×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

الدراسة الواعية للنهضة الحسينية

لقد تميّزت النهضة الحسينية المباركة بقائدها الكبير وأهدافها ودوافعها الرسالية المتنوّعة، فحملت بذلك كل مقومات العظمة والكبرياء، وكان لها تأثيرها البالغ في هداية المجتمع الإسلامي، وإيصاله إلى أهدافه الحقيقية التي تنسجم مع الفطرة الإنسانية والعقل السليم.

وفي هذا الضوء ينبغي أن تُقرأ هذه النهضة العظيمة قراءة واعية، وتُدرس دراسة جادّة؛ كي يُمكن الاستفادة منها بالشكل الصحيح والمطلوب. ونرى أن من الضروري في هذا المجال الالتفات إلى جملة من الأمور، أهمّها:

1ـ أن تُلاحظ واقعة عاشوراء بما هي مقطع تاريخي ضمن سلسة حوادث مترابطة يتأثر بعضها ببعض، ويكشف بعضها عن أسرار بعضها الآخر.

2ـ أن يُنظر إلى واقعة عاشوراء بنظرة شمولية، فلا تُلاحظ الجنبة العسكرية بمعزل عن المعطيات الفكرية والثقافية، أو الأخلاقية والفقهية، وهكذا.

3ـ أن تُلاحظ كيفية إدارة الإمام الحسين عليه السلام  لواقعة عاشوراء من بداية الانطلاق وحتى الاستشهاد، كحادثة واحدة ممتدة في عمود الزمان.

4ـ أن تُدرس أحوال المجتمع الإسلامي قبل واقعة كربلاء، بشكل دقيق، وتُلاحَظ الظروف المؤثرة آنذاك، والتي انبثقت في قلبها تلك الواقعة العظيمة والأليمة.

وسنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على النقطة الأخيرة، ونُشير إلى بعض ملامح المجتمع الإسلامي قبل واقعة عاشوراء، منذ نشوء الانحراف وإلى وقت الاستشهاد.

 

شكر النعمة أو كفرانها

يُعدّ المجتمع الإسلامي ـ الذي حمل آخر مشاعل الهداية للبشرية ـ كباقي المجتمعات التي احتضنت الشرائع السماوية السابقة، من جهة إمكان تعرُّضه للانحراف والضياع؛ من هنا نجد أنّ التعاليم الدينية تؤكّد على هذه الحقيقة وتُحذّر أفراد المجتمع من مواجهة هذه العاقبة السيئة، قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾[1]، فهذه الآيات المباركة تُبيِّن بوضوح أنّ الإنسان مهما كانت النعمة مُغدقة عليه، إلَّا أنّه يبقى في معرض الانحراف والتّيه، وفي معرض الغضب والضلال، وهذه سُنّة إلهية جارية في كافة المجتمعات، لا ينجو منها إلَّا مَن استقام وهداه الله تعالى إلى الصراط المستقيم.

والمجتمع اليهودي ـ كما في بعض النصوص الروائيةـ من مصاديق ﴿ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾[2]؛ مع أنّ الله تعالى قد أنعم عليهم، كما جاء ذلك في قوله }:﴿ بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾[3]. لكنهم كفروا بنعمة الله تعالى، وكانوا يحاربون الأنبياء والمرسلين، فنالهم الغضب الإلهي.

وأمّا ﴿ الضَّالِّينَ ﴾ فهم النصارى؛ إذ أنّهم لمّا أنعم الله عليهم، تمرَّدوا وضلّوا.

هذه هي حال المجتمعات، فكلما تمسّكت بطريق الحقّ؛ هداها الله، وكلما ابتعدت؛ غضب الله عليهم، وجعلهم من الضّالين.

والمجتمع الإسلامي ليس بمعزل عن هذه السنن الإلهية، فقد أنعم الله عليه بالإسلام وبنبي الرحمة، فمَن شكر كان من المهتدين، ومَن كفر بهذه النعمة كان من الضّالين أو من المغضوب عليهم، وعندما نلاحظ حالة المجتمع الإسلامي بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله؛ نجد أنّ تلك السُّنّة قد تكرّرت بأجلى صورها، وبلغت الانحرافات أقصاها، وهو ما تنبّأ به الرسول العظيم صلى الله عليه وآله، حينما قال: ( (لتتبعن سنن مَن كان قبلكم شبراً شبراً، وذراع بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ تبعتموهم))[4]. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام  أنه قال: ( (لما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض))[5].

