×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

الحسين (عليه السلام) في سورة الفجر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)

يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾

روى شرف الدين النجفي في كتابه تأويل الآيات: قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اقرءوا سورة الفجر في فرائضكم و نوافلكم، فإنها سورة الحسين بن علي، و ارغبوا فيها رحمكم الله، فقال له أبو أسامة و كان حاضرا المجلس: كيف صارت هذه السورة للحسين (عليه السلام) خاصة؟

فقال: ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾؟ إنما يعني الحسين بن علي (عليه السلام)، فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية و أصحابه من آل محمد (صلوات الله عليهم) الراضون عن الله يوم القيامة و هو راض عنهم، و هذه السورة [نزلت‏] في الحسين بن علي 8 و شيعته، و شيعة آل محمد خاصة، من أدمن قراءة الفجر كان مع الحسين (عليه السلام) في درجته في الجنة، إن الله عزيز حكيم.

الرؤية الاجمالية للسورة:

الامر المقسَم به في في قوله تعالى ﴿والفجر وليال عشر﴾ لابد ان يكون قضية واضحة كل الوضوح لأهل مكة، وغيرهم وكونها قضية تكشف عن امر الهي يرتبط بالهداية لا ينكره احد.

ان اعظم مشهد في الجزيرة العربية قبل البعثة هي قضية ابراهيم واسماعيل في الليالي العشر من ذي الحجة وفجر اليوم العاشر منه، حيث بني البيت الحرام واختتم بالحجر الذي طبعت عليه اقدام ابراهيم وهو ابن مائة سنة اثرها وقد بقي الحجر والاثر الى زمن نزول القرآن بل الى زماننا هذا تتناقل خبره الاجيال ويشهده زوار البيت حقيقة قائمة، كما تتناقل الاجيال قصة ابتلاء الله ابراهيم بذبح ولده اسماعيل وفداء الله له بكبش عظيم على مرأى ومشهد من الناس.

وقصة ابراهيم وابتلائه بذبح ولده مدوَّنة في سفر التكوين من التوراة بل ويعرف هؤلاء ان الله تعالى اكرم اسماعيل بان جعل من ذريته النبي واثني عشر عظيما من اهل بيته، ويعرف ذلك اهل مكة، لانهم ذرية اسماعيل التي استوطنت البيت منذ نشأته تنتظر تحقق الوعد الالهي لإسماعيل.

والامر المقسم به في قوله تعالى (والشفع والوتر والليل اذا يسر) اختلف فيها المفسرون على اراء شتى لم تثبت بدليل وغاب عنهم الرأي الباده الذي تفرضه اللغة والسياق، اما (الشفع) في اللغة فهو ضم الشيء الى مثله ويقال للمشفوع شفع، ومعنى ذلك يقسم الله تعالى بفجر وليالي عشر من شهر آخر تشابه تلك التي من شهر ذي الحجة بكونها تكشف عن امر الهي يرتبط بالهداية.

واما (الوتر)، فهو الظلامة في دم.

اما (الليل) اذا يسرِ فهو كناية عن اخذ الثأر وزوال الهم الذي انتجته الظلامة.

وفي ضوء الرواية التي اوردناها في صدر البحث يتضح ان الليالي العشر هي العشر الاول من شهر المحرم سنة 61هـ وفجرها هو يوم العاشر الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام) واهل بيته واصحابه، والوتر هي ظلامة الحسين (عليه السلام)، والليل اذا يسر هو ظهور المهدي واخذه بثأره.

ويتضح من ذلك ايضا ان الله تعالى اقسم بقضية واضحة لدى قريش واهل الكتاب ترتبط بالليالي العشر وفجر عاشورائها من ذي الحجة وهي قصة ابراهيم واسماعيل وبناء البيت ورؤيا ابراهيم في ذبح ولده، وتصديق ابراهيم واستجابة اسماعيل لطلب ابيه يوم العاشر يوم النحر وفداء الله تعالى له بذبح عظيم وما رتب الله تعالى على ذلك من الامامة الالهية لإبراهيم واسماعيل والطاهرين من ذريته، ثم انطلق منها للأخبار عن قضية مشابهة (والشفع والوتر والليل اذا يسر) تبرز فيها العناصر نفسها الليالي العشر، وفجر عاشرها، ورؤيا للرسول بذبح ولده على يد شر خلقه دون ان يفدي الله تعالى هذا الولد البار بابيه ليكون دمه وترا (ظلامة) الهيا يأخذ الله تعالى بثأره باستئصال كل قوى الظلم والفساد من على الارض فيتحول الهم والغم الى سرور.

