×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

الإمام الحسين (عليه السلام) في سورة الأحقاف

 ﴿وَوَصَّينا الأِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَصلِح لي في ذُرّيَّتي إِنّي تُبتُ إِلَيكَ واِنّي مِنَ المُسلِمينَ (15) أولئِكَ الَّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُم أَحسَنَ ما عَمِلوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِم في أَصحابِ الجَنَّةِ وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كانوا يوعَدونَ (16)﴾ الأحقاف/15ـ16

روى الكليني بسنده عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لما حملت فاطمة (عليه السلام) بالحسين جاء جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال إن فاطمة ستلد غلاماً تقتله أمتك من بعدك فلما حملت بالحسين (عليه السلام) كرهت حمله. وحين وضعته كرهت وضعه. ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) تكرهه لما علمت أنه سيقتل. قال وفيه نزلت هذه الآية ﴿ وَوَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحسانًا حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهًا ووَضَعَتهُ كُرهًا وحَملُهُ وفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهرًا﴾. [1]

 -تمهيد:

أخبر القرآن الكريم بطريقته الخاصة عن قصة الحسين (عليه السلام) وأشار الأئمة (عليه السلام) إلى تلك الآيات من خلال الميراث العلمي الذي ورثوه عن جدهم النبي (صلى الله عليه و آله).

من قبيل ما رواه ابن شهر آشوب في كتاب (المناقب) عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى:

﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقولوا رَبُّنا اللهُ وَلَولا دَفعُ اللهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيها اسمُ اللهِ كَثيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَويٌّ عَزيزٌ﴾ الحج/40.

قال: نحن، نزلت فينا.

وفي تفسير على بن إبراهيم وقوله عزوجل: ﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ﴾ قال: الحسين (صلوات الله عليه وعلى جده وأبيه وأمه وأخيه وذريته وبنيه) حين طلبه يزيد ليحمله إلى الشام فهرب إلى الكوفة وقتل بالطف.

وفي روضة الكافي عن ابن محبوب عن أبى جعفر الأحول عن سلام بن المستنير عن أبى جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقولوا رَبُّنا اللهُ﴾ قال نزلت في رسول الله (صلى الله عليه و آله) وعلي وحمزة وجعفر، وجرت في الحسين (عليهم السلام) أجمعين.

وفي مجمع البيان قال أبو جعفر (عليه السلام) نزلت في المهاجرين وجرت في آل محمد: الذين أخرجوا من ديارهم وأخيفوا[2].

ونموذج ذلك كثير ومن ذلك سورة الأحقاف، وسورة الفجر، وغيرها.

 -الحسين (عليه السلام) في سورة الأحقاف:

﴿وَوَصَّينا الأِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناًحَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاًوَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراًحَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَصلِح لي في ذُرّيَّتي إِنّي تُبتُ إِلَيكَ واِنّي مِنَ المُسلِمينَ (15) أولئِكَ الَّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُم أَحسَنَ ما عَمِلواوَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِم في أَصحابِ الجَنَّةِ وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كانوا يوعَدونَ (16)﴾

الآيات تتحدث عن إنسان خاص، تتحدث هذه الآيات عن إنسان معين، وليس عن كل إنسان، لقوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) إذ المعروف أن الرضاعة وحدها في الحالات الاعتيادية تقدر بحولين كاملين فتبقى ستة أشهر، والآيات تذكر أن هذا الإنسان قد ولد لستة أشهر مضافاً إلى ذلك أن الشكر على النعمة الإلهية مطلوب من الإنسان من عمر التكليف وليس حين يبلغ الأربعين سنة فقط، مضافاً إلى ذلك أن الآيات تصرح بقبول عمل هذا الإنسان وليس كل عامل عمله مقبول.

 -تفسير الآية في التراث السني:

جاء في التراث الروائي التفسيري السني عن ابن عباس وعلي (عليه السلام) أنها نزلت في أبي بكر وذريته.

قال القرطبي: وروي أن الآية نزلت في أبي بكروكان حمله وفصاله في ثلاثين شهراً حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهراً.[3]

قال السيوطي وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال أنزلت هذه الآية في أبي بكر حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعاً وإخوانه وولده كلهم ونزلت فيه أيضاً ﴿فاَمّا مَن أَعطى واتَّقى﴾ إلى آخر السورة.