 

 المجتمع الإسلامي بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله

عندما نلاحظ حالة المجتمع الإسلامي بعد رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله؛ نجد أنّه قد واجه مجموعة كبيرة من الانحرافات والضلالات، وهناك شواهد عديدة أثبتها التاريخ، تُبيّن عمق المأساة التي آل إليها المسلمون بعد فقد النبي الكريم صلى الله عليه وآله، وابتدأت بوادر الانحراف تظهر في عدّة مستويات، سواء العقائدي منها، أو الثقافي، أو الأخلاقي، أو الاقتصادي، وهنا نحاول أن نُسلّط الضوء على بعض الانحرافات الاقتصادية التي أدّت إلى تفكيك المجتمع الإسلامي، وتقسيمه إلى طبقة غنيّة فاحشة الثراء، وطبقة مسحوقة تُعاني أشدّ الحرمان، والشواهد على ذلك كثيرة، نحاول أن نذكر بعضها توثيقاً لما قُلناه، وخصوصاً ما ظهر من الأمثلة التي برزت في الرَّعيل الأول من الصحابة، والتي تُبيِّن كيف كان حال الخواصّ على امتداد السنوات التي أعقبت رحيل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، بحيث آلت الأُمور إلى المستوى الذي تزعزعت فيه القيم الإسلامية، وهي تعكس حالة الترف التي صار إليها الصحابة، بعد أن كانوا لا يملؤون بطونهم من الخبز:

المثال الأول: ما جاء في أحوال طلحة بن عبيد الله، قال رجل ذات يوم في مجلس سعيد بن العاص ـ وهو من الولاة الأُمويين الذين عيَّنهم عثمان ـ: ( (ما أجود طلحة!)). فقال سعيد: ( (إنّ مَن له مثل النشاستج لحقيقٌ أن يكون جواداً)). وكانت النشاستج ضيعة كبيرة قرب الكوفة يملكها الصحابي طلحة بن عبيد الله، الذي كان يعيش حينذاك في المدينة، ثمّ أردف قائلاً: ( (والله، لو أنّ لي مثله؛ لأعاشكم الله به عيشاً رغداً))[6].

وبمقارنة بسيطة بين الحالة التي كان عليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله  في زمنه وبين التي عليها طلحة ـ كما في هذا الخبر ـ تجد الفرق الفاحش بين الحالين، فأين حال أصحاب الصفّة وغيرهم من هذا الثراء الفاحش؟!

 المثال الثاني: ما جاء في ذكر أحوال أبي موسى الأشعري والي البصرة، وهو صاحب الموقف الشهير في قضية التحكيم، حيث ارتقى المنبر ذات يوم حينما كان والياً على البصرة، وكان الناس يستعدّون لإحدى الغزوات، فنادى في الناس وحضّهم على الجهاد، وذكر شيئاً في فضل الجهاد مشياً، فترك نفرٌ دوابّهم وأجمعوا أن يخرجوا رجّالةً طمعاً في الثواب، إلَّا أنّ جماعة آخرين من العقلاء فضّلوا التّأمل ومشاهدة حقائق الأُمور، وقالوا: لا نعجل في شيء حتى ننظر ما يصنع؛ فإن أشبه قوله فعله، فعلنا كما يفعل.

ثمّ نقل لنا التاريخ أنه: ( (لمّا خرج أخرج ثقله من قصره على أربعين بغلاً)) [7]. فقد أخرج معه ممتلكاته الثمينة، وهي بهذا الحجم والكم الهائل من النفائس والسلع الثمينة، التي لا يمكنه أن يتخلى عنها، ولا يأمن إن تركها في مكانها أن يعود إليها؛ لأنّ الأُمور متغيرة والسياسة متلوّنة، لذلك لم يكن لديه حلٌّ إلَّا أن يصطحب أمواله معه، وهي بهذا الحجم والمقدار.

فلمّا خرج جاءه قوم وتعلَّقوا بعنانه، وقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، وارغب في المشي كما رغّبتنا. فضرب القوم بسوطه؛ فتركوا دابّته ومضى[8].

وهذا الموقف ـ كسابقه ـ باعث على الدهشة والحَيرة؛ ويؤكّد عمق المأساة التي يمرّ بها المجتمع الإسلامي على الصعيد الاقتصادي والمالي.

المثال الثالث: ما نقله التاريخ لنا فيما كان يملكه الزبير بن العوّام؛ فإنّه قد قُسِّمت أمواله التي هي الدراهم والدنانير إلى أربعين ألف ألف[9]. وفي نقلٍ آخر أنّ ميراثه قُسِّم على خمسين ألف ألف ومائتي ألف ونيف[10].

كانت هذه أمثلة بسيطة لما كانت عليه أحوال الخواصّ من الصحابة، ولو نقّب شخص في التاريخ  لعثر على آلاف الأمثلة التي تطفح بها المصادر التاريخية، هذا ما يخصّ الجانب الاقتصادي، وأمّا بقية الجوانب، فإن لم يكن الانحراف فيها أكثر فليس هو بأقل من هذا الجانب.

والملاحظة الجديرة بالذكر: أنّ الأمثلة المتقدمة كلها تُشير إلى حالة الخواصّ من الأُمّة، الذين هم من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله  وعايشوه وعاينوه عن قرب، فهم من الشخصيات البارزة في المجتمع الإسلامي، والسؤال هو: إذا كان هذا حال الخواصّ في تجميع الأموال والتهافت على الدنيا وملذاتها، فما يكون حال العوام، مع ملاحظة أنّ الناس على دين ملوكهم؟!

