×
العربيةفارسیاردوEnglish
× البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

هذا ما نفهمه من مقولة (هيهات منّا الذلّة)

بداية نقول: أنّ أيَّةَ مقولة تُوضع لتكون شعارًا يردّدُ في مناسباته الخاصة، وخاصة تلك التي تُوضع لتُرَدّد في لحضات المِحَن المؤلمة والإبتلاءات الموجعة، والتي تَتَمَحَّصُ فيها أفئدة الرجال وقلُوب النساء، لا تكتسب معانيها فقط من المعنى الذي توضع له ألفاظ المقولة أو الشِعار، فقد تكون ألفاظ المقولة المؤثرة تحمل معاني بسيطة.

بل إنّ الشعارات التي تؤثر في قلوب وأفئدة من يرفعها ويؤمن بها، تكتسب معانيها المؤثرة من المعاني التي تحكم الواقع الذي كان يعيشه صاحب المقولة حين نطقه بمقولته، لأنّها تصبح عند ذلك عِبَارة عن موقفٍ، لا فقط شعار يُرفع، وكذلك تكتسب معانيها ممّا عليه صاحب المقولة نفسه.

فلو عدنا إلى مقولة " هيهات منّا الذلة " والتي توطنت وتتردّدت في قلوب وعلى ألْسُن الأحرار لأكثر من ألفِ سنة، سنجد أنّ تردّدها على الألْسُن وكذلك تَرَسُّخها في قلوب الملايين من الأحرار عبر القرون الطويلة، لم يكن أمرًا عبثيًا.

بل إنّ تحليل واقع وحال من رَدَّدَ هذه المقولة، يقودنا إلى حقيقة أنّ هذه المقولة حافظت على بقائها واستمرار تأثيرها في قلوب الأحرار بسبب ارتباط عنصرين مهمين بها:

العنصر الأول: هو حقيقة ما يمثّله صاحب هذه المقولة من قيم انسانية وإيمانية.

العنصر الثاني: هو تلك المعاني التي حَفَّت الواقع الذي دفع صاحب المقولة لقول مقولته.

وقبل الحديث في هذين العنصرين، ننقل جزءًا من الخطبة التي ذكرت فيها هذه المقولة، كما نقلها جمهور المسلمين من السنّة والشيعة:

فقد أخرج " أبو موفق الخوارزمي " في كتابه " مقتل الحسين (عليه السلام) "، وكذلك نقل لنا " ابن طاووس " في كتابه " مقتل الحسين (عليه السلام) "، الخطبة التي ذُكرت فيها مقولة " هيهات منّا الذلة "، والتي صدح بها حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأصغر الإمام الحسين (عليه السلام)، ابن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و ابن فاطمة الزهراء (عليه السلام) بنت النبي محمد (صلى الله عليه وآله).

في اليوم العاشر من محرم الحرام، وهو في " كربلاء " مع بضعة عشرات من أهل بيته (عليه السلام) وبعض الأصحاب، وهم يواجهون الألوف ممن باعوا دينهم لأجل دنياهم، ولأجل طاعة الحُكَّام الفُسَّاق من بني أميّة، الذين هتكوا حُرمة نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله) طمعا بالملك، وابتدعوا في دين الله ما لم يسبقهم إليه أحد، وهي:

أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ، قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ: بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ؛ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأَبَى اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ، مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِئَـامِ عَلَى مَصَـارِعِ الْكِرَام (راجع كتاب مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 9 و10، وكتاب مقتل الحسين لابن طاووس ص 59).

ومن هنا نجد أنّ حقيقة الإمام الحسين (عليه السلام)، وما يمثّله من قيم سامية، لا تُفهم فقط من جهة كونه حفيد نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، ومن كونه ابن من ربّاه الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وابن بضعة رسول الله فاطمة الزهراء (عليه السلام)، وكونه من أهل بيت الرسول (عليه السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

بل إنّ هذه القرابة العظيمة،تكشف لنا في الواقع عن حقيقة البيئة والأسرة التي نشأ وتربَى فيها (عليه السلام)، والتي نسلّم جميعنا بأنّ البيئة والمربّي هما قوام تشكل شخصية الفرد.

إذن فهذا العبد المؤمن الصالح، والعزيز الأَبِيُ، قد باشر تربيته وراقب نشأته، أفضل الخلق وأكملهم في هذه الأمّة، وعليه فلا يبقى مجال للمقارنه بينه، وبين من نشأ وتربى في بيئة الكفر والخُبث ومحاربة الإسلام، كما هو حال " يزيد بن معاوية " و " زياد ابن أبيه " و " عمر بن سعد ".

كما أنّ المواقف التي كشفت عنها مقولاته في " كربلاء " وكذلك سيرته، تدحض كلّ وجوه المقارنة بين الإمام الحسين (عليه السلام)، وغيره من البشر.

وكذلك الواقع الذي عاشه الإمام الحسين (عليه السلام)، حين قال مقولته " هيهات منّا الذلة "، لا يترك لنا مجالاً لمقارنته (عليه السلام) بغيره، ممن وقف لمواجهة الظلم والفسق ورفض الذلّة والمهانة عبر التاريخ البشري، وهذا ما سنبيّنه في السطور القادمة.

أمّا العنصر الثاني فنستوعبه عندما نعلم، أنّ رجلا كالإمام الحسين (عليه السلام)، وبعد أنّ ذاق مرارة الغدر في أعلى دراجته ممن كاتَبوه وطلبوا منه النصرة، وكيف لا وقد ترتّب على هذا الغدر شهادته مع أهل بيته (عليه السلام) وخُلّص أقاربه و أصحابه، بل وسبي نسائه، وقيادتهن من العراق إلى الشام مقيّدين كما تُقيّد العبيد بِسلاسلِ الحديد.