فيكون القسم بشيء مضى وبشيء سوف يقع، وهو اسلوب لا يمارسه الا الخالق القدير على كل شيء، الذي يستوي عنده الماضي والمستقبل.

وقد اخبر أنبياءه بهذا الامر المستقبلي بشكل تفصيلي[1].

وهذا الإخبار المستقبلي عند تحققه سيكون من اهم الادلة على أحقية هذه القضية في نفسها فضلا عن دليل جديد على أحقية القرآن الكريم وانه وحي الهي.

ثم تذكر السورة بعد ذلك نماذج ممن الامم التي ظلمت واسفت في ظلمها كيف انتقم الله تعالى منها، وهم قوم عاد وثمود وفرعون.

كأنَّ السورة تريد ان تقول: ان الذين يظلمون الحسين (عليه السلام) وصحبه سوف يكون مصيرهم مصير قوم عاد وثمود وفرعون.

ثم تتحدث السورة بعد ذلك عن الانسان وحبه للمال والحياة الدنيا وايثارهم الدنيا على الاخرة.

وهددتهم بالعذاب الأخروي ثم اختتمت السورة بتوجيه الخطاب الى الحسين (عليه السلام) ووصفه بكونه صاحب النفس المطمئنة المسلمة لأمر الله، مهما كان الابتلاء عظيما ولم تر عين مثل ما جرى في كربلاء.

نظير اطمئنان وتسليم ابويه ابراهيم واسماعيل. ولكن ذلك كان اختبارا وما جرى في كربلاء كان حقيقة.

تفسير العلامة الطباطبائي رحمه الله

قال العلامة الطباطبائي رحمه الله:

قوله: ﴿وَ الْفَجْرِ﴾ المراد به مطلق الفجر و لا يبعد أيضا أن يراد به فجر يوم النحر و هو عاشر ذي الحجة.

و قوله: ﴿وَ لَيالٍ عَشْرٍ﴾ لعل المراد بها الليالي العشر من أول ذي الحجة إلى عاشرها و التنكير للتفخيم.

و قوله ﴿وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ﴾ يقبل الانطباق على يوم التروية و يوم عرفة و هو الأنسب على تقدير أن يراد بالفجر و ليال عشر فجر ذي الحجة و العشر الأول من لياليها.

و قوله: ﴿وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ أي يمضي فهو كقوله: «وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ»: المدثر: 33 و ظاهره أن اللام للجنس فالمراد به مطلق آخر الليل.

و قوله: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ الاستفهام للتقرير، و المعنى أن في ذلك الذي قدمناه قسما كافيا لمن له عقل يفقه به القول و يميز الحق من الباطل، و إذا أقسم الله سبحانه بأمر- و لا يقسم إلا بما له شرف و منزلة- كان من القول الحق المؤكد الذي لا ريب في صدقه.

و جواب الأقسام المذكورة محذوف.[2]

انتهى كلام العلامة الطباطبائي رحمه الله تعالى.

فهمنا لمصداق الآيات:

قوله تعالى ﴿وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ﴾: الفَجْر ضوء الصباح و هو حُمْرة الشمس في سواد الليل وهو الفجر الصادق، و الفَجْر: تَفْجيرُكَ الماء. و انْفَجَر الماءُ و الدمُ و نحوهما من السيّال و تَفَجَّرَ: انبعث سائلًا.[3]