ولهذا؛ فإنّ من أخطر الأُمور على كل مجتمع هو انحراف الطبقة المتميزة فيه، وهي طبقة الخواص؛ إذ بتبعها تنحرف بقية الطبقات، فيصبحون من المغضوب عليهم أو من الضالين.

 

حالة المجتمع في عهد الأُمويين

ورث الأُمويون مجتمعاً نخرت جسمه وهدّت تماسكه الانحرافات على مختلف المستويات، فبوادر الانحرافات الفكرية والعقائدية وبروز الطبقيّة كانت تتنامى وتتّسع، ولم يحاول أحد الوقوف بوجهها، وإصلاح ما أفسدته السياسات الخاطئة والمُغرضة، إلَّا أربع سنوات خاض خلالها الإمام علي عليه السلام  ثلاثة حروب داخلية، وهي وإن كانت مدّة قصير نسبةً بالزمن الذي نشأت وترعرعت فيه تلك الانحرافات والتحريفات، إلَّا أنّها كانت مليئة بالإصلاحات والتصحيح في مسار المجتمع الإسلامي.

من هنا؛ خاض الأُمويون وبقيادة ابن آكلة الأكباد حرباً جديدة ضدّ مبادئ الدين، ولكن هذه المرّة بصورة ممنهجة ومقنّنة وعلى كافّة المستويات، لتدمير آخر معقل للمسلمين، وإزالة آثار الدين المبين، وبذلك تتحقق أُمنية الشيطان الرجيم، في إطفاء نور ربّ العالمين.

 

بعض أهداف بني أُميّة

1ـ الحطّ من منزلة أهل البيت عليهم السلام؛ حيث سخّرت السلطة جميع أجهزتها السياسية والاقتصادية، وسائر إمكانياتها الأُخرى لتغيير الحقيقة التي أكّد عليها القرآن الكريم، وهي فرض مودّة أهل البيت عليهم السلام، وتحويل ذلك إلى حقد وبُغض، وقد استخدمت لتحقيق مبتغاها الخبيث والخطير كافّة أجهزة الوعظ والإرشاد، وأجهزة القمع والترهيب والترغيب وغيرها، بحيث أصبح سبّ علي عليه السلام  سُنّة على منابر المسلمين، وفرضاً واجباً يُحاسب مَن لا يلتزم به.

2ـ تغييب ـ بل وتغيير ـ إحدى أهمّ الوظائف الإلهية للفرد المسلم، وهي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال نشر ثقافة إطاعة الأمير برّاً أو فاجراً، من دون أي نقاش أو نقد، كلّ ذلك حتى يتسنّى لهم تمرير أهدافهم الشيطانية.

3ـ نشر الجهل والأُمّية في المجتمع الإسلامي؛ حتى يكون عامّة الناس من الهمج الرعاع، الذين لا يمكنهم تحريك ساكن بإبطال باطلٍ أو إحقاق حقّ، وهم مَن وصفهم أمير المؤمنين عليه السلام  بقوله: ( (الناس ثلاثة: فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع، أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق))[11].

وإذا وصل الحال بعامّة المسلمين هكذا، فمن السهل جدّاً أن يتسلّط عليهم باسم الدين مَن ليس له أي صلة بالدين، بل هو أبعد ما يكون عنه، وإلّا كيف يمكن أن يتصور عاقل أنّ يزيد الفاسق الفاجر شارب الخمر، وفاعل المنكر، وتارك الواجب، يُسمّى بأمير المؤمنين؟! إنّه لشيءٌ عجيب. إلّا أنّه مع الجهل تكثر العجائب.

وبذلك يمكن توجيه عامّة الناس بسهولة، وركوبهم كمطيّة للوصول إلى الغايات الشيطانية. قال أمير المؤمنين عليه السلام: ( (إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا))[12].

هذه بعض الشواهد التي تُبيِّن تأسيس بني أُميّة لِحَرْف المجتمع الإسلامي أكثر فأكثر عن مساره الصحيح، ونحن لا نريد الاستغراق في ذلك؛ لأنّه من الأُمور الواضحة لمَن نظر إلى التاريخ بعينٍ صافية، وبقليل من الإنصاف.

وقد تنبّأ أمير المؤمنين عليه السلام  ـ ببصيرته الصادقة والثاقبة ـ بحال المسلمين بعد استيلاء بني أُميّة على الحكم، وتحويل الأُمّة إلى عبيد وأتباع لهم؛ حيث قال عليه السلام: ( (وايْمُ الله، لتجدنَّ بني أُميّة لكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس... لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلَّا نافعاً لهم أو غير ضائرٍ بهم، ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلَّا كانتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيّة، وقطعاً جاهلية، ليس فيها منار هدى، ولا علم يُرى...)) [13].

ويقول عليه السلام  أيضاً: ( (والله، لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرماً إلَّا استحلّوه، ولا عقداً إلَّا حلّوه، وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلَّا دخله ظلمهم، ونبا به سوء رعيهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان: باكٍ يبكي لدينه، وباكٍ يبكي لدنياه، وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده، إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه، وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظنّاً))[14].