وكذلك تجرّع ألم ووجع المسؤولية في أبشع صورها، وكيف لا يكون كذلك، وهو بعد أن حوصر في الصحاري مع نسائه الذين هم حرائر بيت النبوة، وأطفاله الذين هم بقيّة من ذريّة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وقلّة من أقاربه وأصحابه الخُلّص لربّهم، وهو يشاهد بأمّ عينه، أطفاله وأهله يفترشون الأرض وشفاههم قد تشقَّقَت وحناجرهم جفَّت من العطش الذي جَفَّت معه صدور المرضعات من أهل بيته، وخمد معه بكاء الأطفال، ونهر الفرات لا يبعُد عنه مَرمى سهمٍ، لا لشيء إلا لأنّ هناك حاكمًا فاسقًامن بني أميّة، قد أمر شذّاذ المطالب والأماني وعبّاد زيف الدنيا وحطامها، بمنع الماء عنه وعن مَن معه، ليدفعهم للخضوع له والنزول عند حكمه الفاسد.

فرجل مثله (عليه السلام)، وبعد أن يعيش فوقَ أوجاعه وألمه، كلّ هذه المرارات وهذه الآلام والأوجاع، ثمّ يواجه ابتلاءات موته وموت أطفاله وأهل بيته وأصحابه، بل ويواجه أصعب الإبتلاءات والمِحنِ التي يمكن أن يتعرّض لها إنسان، وهو ألم ومرارة سبي نسائه الذين هم أطهر نساء الأمّة.

فرجل مثله (عليه السلام)، وبعد أن خُيّر من قِبَل شخص، وكما حكى لنا التاريخ، أنّه ابن سِفاح وزنا وهو " زياد ابن أبيه "، بعد أن خيّره بين أنّ يخضع ويخنع لحُكم " يزيد بن معاوية " الفاسد الفاسق الفاجر، وبين أن يواجه الموت هو ومن معه، ويواجه ما يترتب على ذالك من سبي للنساء.

فأجاب قائلا: { أَلاَ وَإنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ } أي أنّ ابن من لا يعرف له أب، { قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ } بمعنى أنّه استقرّ حكمه علينا بخيارين، { بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ } أي بين استلال السيف والمواجهة حتّى الموت أو الذلّة له ولمن يقف خلفه، { وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ } فلفظة هيهات تفيد معنى النفي في أعلى مراتبه ودرجاته، وهي بمعنى يستحيل أن تكون لنا الذلّة.

{ يَأَبَى اللَهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } هنا بدأ يذكر السّببَ وراء أن الذلّة ليست له (عليه السلام)، فإنّ الله الذي خلقه وخلق الخلق، يرفض أن تكون الذلّة من نصيبه، بل قدّر أن لا تكون له، وكذلك نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله)، فرفض المولى تعالى والرسول (صلى الله عليه وآله) يعني تكليف شرعي، ومن كان مؤمنا حقَّا كذلك يرفض لنا أن نختار الذلة.

{ وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ، وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ }، بل يبيّن فوق ذلك، أنّ كل إنسان تربى في حجر طيب وطاهر، بحيث تحقّقت فيه انسانية الإنسان، وكل من كان له حميّة على عرضه وشرفه، وكل من كانت نفسه أبيّة على قبول الذلّة والمهانة، يرفض لنا أن نقدّم طاعة اللئام - وهم الذين يبيعون الشرف والعرض ويفعلون كل الرذائل في سبيل تحصيل بعض مكاسب الدنيا -، على مِيتَةِ العباد الكرام.

وبمعنى آخر أن الذين بلغوا درجة تحقيق إنسانيتهم، وإن كانوا من غير دين الإسلام، الذين هم عندهم حميّة على الشرف والعزّة والكرامة والعرض، وأصحاب النفوس الأبيّة عن الذلّ، لا يرضون لنا، أن نختار طاعة اللئيم، في سبيل الهروب من الموت الكريم، الذي هو الموت رفضا للذلّة، وهو ما نعبّر عنه بالشهادة.

وخلاصة كل هذا:

أنّ الإمام الحسين (عليه السلام)، يريد أن يوصل لنا من خلال ما ترجمه من موقفٍ، والذي تكشفه لنا مقولته " هيهات منا الذلّة " المفيدة لمعنى الرفض البات للذلّة، أنّه مهما واجهتنا من آلام ومن أوجاع، ومهما كانت مرارة النتائج التي ستؤدي إليه المواجهة، ومهما بلغت معاناتنا الجسدية والشعورية النفسية، لا بد أن يكون موقفنا هو نفس الموقف الذي تعبّر عنه مقولة "هيهات منّا الذلّة ".

وأيضا يريد أن يعلمنا أنّه على العبد المؤمن، وعندما يواجه العدو اللئيم الجائر، وهو على طريق الحقّ، أن لا يختار أبدا طريق الرضوخ له والخنوع، لأنّ الله عزّ وجل يُحرّم علينا هذا الخيار، والرسول (صلى الله عليه وآله) كذلك يأبى لنا أن نختار الذلّة على الشهادة، و المؤمنون مع أحرار العالم يرفضون لنا ذلك، ففي الخضوع والرضوخ هروبًا من الموت الكريم الذي هو الشهادة، خسارة في الدنيا بما يترتب عليها من خِزيٍ وعار، وخسارة في الأخرة بالذلّة والمهانة.

والحمد لله رب العالمين

الكاتب / السيد حبيب المقدم