام، فمجرَّد المقارنة لا يعني الوجوب ولا نفيه.

الأمر الثاني: إنّ رواية زيارة السيد عبد العظيم مرسلة ولا تصلح للاستدلال.

الأمر الثالث: لا مانع من القول بالوجوب أيضاً في زيارة بقية الأئمة عليهم السلام، إلاَّ أنّه ليس بالنحو الذي في زيارة الإمام الحسين عليه السلام، بل بنحوٍ آخر، وهو ما تقتضيه بعض الظروف الخارجية التي تُحتّم زيارة الأئمة عليهم السلام؛ لأجل حفظ الدين من الاندراس، وحفظ بَيضة الإسلام من الضياع؛ ولأجل ذلك كانت المقارنة بين تلك الزيارات وزيارة الإمام الحسين عليه السلام، وهذا شبيه ما ذهب إليه بعض الفُضلاء في نفس زيارة الإمام الحسين عليه السلام، وكذا في زيارة الإمام الرضا عليه السلام، ونحن نوافقه في البعض لا الكل.

 وأمّا سبب تفريقنا؛ فلِمَا تقدم من صراحة بعض روايات الوجوب بأنّها ممتدة في عمود الزمان وبالوجوب النفسي.

الطائفة الثانية: ما دلَّ على أنّ مقدار الزيارة بيد الزائر متى شاء.

 من قَبيل ما رواه ابن قولويه بسندٍ معتبر، عن العيص بن القاسم، قال: ( (سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل لزيارة القبر صلاة مفروضة؟ قال: ليس له صلاة مفروضة. قال: وسألته في كم يوم يُزار؟ قال: ما شئت))[20].

وجه الإشكال: إنّه لو كانت الزيارة واجبة لما علّق الإمام عليه السلام  ذلك على مشيئة الزائر، بل لكان عليه عليه السلام  أن يُبلغه بأقل ما يسعه تركه، وخصوصاً أنّ الزائر يسأل عن المقدار المُفترض.

جواب الإشكال: يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأحد أمرين:

الأمر الأول: إنّ السؤال كان عن الأيام التي تكون فيها الزيارة، لا عن أصل الزيارة، ولا عن أصل تكرارها، بل السؤال عن تحديد الأيام التي تفترض فيها الزيارة، وهذان الأمران هما ما تقدم إثباته، فما ثبت ليس هو محل السؤال، وما هو محل السؤال ليس ما أثبتناه، بل مورد السؤال هو ما تقدّم، من أنّه يخضع للظروف الخارجية الوقتية، فلربما تكون سنة، وربما أربع سنوات، وربما أقل أو أكثر من ذلك، فالمشيئة في هذه الرواية تكون في خصوص مورد السؤال، ولا تتعدّى إلى غيره.

الأمر الثاني: إنّ السؤال كان عن الأيام لا عن مطلق الزمن، وهذا لا ينافي الروايات المتقدمة أصلاً؛ لأنّ أقلَّها كان في السنة مرَّتان، وحتى ما دلَّ على أنّ قريب الدار يزور في الشهر مرّة، غير ناظرة إلى الأيام أيضاً، بالإضافة إلى إمكان تقييدها.

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على أفضلية زيارة الإمام الرضا عليه السلام.

 من قَبيل ما رواه الكليني بسندٍ صحيح، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن مهزيار، قال: ( (قلت لأبي جعفر عليه السلام: جُعلت فداك! زيارة الرضا عليه السلام  أفضل أم زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام؟ فقال: زيارة أبي أفضل؛ وذلك أنّ أبا عبد الله عليه السلام  يزوره كل الناس، وأبي لا يزوره إلاَّ الخواصّ من الشيعة))[21]. ورواه الشيخ الطوسي أيضاً[22]، وكذا رواه ابن قولويه في الكامل[23].

ومن قَبيل ما رواه الصدوق في العيون، قال: وبهذا الإسناد أي: محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن عبد العظيم بن عبد الله، قال: ( (قلت لأبي جعفر عليه السلام: قد تحيّرت بين زيارة قبر أبي عبد الله عليه السلام  وبين زيارة أبيك عليه السلام  بطوس، فما ترى؟ فقال لي: مكانك. ثمّ دخل وخرج، ودموعه تسيل على خدَّيه، فقال: زوّار قبر أبي عبد الله عليه السلام  كثيرون، وزوّار قبر أبي بطوس قليلون))[24].

وجه الإشكال: إنّ هذه الروايات وصفت زيارة الإمام الرضا عليه السلام  بأنّها أفضل من زيارة الإمام الحسين عليه السلام؛ فإمّا أن تكون زيارة الإمام الرضا عليه السلام  واجبة أيضاً، وهذا لا قائل به، وإما أن يكون المستحب أفضل من الواجب، وهو خلاف ما ثبت في بعض الأبحاث الأُصولية من أنّ ملاك الواجب أقوى وأشد من ملاك المستحب، وإمّا أن لا تكون زيارة الإمام الحسين عليه السلام  واجبة. والاحتمال الأخير هو المُتعيّن؛ لبطلان سابقيه.