فقد أكّد عليه السلام  بأنّ الأُمّة ستشهد تلك الأوضاع المأساوية، كنتيجة حتميّة لاستسلامها ووقوعها فريسة ولقمة سائغة في أفواه بني أُميّة، ولعلَّ من أسوأ الظروف التي مرّت على الأُمّة الإسلامية هي فترة هلاك معاوية وتولي يزيد أمر الأُمّة، وهو شابّ لاهٍ اعتاد مُسامرة القرود، وشرب الخمور، وفعل الفجور، وارتكاب كلّ منكر ومعصية، وهي فترة كفيلة بأن تنمحي معها آثار الإسلام ومبادئ الإيمان؛ لأنّ هذه المرّة لم يكن التغيير بصورة ماكرة حذرة كما كان عليها فيما سبق، وإنّما كان بشكل سافر صارخ، وكأنّ الطير على رؤوس هذه الأُمّة التي تنظر إلى عِزّها يتمزّق، وإلى كرامتها تُهان على يد طغمةٍ حاكمةٍ فاجرة، وكاد الأمر أن يتحقق، وما بدأه أبو سفيان وابنه معاوية وجميع ما أسس له بنو أُمية كاد أن يُثمر، لولا أنّ رجال الله ـ وهم قليلون ـ قد تصدّوا لهذا المخطط الشيطاني، فكانت كربلاء، صراع الخير كلّه بوجه الشرّ كلّه.

 

تشخيص الإمام الحسين عليه السلام  للمرض الذي ألمّ بالأُمّة

بين كلّ تلك التجاذبات والانحرافات والممارسات الظالمة التي مُورست لعقود من الزمن، وبين جميع تلك المآسي والآهات التي تمرّ بها أُمّة الإسلام، نجد أنّ الإمام الحسين عليه السلام  ـ وهو الرجل الإلهي الذي اختارته السماء لقيادة الأُمّة، تخليصاً لها من ظلمات الشر والبطلان، وإيصالها إلى برّ الأمان ـ قد شخّص المرض الذي أخذ ينخر في جسد الأُمّة، ووضع له العلاج الناجع، الذي تمثّل بصرخة مدويّة في أرجاء العالم الإسلامي، تهزّ ضمائر المسلمين هزّاً عنيفاً، وتبعث في نفوسهم الحياة والإحساس بالمسؤولية، وتكسر عنهم طوق الخوف والرعب الذي كان يملأ نفوسهم آنذاك، وتُعيد إليهم ثقتهم بالله، ثمّ بأنفسهم.

ومن هذا المنطلق؛ يتّضح أنّ إقدام الإمام عليه السلام  على الخروج والثورة على النظام الأُموي، والمواجهة والمجابهة لم يكن لرفض البيعة، وإعلان هذا الرفض فحسب، وإنّما كان أيضاً لتحريك المسلمين، وجعلهم يستشعرون المسؤولية، ولإعلان الموقف الشرعي، ودعوة المسلمين إلى المجابهة والمعارضة، والتمرّد على السلطة الأُموية.

فحركة الإمام عليه السلام  لم تكن حالة انفعالية يمرّ بها ثائر مظلوم، وإنّما هي حالة علاج لمجتمع مُهان أهدرت كرامته حكومات ظالمة وسياسات مستبدّة، أرادت له الخنوع والخضوع ونسيان التاريخ الحافل بالبطولات، لأُمّة فتية أُريد لها أن تحمل آخر رسالة سماوية في الأرض، لذلك فهذه الواقعة الأليمة إنّما هي مرحلة مهمّة، بل من أهمّ مراحل الصراع الدائم بين الخير والشرّ.

 

خيارات أُخرى رفضها الإمام الحسين عليه السلام

ربما يحاول البعض أن يصور لنا بأنّ الإمام الحسين عليه السلام  قد أُجبر على القتال والشهادة، وأنّه لو لم يُجبر على ذلك لتنحّى عن ممارسة العمل الإصلاحي في المجتمع، مستشهداً ببعض النقولات التاريخية التي فسّرها بشكل ناقص وخاطئ، مع أنّ الأمر ليس كذلك جزماً؛ لأنّ ثورة الإمام الحسين ثورة إصلاحية، ابتدأها الإمام عليه السلام  لتغيير الواقع المرير الذي واجهته الأُمّة، والشاهد على ذلك هو وجود الخيارات الأُخرى، التي كان يمكن للإمام عليه السلام  أن يختار أحدها ويسلم من القتل، إلَّا أنّه عليه السلام  رفضها جميعاً، ومن تلك الخيارات:

الخيار الأول: أن يبايع يزيد بن معاوية، كما طلبوا منه أول مرّة، وكان يمكن للإمام عليه السلام  أن يبايع الخليفة الجديد من خلال واليه في المدينة، ويحقن دمه ودم أهل بيته، إلَّا أنّ الإمام عليه السلام  رفض ذلك أشدّ الرفض، وقد نقل لنا التاريخ الكلمات الخالدة للإمام عليه السلام  بهذا الصدد:

 منها: ما قاله عليه السلام  لأخيه محمد بن الحنفية: ( (يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ، ولا مأوى، لما بايعت ـ والله ـ يزيد بن معاوية أبداً))[15].

