×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

أواخر كلمات الامام الحسين (عليه السلام)

  بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الأخيار المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين، ايها الاخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أعظم الله لكم ولنا الاجر بمصاب ابي عبد الله  الحسين عليه السلام.

  يود كل باحث ان يتتبع كل كلمة نطق بها ابو عبد الله الحسين عليه السلام منذ ولادته الميمونة الى لحظة استشهاده المباركة وذلك انه في تتبعه يكون متتبعاً للحق والحجة كيف لا وجده المصطفى يقول حسين مني وانا من حسين إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.
 لكننا سنتوقف اليوم عند كلمتين اثنتين له عليه السلام لانهما وردتا في ظرف استثنائي حافل بالدلالات والمعاني. فقد كتب على الارجح في يوم سابوعاء اي السابع من المحرم ومن ارض كربلاء كتاباً مختصراً جداً اصر رغم الحصار ان ينسل رسوله به الى المدينة المنورة ونص الكتاب كما في كامل الزيارات كالتالي: بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي الى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم اما بعد فكأن الدنيا لم تكن وكأن الاخرة لم تزل والسلام. وهذه الرسالة الى اخيه محمد بن الحنفية هي آخر رسائله عليه السلام بل هي أقصر رسالة يرويها لنا التاريخ.

  ويحسن بنا ان نتوقف عند امور كثيرة بمقدار ما يتسع وقتنا. اولاً ان الرسالة كانت في وقت ضيق شديد وحصار اشد وقد تهيا الجميع لما بد منه،فلو لم يكن مضمون الرسالة عالي الشان عظيم المرتبة لما أصر ابو عبد الله عليه السلام على كتابتها وارسالها مع شخص قد تكون المعركة المقبلة بمسيس الحاجة اليه نظراً لقلة الناصر والمعين. ثانياً: ان الرسالة ذات طابع عام لانها موجهة لتقرأ علناً من قبل اخيه محمد بن الحنفية على من قبله من بني هاشم وهم كثر آنذاك ليقوموا هم بدورهم بابلاغها لمحيطهم ومن ثم للاجيال المتعاقبة ومنها نحن في زماننا هذا.

 ثالثاً "قد كان بامكان الحسين عليه السلام ان يرسل تلك الرسالة من مكة او من بعض منازل الطريق فلماذا اخرها الى اليوم السابع من المحرم وبالتحديد من ارض كربلاء التي ما ان نزلها حتى قال هاهنا محط رحالنا دالاً  بكثير من العبارات على انها ارض مصرعه ومصرع من كان معه، وفي هذا دلالة ايضا لابد من اخذها بعين الاعتبار.

 والحقيقة ان اياً من الناس لا يستطيع ان يجزم بالعلة التامة والسبب الكامل الذي يقف خلف موقف الحسين عليه السلام هذا وكتابه الاخير،لكننا سنحاول على قدر شأننا ان نبين ما قد يكون اسباباً ارادنا الامام عليه السلام ان نتعقلها. لقد تحدث عليه السلام عن الدنيا كأنها لم تكن وعن الآخرة كأنها لم تزل اي انه اعدم وجمد الزمان في جهة وجعله أزلياً في جهة اخرى فقد أخرج الدنيا من قالب الزمان وجعلها خارجه وجعل الاخرة فوق الزمان واكبر منه ومستوعبه له. وبعبارة بسيطة فقد ترجم الايات القرآنية التي تؤكد ان الدار الاخيرة هي الحيوان لوكانوا يعلمون.

 وقد يقول قائل ان هذا المعنى لم يتفرد به الحسين عليه السلام بل كان محط مواعظ الانبياء والاولياء والصالحين وعلى رأسهم جده المصطفى صلى الله عليه واله وسلم الذي طالما كرر بالفاظ متعددة ان الدنيا كالمنام وان الاخرة هي الحياة الحقيقية نقول نعم لم يأت الحسين عليه السلام بمعنى جديد في هذا الجانب بل  كان متسقاً في كلامه مع تلك الموعظة التاريخية التي لازمت الانبياء والرسل والاولياء.