جواب الإشكال: يُجاب عن هذا الإشكال بأُمور:

الأمر الأول: كون زيارة الإمام الرضا عليه السلام  غير واجبة، هذا أمر بحاجة إلى بحث وتدقيق، ولا أقل من احتمال ذلك جداً، ولو في بعض الظروف القديمة، ولأجل ارتباط زيارة الإمام الرضا عليه السلام  بكمال الإيمان في تلك الأزمان، فيمكن أن تكون زيارة الإمام الرضا عليه السلام  شابهت، بل ترجّحت على زيارة الإمام الحسين عليه السلام  من هذه الجهة.

الأمر الثاني: يمكن حمل الأفضلية على بعض مراتب الاستحباب في زيارة الإمام الحسين عليه السلام؛ وذلك لأنّ الأفضلية هنا مطلقة، فتُقيَّد بما دلَّ على وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فالوجوب ليس مطلقاً؛ فلا تنافي أصلاً.

الأمر الثالث: لا يوجد تلازم بين الأفضلية والوجوب، فلربما يكون أمر ما أفضل من الواجب في نفسه، إلاَّ أنّه مستحب، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في مقال سابق، وستأتي الإشارة إليه لاحقاً، وقد صرَّح بذلك بعض العلماء في توجيههم أفضلية زيارة الإمام الحسين عليه السلام  على الحجّ الواجب، مع قولهم باستحباب الزيارة، فالأمر له نظائر في الفقه.

الطائفة الرابعة: ما دلَّ على أفضلية زوّار الإمام الرضا عليه السلام  على بقية زوار الأئمة عليه السلام.

 من قَبيل ما رواه الكليني في الكافي، قال: محمد بن يحيى، عن علي بن الحسين النيسابوري، عن إبراهيم بن أحمد، عن عبد الرحمن بن سعيد المكي، عن يحيى بن سليمان المازني، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: ( (مَن زار قبر ولدي علي... مَن زاره وبات عنده ليلة كان كمَن زار الله في عرشه. قلت: كمَن زار الله في عرشه؟! فقال: نعم، إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمن أربعة من الأولين، وأربعة من الآخرين، فأمّا الأربعة الذين هم من الأولين: فنوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وأمّا الأربعة من الآخرين: محمد، وعلي، والحسن، والحسين عليهم السلام، ثمّ يُمدّ الطعام، فيقعد معنا زوّار قبور الأئمة، إلاَّ أنّ أعلاهم درجة وأقربهم حبوة زوّار قبر ولدي عليه السلام))[25]. رواه الشيخ في التهذيب[26]، والصدوق في الأمالي والعيون[27].

وجه الإشكال: كيف يكون زائر الإمام الرضا عليه السلام  أفضل من زائر الإمام الحسين عليه السلام، مع أنّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام  واجبة، وزيارة الإمام الرضا عليه السلام  مستحبة؟

جواب الإشكال: يُجاب عن هذا الإشكال بما تقدم في الإشكال السابق، ويُضاف إليه أيضاً: أنّ أفضلية الزائر هنا لا تخضع لمجرّد المزار، بل تخضع كذلك إلى نفس الزائر وقابلياته، وكون الرواية ناظرة إلى مجرّد الزيارة مما لا شاهد عليه، بل يمكن أن يُقال: من غير المحتمل ذلك.

الطائفة الخامسة: ما دلَّ على أنَّ تارك الزيارة محروم من الفضل.

 من قَبيل ما رواه ابن قولويه في الكامل، قال: حدَّثني محمد بن الحسن بن على بن مهزيار، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسن بن محبوب، عن حنان بن سدير، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام، فدخل عليه رجل، فسلَّم عليه وجلس، فقال أبو جعفر عليه السلام: ( (من أي البلدان أنت؟ قال: فقال له الرجل: أنا رجل من أهل الكوفة، وأنا لك محبٌّ موال. فقال له أبو جعفر عليه السلام:... ثمّ قال: أتزور قبر الحسين عليه السلام  في كل جمعة؟ قال: لا. قال: ففي كل شهر؟ قال: لا. قال: ففي كل سنة؟ قال: لا. فقال له أبو جعفر عليه السلام: إنّك لمحروم من الخير))[28].

ومن قَبيل ما رواه ابن قولويه أيضاً في الكامل، قال: ( (حدّثني أبي  رحمه الله، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن محمد بن أورمة، عن أبي عبد الله المؤمن، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام  يقول: عجباً لأقوام يزعمون أنّهم شيعة لنا، ويقال: إنّ أحدهم يمرُّ به دهره ولا يأتي قبر الحسين عليه السلام، جفاءً منه، وتهاوناً وعجزاً وكسلاً، أما والله، لو يعلم ما فيه من الفضل ما تهاون ولا كسل. قلت: جُعلت فداك، وما فيه من الفضل؟ قال: فضلٌ وخيرٌ كثير، أمّا أول ما يصيبه أن يُغفر ما مضي من ذنوبه، ويُقال له: استأنف العمل))[29].

وجه الإشكال: إنّ الكلام في الرواية كان عن الذي لم يكن يزور الإمام الحسين عليه السلام، ومع ذلك لم يقل الإمام عليه السلام: إنّه تاركٌ لأمر واجب، بل اكتفى بالتنبيه على أنّه فاته الخير الكثير، وهذا التعبير ينسجم أكثر ما يكون مع الأُمور الاستحبابية لا الواجبة.