ليس من شك ان الله تعالى حين يقسم بمخلوقاته فهو يريد ان يلفت نظرنا الى اهمية خاصة بذلك المقسم به، وقد اقسم بالليل والنهار والسماء والارض والشمس والقمر؛ لكونها آيات الهية تبين حكمة صنعه تعالى، فهل يا ترى الفجر المقسم به هنا هو مطلق ظاهرة الفجر اليومية او فجر يوم خاص، والظاهر هو انه اراد فجر يوم خاص لمكان الليالي العشر التي اعقبته، فإنها ليالي مبهمة لا يزيل ابهامها الا فجر يومها العاشر الذي يأتي بعدها،وغير خفي على احد من المطلعين على تاريخ اقوام الجزيرة العربية من عهد ا براهيم والى اليوم ان فجر يوم العاشر من ذي الحجة هو فجر يوم تقديم القرابين لله تعالى من الحجاج وايضا ممن لم يوفق للحج إذ يستحب له ان يذبح اضحية في بلده. فهو فجر اعظم يوم في ايام السنة كلها على الاطلاق. وهو فجر اقدام ابراهيم ليذبح ولده اسماعيل لرؤيا رآها واستجاب له اسماعيل وصبر لأبيه يذبحه، وفي ضوء ذلك فان الليالي العشر هي الليالي العشر من ذي الحجة وفجر عاشورائها، ويبدو ان الايام التسعة كانت لبناء البيت من اسماعيل وابراهيم فقط، وانتهى البناء بآية الهية وهي تأثر الحجر بقدمي ابراهيم على كبره وضعفه فهو ابن مائة سنة ولكن شاء الله تعالى ان يجعل الحجر يلين عند قدمي ابراهيم ليطبع صورة قدميه المباركتين، وهي باقية الى اليوم رغم مرور اربعة الاف سنة عليها.

وإذا قدَّرنا ان ابراهيم كان قد اعلن عن فريضة الحج منذ ان شرع في بناء البيت، واراه الله تعالى ان قربانه يوم العاشر من ذي الحجة هو ولده اسماعيل ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ الصافات/102 واعلن الخبر للمسلمين آنذاك، ومن ثم صارت الليالي العشر ليالي عبادة مركزة من ابراهيم واسماعيل ليستقبلا الابتلاء برحابة صدر، وحين يحاورهما الناس الذين من حولهما لا يجدون منهما الا الثبات على التسليم لأمر الله والاستعداد ا لتام لإنفاذ امره.

واقدم ابراهيم على ذبح ابنه وأَمَرَّ السكين على رقبته جادا في ذبحه والناس يضجون تالماً ورقّةً، ولم تؤثر السكين وفدى الله تعالى اسماعيل بكبش عظيم نزل من الجبل امام الحجيج يقصد اسماعيل ورمى بنفسه الى جنبه وادرك الناس انهم امام اية الهية لان الكبش الوحشي عادة يشرد من الناس وهذا الكبش قصدهم ورمى بنفسه عند اسماعيل، ونزل الوحي ليكرم ابراهيم واسماعيل بالإمامة الالهية الهادية ثم اكرمه بان جعل اعظم الانبياء وخاتمهم واهل بيته الاثني عشر من صلبه.

وهكذا فان فجر يوم العاشر من ذي الحجة هو اعظم يوم في تاريخ الرسالات الالهية وفي تاريخ ابي الانبياء ابراهيم ويرتبط ايضا بالنبي والامة المسلمة التي جعلها الله تعالى شاهدة على الناس بعده وهم اهل بيته.

وفي ضوء ذلك فان هذه الليالي وفجر عاشورائها تستحق اهتمام الله تعالى ليقسم بها وقد اضافها الى الله تعالى الى موعد موسى فقد كان واعده ثلاثين ليلة من ذي القعدة واتمها بعشر من ذي الحجة[4].

قوله تعالى ﴿وَ الشَّفْعِ﴾: الشَّفْعُ: ضمّ الشيء إلى مثله، و يقال لِلْمَشْفُوعِ: شَفْعٌ، و الشَّفَاعَةُ: الانضمام إلى آخر ناصرا له ﴿ومَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ النساء/ 85، ﴿وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ النساء/ 85، أي: من انضمّ إلى غيره و عاونه، و صار شَفْعاً له، أو شَفِيعاً في فعل الخير و الشّرّ، فعاونه و قوّاه، و شاركه في نفعه و ضرّه[5].

ولا نجد نظيرا شافعا شبيها وناصرا لرسالة ابراهيم واسماعيل وامامتهما الالهية الهادية خلال الفين وخمسمائة سنة غير رسالة محمد (صلى الله عليه وآله) التي استهدفت تحرير دين ابراهيم من بدع خزاعة حين جاءت بالأصنام ونصبتها على الكعبة، وبدع قريش بعد وفاة عبد المطلب حين ادعت لنفسها انها ال الله وليس هاشم وعبد المطلب وولده ابو طالب.

