×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

هل الشيعة هم مَن قتل الحسين (عليه السلام)؟

 الجواب:

لم يكن فيمَن ساهم في قتل الحسين (عليه السلام) أحد مِن الشيعة، فإنَّ لمفهوم التشيُّع معنى واضحًا ومحدَّدًا ولم يكن هذا المفهوم ينطبق على واحدٍ ممَّن شارك في قتل الحسين (عليه السلام) فضلاً عن دعوى أنَّ كلّ مَنْ شارك في قتله كان مِن الشيعة.

فهذه الدعوى تعدُّ جناية على التاريخ ومجافاة للحقيقة وتضليلاً للرأي العامّ، ولا يخفى على كلِّ مَنْ له أدنى معرفة بوقائع التاريخ أنَّ منشأ هذه الدعوى هو الأضغان الكامنة في القلوب والحيرة في تفسير واقع استعصى على القوم تبريره بما يتناسب والمتبنَّيات التي تمسَّكوا بها وجهدوا مِن أجل الانتصار لها فجنحت بهم عن الحقِّ فظهروا في مظهرٍ يأبى كلُّ عاقل أنْ يظهر به، فلا لمآربهم بلغوا ولا بصوابهم احتفظوا، فهم كالتي نقضت غزلها مِن بعد قوَّة أنكاثًا.

فتلك كمائن القلوب لا تدع لواجدها سبيلاً لإخفائها، ورغم ذلك فنحن سنجيب عن هذه الشبهة وذلك بواسطة إيقاف القارئ على هويَّة مَنْ شارك في قتل الحسين (عليه السلام) فنقول إنَّه يمكن تصنيفهم إلى أربع طوائف:

الطائفة الأولى: كانوا من الخوارج أو مَن ينحو نحوهم في الاعتقاد بخروج الحسين (عليه السلام) عن الإسلام أو أنَّه كان مخطئًا وعاصيًا -والعياذ بالله-، ويتَّضح ذلك مِن ملاحظة كلمات بعض مَنْ شارك في المعسكر الأموي الذي قاتل الحسين (عليه السلام) يوم العاشر، ونذكر لذلك بعض النماذج:

النموذج الأوَّل: ما ذكره ابن الأثير في الكامل وذكره آخرون أيضًا أنَّ القوم لمَّا أقبلوا يزحفون نحو الحسين (عليه السلام) كان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي، فصاح أفيكم حسين؟ وفي الثالثة قال أصحاب الحسين (عليه السلام): هذا الحسين فما تريد منه؟ قال: يا حسين أبشر بالنار، قال الحسين (عليه السلام): كذبت بل أقدم على ربٍّ غفور كريم مطاع شفيع فمَن أنت؟ قال أنا ابن حوزة فرفع الحسين (عليه السلام) يديه حتَّى بان بياض إبطيه وقال: اللهمَّ حزه إلى النار، فغضب ابن حوزة وأقحم الفرس إليه...".

هذا نموذج يعبِّر عن رأي بعض مَن كان في معسكر عمر بن سعد في الحسين (عليه السلام) وأنَّه بنظرهم مستحقٌّ للنار. وليس ثمَّة أحد مِن المسلمين يرى هذا الرأي سوى الخوارج ومَن ينحو نحوهم.

النموذج الثاني: ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية "وكان عمرو بن الحجَّاج -وهو مِن القوَّاد في المعسكر الأموي الذي قاتل الحسين (عليه السلام)- قال لأصحابه يوم العاشر "قاتلوا مَن مرق عن الدين وفارق الجماعة، فصاح الحسين (عليه السلام) "ويحك يا عمرو أعليَّ تحرِّض الناس؟ أنحن مرقنا مِن الدين وأنت تقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا مَن أولى بصلي النار".