جواب الإشكال: أمّا الجواب عن الرواية الأُولى فبأُمور:

الأمر الأول: لم تُبيِّن هذه الرواية أنّ هذا الشخص تارك لزيارة الإمام الحسين عليه السلام  بشكل مطلق، بل غاية ما تُثبته أنّه لم يكن يزُر بانتظام وفي كل سنة مرَّة، وهذا أمر لا يصلح للإشكال به على مبتغانا.

الأمر الثاني: إنّ فوات الخير الكثير كما ينسجم مع الأمر الاستحبابي، كذلك فهو ينسجم مع الأمر الواجب، فمجرد هذا التعبير لا يُعيّن الاستحباب.

الأمر الثالث: من المحتمل أن يكون هذا الشخص من أصحاب الأعذار الذين يسقط الوجوب عنهم، ومن الطبيعي أنّ مَن لم يزُرْ يفوته الخير الكثير، حتى لو كان صاحب عذر.

ولكنّ هذا الاحتمال من المستبعد جداً، بل ممتنع؛ لأنّ الامام عليه السلام  تسلسل في سؤال هذا الشخص، فلو كان من أصحاب الأعذار لما كان معنى لذلك.

وأمّا الجواب عن الرواية الثانية ـ فبالإضافة إلى بعض ما تقدّم في الجواب عن الرواية الأُولى ـ: إنّ الإمام عليه السلام  قد شكّك في تشيّع هؤلاء الذين يدّعون التشيّع، ولا يزورون الإمام الحسين عليه السلام، فهذه الرواية لروايات الوجوب أقرب منها لروايات الاستحباب، وأمّا ما ذكره الإمام عليه السلام  من الفضل والثواب؛ فهو لأجل التحفيز، وبيان مقدار الأجر والثواب الجزيل، فكثير من الواجبات، بل أكثرها ـ إن لم نقل: جميعهاـ قد بيّن فضلها والثواب المترتب عليها.

الطائفة السادسة: ما دلَّ على أنّ الزيارة غير مفروضة ولا واجبة.

وهو ما رواه ابن قولويه في الكامل، بسندٍ معتبر، قال: حدّثني أبي وعلي بن الحسين وجماعة مشايخي رحمهم الله، عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي سعيد القمّاط، قال: حدثني عبد الله بن أبي يعفور، قال: ( (سمعت أبا عبد الله عليه السلام  يقول لرجل من مواليه: يا فلان، أتزور قبر أبي عبد الله الحسين بن علي عليه السلام؟ قال: نعم، إنّي أزوره بين ثلاث سنين مرة، فقال له ـ وهو مُصفرّ الوجه ـ: أما والله الذي لا اله إلاّ هو، لو زرته لكان أفضل لك مما أنت فيه. فقال له: جُعلت فداك، أكلُّ هذا الفضل؟ فقال: نعم، والله، لو أني حدّثتكم بفضل زيارته، وبفضل قبره لتركتم الحج رأساً، وما حجَّ منكم أحد، ويحك! أما تعلم أنّ الله اتّخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتّخذ مكة حرماً.

قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حج البيت، ولم يذكر زيارة قبر الحسين عليه السلام. فقال: وإن كان كذلك؛ فإنّ هذا شيء جعله الله هكذا، أما سمعت قول أبي أمير المؤمنين عليه السلام  حيث يقول: إنّ باطن القدم أحقُّ بالمسح من ظاهر القدم، ولكنّ الله فرض هذا على العباد؟! أوَ ما علمت أنّ الموقف لو كان في الحرم كان أفضل لأجل الحرم، ولكنّ الله صنع ذلك في غير الحرم؟!))[30].

وجه الإشكال: إنّ الإمام عليه السلام  يُثبت أفضلية زيارة الإمام الحسين عليه السلام  على الحج، ومع ذلك يُثبت أنّ الزيارة غير واجبة، ويوجّه ذلك بأنّ هذه أُمور علمها عند الله تعالى، ولها نظائر في الشريعة، كما في مسح ظاهر القدم دون باطنها، مع أنّ مسح الباطن أوْلى، فهذه الرواية تُصرّح بعدم وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام.

الجواب عن الإشكال:

ويُجاب عن هذا الإشكال بأُمور:

الأمر الأول: إنّ هذه الرواية لو سلمت دلالتها على الاستحباب؛ بسبب المقارنة التي ذكرها الإمام عليه السلام  بين الزيارة والحج من جهة، وبين مسح باطن القدم وظاهرها من جهة أُخرى، فهي تدلّ عليه بقول مطلق، والإطلاق يمكن تقييده بالروايات التي دلّت على وجوب الزيارة؛ فيكون المقصود من هذه الرواية هو المقارنة بين الزيارة المستحبة والحج، وبين باطن القدم وظاهره.

الأمر الثاني: إنّ الإمام عليه السلام  جعل المقارنة بين زيارة هذا الراوي الذي كان يزور في كلّ ثلاث سنوات مرة، وهذا المقدار لم يثبت وجوبه، وإن كانت فيه رواية صحيحة، إلاَّ أنّه قد تقدّم الحمل على القضية الخارجية، والمقدار الواجب هو أصل الزيارة مكرراً، وما عداه فيدخل في المنع عن الجفاء، فهذه الرواية بموردها لا تضرّ بالاستدلال المتقدم أصلاً.