ونهضة ولده الحسين (عليه السلام) التي استهدفت تحرير دين محمد (صلى الله عليه وآله) وهو دين ابراهيم من بدع قريش المسلمة وبدعة معاوية في حصر خلافة النبي والامامة الالهية الهادية في معاوية وولده يزيد وذرية يزيد ة وخُيِّر بين البيعة لتكريس البدعة او القتال والقتل، فاختار القتل على تكريس البدعة (لو لم يكن لي في الدنيا ملجأ ما بايعت يزيد) نظير قول جده النبي لعمه ابي طالب (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على ان اترك هذا الامر ما تركته او اهلك دونه).[6]

ولولا الحسين (عليه السلام) ما عرف المسلمون الحج الابراهيمي وسنن محمد (صلى الله عليه وآله) فيه ولا عرفوا امامة اهل البيت التي دعا اليها النبي (صلى الله عليه وآله). وبذلك تطابق المشهدان من حيث الهدف ومن حيث الشكل تطابقا عجيبا.

لقد بقيت تجربة ابراهيم واسماعيل والليالي العشر من ذي الحجة وعاشورائها وما افرزته من تكريس التوحيد والامامة الالهية الهادية في ابراهيم وذريته الطاهرة فردا في التاريخ حتى شعفتها تجربة محمد (صلى الله عليه وآله) وولده الحسين (عليه السلام)، ومن الطريف ان ابراهيم رأى في الرؤيا انه يذبح ولده، وان محمدا (صلى الله عليه وآله) يرى فتنة بني امية في الرؤيا التي تستلزم ان ينهض ولده الحسين (عليه السلام) لمواجهتها وحينئذ لا بد من ان يقتل مظلوما ويفتح الطريق للإمامة الهادية التي جعلها الله ورسوله في علي واهل بيته.

وشاء الله تعالى ان يجعل من قبر الحسين (عليه السلام) مثابة للناس يقصدونه في الليالي العشر وعاشورائها وكل ايام السنة كما جعل بيت ابراهيم مثابة للناس في الليالي العشر وعاشورائها وهو يوم النحر وكل ايام السنة.

نعم الفارق الاساس هو ان اسماعيل لم يذبح بيد ابيه الرؤوف الرحيم لان القضية كانت اختبارا للوالد وولده، بينما ذبح الحسين (عليه السلام) على يد شمر شر خلق الله وفصل راسه ورؤوس اهل بيته واصحابه ليتركوا مجزرين كالأضاحي في رمضاء كربلاء لا لشيء الا لانهم قالوا لا للمنكر واصروا على موقفهم ودافعوا عن انفسهم فقاتلوا وقتلوا.

وفي الروايات عن اهل البيت: ما يفيد ان الله تعالى اوحى لنبيه ابراهيم بعيد الواقعة بخبر حبيبه محمد (صلى الله عليه وآله) ومصيبة سبطه الحسين (عليه السلام) وكان الله تعالى جعل الرؤيا للاختبار من جهة ولتهيئة ابراهيم لتلقي خبر مصيبة الحسين (عليه السلام) وهي عزيزة على جده محمد بل عزيزة على جده ابراهيم.

روى الشيخ الصدوق عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: أوحى الله عز وجل إليه: يا إبراهيم من أحب خلقي إليك؟ فقال: يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلي من حبيبك محمد صلى الله عليه وآله فأوحى الله تعالى إليه أفهو أحب إليك أم نفسك قال: بل هو أحب إلي من نفسي، قال: فولده أحب إليك أم ولدك: قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا رب بل ذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال: يا إبراهيم فان طائفة تزعم أنها من أمة محمد ستقتل الحسين (عليه السلام) ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش، و يستوجبون بذلك سخطي، فجزع إبراهيم عليه السلام لذلك، وتوجع قلبه، وأقبل يبكي[7].

قوله تعالى ﴿وَالْوَتْرِ﴾: الوَتْرُ و الوِتْرُ و التِّرَةُ: الظلامة في الذَّحْل[8] والموتر الذي قتل له قتيل ولم يأخذ بثأره. ولن نجد وِترا في تاريخ الاسلام بل في تاريخ البشرية له اهمية خاصة في حفظ الدين كدم الحسين (عليه السلام) وقد ادخر الله تعالى التاسع من ذرية الحسين (عليه السلام) ليأخذ بثأره في آخر الزمان من كل الظالمين الراضين بقتل الحسين (عليه السلام) وبذلك يزول الظلم من على وجه الارض كليا ويرث الصالحون الارض.