قال القرطبي: وقال علي (رضي الله عنه) هذه الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده.[4]

 -تفسير الآية في التراث الشيعي:

وفي التفسير الروائي الشيعي عن علي بن الحسين (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام) أنها نزلت في الحسين (عليه السلام) وتسعة من ذريته.

روى الكليني بسنده عن أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لما حملت فاطمة (عليه السلام) بالحسين جاء جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال إن فاطمة ستلد غلاماً تقتله أمتك من بعدك فلما حملت بالحسين (عليه السلام) كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) تكرهه لما علمت أنه سيقتل. قال وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحسانًا حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهًا ووَضَعَتهُ كُرهًا وحَملُهُ وفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهرًا﴾. [5]

وروى الكليني أيضاً رواية أخرى أكثر تفصيلاً وهي: عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن جبرئيل (عليه السلام) نزل على محمد (صلى الله عليه و آله) فقال له يا محمد إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله أمتك من بعدك فقال: يا جبرئيل وعلى ربي السلام لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أمتي من بعدي فعرج ثم هبط (عليه السلام) فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فقال: قد رضيت ثم أرسل إلى فاطمة: إن الله يبشرني بمولود يولد لك تقتله أمتي من بعدي فأرسلت إليه لا حاجة لي في مولود مني تقتله أمتك من بعدك فأرسل إليها أن الله قد جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية فأرسلت إليه إني قد رضيت.

قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَ وَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَصلِح لي في ذُرّيَّتي﴾ فلولا أنه قال اصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم أئمة.[6]

وقد رواها الشيخ الصدوق أيضاً في كتابه (علل الشرائع).

 -الواقع التاريخي يؤكد أن الحسين (عليه السلام) وذريته مصداق الآية:

والواقع التاريخي الذي جرى بعد نزول القرآن نجده لصالح الرواية الشيعية حيث ولد الحسين (عليه السلام) لستة أشهر ورضاعته أربعة وعشرون شهراً هذه ثلاثون شهراً كما أشارت الآية  وقد استفاضت بل تواترت الأحاديث عن جده النبي (صلى الله عليه و آله) في فضله.

وتصدت الدولة الأموية لتشويه نهضته وتأطيرها بإطار الخروج على إمام الزمان، وأن من خرج على إمام زمانه مات ميتة جاهلية ورووا عن النبي (صلى الله عليه و آله) كذباً أنه قال (من خرج عن السلطان مات ميتة جاهلية)، لتبرير قتله (عليه السلام) وسبي نسائه في مأساة لا نظير لها في تاريخ الإسلام، وأطبقت الأمة على السكوت عشرين شهراً بعد الواقعة لا تسمع فيها من خطباء المنابر بعد صلاة الجمعة في كل الأمة الإسلامية شرق الأرض وغربها إلا لعن علي والحسن والحسين.

ثم تزلزلت الأرض من تحت أقدام بني أمية، واستجاب الله تعالى دعاء الحسين (عليه السلام) حين بتر عمر يزيد، ونزع رغبة الملك من قلب ولده معاوية فاستقال بعد أربعين يوماً، واختلف أهل الشام واقتتلوا على السلطة، واقتتل أهل خراسان، واقتتل أهل اليمن وأهل البصرة، وامتازت الكوفة عن غيرها بأن القتال كان فيها بين جبهة قاتلت الحسين (عليه السلام) وجبهة ترفع شعار الحسين للأخذ بثأره ممن كانوا في السجون من شيعته، وبدأ النشء الجديد يتبرأ من بني أمية ويترحم على الحسين وأبيه وأخيه، وينفتح على أحاديث النبي (صلى الله عليه و آله) فيهم وفي إمامتهم الإلهية حتى سقطت دولة بني أمية وانهار إعلامهم في الحسين (عليه السلام) تماماً وتحول قبر الحسين (عليه السلام) إلى مزار عالمي قل نظيره مضافاً إلى ذرية تنتسب إليه بعدد غفير يملأ الدنيا برز منهم تسعة أئمة في الدين تاسعهم ادعي لهم أنه غائب وأنه لا زال حياً ينتظر إذن الله له بالظهور ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وهي دعوى يحملها الشيعة ويملكون وسائل إثباتها لمن رام تحقيق النظر فيها.

وليس من شك أن هذه الأمور بمجموعها تشكل ظاهرة خاصة بالحسين (عليه السلام) وذريته، لا يملك أبو بكر وذريته شيئاً منها على الإطلاق.

