×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

الثورة السرية و العلنية للإمام الحسين (عليه السلام) و آثارهما

قال الله سبحانه تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).   (14) الصف/14.
وروى البخاري أن أعرابياً قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  : الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه في سبيل الله، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
وجّه الحسين (عليه السلام) أصحابه في المرحلة السِريَّة من حركته في مواجهة الانقلاب الفكري السياسي لمعاوية (50-59 هـ) ليواصلوا نشر الأحاديث النبوية الصحيحة في علي (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) بين من يثقون به من الناس، وكان آخر نشاط نوعي في هذا السبيل هو المؤتمر السري الذي عقده الإمام الحسين (عليه السلام) في مكة في موسم الحج لسنة 59 هجرية، أي قبل موت معاوية بسنة، وحضره عدد كبير من الصحابة والتابعين، وكانت المادة الأساسية في هذا المؤتمر هي خطاب الحسين (عليه السلام) الذي أطلع المؤتمرين آنذاك على خطورة الوضع الفكري والسياسي ثم حثهم على نشر الحقائق الدينية في علي وأهل البيت (عليهم السلام) وقد استهل خطابه (عليه السلام) بقوله: (إني خفت دروس هذا الأمر) (أي أمر ولاية أهل البيت -عليهم السلام-).

ثم أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) بعد موت معاوية عن حركته التبليغية ليقاوم بدعتين سادتا وانتشرتا انتشاراً مطبقاً:
الأولى: التربية العامة على بغض علي (عليه السلام) ولعنه والبراءة منه، ورواية الأحاديث الكاذبة في ذمه والطعن عليه ومعاقبة من يظهر خلافه لهذه السياسة.
الثانية: التربية العامة على الولاء المطلق للخليفة الأموي والتقرب إلى الله بطاعته ومحبته، ورواية الأحاديث الكاذبة في فضل بني أمية وإكرام من يتجاوب مع هذه السياسة.

اختار الإمام الحسين (عليه السلام) مكة قاعدة ينطلق منها في حركته التبليغية النهوضية تلك يحيط به بنو هاشم لحمايته من أجل أن يقوم بممارسته التبليغية ونشر أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) والنهوض بوجه الظالمين، هذه الممارسة التي تعاقب الدولة عليها بعقوبة الإعدام كما يقال بلغة العصر.

وتحرك  الإمام الحسين (عليه السلام) على أخيار المسلمين القادمين من مختلف البلاد الإسلامية لأداء العمرة والحج يحدِّث الجيل الجديد منهم بما حرَّمت الدولة الحديث به فلم يسمعوه، ويستنهض الجيل القديم ويذكِّرهم بتكليفهم الشرعي إزاء ظهور البدع، ومن ثم يطلب النصرة من الجميع ليحموه من دولة الضلال  لكي يواصل هو وأخيار الصحابة والتابعين تبليغ أحاديث جده وسنته للأمة.

تجاوب مع الحسين (عليه السلام) وجوه شيعة أبيه في العراق، وبخاصة في الكوفة الممتحنة في السنوات السابقة من النظام الأموي، وبايعوه على النصرة ودعوه إلى البلد لينهض به في مقاومة بني أمية كما نهض جده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل المدينة لمقاومة قريش، وشاء الله تعالى أن تنكشف الحركة في الكوفة وتُسحق في مهدها، ويُسجن أنصار الحسين (عليه السلام) فيها ويُقتل (هانئ) أبرز الوجوه في الكوفة وأقواها سياسياً واجتماعياً، ويُقتل بعده (مسلم بن عقيل)، وتُقطع الطرق المؤدية إلى الكوفة لقطع الطريق على المختفين من أنصار الحسين (عليه السلام) ولمنعهم من اللحاق به، ويطوق الركب الحسيني الخارج من مكة خوفاً من أن تُستحل حرمتها به حيث كان يزيد قد دس الرجال ليقتلوا الإمام  الحسين (عليه السلام) غِيلة في الموسم.

عرض جيش الدولة الأموي على الحسين (عليه السلام) أن يسلم نفسه للسلطة وأبى الحسين (عليه السلام) ومن معه ذلك، وجرت معركة غير متكافئة، وقتل  الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه ورفعت رؤوسهم على الرماح وداست الخيل صدر الحسين (عليه السلام) وأخذت نساؤه وأطفاله أسرى إلى الشام.

صفا الملك ليزيد وبني أمية سنتين تقريباً بعد قتل الحسين (عليه السلام)، وقدَّروا أنهم أطفأوا النور الحسيني، وأن خطر الزلزال عليهم وعلى خطتهم انتهى إلى غير رجعة، وما علموا  أن القيام المخلص لله والقتل في سبيله هو من أعظم الوسائل التي يتألق بها نور الهداية، ويستحكم بها الخطر على المنحرفين، وتظهر معالمه جلية واضحة في كل البلاد الإسلامية.

فقد ثار أهل المدينة على يزيد بعد سنتين (63هجرية) من قتل الحسين (عليه السلام).
وأعلن أهل مكة تمردهم في غضون ذلك.
وعاجل الله تعالى يزيد فأماته مبكراً، واستقال ولده (معاوية الثاني) من الحكم، ومات بعد استقالته بأيام، وتمزقت الدولة الأموية شر ممزق.
فاقتتل أهل الشام بينهم من أجل الملك وصاروا رايتين راية تدعو لابن الزبير وأخرى تدعو لمروان ثم خلص الأمر لمروان بن الحكم بعد وقعة (مرج راهط)  التي أهلكت آلاف الناس، ومن بعده لابنه (عبد الملك).
واقتتل أهل خراسان، قال المدائني لما مات يزيد بن معاوية، وثب أهل خراسان بعمالهم، فأخرجوهم وغلب كل قوم على ناحية، ووقعت الفتنة، وغلب (عبد الله بن خازم) على خراسان، ووقعت الحرب (1) وأقرَّ (عبد الله بن الزبير)  عبد الله بن خازم على خراسان، وكاتَبَه (عبد الملك) ليبايع له فرفض، فثار عليه (وكيع بن الدورقية)، وقتله (2).