وهكذا يكون القسم بالوتر قسما بظلامة الحسين (عليه السلام) وهي ظلامة تستحق ان يقسم الله تعالى بها لما حققته من حفظ لدين محمد ودين ابراهيم دين الله تعالى من التحريف هذه الظلامة التي جعلت الموتور فيها هو الله تعالى (السلام عليك يا ثار الله والوتر الموتور) لان الله تعالى هو الذي كلف الحسين (عليه السلام) بالنهضة عن طريق نبيه محمد ووفى الحسين (عليه السلام) بنهضته كما وفى اسماعيل وصبر على حز المدية وفداه الله بذبح عظيم وجعل الامامة في ذريته. وكذلك جعل الله تعالى الامامة في ذرية الحسين (عليه السلام) لما صبر على هذه النهضة.

قوله تعالى ﴿واللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾: قسم بالمهدي بن الحسين (عليه السلام) الذي يزول به ليل الظلم كليا وتشرق الارض بنور عدله وعلمه.

قوله تعالى ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾: معنى الاستفهام هنا التفخيم و التعظيم للأمور المقسم بها[9]،

و حاصل معنى الآيات: ان من كان ذو لبّ من الناس علم ان قصة ابراهيم واسماعيل وبقاء البيت الذي رفعا قواعده وبقاء الحجر الذي يحمل اثر قدمي ابراهيم وبقاء زمزم فياضة بالماء وتحقق دعاء ابراهيم من استمرار أناس مسلمين في ذريته وبعثة احدهم وهو محمد (صلى الله عليه وآله) اليهم خاصة ثم الى الناس عامة ليجدد ملة ابراهيم وشريعته يعد من اعظم الادلة على وجود خالق عزيز حكيم كما هو من اعظم الادلة على النبوة الابراهيمية.

وكذلك علم ان الإخبار بشفعها كما بينا، والقسم بهذا لشفع لأنه ظلامة وترة والقسم بأخذ الثأر لان الله تعالى ادخر التاسع من ذرية المقتول ظلما وعدوانا ليأخذ بثأره المناسب له وهو ان يقتل كل الراضين بقتله في آخر الزمان ولا يجرؤ على النطق به الا الخالق العزيز الحكيم وحده وفيه ايضا ان القرآن لم تقف نبوءاته بالواقع المعاصر للنبوة بل تجاوزها الى مئات السنين.

لقد اكرم الله تعالى اسماعيل بان جعل في ذريته طاهرين ومنهم خاتم الانبياء وسيدهم النبي الموعود، واوصياءه، وجعل ذلك نبوءة ابراهيم في الكعبة لتحقق بعد الفين وخمسمائة سنة تقريبا، وهو فعل لا يقدر عليه الا الخالق ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ... (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾ البقرة/127-129.

وليس من شك ان هذا الرسول هو محمد والامة المسلمة هي علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين:.

هم الشفع لإبراهيم يقوون امر دينه وامامته الالهية الهادية.

المثل الذي ضربه الله تعالى للقوم الظالمين:

قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8)

وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9) وَ فِرْعَوْنَ ذِي الأَْوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12)

فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) ﴾

الآيات (6-13) جمل اعتراضية بين القسم وجوابه.

هذه ثلاث امثلة ضربها الله تعالى لمن سوف يتصدى لتجهيز الجيوش لقتل الحسين (عليه السلام)، انه مهما كانت قوتهم سوف يكون مصيرهم مصير قوم عاد وثمود وفرعون الذين طغوا في البلاد كما طغى بنو امية في البلاد.

﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ... ﴾ الأعراف/136-137.

﴿وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ هود/96-99.

﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ الذاريات/40.

﴿و أُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ هود/60.

﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأَْرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ الأعراف/137.

قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾: جواب القسم، فصل بينه وبين القسم بجمل اعتراضية كان لا بد منها. ومعنى جواب القسم: ان الله تعالى يرقب عمل الناس و يحصيه عليهم و يجازيهم به. و في الآية تعليل ما تقدم من حديث تعذيب الطغاة المكثرين للفساد من الماضين و في قوله: ﴿رَبَّكَ﴾ بإضافة الرب إلى ضمير الخطاب تلويح إلى أن سنة العذاب جارية في أمته ص على ما جرت عليه في الأمم الماضية.

قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الإِْنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19) وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الأَْرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَ جاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِْنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَ لا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26)﴾

في الآيات تعليق الهي على هلاك الظالمين في الدنيا ثم تذكير بعذاب الاخرة وهو عذاب ليس كعذاب الدنيا.