ومنها: خطبته عليه السلام  يوم عاشوراء في جيش بني أُميّة، حيث قال: ( (ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت وأنوف حميّة ونفوس أبيّة، من أن تُؤثر طاعة الّلئام على مصارع الكرام))[16].

ومنها: ما قاله عليه السلام  لأخيه عمر الأطرف عندما دعاه إلى تجنب مجاهدة يزيد: ( (لا أُعطى الدنية عن نفسي أبداً، ولتلقينّ فاطمة أباها شاكيةً ما لقيت ذريتها من أُمّته، ولا يدخل الجنّة أحدٌ آذاها في ذريتها)) [17].

ومنها: عندما خرج عليه السلام  يوم عاشوراء للقتال، وهو يرتجز ويقول:

القتل أولى من ركوب العار                            والعار أولى من دخول النار[18]

وهذه النصوص تكشف عن عمق النهضة التي أسّس لها الإمام عليه السلام، وأنّ الأمر ليس شخصياً، يُكتفى فيه بحفظ النفس، وإنّما هي مسألة إلهية متجذّرة منذ بداية الخلق، وممتدّة إلى قيام الساعة.

الخيار الثاني: وهو الخيار الذي اقترحه الأُمويون على الإمام عليه السلام، وهو أن يخرج إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، ويترك الساحة السياسية والاجتماعية، ويبتعد عن الكلمات المندّدة ببني أُميّة، حتى لا يكون خطراً على الحكم الأُموي؛ لأنّ الإمام عليه السلام  قد وضعهم في موقف محرج، فإن سكتوا فسوف تفضحهم مواقفه وكلماته عليه السلام  المناهضة لهم، وإن قتلوه فقد باؤوا بعارها وشنارها، وبتبع ذلك سوف تضعف دولتهم شيئاً فشيئاً. لذلك كان الحلّ الأسلم لهم هو إبعاد الإمام عليه السلام  عن الساحة السياسية والاجتماعية.

ويشهد لذلك ما يرويه الطبري عن عقبة بن سمعان، وعقبة هذا كان قد رافق الحسين عليه السلام  من المدينة إلى كربلاء، قال: ( (صحبت حسيناً، فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أُفارقه حتى قُتل، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلَّا وقد سمعتها، ألا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أنّه يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس))[19].

فقوله: ( (ولا أن يسيروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين)) يُشير إلى هذا الخيار.

وما يشهد لذلك أيضاً ما قاله الإمام عليه السلام  في كربلاء، أمام جيش ابن سعد: ( (لا والله، لا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرُّ فرار العبيد))[20].

فقوله: ( (فلا أُعطيهم بيدي إعطاء الذليل))، أي: لا أُعطيهم البيعة، وهو الخيار الأول ـ الذي تحدّثنا عنه ـ وقوله: ( (لا أفرُّ فرار العبيد)) هو إشارة إلى الخيار الثاني الذي اقترحه عليه بنو أُميّة؛ لإلغاء دوره، وتعطيل موقفه عن خبثٍ ومكر.

إشكال وجواب:

ربما يُدّعى ويُقال: إنّ قول الإمام عليه السلام  المتقدّم وهو: ( (دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمر الناس)) ـ الوارد في كلام ابن سمعان ـ يعني أنّه عليه السلام  أراد أن يعتزل الأمر ويذهب بعيداً عن دائرة النزاع، وهذا يعني أنّه لم يكن قاصداً لما وقع، بل أُجبر عليه، وإلَّا لو خُلّي الإمام عليه السلام  ونفسه لما ذهب إلى كربلاء ولما وقعت تلك الحادثة الأليمة.

 الجواب: إنّ الإمام عليه السلام  أراد بقوله هذا إلقاء الحجّة على بني أُميّة وأتباعهم، لا أنّه أراد أن يعتزل الأمر، وإلَّا فالإمام عليه السلام  قد أصرَّ على رفض بيعة يزيد، هذا بالإضافة إلى أنّ الإمام عليه السلام  يعلم أنّ بني أُميّة لا يرضون إلَّا بأن يبايع الإمام عليه السلام  يزيد أو يُقتل، وهذا ما كشف عنه الإمام عليه السلام  حينما أراد الخروج من الحجاز إلى العراق بقوله: ( (وايم الله، لو كنت في جحر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، ووالله، ليعتدُنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت))[21].

وفي رواية أُخرى يرويها الشيخ المفيد في الإرشاد عن الإمام عليه السلام  بنفس المضمون: ( (والله، لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم، حتى يكونوا أذلّ فرق الأُمم))[22].

فإن قلت: إنّ هذا يتعارض مع ما تقدم من اقتراح بني أُميّة على الإمام عليه السلام  أن يذهب إلى ثغرٍ من ثغور الإسلام؟

قلت: إنّ الظاهر من اقتراحهم هو أن يتخلّى الإمام عليه السلام  عن كلّ شيء، وأن لا يعارضهم بشيء، وإنّما يكون كباقي النكرات التي تعيش على فتات الولاة والطغاة، وهذا ما يرفضه الإمام عليه السلام  قطعاً؛ لذلك فهم لا يرضون إلَّا بقتله عليه السلام.