الأمر الثالث: إنّ غاية ما يدلّ على الاستحباب في هذه الرواية هو المقارنة بين الزيارة والحج، وبين مسح القدم وباطنها، وهذا لا يدلّ على الاستحباب؛ وذلك لأنّ غاية ما تدلّ عليه المقارنة هو السبب في ذكر أحدهما من قِبَل الله تعالى دون الآخر، من دون النظر إلى الوجوب وعدمه؛ فإنّ الظاهر من سؤال الراوي هو: لماذا أنّ الحج مذكور في القرآن دون الزيارة؟ فأجابه الإمام عليه السلام  أنّ هذا له نظائر، ولا يدلّ على أفضلية المذكور، فغاية المقارنة هو المشابهة في الذكر وعدم الذكر في القرآن، لا في الوجوب وعدمه.

الطائفة السابعة: ما دلّ على كراهة ترك الزيارة.

من قَبيل ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، قال: ( (حدّثني أبي ومحمد بن الحسن رحمهما الله، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن علي بن أبي حمزة، قال:سألت العبد الصالح عن زيارة قبر الحسين بن علي عليهما السلام، فقال: ما أُحب لك تركه. قلت: ما ترى في الصلاة عنده وأنا مقصّر؟ قال: صلِّ في المسجد الحرام ما شئت تطوّعاً، وفي مسجد الرسول ما شئت تطوّعاً، وعند قبر الحسين عليه السلام؛ فإنّي أُحبُّ ذلك. قال: وسألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين عليه السلام  تطوّعاً. فقال: نعم))[31].

وجه الإشكال: إنّ الإمام عليه السلام  اكتفى بالجواب عن ترك الزيارة بعدم حُبِّه لذلك، ولم ينهَ عن الترك، أو يأمر بالزيارة، وهذا التعبير ينسجم مع الاستحباب.

الجواب عن الإشكال: يُجاب عن الإشكال بأمرين:

الأمر الأول: قد بحث الأعلام دلالة قول الإمام عليه السلام: أُحب، أكره وأمثالهما، بأنّ هذه الألفاظ هل تدلّ على اللزوم أو لا تدلّ؟ وقد ذهب جمع منهم إلى أنّ هذه التعابير تدلّ على اللزوم لا مجرد الكراهة.

الأمر الثاني: لو تنزلّنا وقلنا: إنّها تدلّ على مجرّد الكراهة لا اللزوم، فغايته أنّها لو كانت بمفردها فهي تدلّ على ذلك، أمّا لو كانت هناك قرينة منفصلة على اللزوم فهو المتعيّن، وفي المقام القرينة متحقّقة، وهي روايات الوجوب المتقدمة.

هذا كلّه مع الغمض عن المناقشة في السند.

والنتيجة المتحصّلة من بحث الروايات ـ التي قد يُدَّعى معارضتها لروايات الوجوب ـ هو أنّه لا يوجد أيُّ تعارض بين الروايات، بل وجوه الجمع فيما بينها عديدة، كما تقدّم، فلا تصل النوبة إلى بحث المرجّحات؛ لأنّه فرع استقرار التعارض، ولو فرض التعارض فالترجيح مع روايات الوجوب من وجوه، كما لا يخفى على المدقّق.

الإشكال الثاني: في معنى لفظ الوجوب

قد يُشكل ويُقال: إنّ الاستدلال في بعض الروايات المتقدمة على الوجوب ـ وهي الروايات التي ادُّعي أنّها نصٌّ في الوجوب ـ إنّما تدل على ذلك لو كان لفظ الوجوب في صدر الإسلام يحمل نفس المعنى الذي هو عليه في الأزمان المتأخّرة، مع أنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ معنى الوجوب في الصدر الأول لا يحمل أكثر من معنى الثبوت، وهو أعمّ من الوجوب والاستحباب وأصل المشروعية، ولا يدلّ على معنى الوجوب الاصطلاحي؛ لأجل ذلك فالروايات لا تدلّ على الوجوب المصطلح.

جواب الإشكال: يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأُمور:

الأمر الأول: إنّ الروايات التي دلّت على الوجوب كانت على قسمين، وكان القسم الثاني منها هي الروايات التي دلّت على الوجوب بظهور الأمر فيه؛ فيكون هذا الإشكال حينئذٍ غريباً عنها، ولا يضرّ بها أصلاً، ودلالة تلك الروايات تكفي لإثبات الوجوب المصطلح، وهو المطلوب.

الأمر الثاني: إنّ نفس القسم الأول من الروايات ـ وهي الروايات التي نصّت على الوجوب ـ يوجد في بعضها فقط لفظ الوجوب، دون البعض الآخر، فمن تلك الروايات التي نصّت على الوجوب من دون لفظ الوجوب:

ما رواه الصدوق في الفقيه، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، قال: ( (مُروا شيعتنا بزيارة الحسين بن علي عليهما السلام؛ فإنّ زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبُع، وزيارته مفترضة على مَن أقرّ للحسين عليه السلام  بالإمامة من الله عز وجل))[32].