 لكن المعنى الذي انفرد به الحسين عليه السلام انه اخرج نفسه باختياره من الدنيا وهو فيها واستجلب الاخرة اليه وهو خارجها بحيث كان تحكمه من خلال نهضته المباركة تحكماً مطلقاً لان الانسان ابن ثلاثة ايام هي ايام سلامه يوم يولد ويوم يموت ويموم يبعث حياً، وهي الايام التي سلم  الله فيها على انبيائه كيحي وعيسى عليهما السلام (سلام علي يوم ولدت ويوم اموت ويوم ابعث حياً) فقد كان يوم ممات الحسين ويوم شهادته عليه السلام هو اليوم الذي لم يزل باعتباره اخرويا وباعتباره يحمل سلاماً وكانما انعكست ارهاصات  الآخرة بصفة الديمومة و الاستمرار على كل حياة الحسين وخاصة تجليات كربلاء لتعطي لدنياه تلك الاستمرارية والديمومة.

 وبالفعل ها هو الحسين عليه السلام يعلو ويعلو كل عام مستمراً دائماً ما بقيت السماء والارض وما ذاك الا لان ختامه كان افضل ختام وموته افضل الموت فهو البر الذي ليس فوقه بر.

 ترى هل اراد الحسين عليه السلام ان يقول ان دنياه وآخرته واحدة اذ كان ابن الاخرة الخالدة المبعوث الى الدنيا الزائلة ليصلح في امة جده ما افسده المفسدون وليجدد ما عفا على رسمه المنافقون. فهو من جهة متصل نسباً وسبباً باعظم مخلوق جده النبي الاكرم صلى الله عليه واله وسلم ومن جهة اخرى هو المقدم على آخرته لاحياء امة والارض التي سقط شهيداً عليها هي ارض آخرة ايضاً بلحاظ ما ذكرناه هنا تكتمل الصورة وينجلي المشهد اذ تنعكس ازلية الاخرة على الشخص الاخروي والهدف الاخروي والمكان الذي جرت فيه الواقعة.

 وقد استقر هذا المعنى في نفوس اصحاب الحسين عليه السلام ايضاً فاقبلوا بنحورهم على ما يظنه الخلق موتاً وهو في الحقيقة استحلاب حياة لكنها دائمة غير زائلة بحيث سطروا ارقى ما يمكن ان يفعله بشر عاديون ولذلك قال امامهم فيهم ما رايت اصحاباً قط أوفى من اصحابي، لم يكن وفاء هؤلاء الخلص لشخص الامام عليه السلام فحسب بل وفاء لتلك الديمومة والاستمرارية التي انتجتها بل ولازمت تلك الشخصية الريادية فانتهزوا فرصتهم وتشبثوا بمعقل الخلود ونسيجه.

 اما الكلمة الثانية للحسين عليه السلام فهي قبل ساعات من المذبحة حيث يروي ابن عساكر قائلاً: لما نزل عمر بن سعد بحسين وايقن انهم قاتلوه قام في اصحابه خطيباً فحمد الله واثنى عليه ثم قال: قد نزل بنا ما ترون من الامر وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت حتى لم يبق منها الا صبابة كصبابة الاناء والا خسيس عيش كالمرعى الوبيل الا ترون الى الحق لا يُعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه واني لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما.

 هذه الخطبة القصيرة في اصحابه رضوان الله عليهم هي كلام اطلقه عليه السلام استكمالاً لكتابه الانف الذكر الى اخيه لكنه كان بصيغة تحمل خصوصية زائدة اذا كان المخاطبون هم خلاصة الفداء والايثار الذي تمخضت عنه الامة الاسلامية. فهو يتكلم مع رجال تأدبوا بادب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فابقوا النموذج القرآني ماثلاً وكان الكلام في نفس السياق ومفاده ان هدف وجود الانسان في هذه الدنيا الزائلة هو اقامة الحق ودحض الباطل فان اصبح الحق لايُعمل به والباطل لا يتناهى عنه فلا بد لرجال الاخرة من ان يظهرواً انفسهم من خلال مسرب واحد وهو الرغبة بلقاء ربهم لا يأساً من روحه عز وجل بل ذوباناً في اوامره ونواهيه لتنعدم شخصا نيتهم في صالح حفظ النموذج لان دين محمد صلى الله عليه واله وسلم ان لم يكن له من يعمل به يصبح تنظيراً فلسفياً لا مصداق له وتبطل بذلك حجج الله على خلقه. ولاجل ان تبقى تلك الحجة اطلقها ابو عبد الله الحسين عليه السلام اني لا ارى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما.

من محاضرات/ الشيخ القاضي محمد كنعان