وهذا النموذج أبلغ مِن الأوَّل حيث صرَّح فيه ابن الحجَّاج عن رأيه في الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأنَّهم مرقوا مِن الدين، ويبدو أنَّ هذا الشعار كان يستهوي القوم وإلاَّ لما استعمله ابن الحجَّاج لتحفيز العزائم، وهو ما يعبِّر عن أنَّ شريحة كبيرة في المعسكر الأموي كانت ترى هذا الرأي في الحسين (عليه السلام).

النموذج الثالث: ما ذكره الطبري في تاريخه وروى عن الضحَّاك المشرقي قال: لمَّا أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنَّا ألهبنا فيه النار.. إذ أقبل رجل يركض على فرس كامل الأداة.. فنادى بأعلى صوته: "يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل نار القيامة" فقال الحسين (عليه السلام): "مَن هذا كأنَّه شمر بن ذي الجوشن فقالوا نعم أصلحك الله هو هو...".

وهذا النموذج يعبِّر عمَّا ذكرناه مِن أنَّ رأي بعض مَن شارك في قتل الحسين (عليه السلام) هو رأي الخوارج.

النموذج الرابع: وروي عن الضحَّاك بن عبد الله المشرقي قال: "فلمَّا أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كلّه يصلُّون ويستغفرون ويدعون ويتضرَّعون قال فتمرُّ بنا خيل لهم تحرسنا وأنَّ حسينًا ليقرأ ( (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)) فسمعها رجل مِن تلك الخيل التي كانت تحرسنا فقال نحن وربِّ الكعبة الطيِّبون ميزنا منكم..." وهذا النموذج يعبِّر عن أنَّ بعض مَنْ كان في المعسكر الأموي يرون أنَّهم على صوابٍ في موقفهم وأنَّهم الطيِّبون وأنَّ مَنْ يواجهونهم هم الخبيثون وهو ما يعبِّر عن رؤيتهم في قتل الحسين (عليه السلام) وأنَّه مِن الطاعات والقربات.

النموذج الخامس: قال حميد بن مسلم: "... فلمَّا رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قال للحسين: يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء... وأحبُّ أنْ ألقى ربِّي وقد صلَّيتُ هذه الصلاة التي دنا وقتها قال فرفع الحسين رأسه ثمَّ قال ذكرت الصلاة جعلك الله مِن الذاكرين نعم هذا أوَّل وقتها ثمَّ قال سلوهم أنْ يكفُّوا عنَّا حتَّى نصلِّي فقال لهم الحصين بن تميم إنَّها لا تقبل فقال له حبيب بن مظاهر لا تقبل! زعمت الصلاة مِن آل رسول الله لا تقبل...".

هذا نموذج آخر يعبِّر عن رأيهم في الحسين (عليه السلام) وموقفه.

النموذج السادس: ما رواه الطبري أنَّ حميد بن مسلم قال: ثمَّ أنَّ عمر بن سعد نهض إليه عشيَّة الخميس لتسع مضين مِن المحرَّم ونادى: يا خيل الله اركبي وأبشري...".

وهذا النصُّ مِن أبلغ النصوص على ما ندَّعيه، فعمر بن سعد وإنْ لم يكن يعتقد بما يقول إلاَّ أنَّه استخدم هذا الشعار لتعبئة جيشه واستنهاض عزائمهم لمعرفته بما انطوت عليه ضمائرهم مِن اعتقاد بأنَّ حرب الحسين (عليه السلام) يقع في سياق الطاعات والقربات، وليس مَنْ يعتقد ذلك إلاَّ الخوارج أو مَنْ ينحو نحوهم.

وثمَّة نماذج أخرى يقف عليها مَن يطَّلع على المصادر التي تصدَّت لتفاصيل مقتل الحسين (عليه السلام).