الخيار الثالث: وهو الخيار الذي اقترحه عليه بعض الناصحين له، وهو أن يبتعد الإمام عليه السلام  عن ساحة المعركة، ويعتزل الناس، ويذهب بعيداً إلى اليمن، أو إلى بعض شعاب الجبال، ويحتجب عن الناس فيكون قد حقّق الغاية، وهو الامتناع عن البيعة ليزيد، دون أن يُعرِّض نفسه وأهل بيته وأصحابه للأذى والمهالك من قِبل يزيد وولاته وعُمّاله.

 يقول ابن الأثير: لمّا عزم الحسين عليه السلام  على الخروج من الحجاز إلى العراق، جاءه ابن عباس، فقال: ( (يا بن عمّ، إنّي أتصبّر، ولا أصبر، إنّي أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال... فإن أبيت إلَّا أن تخرج فسِر إلى اليمن، فإنّ بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة...))[23].

وكان ممَّن يحمل هذا الرأي أيضاً أخوه محمد بن الحنفية؛ إذ جاء الحسين عليه السلام  لمّا عزم على مغادرة المدينة بأهل بيته، فقال له: ( (يا أخي، أنت أحبّ الناس إليّ وأعزّهم عليّ، ولست أدّخر النصيحة لأحدٍ من الخلق أحقّ بها منك، تنحّ ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وابعث رسلك إلى الناس، وادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقض الله بذلك دينك ولا عقلك... قال الحسين: فأين أذهب يا أخي؟ قال: انزل مكة فإن اطمأنّت بك الدار فبسبيل ذلك، وأن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلدٍ إلى بلد، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس))[24].

وفي العراق اقترح الطرمّاح بن عدي على الإمام عليه السلام  أن يمتنع عن جيش يزيد بن معاوية بمعاقل طي المنيعة، فقال للإمام عليه السلام: ( (فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به، حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع، فسر حتى أنزلك مناع جبلنا، الذي يُدعى أجأ امتنعنا ـ والله ـ به عن ملوك غسّان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، والله إن دخل علينا ذلّ قط، فأسير معك حتى أنزلك القرية))[25].

إلَّا أنّ الإمام ردَّ هؤلاء جميعاً من دون تردّد، لا لأنّه كان يشك في صدقهم ونصحهم له، ولا لأنّهم كانوا موضع ارتياب وشك عند الإمام؛ ولكن لأنّ هؤلاء لم يكونوا يفهمون الإمام ورأيه وموقفه بالشكل الصحيح، فلم يكن همّ الإمام عليه السلام  ألّا يبايع يزيد وألّا يضع يده بيد ابن معاوية فحسب، ويقتصر في أمر رفض البيعة على هذا الحدّ السلبي، الذي كان لا يرفع التكليف الشرعي والمسؤولية عن عاتقه، بل كان الإمام عليه السلام  يُصرُّ على أن يُترك لشأنه ليذهب ـ كما يقول عقبة بن سمعان في كلمته ـ في هذه الأرض العريضة مُعلناً عن رأيه في يزيد، ورفضه لبيعته، وعاملاً بتكليفه الشرعي في الحكم الأُموي، وهذا ما كان يرفضه بنو أُميّة رفضاً قاطعاً.

 

الإمام عليه السلام  يريد سحب الشرعية من حكّام بني أُميّة

 الشيء الأهمّ، والذي كلّف الإمام أن يُضحّي بنفسه وأهل بيته وأصحابه وشيعته، هو إعلان هذا الرفض على الملأ من المسلمين، وهذا الإعلان هو الذي أغضب بني أُميّة وأثارهم، فقد اعتبروه تحدّياً صارخاً لسلطانهم وحكمهم، وبداية تزلزل دولتهم.

وكان الإمام الحسين عليه السلام  يتوخّى من هذا الإعلان مطلباً سياسياً لم يكن يتحقّق لولا إعلان الرفض، وهو إسقاط شرعيّة خلافة بني أُميّة في نظر عامّة المسلمين.

فقد كانت الخلافة رغم كلّ السلبيات التي أحاطت بها إلى هذا الحين تتمتّع بالشرعية في نظر الأكثرية من المسلمين، وكانت هذه الشرعية تمكّن بني أُميّة من رقاب المسلمين، وتشلّ عمل ودور المعارضة، وتُعطي للنظام الأُموي قوّة ومقاومة كبيرة. وأخطر من هذا كلّه، أنّ هذه الشرعية هي الورقة الرابحة التي كان يلعب بها بنو أُميّة؛ بحيث مكّنتهم من إدخال الانحرافات الخطيرة في الشريعة الإسلامية، سواء في الأحكام أو العقائد أو الثقافة العامّة أو غير ذلك.

لأجل ذلك فإنّ المجتمع الإسلامي كان يعيش المأساة والخطر على مستويين:

 الأول: على مستوى حياتهم ونظام أمورهم.