ويتضح من ذلك أن الرواية التي نسبت إلى علي (عليه السلام) وإلى تلميذه ابن عباس، وتقول إن الآية في أبي بكر وولده ليس لها شيء من الواقع التاريخي يصدقها ولو سلطنا البحث في أسانيدها لكشف البحث عن الوضّاع الذي وضعها.

-شرح الآيات:

- قوله تعالى: ﴿وَوَصَّينا الأِنسانَ بِوالِدَيهِ إِحساناً﴾:

وردت الوصية بالوالدين في آية أخرى: ﴿وَوَصَّينا الإِنسانَ بِوالِدَيهِ حُسناً واِن جاهَداكَ لِتُشرِكَ بي ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُما﴾ العنكبوت/8.

والإحسان والحُسن واحد، والمعنى أننا أمرنا الإنسان بمعاملة والديه بالحسنى، أي بالطاعة والموافقة لهما مادامت هذه الطاعة فيما أمر به الله ونهى عنه، فإذا أمراه بالشرك فلا طاعة ولا موافقة.

وحين يكون الجو العام هو تبني الدولة لعن (علي) بصفته ملحداً في الدين، واستعانوا بالكذب على النبي؛ لتأييد ذلك وتكريسه، ثم ملاحقة من يعتقد بإمامة (علي) ويروي الأحاديث الصحيحة عن النبي في حقه، وأنزلوا به أشد العقاب من تسميل الأعين وقطع الايدي والأرجل، والسجن، والنفي، والقتل، وتهديم البيوت، ومحو أسمائهم من ديوان العطاء على مرأى من الحسين ومسمع؛  فيترتب على ذلك أن ينهض الحسين ليضع حداً لذلك.

والآية كأنها تشير إلى وجود وصية وعهد من الله تعالى إلى الحسين بأن يبر والديه، وليس من شك أن من البر رفع الظلم والحيف عنهما، وليس من شك أن أكبر ظلم وقع على النبي هو الكذب عليه وأكبر ظلم وقع على (علي) هو تشويه سيرته؛ ليظهروه بمظهر المفسد في الدين، وأنه يستحق البراءة واللعن وملاحقة شيعته، وهذه الوصية تقررت يوم رأى النبي في المنام بني أمية ينزون على منبره، وساءه ذلك، ولم يُرَ بعدها مستجمعاً ضاحكاً، وقد أخبره الله تعالى أنه المنجي من فتنتهم نهضة الحسين وشهادته وظلامته.

قال تعالى:

﴿وَ إِذ قُلنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنّاسِ وَما جَعَلنا الرُّؤيا الَّتي أَرَيناكَ إِلاَّ فِتنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلعونَةَ في القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إِلاَّ طُغياناً كَبيراً﴾ الإسراء/60.

وروى السيوطي في (الدر المنثور) في تفسير عن ابن أبى حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني أمية على المنابر؛ فساءه ذلك.

ولا بد أن النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) قد حدّث الحسين وهو ابن سبع سنوات بذلك؛ ليستكشف رأيه ثم أبلغه الخبر الإلهي، والتقدير الإلهي ومن الطبيعي أن يستجيب لجده ولربه كما استجاب إسماعيل لربه ولأبيه.

-قوله تعالى ﴿ حَمَلَتهُ أُمُّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرهاً﴾:

قال الإمام الصادق (عليه السلام) قال لما حملت فاطمة (عليه السلام) بالحسين جاء جبرئيل إلى الرسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: إن فاطمة ستلد غلاماً تقتله أمتك من بعدك فلما حملت بالحسين (عليه السلام) كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) تكرهه لما عملت أنه سيقتل.

-قوله تعالى ﴿وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً﴾:

روى الطبري قال: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي عبيدة قال: رفع إلى عثمان امرأة ولدت لستة أشهر، فقال: إنها رفعت لا أراها إلا قد جاءت بشر أو نحو هذا ولدت لستة أشهر، فقال ابن عباس: إذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر. قال: وتلا ابن عباس: وحمله وفصاله ثلاثون شهراً، فإذا أتمت الرضاع كان الحمل لستة أشهر فخلى عثمان سبيلها.