الطائفة الثانية: كانوا ممَّن غرَّتهم الدنيا وطمعوا في الحظوة مِن يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد، وهؤلاء وإنْ كان منهم مَن يعرف مقام الحسين (عليه السلام) وأنَّه لا يحلُّ لهم استباحة دمه إلاَّ أنَّهم لا يكترثون بذلك، ويمكن الاستشهاد لذلك بمجموعة مِن المواقف التي ذكرها المؤرِّخون:

الموقف الأوَّل: ما ذكره الطبري وابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم، وغيرهم "إنَّ عمر بن سعد تقدَّم نحو عسكر الحسين (عليه السلام) ورمى بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنِّي أوَّل مَن رمى ثمَّ رمى الناس...".

هذا الموقف يعبِّر أبلغ تعبير عن مدى حرص ابن سعد على أنْ يكون في الموقع القريب مِن ابن زياد وأيَّ شيء يبتغيه ابن سعد مِن ذلك غير الدنيا التي توهَّم أنَّ أزمتها بيد ابن زيادٍ وأميره يزيد بن معاوية، فهو يخشى أنْ يتَّهمه ابن زياد بالتلكُّؤ ويطمح بأنْ يبلغ أكمل الرضا بموقفه هذا.

ولذلك بالغ في أنْ يتمثَّل أوامر ابن زياد على أكمل وجه، حيث أمره فيما أمره "أمَّا بعد... فإنْ قتل حسينًا فأوطئ الخيل صدره وظهره ولست أرى أنَّه يضرُّ بعد الموت ولكن عليَّ قول قلته لو قتلته لفعلت هذا به فإنْ أنت فعلت هذا به جزيناك جزاء السامع المطيع، وإنْ أبيت فاعتزل عملنا...".

وقد امتثل ابن سعد ذلك، فقد ذكر المؤرِّخون منهم الطبري وابن الأثير وابن كثير "ونادى ابن سعد ألا مَن ينتدب إلى الحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره فقام عشرة... فداسوا بخيولهم جسد الحسين " (عليه السلام) ثمَّ أمر بقطع رأسه ورؤوس أصحابه وسرح بهم إلى ابن زياد...".

كلُّ ذلك حرصًا مِنه على الدنيا وخشيةً مِن زوال حطامها مِنه.

ولقد ذكر المؤرِّخون الحوار الذي دار بين ابن سعد وابن زياد حيث كان قد أمَّره على أربعة آلاف يسير بهم إلى "دستبي" لأنَّ الديلم قد غلبوا عليها وكتب له عهدًا بولاية الري وثغر دستبي والديلم، فلمَّا بلغ الحسين (عليه السلام) كربلاء أمره بأنْ يخرج بالجيش إلى كربلاء فاستعفاه فاستردَّ ابن زياد العهد مِنه واستمهله ليلته... وعند الصباح أتى ابن زياد وقال إنَّك وليتني هذا العمل وسمع به الناس فأنفذني له وابعث إلى الحسين مَن لست أغنى في الحرب مِنه، فقال ابن زياد لست أستأمرك فيمَن أريد أنْ أبعث فإنْ سرت بجندنا وإلاَّ فابعث إلينا عهدنا فلمَّا رآه ملحًّا قال إنِّي سائر".

الموقف الثاني: ذكره ابن الأثير في الكامل قال: قال مسروق بن وائل الحضرمي: "كنت في أوَّل الخيل التي تقدَّمت لحرب الحسين لعلِّي أصيب رأس الحسين (عليه السلام) فأحظى به عند بان زياد...".

الموقف الثالث: ما ذكره الطبري أنَّ خولِّي جاء برأس الحسين (عليه السلام) إلى القصر فوجد باب القصر مغلقًا فأتى منزله فوضعه تحت اجَّانه، وكانت له زوجة اسمها النوار بنت مالك فقالت له ما الخبر؟ ما عندك؟! قال خولِّي: "جئتك بغنى الدهر هذا رأس الحسين معك في الدار...".

