×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

البعد الاخلاقي في فكر الأمام الحسين (عليه السلام)

البعد الاخلاقي في فكر الأمام الحسين (عليه السلام)

ما بني الإسلام دعائمه الثابتة إلا على أسس أخلاقية وسنن تربوية تأبى التغيير والتبديل ابتداء من نبي الإسلام صلى الله عليه واله وسلم الذي رفع بيارق الخلق الكريم حين قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) واستمرارا بأبنائه الكرام الذين جسدوا رؤاه واستمروا بخطاه.

وفي حياة الإمام الحسين تظهر لنا صور أخلاقية رفيعة وسلوك إنساني قيم تؤكد الاستقامة والثبات قال (عليه السلام) ( (نصبر على بلائه))والصبر على البلاء هو من الاخلاق السلامية التي حث القرآن على التلبس بها لأنه من أقوى الاسلحة المعنوية المؤثرة في حياة العاملين في سبيل الله (1) قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

ولقد قدم الإمام أروع النماذج في هذا المضمار تشير إلى أرقى وأنقى معين إيماني استقاه من جده المصطفى ووالديه ولقد جسد الإمام هذه الحقيقة حتى أمام جبهة الباطل التي تمثلت بيزيد بن معاوية.

فلقد برزت للإمام الحسين في نهضة كربلاء صور إنسانية ومبادئ تربوية جعلها الإمام فوق كل الاعتبارات والقوانين التي يجب إتباعها في هكذا مواقف عصيبة وخطيرة، في وقت تعامل أعداء الإمام معه بصور مهينة ومشينة مستخدمين فيها التلبس والتدليس والغدر والختل، ولكن حقيقة الإمام أبت إلا أن تخرج للوجود كما هي، فالإمام إنما انتفض لصيانة الأخلاق والقيم لا للتعرض إليها والخروج عن إطارها. فكان سيد الشهداء قد حدد أسباب نهضته من بدايتها حيث قال: (إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي،أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي صلى الله عليه واله وسلم وأبي علي بن أبي طالب) (2)

وهنا نقتبس بعض العبارات مما كتبه الكتاب غير المسلمين يقول الفيلسوف الاماني ماربين السياسة كتابه السياسة الاسلامية: أن الحسين مع ما كانت له من المحبوبية في قلوب المسلمين كان بإمكانه تجهيز جيش جرار لمقاتلة يزيد، لكنه قصد من استشهاده الانفراد و المظلومية لإفشاء ظلم بني أمية  وإظهار عداوتهم لآل النبي) (3)

ومن هنا التزم الأمام الحسين (عليه السلام)  بهذه الأسس المثالية وعلى سبيل المثال :

أولا -  يرفض بدء القوم بالقتال:

 فحينما يعرض عليه أحد أصحابه بحسم المعركة لصالحه قبل يوم العاشر باعتبار أن جيش العدو كان غير مستعد من ناحية العدة والعتاد، لكنه قال: (ما كنت لأبدأهم بالقتال) وحتى اللحظة الحاسمة أبت نفس الحسين عليه السلام أن ترميهم بسهم إلا بعد إسداء الحجة تلو الحجة والحذر تلو الحذر فكانوا كما قال الشاعر:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.

ثانيا – الالتزام بالرفق والعطف واللطف حتى على الأعداء:

ومن صوره الخلقية العطف على قاتليه، فالمشاعر الحارة والهيجان الثوري لم يمنعه من الالتزام بالرفق والعطف واللطف حتى على الأعداء، ففي طريقه نحو كربلاء واجه شريحة من عسكر ابن زياد وهم ما يقارب من (1000) مقاتل وكانوا عطاشى مع خيولهم فأمر الإمام بإروائهم وسقي خيولهم، وقال: (أسقوا القوم وأرووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا) وإنه سقى بنفسه أحد جنود الأعداء من الماء الذي كان قد احتفظ به لوقت الشدة!

ثالثا- صيانة  المرأة في حجابها وعفتها ويحافظ على دورها اللائق في المجتمع:

 وتجلت صورة أخرى من أخلاقيات الإمام الحسين على ثرى الطف وهي؛ حينما برز ولده علي الأكبر وقاتل حتى قتل، فبينما هوى صريعا خرجت أمه ليلى من الخيمة صارخة صائحة فنهاها الإمام من ذلك قائلا لها: (إرجعي إلى الخيمة أما تعلمين إن حجابك أعز عندي من ولدي علي الأكبر)!!