أقول: بل الفتوى أساساً هي لعلي (عليه السلام) كما في الرواية الآتية:

روى الطبري قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ثني ابن أبي ذئب: عن أبي قسيط، عن بعجة بن زيد الجهني  : إن امرأة منهم دخلت على زوجها، وهو رجل منهم أيضاً، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان بن عفان، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: وحمله وفصاله ثلاثون شهراً وقال: وفصاله في عامين قال: فوالله ما بعد عثمان ان بعث إليها ترد.[7]

وروي أن امرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذكر ذلك لعثمان فأمر برجمها، فقال له علي: قال الله تعالى ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وفصاله في عامين﴾ فوالله ما بعد عثمان ان بعث إليها ترد.[8]

أقول: والروايات الآنفة الذكر تخفيف لأصل الرواية إذ إن فتوى علي (عليه السلام) جاءتهم متأخرة وقد فرغ من المرأة، كما في الرواية الآتية:

روى ابن كثير في تفسيره قال: قال محمد بن إسحاق بن يسار عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن معمر بن عبد الله الجهني قال تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له فبعث إليها فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت وما يبكيك فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط فيقضي الله سبحانه وتعالى في ما شاء فلما أتي بها عثمان أمر برجمها فبلغ ذلك علياً (رضي الله عنه) فأتاه فقال له ما تصنع؟

قال ولدت تماماً لستة أشهر وهل يكون ذلك؟

فقال له علي (رضي الله عنه) أما تقرأ القرآن؟

قال بلى.

قال أما سمعت الله عز وجل يقول ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ وقال ﴿حولين كاملين﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر.

قال: فقال عثمان: والله ما فطنت بهذا علي بالمرأة فوجدوها قد فُرِغ منها.

قال: فقال معمر فوالله ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه فلما رآه أبوه قال ابني والله لا أشك فيه قال وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة فما زالت تأكله حتى مات رواه ابن أبي حاتم.[9]

-قوله تعالى﴿حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾:

بلوغ الأشد: هو الاحتلام كما في الروايات عن أهل البيت (عليه السلام) وقد ذكرت الروايات السن التي يقع فيها الاحتلام وهي: إذا أنهى ثلاث عشرة سنة ودخل في السنة الرابعة عشرة[10]، وأيضاً ورد أن الاحتلام يحصل في ست عشرة سنة وسبع عشرة سنة وثماني عشرة سنة[11]، وليس من شك أن السن المتعارفة هي خمس عشرة سنة والدخول في السادسة عشرة.

-قوله تعالى ﴿وَبَلَغَ أَربَعينَ سَنَةً﴾:

أقول فيه احتمالان:

الأول: أن الأربعين سنة تحسب من ولادته والمعنى أن هذا الانسان لما بلغ من العمر أربعين سنة قال قوله الذي ذكرته الآية.

الثاني: أن الأربعين سنة تحتسب من البلوغ أي عاش أربعين سنة بعد بلوغ الأشد، فيكون المعنى أن هذا الإنسان لما بلغ الخامسة والخمسين من عمره قال قوله الآنف الذكر.

وليس من شك أن حمل الآية على المعنى الأول يجعل ذكر بلوغ الأشد زائداً ولغواً وهو خلاف ما يعرف عن القرآن من أنه يحسب لكل حرف وكلمة حسابها بخلاف حملها على الاحتمال الثاني.

ولما كانت الآية تبعاً  للرواية الواردة تتحدث عن الحسين (عليه السلام) فهي إذن تريد أن تذكرعمره الشريف ولكنها تحاشت ذكره بشكل صريح جداً لمنهج وحكمة عرف بها القرآن عند حديثه عن الأشخاص[12].

ومن الثابت تاريخياً أن الحسين (عليه السلام) حين قتل يوم عاشوراء سنة 61 ه كان ابن الخامسة والخمسين وشهور فمن المؤرخين من جعله ابن خمس وخمسين سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام، وقد وردت رواية في ذلك رواها ابن سعد في طبقاته، ومنهم من جعله ابن ست وخمسين وأشهر كما عند غيره.

-قوله تعالى ﴿قالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ﴾:

أوزعني أن أشكر: أي اجعلني مولَعاً بشكرك يا رب.

نعمتك التي أنعمت عليَّ: هي نعمة الاصطفاء والاجتباء ومن مظاهرها الطهارة، وإذهاب الرجس، وضمان إجابة الدعاء ووراثة العلم[13]، والتوكيل الإلهي بحفظ الرسالة  وقد كان الحسين (عليه السلام) أحد أفراد آية التطهير، وأحد أفراد آية المباهلة  وأحد أفراد آية القربى ثم هو أحد الأوصياء وورثة العلم الذي كتبه علي (عليه السلام) بإملاء النبي (صلى الله عليه و آله وسلم).