ومن قَبيل: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، عن علي بن ميمون، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام  يقول: ( (لو أن أحدكم حجّ ألف حجّة، ثمّ لم يأتِ قبر الحسين بن علي عليهما السلام؛ لكان قد ترك حقّاً من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله. وسُئل عن ذلك، فقال: حقُّ الحسين عليه السلام  مفروض على كل مسلم))[33].

ومن قَبيل: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (سألته عمَّن ترك الزيارة ـ زيارة قبر الحسين بن علي ـ من غير علّة، قال: هذا رجلٌ من أهل النار))[34].

وهذه الروايات تدلّ صراحةً ونصّاً على الوجوب، وبها يثبت المطلوب، ويكون هذا الإشكال غريباً عنها أيضاً.

الأمر الثالث: لو سلّمنا أنّ لفظ الوجوب لا يدلّ على معناه المصطلح في الأزمنة المتأخرة عن عصر النصّ، إلاَّ أنّه مع ذلك يمكن أن يدلّ على الوجوب فيما إذا كانت هناك قرينة في البين، والقرينة موجودة في مجموعة من الروايات التي نقلناها:

من قَبيل: ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ( (لو أنّ أحدكم حجّ دهره، ثمّ لم يزُرْ الحسين بن علي عليهما السلام  لكان تاركاً حقّاً من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأنّ حقّ الحسين فريضة من الله تعالى واجبة على كل مسلم))[35].

ومن قَبيل: ما رواه بن قولويه في كامل الزيارات، عن أُمّ سعيد الأحمسية، عن أبي عبد الله عليه السلام، قالت: ( (قال لي: يا أُمّ سعيد، تزورين قبر الحسين؟ قالت: قلت: نعم. فقال لي: زوريه؛ فإنّ زيارة قبر الحسين واجبة على الرجال والنساء))[36].

وهذه الروايات فيها قرينة على أنّ المقصود من الوجوب هو الوجوب الاصطلاحي؛ لأنّ الرواية الأُولى قد قرنت بالفريضة، والثانية قد قرنت بالأمر، وهكذا الحال في روايات أُخرى.

فلم يبقَ إلاَّ روايتان، وهما:

ما جاء في نوادر علي بن أسباط، عمَّن رواه، عن أحدهما عليهما السلام، أنّه قال: ( (يا زرارة، ما في الأرض مؤمنة إلاَّ وقد وجب عليها أن تُسعِد فاطمة عليها السلام  في زيارة الحسين عليه السلام ))[37].

وما رواه الشيخ المفيد في الإرشاد، قال: وقد جاءت روايات كثيرة في فضل زيارته عليه السلام، بل في وجوبها. فروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، أنّه قال: ( (زيارة الحسين بن علي عليه السلام  واجبة على كل مَن يُقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل))[38].

وهاتان الروايتان أيضاً بقرينة بقية الروايات يكون مدلولهما هو الوجوب الاصطلاحي.

وكما ترى، فهما روايتان مرسلتان ليس الاعتماد في الاستدلال عليهما. وعلى كلّ حال، حتى لو سلّمنا بأنّ لفظ الوجوب في عصر النصّ لا يدلّ على الوجوب المصطلح؛ فهو لا يضرّ ببحثنا شيئاً.

الأمر الرابع: إنّ جملة من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد فهموا الوجوب الاصطلاحي من تلك الروايات، واستدلّوا بنصوصها من دون الاعتماد على قرينة أُخرى.

نعم، ربما يُقال: إنّهم فهموا الوجوب من مجموع الروايات، والقرائن العديدة على الوجوب، وإن لم يصرّحوا بذلك، فليس فهمهم للوجوب جاء من حاقّ اللفظ.

الأمر الخامس: قد بحث الأعلام هذا اللفظ، واستنتج الكثير منهم أنّه مشترك بين الوجوب الذي هو بمعنى الفرض، وبين الوجوب الذي هو بمعنى الاستحباب المؤكّد، إلاَّ أنّه بحسب إفتاء كثير من العلماء، فإنّه نجدهم لا يفتون بالاستحباب في موارد لفظ الوجوب في الروايات، إلاَّ مع وجود قرائن أُخرى تدلّ على الاستحباب.

وعليه؛ فحتى لو سُلّم أنّ لفظ الوجوب يدلُّ على الأعمّ من الوجوب الاصطلاحي والاستحباب، إلاَّ أنّه غاية ذلك أنّ العلماء تعاملوا معه بمعنى أنّه لو كانت هناك قرائن على الاستحباب، فلفظ الوجوب في الرواية لا ينافي ذلك، وهذا لا يضرّ بمطلبنا شيئاً؛ لأنّه ليس فقط لا توجد قرائن على الاستحباب في الروايات، بل القرائن على الخلاف، فهناك قرائن عديدة على الفرض والوجوب الاصطلاحي.

فهذا الإشكال لا يضرّ بالاستدلال المتقدّم على أيّة حال.

الإشكال الثالث: إشكال الإعراض

من الإشكالات المهمة التي تُعارض الوجوب، وتمنع من الأخذ برواياته، هو إشكال إعراض أعلام الطائفة ومتقدميهم عن الأخذ بهذه الروايات.