فردها الحسين إلى الخيمة ليسجل بنفسه موقفا أخلاقيا يصون المرأة من كل إغراء ويحافظ على دورها اللائق في المجتمع.

رابعا- لا يميز بين الغريب والقريب من أتباعه:

 والموقف الجلي الذي رافق سيد الشهداء في نهضته هو مواساته لأنصاره واحترامه لهم بنفس القدر مع من يرتبط بهم بوشائج القربى من أخوته وأبنائه، ففي الوقت الذي جلس عند مصارع أخيه وولده والشهداء من بني هاشم تراه يراعي ويواسي أنصاره فتارة يضع خده على خد الغلام الحبشي، أو على خد الغلام التركي ليقول: من مثلي ويضع ابن بنت رسول الله خده على خدي، فهذه مواصفات القائد اللائق الذي لا يميز بين الغريب والقريب من أتباعه، ومن هنا تمكن الإمام من امتلاك مودتهم له واستجابتهم لدعوته .

خامسا – قبول توبة من جاء لقتاله ومن فتك به أشد فتك والعفو عنهم:

 ومن السجايا الأخلاقية التي انفرد الإمام عليه السلام بها في هكذا مواقف عصيبة هي قبول توبة من جاء لقتاله ومن فتك به أشد فتك والعفو عنهم، فالحر بن يزيد الرياحي الذي كان من صفوف الجيش الأموي يعود لهديه ويندم على غيه ويعتذر للإمام فيرحب به عليه السلام بقلب رحب وعاطفة طيبة ويقبل توبته وقاتل الحر مع الحسين ضد جيش يزيد، إلى أن هوى صريعا فجاء عنده الإمام وقال: (ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، فأنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة) ولا زال التاريخ يقدر هذا الموقف الفريد والصفة الطيبة.

سادسا – الالتزام بأداء الشعائر الاسلامية كالصلاة في وقتها:

 ومن أجلى المظاهر الإنسانية التي جسدها الإمام الحسين قبل شهادته هي طلبه من الأعداء لأن يصلي ركعات، ليشير للأمة بأن الإسلام عبادة وسياسة فيطلب من أحد أتباعه ليطلب من الأعداء ليمهلوه حتى يصلي، فيصلي الإمام عليه السلام ولكن رمي السهام والنبال لم تترك له مجال أوسع للتفرغ للعبادة واستمرار الارتباط الروحي مع خالقه، ويكفيه فخرا أن استهدف بموقفه هذا من توجيه للأمة بأن لا تترك هذه الشعيرة الإسلامية ولا تميتها.

سابعا-احترام قدسية الكعبة لئلا يدنس قداستها بني أمية:

 ترك الإمام عليه السلام للكعبة المقدسة لئلا يدنس قداستها بني أمية هو نموذج أخلاقي رائع وشريف كي لا تنتهك حرمتها فهو القائل لأخيه (لئن أدفن بشاطئ الفرات أحب إلي من أن أدفن بفناء الكعبة) خوفا أن يغتاله أعوان يزيد فتستباح حرمة بيت الله الكريم.

فقد جد في السير لكربلاء صيانة لبيت الله الحرام الذي هو محل مهوى قلوب المسلمين وهذا هو غيض من فيض أخلاقي رسمه الإمام الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء والتي لا تزال الأجيال تذكرها بكل سمو وتقدير لأن فيها المآثر الرفيعة أمام النماذج الوضيعة التي ملأت قاموس بني أمية.

ففي نهضة عاشوراء آفاق رحبة وأرجاء متسعة من القوة تمكن إقناع الآخرين وتستطيع من خلالها استقطاب البشرية جمعاء لهذا الدين، لأنه بحق دين الله الذي أختاره لعباده، وهو دين الأخلاق والقيم، والمنطق والدليل، والعقل والسلوك الحسن فلنا وللعالم في الحسين عليه السلام أسوة وقدوة.

مقتتبس من بحث / نظرية الاصلاح في فكر الأمام الحسين (عليه السلام) / الأستاذ المساعد- عدنان هاشم جواد الشروفي

اعداد / قيس العامري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    محمد الهنداوي – قراءة في الخطاب  الحسيني – الطبعة الاولى – الناشر مكتبة الحيديرية – 1429 ه –ص146.

(2)    منشور على الموقع الالكتروني: http://almodarresi.com/notes/a3084lbc.htm 

(3)    الكاتب المسيحي أنطوان بارا  - الحسين في الفكر المسيحي -– ص89 نقلا عن سعيد ميرزا  النوري- مصدر سابق – ص109.