-قوله تعالى ﴿وَعَلى والِدَيَّ﴾:

هما علي (عليه السلام) والنبي (صلى الله عليه و آله وسلم) وقد أنعم عليهما بنعمة الاصطفاء بالطهارة وأنعم على النبي بالنبوة وعلى علي بالإمامة نظير قول يعقوب ليوسف ﴿وَكَذلِكَ يَجتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تأويلِ الأَحاديثِ وَيُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلى آلِ يَعقوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيكَ مِن قَبلُ إِبراهيمَ واِسحاقَ﴾ يوسف/6.

-قوله تعالى ﴿واَن أَعمَلَ صالِحاً﴾:

لما كان الحسين (عليه السلام) بعد هلاك معاوية قد رفض بيعة يزيد، وهو الإحسان الذي تفرضه الوصية بالوالدين إذ كيف يتوقع أن يبايع الحسين (عليه السلام) لنظام جعل من أوليات سياسته التربوية والدينية لعن علي (عليه السلام) بوصفه ملحداً في الدين، وعلي (عليه السلام) ولي الناس بعد النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) بنص كلام النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) في غدير خم:

(الله مولاي وأنا مولى المؤمنين فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصرة واخذل من خذله).

ثم إن رفض البيعة تستتبعه مواقف أخرى تنسجم معها من قبيل إعلام الناس بأحاديث النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) في حق علي (عليه السلام) وهي ممنوعة ويستلزم الحديث بها تعريض المتحدث بها إلى ما لا يتصور من العذاب والنكال كما يستلزم ذلك أن يعرض الحسين (عليه السلام) نفسه إلى القتل ولا يقتل دون أن يقتل أحباؤه معه وليس من شك أن هذا العمل ستختلف فيه أنظار الناس فيه بين مؤيد ومعارض و (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون).

إذن المرحلة تقتضي أن يتوجه الحسين (عليه السلام) إلى ربه يدعوه؛ لكي يوفقه إلى عمل صالح لا تشوبه شائبة عمل صالح على غرار عمل جده النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) حين نهض بأمر الله تعالى؛ ليحرر دين إبراهيم من بدع قريش المشركة، وعمل أبيه علي (عليه السلام) حين نهض بوصية من النبي (صلى الله عليه و آله وسلم)؛ ليحرر دين محمد (صلى الله عليه و آله وسلم) من بدع قريش المسلمة  والآن عليه أن ينهض بوصية من النبي (صلى الله عليه و آله وسلم)؛ ليحرر دين الله من بدع بني أمية: (أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب)، (إني رأيت رسول الله في المنام وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ له).

وقد تميزت حركة الحسين (عليه السلام) منذ يوم إعلانها في مكة بالامتناع عن بيعة يزيد، وبقي هذا الموقف واحداً وقد كلفه حياته وحياة من معه من أهل بيته وأصحابه، وسبي نسائه إلى الشام.

-قوله تعالى ﴿تَرضاهُ﴾:

أي تتقبله، بأن تظهرأثره في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن القضية قضية إحياء دين وشريعة في المجتمع، لتبقى حجة الله قائمة على البشر.

-قوله تعالى ﴿واَصلِح لي في ذُرّيَّتي﴾:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): فلو لا أنه قال اصلح لي ذريتي لكانت ذريته كلهم أئمة، ولا يبعد أن الدعاء من الإمام الحسين كان ليلة العاشر من المحرم حيث كان ولده (علي) قد أشرف على الهلاك؛ بسبب مرضة بالذرب، وهو الذي أقعده عن الحرب، فهو دعاء يخص ولده (علياً)؛ لشفائه بوصفه الوصي بعده نظير دعاء (زكريا) لإصلاح زوجته؛ لأنها كانت عاقراً وكانت امرأة صالحة

﴿وَزَكَريّا إِذ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرني فَرداً واَنتَ خَيرُ الوارِثينَ (89) فاستَجَبنا لَهُ وَوَهَبنا لَهُ يَحيى واَصلَحنا لَهُ زَوجَهُ إِنَّهُم كانوا يُسارِعونَ في الخَيراتِ وَيَدعونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانوا لَنا خاشِعينَ (90)﴾ الأنبياء/89 ـ90.