الموقف الرابع: وفي العقد الفريد أنَّ خولي بن يزيد الأصبحي جاء بالرأس الشريف إلى ابن زياد وقال له:

املأ ركابي فضَّة أو ذهبا

إنِّي قتلتُ السيِّد المحجَّبا

وذكر ابن الأثير أنَّ الذي قال ذلك هو سنان بن أنس، وفي كشف الغمَّة ومقتل الخوارزمي هو بشر بن مالك، وفي بعض المصادر أنَّ القائل هو الشمر.

الموقف الخامس: ذكره الخوارزمي في مقتل الحسين أنَّ الذين وطأوا جسد الحسين (عليه السلام) وهم عشرة أقبلوا إلى ابن زياد يقدمهم أسير بن مالك وهو يرتجز:

نحن رضضنا الصدر بعد الظهر

بكلِّ يعبوبٍ شديد الأسر

فأمر لهم بجائزة يسيرة.

الموقف السادس: ذكره الطبري وجمع مِن المؤرِّخين قال: " ولمَّا قتل الحسين بن علي (عليه السلام) جيء برأسه وبرؤوس مَن قتل معه مِن أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد فجاءت كندة بثلاثة عشر رأسًا وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسًا وجاءت بنو أسد بستَّة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس فذلك سبعون رأسًا...".

تقسيم الرؤوس بهذه الطريقة يعبِّر عن حرص القبائل التي شاركت في قتل الحسين (عليه السلام) على أنْ تحظى بالرضا مِن ابن زياد.

وكيف يكون هؤلاء مِن الشيعة؟! هل لأنَّهم مِن الكوفة أو لأنَّهم كانوا في جيش علي (عليه السلام) عندما كان خليفة؟

سيتَّضح فيما سنذكره لاحقًا أنَّ أكثريَّة أهل الكوفة لم يكونوا مِن الشيعة آنذاك وأنَّ مشاركة الكثير مِنهم في جيش علي (عليه السلام) كان منشؤه أنَّ عليًّا (عليه السلام) كان في موقع الخلافة.

الطائفة الثالثة: كانوا ممَّن يحملون ضغنًا وحقدًا على الحسين (عليه السلام) فكانت مشاركتهم بدافع التشفِّي والانتصار لأضغانٍ كانوا يكتوون بها.

ويمكن الاستشهاد لذلك بمجموعة مِن المواقف تناقلتها كتب التأريخ:

النموذج الأوَّل: ما ذكره الطبري وغيره أنَّ عليّ بن الحسين الأكبر لمَّا كان في المعركة أبصره مرَّة بن منقذ العبدي فقال: "عليَّ آثام العرب إنْ لم أثكل أباه به فطعنه بالرمح في ظهره وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته".

هذا الموقف كما تلاحظون يعبِّر عن مستوى الغيظ الذي يحمله هذا الرجل على الحسين (عليه السلام)، فكان الدافع مِن اغتياله لعلي الأكبر هو إدخال الحزن والأسى في قلب الحسين (عليه السلام).

النموذج الثاني: ذكره الطبري وآخرون أنَّ شمر بن ذي الجوشن حمل حتَّى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى عليَّ بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله قال فصاح النساء وخرجن مِن الفسطاط، قال وصاح به الحسين يا ابن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي! حرَّقك الله بالنار.

ولم يكن عمر بن سعد أحسن حالاً مِن الشمر، فقد أمر كما يذكر الطبري وغيره بإحراق خيم الحسين (عليه السلام) فأحرِقت.

ولا أظنُّ أنَّنا بحاجة للتعليق على هذا الموقف فَقَدْ فَقَدَ القوم صوابهم فأخذوا يعبِّرون عمَّا اكتوت به ضمائرهم بأقبح تعبير.

النموذج الرابع: ذكر أبو الفرج الأصفهاني "أنَّ الحسين جعل يطلب الماء وشمر يقول له والله لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنَّه بطون الحيَّات! والله لا تذوقه أو تموت عطشًا، فقال: الحسين اللهمَّ أمته عطشًا".