 والثاني: على مستوى دينهم، وهو أخطر وأكبر من الأول بكثير.

فإنّ الانحراف بدأ يتعمّق في الأُمّة وفي تعاليم الإسلام، من داخل قصور بني أُميّة؛ نتيجة ما يقترفونه من موبقات، وما يمارسونه من لهوٍ وفساد وظلم. وقد أشار الإمام عليه السلام  إلى ذلك في كلامه مع مروان بن الحكم، عندما نصحه ببيعة يزيد، بقوله: ( (على الإسلام السلام؛ إذ بُليت الأُمّة، براعٍ مثل يزيد. ولقد سمعت جدّي رسول الله| يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان))[26].

وهذا ما عمد إليه الإمام الحسين عليه السلام  عندما رفض البيعة، ورفض أن يُخفي موقفه السلبي، ويعتزل الوسط السياسي إلى بعض الشعاب والوديان والجبال؛ ليسلم بنفسه وأهل بيته وأصحابه من ملاحقة حكّام بني أُميّة.

 

الشواهد على سحب الشرعية من بني أمية

أولاً: إنّ الإمام عليه السلام  خرج من المدينة إلى مكة سائراً على الجادّة التي يسلكها الناس، وهي الطريق العام والرسمي بين البلدين، فقال له ابن عمه مسلم بن عقيل: لو عدنا عن الطريق وسلكنا غير الجادّة، كما فعل عبد الله بن الزبير كان عندي الرأي، فإنّا نخاف أن يلحقنا الطلب، فقال له الحسين عليه السلام: ( (لا والله يا بن عمي، لا فارقت هذا الطريق أبداً، أو أنظر إلى أبيات مكة، أو يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى))[27].

ثانياً: الكيفية التي دخل بها عليه السلام  مكة، فإنّه دخلها بصورة علنيّة، متحدّياً بذلك سلطان بني أُميّة، وقد وصف الخوارزمي نزول الحسين عليه السلام  بمكة بقوله: ( (وكان قد نزل بأعلى مكة، ضرب هناك فسطاطاً ضخماً... ثمّ تحوّل الحسين إلى دار العباس، حوّله إليها عبد الله بن عباس... فأقام الحسين مؤذناً يؤذن، رافعاً صوته، فيصلّي بالناس))[28]. وتجمّع الناس حوله عليه السلام  اجتماعاً كبيراً، يقول ابن أعثم: ( (دخل الحسين إلى مكة ففرح به أهلها فرحاً شديداً، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشيّة، واشتدّ ذلك على عبد الله بن الزبير؛ لأنّه قد كان طمع أن يبايعه أهل مكة، فلمّا قدم الحسين شقّ ذلك عليه...، لكنّه يختلف إليه، ويُصلّي بصلاته، ويقعد عنده، ويسمع من حديثه، وهو مع ذلك يعلم أنّه لا يبايعه أحد من أهل مكة والحسين بن علي بها؛ لأنّ الحسين عندهم أعظم في أنفسهم من ابن الزبير))[29].

 وكان عمرو بن سعيد الأشدق يومئذٍ عامل يزيد على مكة، فهاب الحسين عليه السلام، وهرب إلى المدينة، وكتب إلى يزيد بأمر الحسين، يقول الخوارزمي: ( (وهاب ابن سعيد أن يميل الحجّاج مع الحسين، لما يرى من كثرة اختلاف الناس إليه من الآفاق، فانحدر إلى المدينة وكتب بذلك إلى يزيد)) [30].

ثالثاً: الكيفيّة التي وقّت بها خروجه عليه السلام؛ حيث إنّه خرج يوم التروية، وهو يوم الثامن من ذي الحجة، فبينما كان الحجّاج يتهيؤون للتوجّه إلى عرفات لأداء ركن الحج الأعظم، كان الإمام عليه السلام  متوجهاً إلى مكانٍ آخر أعظم من عرفة، ألا وهو مكان النحر المقدّس وفديناه بذبحٍ عظيم.

وقد أثار خروج الإمام عليه السلام  في هذا التوقيت انتباه واستغراب عامّة الحجّاج الذين كانوا قد أمّوا البيت الحرام من مختلف الآفاق. فهذا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله  يحلّ من العمرة، ويغادر مكة في وقتٍ يتوجّه فيه الحجاج إلى عرفات لأداء الحج[31].

إلى غير ذلك من الشواهد التي تُثبت المطلوب.

 

 

 وفي الختام:

 يجدر التذكير بأنّ الإنسان لا يقف على التطورات والتحولات الاجتماعية إلَّا بعد مرور وقت طويل، وهذا ما يوجب علينا  توخّي أقصى درجات الدّقة والحذر والمراقبة في مسيرة الحياة؛ لكي لا ننزلق نحو التعلق بأهداب الحياة الدنيا التي هي رأس كلّ خطيئة؛ لأنّه إذا انعدم الحذر سوف ينحدر المجتمع تدريجياً نحو التخلّي عن القيم، ويبلغ مرحلة لا تبقى له سوى القشرة الخارجية، وقد يأتيه على حين غرّة ويفاجئه ابتلاءٌ شديد، كالابتلاء الذي تعرّض له المجتمع في أيام ثورة الحسين عليه السلام، ومن ثمّ لا يمكن لهذا المجتمع أن يخرج ظافراً.