ومن المفيد جداً أن نقارن بين دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) هذا ودعاء سليمان (عليه السلام) في قصته مع النمل قال تعالى:

﴿وَ لَقَد آتَينا داوُدَ وَسُلَيمانَ عِلماً وَقالاَ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي فَضَّلَنا عَلى كَثيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤمِنينَ (15) ووَرِثَ سُلَيمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّها النّاسُ عُلِّمنا مَنطِقَ الطَّيرِ وأوتينا مِن كُلِّ شَي‏ءٍ إِنَّ هذا لَهوَ الفَضلُ المُبينُ (16) وحُشِرَ لِسُلَيمانَ جُنودُهُ مِنَ الجِنِّ والإِنسِ والطَّيرِ فَهُم يوزَعونَ (17) حَتَّى إِذا أَتَوا عَلى وادِ النَّملِ قالَت نَملَةٌ يا أَيُّها النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشعُرونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِن قَولِها وَقالَ رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ واَن أَعمَلَ صالِحاً تَرضاهُ واَدخِلني بِرَحمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحينَ (19)﴾ النمل/15ـ 19.

إن النبي (سليمان) هنا يشكر الله تعالى على نعمة الاصطفاء التي منَّ بها عليه وعلى والديه ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي فَضَّلَنا عَلى كَثيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤمِنينَ﴾ وكان من مظاهر هذا التفضيل هو العلم، ومنه علم منطق الطير، ومنه طاعة الجن والطير والريح له، ووالداه هما (داود) و (يعقوب) جده وجد أبيه وهو الأصل في النعمة الخاصة لبني إسرائيل.

والملفت للنظر أن (سليمان) لم يطلب من الله تعالى أن يصلح له في ذريته مع كثرتهم، والملاحظ على هذه الذرية أنها لم يبعث منها نبي بعد (سليمان)، ولم يبرز منهم إمام هدى، وما ورد من نسب (عيسى) إلى (سليمان) بواسطة يوسف النجار باطل؛ لأن (عيسى) خلقه الله تعالى من غير أب ولم يكن يوسف النجار أباً  له حتى يتصل عن طريقه إلى (سليمان)، ولم يدع (سليمان) بأن يصلح (الله) تعالى في ذريته لإخبار الله تعالى إياه أنه لم يقدِّر أن يكون فيهم أصفياء فلا ينبغي أن يدعو بمثل ذلك الدعاء وهذا يفسر قوله تعالى حاكيا عن (سليمان):

﴿قالَ رَبِّ اغفِر لي وَهَب لي مُلكاً لا يَنبَغي لأَِحَدٍ مِن بَعدي إِنَّكَ أَنتَ الوَهّابُ﴾ ص/35.

أي لا يورث من قبل ذريته إذ لا يوجد فيهم صفي لله تعالى ومن هنا كان وارث علمه شخصاً آخر ليس من ذريته وهو الذي وردت قصته مع عرش ملكة سبأ:

﴿قالَ يا أَيُّها المَلَؤُا أَيُّكُم يأتيني بِعَرشِها قَبلَ أَن يأتوني مُسلِمينَ (38) قالَ عِفريتٌ مِنَ الجِنِّ أَنا آتيكَ بِهِ قَبلَ أَن تَقومَ مِن مَقامِكَ واِنّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمينٌ (39) قالَ الَّذي عِندَهُ عِلمٌ مِنَ الكِتابِ أَنا آتيكَ بِهِ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَ فَلَمّا راهُ مُستَقِرًّا عِندَهُ قالَ هذا مِن فَضلِ رَبّي ليَبلوَني أاَشكُرُ أَم أَكفُرُ وَمَن شَكَرَ فاِنَّما يَشكُرُ لِنَفسِهِ وَمَن كَفَرَ فاِنَّ رَبّي غَنيٌّ كَريمٌ (40)﴾ النمل/38-40.

وكان هذا الشخص الذي عنده علم من الكتاب هو وارث (سليمان) وهو (اصف بن برخيا).

-قوله تعالى ﴿إِنّي تُبتُ إِلَيكَ﴾:

أي إني رائح إليك، مؤثر الحياة عندك على الحياة مع الظالمين، وإني منقاد لأمرك حيث أمرتني أن أكون باراً بوالديَّ حينما أرى دينهما وسيرتهما تتعرض للتحريف وقد أخذا علي العهد أن أنهض لمقاومة ضلالة بني أمية، وتعبير التوبة لا يشير أنه كان مذنباً في نفسه بل يوحي أنه كان ملوماً من الآخرين حينما رأوا الحسين (عليه السلام) قد سكت مدة عشر سنوات بعد وفاة الحسن (عليه السلام)، ومعاوية يعيث في دين الله تعالى فساداً، ويلاحق عباد الله يقتلهم ويسجنهم ويشردهم.