وفي البصرة روى أبو مخنف قال: وثب الناس بعبيد الله بن زياد وكسر الخوارج أبواب السجون، وخرجوا منها (3)، وقادهم (نافع بن الأزرق) ومن بعده (عبيد الله بن الماحوز)، وجرت بينهم وبين أهل البصرة حروب كثيرة، ثم هزمهم (المهلب بن أبي صفرة) عن الأهواز.

وفي الكوفة وثب رؤساء الجيش والشرطة، بعمرو بن حريث خليفة ابن زياد ومدير شرطته، وكان هواهم مع ابن الزبير، فأخرجوه من القصر واصطلحوا على (عامر بن مسعود بن أمية الجمحي القرشي)، وبايعوا لابن الزبير ثم كسرت السجون وخرج الشيعة.

واقتتل أهل اليمن فيما بينهم كذلك.
وكان البلد الوحيد الذي وجدت فيه حركة تحمل خط الحسين (عليه السلام) ونهجه، هو (الكوفة) بزعامة (سليمان بن صرد) ثم بزعامة (المختار الثقفي)، ولكن (عبد الله بن الزبير) لم يحتمل ذلك وبخاصة أن الكوفة كانت تابعة له، فبعث أخاه (مصعباً) بأهل البصرة وبقايا الجيش الذي قاتل الحسين (عليه السلام) الذي خرج من الكوفة فاراً من المختار، ثم جرت بينهم وبين جيش المختار معارك ضارية انتهت بقتل المختار -رحمه الله-، وقتلت زوجته لأنها لم تتبرأ منه ومعها (سبعة آلاف) صبراً ممن كان مع المختار في القصر.

ولئن استطاع (عبد الملك) بعد عشرين عاماً أن ينتصر على المعارضة والثوار في أنحاء البلاد الإسلامية، وأن يستعيد وحدة الدولة الأموية ويفرض السياسة التي اختطها معاوية من جديد، فإنَّ حرارة البركان في الكوفة، والمغتربين من أبنائها في خراسان لم تكن قد انتهت، فكانت ثورة زيد -رحمه الله- في الكوفة، وكان قدره فيها كقدر جده الحسين (عليه السلام) فكان وقوداً وزيتاً للثائرين، ثم كانت ثورة العباسيين بالكوفيين المغتربين ومن معهم من أهل خراسان، وانهار على أيديهم الحكم الأموي والأطروحة الأموية للإسلام المبنية على لعن علي (عليه السلام) حيث لم يأتِ حكم بعد ذلك يتبنى لعن علي (عليه السلام) إلى اليوم ولن يأتيَ إلى آخر الدنيا.
وانتشرت الأحاديث النبوية التي عمل بنو أمية على طمسها، وكتمانها وتحريفها، واهتدى بها من أراد الهداية من الأمة، وهي محفوظة في كتب المسلمين جميعاً إلى اليوم.
وأيد الله تعالى الحسين (عليه السلام) تاييداً خاصاً حين بتر  نسل  يزيد  فلا يوجد اليوم من ينتسب إليه، وبارك الله تعالى في نسل الحسين (عليه السلام) فهو يملأ  الدنيا، ورزقه منهم تسعة أئمة هدى أسباطاً  ، وأعلام هداية نشروا ما كان يحمله الحسين (عليه السلام) من تراث نبوي كتبه الإمام علي (عليه السلام) بيده الكريمة الطاهرة، وأملاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من فيه الشريف المطهر، والتف حولهم شيعة يأخذون عنهم هذا التراث الإلهي، ويحملون ظلامة الحسين (عليه السلام) غضة طرية كل عام في عاشوراء، ليهتدي بهديها من شاء من الناس.

من كتاب (الإمام الحسين -عليه السلام- الظلامة الفاتحة الهادية).

تأليف /   العلامة المحقق السيد سامي البدري.
______________________
(1) تاريخ الطبري 5/546.

(2) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: عبد الله بن خازم البصري أمير خراسان يقال له صحبة ورواية روى عنه سعد بن عثمان الرازي وسعيد بن الأزرق قال أبو أحمد العسكري كان من أشجع الناس ولي خراسان عشر سنين وافتتح الطبسين ثم ثار به أهل خراسان فقتلوه وكان الذي تولى قتله وكيع بن الدورقية وحمل رأسه إلى عبد الملك بن مروان وقال خليفة ابن خياط قام بأمر الناس في وقعة قازن بباذغيس وكتب إلى بن عامر بالفتح فأقره على خراسان حتى قتل عثمان وقال صالح بن الرحبية قتل سنة 71  ،  وقال السلامي في تاريخه لما وقعت فتنة بن الزبير كتب إليه بن خازم بطاعته فأقره على خراسان فبعث إليه عبد الملك بن مروان يدعوه إلى طاعته فلم يقبل فلما قتل مصعب بعث إليه عبد الملك برأسه فغسله وصلى عليه ثم ثار عليه وكيع بن الدورقية وغيره فقتلوه وبمعنى ذلك حكى أبو جعفر الطبري وزاد وكان قتله في سنة 72.
(3) تاريخ الطبري 5/567 عن أبي مخنف.