هذه بعض النماذج المعبِّرة عن ما كان يكنُّه قتلة الحسين (عليه السلام) مِن ضغن بلغ مداه فأفصحت عنه قسوة لم يعرف التأريخ لها نظير، فلم تكن بشاعة ما ارتكبوه تكافئ مقدار ما انطوت عليه قلوبهم، فكلَّما أوغلوا في القسوة وجدوا أنَّ غليلهم يزداد التهابًا، فعمد بعضهم إلى أطفال الحسين (عليه السلام) يذبحونهم ذبحًا، وقصد آخرون جسده الذي أعياه النزف لينهالوا عليه بسيوفهم وهو صريع، فلم يكن لها مِن أثرٍ غير أنَّ وقعها يُبلسم أرواحهم المهترئة فكان بعضهم يركله برجله، وآخر يقطع إصبعه، وثالث يحزُّ معصمه، ورابع يقطع رأسه، وخامس يسلب ثيابه، وآخرون يوطئون الخيل ظهره وصدره ولم يجد بعضهم غير الحجارة يرضخون بها جسده.

فما وجدوا لكلِّ ذلك رواءً لغليلهم فقصدوا حرمه وروَّعوا بناته ونساءه بعد أنْ أحرقوا خيامه وسلبوا متاعه، فكان أحدهم يخرم أذن الطفلة ليسلبها قرطها، ويعدو آخرون بخيولهم خلف أطفال الحسين (عليه السلام) ليطأوهم بحوافرها.

فأيُّ منصفٍ يقف على كلِّ هذه المشاهد ثمَّ يجرؤ فينسب هؤلاء إلى شيعة الحسين (عليه السلام)، هؤلاء لم يكونوا يتديَّنوا بدين كما أفاد الإمام الحسين (عليه السلام) حينما قصدوا رحله وحالوا بينه وبين أهله"ويلكم إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في أمر دنيا كم أحرارًا ذوي أحساب...".

الطائفة الرابعة: كانوا ممَّن استبدَّ بهم الخوف مِن بطش يزيد وعبيد الله بن زياد، ونذكر لذلك بعض الأمثلة:

الأوَّل: ما ذكره الدينوري في الأخبار الطوال قال: إنَّ ابن زياد بعث إلى الحصين بن نمير وحجار بن أبجر وشمر بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وأمرهم بمعاونة ابن سعد فاعتلَّ شبث بالمرض فأرسل إليه أنَّ رسولي يخبرني بتمارضك وأخاف أنْ تكون مِن الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنَّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنَّا معكم إنَّما نحن مستهزئون فإنْ كنت في طاعتنا فأقبل مسرعًا فأتاه بعد العشاء لئلاَّ ينظر إلى وجهه فلا يجد عليه أثر العلَّة ووافقه على ما يريد.

الثاني: روى البلاذري في أنساب الأشراف وقال: لمَّا سرَّح ابن زياد عمر بن سعد أمر الناس فعسكروا في النخيلة وأمر أنْ لا يتخلَّف أحد منهم وصعد المنبر فقرَّض معاوية... ثمَّ قال فأيَّما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلِّفًا عن العسكر برئت منه الذمَّة... ثمَّ خرج ابن زياد فعسكر... ثمَّ إنَّ ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حرث وأمر القعقاع بن سويد بالتطواف بالكوفة فوجد رجلاً مِن همدان قد قدم يطلب ميراثًا له بالكوفة فأتى به ابن زياد فقتله فلم يبقَ محتلم إلاَّ خرج إلى العسكر بالنخيلة.