وقد أشار (عليه السلام) في رسالته إلى معاوية بعد أن قتل (حجر بن عدي) وصحبه الأبرار ونمي إلى معاوية أن وجوه أهل العراق وجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين (عليه السلام)، وأنه لا يؤمَن وثوبه، وكتب معاوية إليه يحذره فكتب الحسين (عليه السلام) رسالة مفصلة جاء فيها:

"ما أردت لك حرباً ولا عليك خلافاً وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن الاعذار فيه إليك وإلى أوليائك الفاسقين الملحدين حزب الظلمة، أولست القاتل (حجر بن عدي) أخا كندة وأصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستفضعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يخافون في الله لومة لائم... ولاني لا أعلم فتنة على هذه الأمة أعظم من ولايتك عليها ولا أعظم لنفسي ولديني ولأمة محمد أفضل من أن أجاهدك فإن فعلت فإنه قربة إلى الله تعالى وإن تركته أستغفر الله لديني وأسأله توفيقه "

-قوله تعالى ﴿واِنّي مِنَ المُسلِمينَ﴾:

أي المنقادين لأمرك انقيادا تاماً، يريد (عليه السلام) الإشارة إلى أنه ما سكت في عهد معاوية إلا بأمره تعالى الذي وصله عن طريق وصية جده النبي (صلى الله عليه و آله) وما قام في وجه يزيد بن معاوية إلا بأمره تعالى الذي وصله عن طريق وصية جده النبي (صلى الله عليه و آله).

والحسين (عليه السلام) أحد أفراد قوله تعالى ﴿وَ جاهِدوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هوَ اجتَباكُم وَما جَعَلَ عَلَيكُم في الدّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُم إِبراهيمَ هوَ سَمّاكُمُ المُسلِمينَ مِن قَبلُ وَفي هذا ليَكونَ الرَّسولُ شَهيداً عَلَيكُم وَتَكونوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فاَقيموا الصَّلاةَ واتوا الزَّكاةَ واعتَصِموا بِاللهِ هوَ مَولاكُم فَنِعمَ المَولى وَنِعمَ النَّصيرُ﴾ الحج/78.

وقوله تعالى ﴿وَ إِذ يَرفَعُ إِبراهيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيتِ واِسماعيلُ رَبَّنا تَقَبَّل مِنّا إِنَّكَ أَنتَ السَّميعُ العَليمُ (127) رَبَّنا واجعَلنا مُسلِمَينِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنا أُمَّةً مُسلِمَةً لَكَ واَرِنا مَناسِكَنا وَتُب عَلَينا إِنَّكَ أَنتَ التَّوّابُ الرَّحيمُ (128) رَبَّنا وابعَث فيهِم رَسولاً مِنهُم يَتلوا عَلَيهِم آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكمَةَ وَيُزَكّيهِم إِنَّكَ أَنتَ العَزيزُ الحَكيمُ (129)﴾ البقرة/127-129.

-قوله تعالى ﴿أولئِكَ الَّذينَ نَتَقَبَّلُ عَنهُم أَحسَنَ ما عَمِلوا﴾:

وهذا إعلان من الله تعالى أنه تقبل من الحسين (عليه السلام) أحسن عمله وهو بذله نفسه في الله تعالى، وأظهر قبوله لعمله في الدنيا فلم يحظَ نبي ولا وصي نبي بما حظي به الحسين (عليه السلام) من ظهور قبول عمله من الله وحين رزق أتباع يملؤون الدنيا وذرية طيبة منهم تسعة أئمة أعلام هدى.

-قوله تعالى ﴿وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئاتِهِم﴾:

أي محو السيئات التي نسبت إليهم، وشوهت صورتهم بها من خلال الإعلام الأموي إلى حالة حسنة في المجتمع،وهذا هو الذي حصل في الواقع فقد تبدلت سريعاً تلك النظرة السيئة التي كوّنها الإعلام الأموي؛ لتبرير قتل الحسين (عليه السلام) وسبي نسائه إلى الشام وتحولت إلى ذكر حسن وصار الحسين (عليه السلام) وصحبه يضرب بهم المثل الطيب في الجهاد وفي الفداء بما لم يحظ غيره بمثله.