 وحاصل الإشكال: إنّ هذه الروايات بما أنّها كانت في معرض أعلام الطائفة وعظمائها، وكانت في متناول أيديهم؛ حيث تقدّم أنّها مرويّة في أُمّهات المصادر الشيعية، ومع ذلك فهم لم يُفتوا بمضمونها؛ فهذا يدلّ على تحقُّق إعراضهم عنها، وعدم التوجه إليها والأخذ بمضمونها، مع ورعهم الشديد ودقّتهم العلمية وعقائدهم الولائية، مما يكشف عن وجود مشكلة وخلل في تلك الروايات يمنع من الأخذ بها والإفتاء بمضمونها.

وتعتبر مسألة موهنية الإعراض من المسائل شبه الاتّفاقية بين العلماء والفقهاء.

جواب الإشكال: يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأُمور:

الأمر الأول: إنّ الإعراض الذي يُعتبر حجّة وموهناً للرواية هو الإعراض الذي يكون من متقدّمي الأصحاب لا متأخريهم، وعندما نرجع إلى كلمات قدماء الأصحاب، فإنّه نجد أكثرهم لم يتعرّض لهذه المسألة، ومجرّد عدم التعرّض لا يدلّ على الإعراض؛ لأنّه لا يصحّ رفع اليد عن مجموعة كبيرة من الروايات لمجرد عدم التّعرض لها، بل حتى يكون الإعراض موهناً للروايات لا بُدَّ من القطع بالإعراض، وهو غير متحقُّق، وإلاَّ لوجب رفع اليد عن كثير من الواجبات التي استدلّ عليها المتأخرون، ولم يتعرّض لها المتقدمون.

الأمر الثاني: إنّ الإعراض الذي يكون موهناً هو الإعراض الذي لا يُحتمل فيه المدركية، وأمّا محتملها فلا اعتبار له، وفي المقام فإنّه يوجد نوعان من الروايات:

النوع الأول: ما دلّ على الوجوب.

النوع الثاني: ما دلّ على الاستحباب. فلربما مَن أفتى بالاستحباب اعتمد على النوع الثاني من الروايات، فهو لم يُعرض عن روايات الوجوب، وإنّما ترجّحت عنده روايات الاستحباب، والمسألة هنا نظير البحث في الإجماع المدركي؛ حيث قيل هناك: إنّ الإجماع الذي يُعتبر حجّة هو الإجماع الذي لا يحتمل المدركية، وإلاَّ فمحتملها يُرجع فيه إلى مدركه، ويُتعامل معه وفق ذلك.

فإن قلت: إنّ احتمال المدركية في الإعراض فرع تعارض الروايات، حتى يمكن أن يقال: إنّ عدم عمل الأعلام بإحدى الطائفتين بسبب الطائفة الأُخرى، وأمّا مع عدم التعارض، فلا تُحتمل المدركية؛ لأنّ الروايات سوف تكون طائفة واحدة، وعدم القول بدلالتها على مطلب مُعيَّن مع ظهورها فيه يكون إعراض عن ذلك المعنى، وفي مقامنا؛ فإنّه لا يوجد أيُّ تعارض بين روايات الوجوب وروايات الاستحباب، كما تقدّم ذلك في مرّات عديدة.

قلت: إنّ أصل التعارض بين إطلاقات الروايات متحقّق في المقام، نعم نحن ذكرنا وجوهاً للجمع بينها، ربما لا يرتضيها قدماء الأعلام، بل وحتى متأخريهم.

من هنا؛ نحتمل أنّ وجوهاً من التعارض قد استقرّت بنظرهم الشريف؛ وعليه فاحتمال المدركية قائم.

الأمر الثالث: إنّ المتحقق من عظماء العلماء هو خلاف الإعراض؛ لأنّ هناك جملة من الأعلام ذهبوا إلى وجوب الزيارة، فليس فقط أنّهم لم يتعرضوا للوجوب، بل أفتوا به؛ وبذلك ينتفي إشكال الإعراض من الأساس.

القائلون بالوجوب:

ومِمَّن قال بالوجوب:

1ـ ابن قولويه ت367 هـ في كامل الزيارات، قال: ( (إنّ زيارة الحسين عليه السلام  فرض وعهد لازم ولجميع الأئمة عليهم السلام  على كل مؤمن ومؤمنة))[39].

2ـ الشيخ المفيد ت413هـ في الإرشاد، قال: ( (وقد جاءت روايات كثيرة في فضل زيارته عليه السلام، بل في وجوبها))[40]، وكذا قال في المزار: ( (باب وجوب زيارة الحسين عليه السلام))[41].

 3ـ محمد بن المشهدي ت610هـ في المزار، قال: ( (فضل زيارته عليه السلام، وحدّ وجوبها في الزمان على الأغنياء والفقراء))[42].

4ـ ابن حاتم العاملي ت664هـ  في الدرّ النظيم، قال: ( (وقد جاءت روايات كثيرة في فضل زيارته، بل في وجوبها. قال الصادق عليه السلام: زيارة الحسين عليه السلام  واجبة على كل مَن يُقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل))[43].

وقد نقل الإربلي في كشف الغمّة هذا المعنى عن ابن حاتم العاملي[44].