هذا النصُّ ونصوص أخرى كثيرة تعبِّر عن أنَّ واحدًا مِن دوافع المساهمة في حرب الحسين (عليه السلام) هو الهلع الذي انتاب جمعًا مِن أبناء الكوفة مِن بطش ابن زياد ولم يكن هؤلاء مِن الشيعة بل كانوا ممَّن يطمع في العافية، فلو كانت بجنب الحسين لوقفوا معه، ولأنَّها كانت بجانب عبيد الله بن زياد آثروا أنْ يقفوا معه طمعًا في العافية رغم يقينهم بعدم لياقته للإمارة ورغم إدراكهم بجدارة الحسين للزعامة والرياسة.

فهؤلاء لم يكونوا مِن الشيعة إذ أنَّ الشيعة هم مَن اعتقدوا إمامة الحسين (عليه السلام) وأنَّه مفترض الطاعة مِن الله عزَّ وجلَّ وأمَّا مجرَّد الميل الذي يكنُّه بعضهم للحسين (عليه السلام) أو اعتقادهم بلياقته لإدارة شئون الحكم فهو لا يعبِّر عن تشيُّعهم وإلاَّ كان أكثر المسلمين في عصر يزيد بن معاوية مِن الشيعة، وهذا ما لا يلتزم به مثيروا هذه الشبهة.

وأمَّا أنَّ كثيرًا مِن أبناء الكوفة كانوا قد راسلوا الحسين (عليه السلام) ووعدوه بالمؤازرة فهذا وإنْ كان قد وقع إلاَّ أنَّ ذلك لا يعبِّر عن إيمانهم بإمامة الحسين (عليه السلام) بالنحو الذي يؤمن به الشيعة، وإنَّما لأنَّهم وجدوا في سياسة معاوية معهم قسوة وضيقًا ولم يكن بنظرهم أحد قادر على تخليصهم مِن سطوة بني أميَّة سوى الحسين (عليه السلام)، ذلك لأنَّهم قد عرفوا أنَّ الحسين (عليه السلام) قد رفض أشدَّ الرفض دعوة معاوية لمبايعة يزيد على ولاية العهد ثمَّ رفض البيعة ليزيد بعد هلاك معاوية وخرج مِن المدينة إلى مكَّة الشريفة معلنًا رفضه للبيعة، كما أنَّهم يدركون التقدير الذي يحظى به الحسين (عليه السلام) في قلوب الناس نظرًا لقرابته مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونظرًا لسجاياه المتميِّزة، فهذا هو ما برَّر اختياره دون غيره مِن الصحابة، فالحسين بنظرهم أليق الناس بمنصب الخلافة مِن بني أميَّة وأنَّه لو استلم الحكم لسار فيهم بالعدل والإحسان.

وذلك لا يعبِّر عن إيمانهن بإمامته بالمعنى الذي يؤمن به الشيعة، فالتشيُّع لا يعني الحبَّ للحسين ولأهل البيت (عليه السلام) كما لا يعني الإدراك أو الاعتقاد بأنَّ الحسين أليق بالخلافة مِن يزيد ومِن بني أميَّة وإلاَّ لكان أكثر المسلمين شيعة.

نعم التشيُّع يعني الاعتقاد بأنَّ الحسين (عليه السلام) هو الإمام المفترض الطاعة مِن قبل الله عزَّ وجلَّ وأنَّه الأليق بمنصب الخلافة على الإطلاق بعد أخيه الحسن (عليه السلام) وبعد أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي أخبر عن الله عزَّ وجلَّ بأهليَّته وباستحقاقه لذلك كما أخبر عن أهليَّة واستحقاق أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأخيه الإمام الحسن (عليه السلام).

هذا هو معنى التشيُّع وهذا ما يؤمن به الشيعة، ولا يوجد أيُّ نصٍّ تاريخي يشير إلى أنَّ الذين شاركوا في قتل الحسين (عليه السلام) هم ممَّن يؤمن بذلك بل إنَّ النصوص التاريخيَّة صريحة في غير ذلك كما اتَّضح بعض ذلك ممَّا بيَّنَّاه.

والحمد لله ربِّ العالمين

الرد: الشيخ محمد صنقور