-قوله تعالى ﴿في أَصحابِ الجَنَّةِ وَعدَ الصِّدقِ الَّذي كانوا يوعَدونَ﴾:

أي مضافاً إلى ذلك الذكر الحسن فهو وأهل بيته وصحبه الذين استشهدوا معه في الجنة، هذا الوعد المذكور في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللهَ اشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم واَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللهِ فَيَقتُلونَ وَيُقتَلونَ وَعداً عَلَيهِ حَقًّا في التَّوراةِ والإِنجيلِ والقُرآنِ وَمَن أَوفى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ فاستَبشِروا بِبَيعِكُمُ الَّذي بايَعتُم بِهِ وَذلِكَ هوَ الفَوزُ العَظيمُ (111) التّائِبونَ العابِدونَ الحامِدونَ السّائِحونَ الرّاكِعونَ السّاجِدونَ الآمِرونَ بِالمَعروفِ والنّاهونَ عَنِ المُنكَرِ والحافِظونَ لِحُدودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ (112) ﴾ التوبة/111-112.

والآية تشير إلى أمور عدة:

منها: الإخبار بأنهم يقتُلون ويقتَلون.

ومنها: الوعد لمن يقتل منهم ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾.

ومنها: البشرى للمؤمنين بأن قتلهم سوف ينتج انتصار رسالة الله ﴿وَبَشِّرِ المُؤمِنينَ﴾.

ومنها: الصفات الممتازة لهؤلاء المؤمنين﴿التّائِبونَ -العابِدونَ-الحامِدونَ-السّائِحونَ أي الصائمون -الرّاكِعونَ السّاجِدونَ-الآمِرونَ بِالمَعروفِ والنّاهونَ عَنِ المُنكَرِوالحافِظونَ لِحُدودِ اللهِ﴾.

وقد صدقها الواقع التاريخي، فقد جاء في قصة مقتل الحسين (عليه السلام) أن جيش بني أمية لما تحرك ظهر يوم التاسع يريدون جواباً من الحسين (عليه السلام) ويخيرونه وأصحابه بين البيعة ليزيد أو القتال ثم القتل لامحالة أرسل أخاه (العباس) وقال له:

(إن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار).

ومنها: أن خبر هؤلاء المؤمنين والوعد لهم في التوراة والإنجيل والقرآن ﴿وَعداً عَلَيهِ حَقًّا في التَّوراةِ والإِنجيلِ والقُرآنِ﴾.

السيد سامي البدري / النجف الأشرف / محرم الحرام سنة 1432هـ.

_____________________________

[1] الكليني، الكافي ج1/464.

[2] راجع تفسير نور الثقلين – الشيخ الحويزي ج 3 ص 501.

[3] تفسير القرطبي 16/193

[4] تفسير القرطبي ج: 16 ص: 195.

[5] الكليني الكافي ج1/464.

[6] الكافي ج1 ص464 رواية 4.

[7] جامع البيان – ابن جرير الطبري ج 52 ص 131.

[8] تفسير القرطبي – القرطبي ج 61 ص 120

[9] تفسير ابن كثير – ابن كثير ج 4 ص 169.

[10] بحار ج100 /162

[11] بحار الانوار ج12/284، ج13/49، وفي تفسير الطبري ج: 8 ص: 85، وأما قوله حتى يبلغ أشده فإن الأشد جمع شد كما الأضر جمع ضر وكما الأشر جمع شر،  والشد القوة وهو استحكام قوة شبابه وسنه، فأما أهل التأويل فإنهم مختلفون في الحين الذي إذا بلغه الإنسان قيل بلغ أشده،  فقال بعضهم: يقال ذلك له إذا بلغ الحلم.   ذكر من قال ذلك حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي قال أخبرني يحيى بن أيوب عن عمرو بن الحرث عن ربيعة في قوله حتى يبلغ أشده قال الحلم حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال ثنا عمي قال ثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه مثله قال ابن وهب وقال لي مالك مثله حدثت عن الحماني قال ثنا هشيم عن مجاهد عن عامر حتى يبلغ أشده قال الأشد الحلم حيث تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات وقال آخرون إنما يقال ذلك له إذا بلغ ثلاثين سنة.

[12] فهو مثلاً لم يذكر أسماء أهل البيت (عليه السلام) في آية التطهير، ولم يذكر اسم علي (عليه السلام) في آية التبليغ ولم يذكر اسم الوليد بن عقبة في آية النبأ ﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَباٍ فَتَبَيَّنوا أَن تُصيبوا قَوماً بِجَهالَةٍ فَتُصبِحوا عَلى ما فَعَلتُم نادِمينَ﴾ الحجرات/6 ونظائر ذلك كثيرة.

[13] وقد قد ورد عن سعد بن أبي وقاص قوله تذكر قصة المباهلة.