5ـ المجلسي الأول1070هـ والثاني1111هـ، قال في بحار الأنوار: ( (إنّ زيارته صلوات الله عليه واجبة مفترضة مأمور بها، وما ورد من الذمّ والتأنيب والتوعُّد على تركها، وأنّها لا تُترك للخوف))[45].

وقال أيضاً: ( (ثمّ اعلم أنّ ظاهر أكثر أخبار هذا الباب ـ وكثيراً من أخبار الأبواب الآتية ـ وجوب زيارته صلوات الله عليه، بل كونها من أعظم الفرايض وآكدها، ولا يبعد القول بوجوبها في العمر مرّة مع القدرة، وإليه كان يميل الوالد العلامة نوَّر الله ضريحه، وسيأتي التفصيل في حدّها للقريب والبعيد، ولا يبعد القول به أيضاً، والله يعلم))[46].

6ـ الحرّ العاملي1104هـ في الوسائل، قال: ( (باب وجوب زيارة الحسين عليه السلام  والأئمة عليهم السلام  على شيعتهم كفاية))[47].

7ـ السيد علي الطباطبائيت1231هـ في رياض المسائل، قال: ( (وتتأكد في الحسين عليه السلام، بل ورد أنّ زيارته فرض على كل مؤمن، وأن ترْكَها تركُ حقَ الله تعالى، وأنّ تركها عقوق رسول الله عليهما السلام، وانتقاص في الإيمان والدين، وأنّه حقٌّ على الغني زيارته في السنة مرّتين، والفقير مرّة))[48].

 8ـ السيد المروّج معاصر في منتهى الدراية، قال: ( (أمّا النصوص الدالّة على رجحان الزيارة، بل وجوبها فكثيرة:

 منها: ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام، فإنّ إتيانه مفترض على كل مؤمن يُقرّ للحسين عليه السلام  بالإمامة... بل يُستفاد من بعض النصوص وجوب زيارة سائر الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين أيضاً)) [49].

ثمّ قال: ( (بل يُفهم من هذه الرواية ونظائرها أنّ التمسك بحبل ولايتهم والإيمان بإمامتهم لا يتمُّ إلاَّ بزيارتهم صلوات الله عليهم، فلا يكون أحد إمامياً إلا بالاعتقاد الجناني بإمامتهم، والإقرار اللساني بها، والحضور بالبدن العنصري عند قبورهم، فالزيارة هي الجزء الأخير؛ لسبب اتّصاف المسلم بكونه إمامياً، وتركها كفقدان سابقيها يُوجب الرفض المبعد عن رحمته الواسعة ـ أعاذنا الله تعالى منه ـ...

فإذاً؛ يخرج وجوب الزيارة الذي قال به جماعة، كالفقيه المقدم أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، والمحدّث الكبير صاحب الوسائل، والعلامة المجلسي، وغيرهم قدس الله تعالى أسرارهم عن الأحكام الفرعية))[50].

القول بالوجوب الكفائي:

قال السيد السيستاني حفظه الله ـ في جوابه عن سؤال: أيّهما أفضل، زيارة الرسول عليهما السلام  أم زيارة سيد الشهداء أبي عبد الله عليه السلام؟ـ: ( (رسول الله أفضل الخلق، فزيارته أيضا أفضل الزيارات، إلاَّ أنّه قد يطرأ عنوان خاص على بعض الزيارات، يكسبها فضيلة أُخرى، بل ربما تبلغ حدّ الوجوب الكفائي، ولعله كان كذلك في العهود السابقة التي منع فيها الناس عن زيارة سيد الشهداء عليه السلام))[51].

والنتيجة من هذه الأقوال: إنّ مَن كان من المتقدمين، فهو دليل على عدم الإعراض، بل هو إفتاء طبق روايات الوجوب، ومَن كان من العلماء من المتأخرين، فهو يدلّ على أنّ متأخري علمائنا وعظمائنا يعتقدون أنّ متقدمي العلماء لم يُعرضوا عن هذه الروايات، وإلاَّ لما أفتوا على طِبقها.

وأمّا ما كان من هذه الأقوال مخالفاً لما استظهرناه في بعض الجزئيات، فهو لا يضرّ بمطلبنا إلاَّ بمخالفة الاستظهار، وقد ذكرنا وجهة نظرنا بالتفصيل في هذا المقال، وفي مقالين سابقين.

بل حتى مَن قال بالاستحباب من العلماء، فإنه لا يُعتبر معرضاً عن روايات الوجوب؛ لأنّه استدلّ على فتواه بنفس الروايات التي استدلّ بها على الوجوب، وهذا يعني أنّهم يقبلونها، إلاَّ أنّهم حملوها على الاستحباب، والظاهر من كلماتهم أنّ سبب ذلك هو جمعهم بين الروايات، وعلى كلّ حال؛ فهذا يُثبت عدم الإعراض.

قال العلاّمة الحلّي ت726هـ في تذكرة الفقهاء: ( (تُستحب زيارة الحسين عليه السلام؛ لقول الباقر عليه السلام: مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام...))[52].

وقال في منتهى المطلب: ( (وفي زيارته فضلٌ كثير، روى الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: مُروا شيعتنا بزيارة الحسين عليه السلام؛ فإنّ إتيانه يزيد في الرزق، ويمدّ في العمر، ويدفع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يُقرّ بالإمامة من الله... وعن علي بن رباب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: حقّ الله تعالى على الغني أن يأتي قبر الحسين عليه السلام  في السنة مرّتين، وحقٌّ على الفقير أن يأتيه في السنة مرّة))[53].