النفس المطمئنة هي الحسين (عليه السلام):

قوله تعالى ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَ ادْخُلِي جَنَّتِي (30) ﴾.

النفس المطمئنة هي النفس الساكنة التي لا تقلق من صعوبة الموقف وشدته وانسجاما مع مفتتح السورة والامثلة المضروبة للظالمين وهذه الامثلة تستبطن ما يصنعه الظلمة وجندهم بالمؤمنين واختتمت السورة بمخاطبة النفس المطمئنة ان تدخل الجنة وفيه ايماء ان هذه النفس كانت في حال يفرض عليها القلق الشديد لما كانت تشهده من مشاهد تتفطر لها الصخور الصم، وتذوب لها القلوب اسى وجوى، ولكنها كانت نفسا ساكنة على الرغم من كل عوامل القلق كانت مطمئنة بذكر الله تعالى، اذن النفس في الآية ليست أي نفس بل هي التي ستكون محور الشفع في المحنة محور الليالي العشر وعاشورائها في المكابدة والمعاناة الحقيقية، هذه النفس هي الحسين (عليه السلام)، وذكره عليه السلام بالاطمئنان هو المناسب للحال التي احاطت به ففي مثل تلك الحال يكون القلق هو الاصل في الموقف لوجود العيال والاطفال ويكون الاطمئنان بذكر الله تعالى مع عظم الموقف من صبية مذعورين لما يسمعون من صلصلة السيوف وقصف الرماح، وبنات مخدرات قلقات من المستقبل المجهول ونساء ثاكلات سوف يفارقن احبتهن مرملين بالدماء يسوقهن العدو سوق الاسارى ليس امرا سهلا ولا يصدر الاطمئنان الا من اولياء لله الذين اختصهم بسكينته وعلى راسهم الحسين (عليه السلام).

قال الشيخ التستري: وأما صبره عليه السلام فتدبر في أحواله وتصورها حين كان ملقى على الثرى في الرمضاء، مجرَّح الأعضاء، بسهام لا تعد ولا تحصى، مفطور الهامة، مكسور الجبهة، مرضوض الصدر، من السهام مثقوب الصدر بذي الثلاث شعب، سهم في نحره، وسهم في حنكه، وسهم في حلقه. اللسان مجروح من اللوك، والكبد محترق، والشفاه يابسة من الظمأ، القلب محروق من ملاحظة الشهداء في طرف، ومكسور من ملاحظة العيال في الطرف الآخر، الكف مقطوع من ضربة زرعة بن شريك، والرمح في الخاصرة، مخضب اللحية، وهو يسمع صوت الاستغاثات من عياله، والشماتات من أعدائه، بل الشتم والاستخفاف، ويرى بعينه إذا فتحها جثث قتلاه واحبائه. ومع ذلك كله لم يتأوه في ذلك الوقت، ولم تقطر من عينه قطرة دمع، وإنما قال: صبرا على قضائك، لا معبود سواك، يا غياث المستغيثين.

عن أبى بصير عن ابى عبد الله عليه السلام في قوله: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ الآية يعنى الحسين ابن على (عليهما السلام).[10]

صلى الله عليك يا ابا عبد الله.

السيد سامي البدري / النجف الاشرف / محرم الحرام سنة 1432هـ.

_____________________________

[1] انظر بحثنا حول مصيبة الحسين (عليه السلام) في كتب الانبياء السابقين.

[2] الميزان في تفسير القرآن، ج‏20، ص: 280.

[3] لسان العرب مادة فجر.

[4] في تفسير العيّاشيّ: عن محمّد بن عليّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله: وَ واعَدْنا مُوسى‏ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْناها بِعَشْرٍ، قال: بعشر ذي الحجّة..

[5] مفردات الراغب الاصفهاني مادة شفع.

[6] ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الأنعام/161 ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ النحل/123 ﴿وَ جاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ الحج/78،

[7] الخصال – الشيخ الصدوق – ص 58 – 59.

[8] لسان العرب مادة وتر.

[9] إعراب القرآن و بيانه، ج‏10، ص: 469.

[10] تفسير علي بن ابراهيم 2/422: حدثنا جعفر بن أحمد قال: حدثنا عبد الله بن موسى عن الحسن ابن على بن أبى حمزة عن أبيه عن أبى بصير.