علينا أن نستذكر الواقعة الشهيرة التي وقعت لعمر بن سعد، حينما عُرضت له ولاية الريّ، وكانت الريّ في ذلك الوقت ولاية شاسعة وغنيّة، ولم يكن منصب الإمارة في عهد بني أُميّة كمنصب المحافظ في الوقت الحاضر، فالمحافظون اليوم موظّفون حكوميون يتقاضون مرتّبات ولهم صلاحيات محدودة، ولم يكن الأمر حينذاك على هذا النحو؛ لأنّ الشخص الذي يُنصَّب والياً يكون مطلق اليد في التصرف بجميع الثروات الموجودة في تلك المدينة، يتصرّف فيها كيف يشاء، بعد أن يُرسل مقداراً منها إلى عاصمة الخلافة؛ ولهذا كان لمنصب الوالي أهمّية عُظمى.

لكنّهم  شرطوا تولّيه الريّ بمحاربة الحسين عليه السلام، ومن الطبيعي أن الإنسان النبيل وصاحب القيم لا يتردّد لحظة في رفض مثل هذا العرض. وما قيمة الرّي وغير الرّي؟! فلو وضعت الدنيا بين يديه لما عبس بوجه الحسين! فما بالك بالنهوض إلى محاربة عزيز الزهراء عليها السلام، وقتله هو وأطفاله؟!

هكذا يقف الإنسان الذي يحمل قيماً، ولكن حينما يكون المجتمع خاوياً ومجرّداً من القيم، وحينما تضعف هذه المبادئ الأساسية بين أفراد المجتمع، ترتعد الفرائص عند ذلك، وأكثر ما يستطيع المرء عمله في مثل هذا الموقف هو أنّه يستمهلهم ليلة واحدة للتفكير في الأمر. وحتى لو فكّر سنة كاملة لوصل إلى نفس النتيجة، ولاتّخذ نفس القرار؛ إذ لا قيمة لمثل هذا النمط من التفكير، لقد فكّر ابن سعد في الأمر ليلة، وأعلن في اليوم التالي عن موافقته على ذلك العرض. إلَّا أنّ الله تعالى لم يُمكّنه من بلوغ تلك الغاية.

فلا بُدّ من اليقظة والحذر في كل وقت، وقراءة التاريخ والحاضر قراءة واعية ومدروسة؛ حتى لا تتكرر المأساة.

 

الكاتب: د. الشيخ علي حمود العبادي

مؤسسة وراث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

__________________________________________________

[1]     الفاتحة:  7.

[2]     اُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار: ج1، ص 319.

[3]     البقرة:40.

[4]     البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري: ج8، ص151. واُنظر: الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي:  ص266.

[5]     الكافي، الكليني: ج1، ص 368.

[6]     اُنظر: ابن الأثير، عزّ الدين أبي الحسن، الكامل في التاريخ: ج3، ص138.

[7]     ابن الأثير، عزّ الدين أبي الحسن، الكامل في التاريخ: ج3، ص99.

[8]     اُنظر: المصدر السابق: ج3، ص100.

[9]     اُنظر: الحاكم  النيسابوري، المستدرك: ج3، ص361.

[10]    اُنظر: ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين، فتح الباري: ج8، ص 163.

[11]    محمد عبده، شرح نهج البلاغة، الخطبة (147): ج4، ص35 ـ 36. 

[12]    المصدر السابق: ج4، ص46.

[13]     محمد عبده، شرح نهج البلاغة، الخطبة (93): ج1، ص183ـ 184.

[14]    المصدر السابق: 190 ـ 191.

[15]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج5، ص21.

[16]    ابن طاووس الحسيني، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص59.

[17]    المصدر السابق: ص 20.

[18]    المصدر السابق: ص71. اُنظر: ابن نما الحلّي، نجم الدين محمد بن جعفر، مثير الأحزان: ص54.

[19]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج4، ص 313.

[20]    المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد: ج2، ص98.

[21]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج 4، ص 289.

[22]    المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد:ج2، ص76.

[23]    ابن الأثير، عزّ الدين أبي الحسن، الكامل في التاريخ: ج 4 ص 38 ـ 39.

[24]    المصدر السابق: ج4، ص16ـ 17.

[25]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ  الطبري: ج4، ص 306 ـ 307.

[26]    ابن طاووس الحسيني، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص18.

[27]    الكوفي، أحمد بن أعثم، كتاب الفتوح: ج5، ص22.

[28]    الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الخوارزمي: ص217.

[29]    الكوفي، أحمد بن أعثم، الفتوح: ج 5، ص23.

[30]    الخوارزمي، محمد بن أحمد، مقتل الخوارزمي: ص217.

[31]    انظر: ابن طاووس الحسيني، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف: ص38.