وقال النجفي 1266هـ في الجواهر: ( (وكذا يستحب زيارة الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام  بن أمير المؤمنين عليه السلام، سيد شباب أهل الجنة... بل تأكُّد استحبابها من ضروريات المذهب أو الدين، حتى ورد: أنّ زيارته فرض على كل مؤمن. وواجبة على الرجال والنساء. ومَن تركها ترك حقّ الله تعالى ورسوله. بل تركُها عقوق رسول الله عليهما السلام، وانتقاص في الإيمان والدين؛ فإنّ حقّاً على الغني زيارته في السنة مرّتين، والفقير في السنة مرّة))[54].

إذاً؛ فالنتيجة من بحث الإعراض: إنّه لا يصلح للإشكال، أو فقل: إنّ إشكال الإعراض غير وارد؛ لما تقدم من الأجوبة.

الخلاصة النهائية من البحث في أقسامه الثلاثة

إنّ روايات الوجوب على قسمين:

الأول: الروايات التي نصّت على الوجوب وصرّحت، وهي عديدة، ومنها ما هو صحيح السند.

الثاني: الروايات الظاهرة في الوجوب، وهي كثيرة، منها ما هو صحيح السند أيضاً.

ثمّ إن من مجموع الروايات يمكن أن يدّعى التواتر في المقام.

إنّ المقصود من الزيارة هو الحضور عند قبر الإمام عليه السلام.

إنّ الواجب من الزيارة هو أصل زيارة الإمام مكرراً، ولا حدود واضحة لمقدار التكرار. وإنّ ما جاء من تحديد عدد ـ أو تحديد أوقات الزيارة ـ فهو محمول على القضية الخارجية التي بموجبها يتحدد الجفاء من عدمه؛ فإنّ الجفاء منهيٌّ عنه أيضاً في روايات صحيحة.

إنّ جميع الإشكالات التي ادُّعيَ ورودها في المقام غير واردة، سواء إشكال الروايات المعارضة، أو إشكال عدم دلالة لفظ الوجوب على الوجوب الاصطلاحي في صدر الإسلام، أو إشكال الإعراض الذي يُعتبر أهم تلك الإشكالات.

وعليه؛ فزيارة الإمام الحسين عليه السلام  واجبة مكرراً؛ لتمام الأدلّة على ذلك، وعدم وجود المانع منه.

 

الكاتب: الشيخ رافد عساف التميمي

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد الثالث

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

________________________________________

[1] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص356. واُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص432.

[2] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص237ــ238.

[3] الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص582.

[4] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص237، واُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص437.

[5]  ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: 293. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج 14، ص431.

[6] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص494.

[7] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص490. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص532.

[8] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص491. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص532.

[9] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص490. واُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الوسائل: ج14، ص532.

[10] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص494. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص535.

[11] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص491.

[12] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص356.

[13] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص 355.

[14] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص357. واُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص432.

[15] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص499.

[16] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص81.

[17] الصدوق، محمد بن علي، ثواب الأعمال: ص98.

[18] المصدر السابق: ص99.

[19] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات:ص537.

[20] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص492.

[21] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص584.

[22] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص84.

[23] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص510.

[24] الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1، ص287.

[25] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج4، ص585.

[26] الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام: ج6، ص84.

[27] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي: ص182. الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج1، ص290.

[28] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص487 ـ 488.

[29] المصدر السابق: ص488.

[30] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص444.

[31] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص426.

[32] الصدوق، محمد بن علي، مَن لا يحضره الفقيه: ج2، ص582.

[33] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص357.

[34] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص356.

[35] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص237.

[36] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص237. اُنظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص437.

[37] نوادر علي بن أسباط، ضمن كتاب الأُصول الستّة عشر: ص123. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص75. النوري، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل: ج10، ص259.

[38] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص133. وعنه: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص445.

[39] ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات: ص236.

[40] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص133.

[41] المفيد، محمد بن محمد، المزار: ص26.

[42] المشهدي، محمد بن جعفر، المزار: ص339.

[43] العاملي، يوسف بن حاتم، الدرّ النظيم: ص572.

[44] اُنظر: الإربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغمّة: ج2، ص251.

[45] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص1.

[46] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج98، ص10.

[47] الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة: ج14، ص443.

[48] الطباطبائي، علي، رياض المسائل: ج7، ص167.

[49] المروّج الجزائري، محمد جعفر، منتهى الدراية: ج6، ص637.

[50] المصدر السابق: ج6، ص637ـ 638.

[51] السيستاني، علي، استفتاءات: ص408، رقم السؤال1610.

[52] الحلّي، الحسن بن يوسف، تذكرة الفقهاء: ج8، ص453، مسألة770.

[53] الحلّي، الحسن بن يوسف، منتهى المطلب: ج2، ص892.

[54] الجواهري، محمد حسن، جواهر الكلام: ج20، ص95.