الخطبة الدينية للشيخ عبد المهدي الكربلائي من الصحن الحسيني الشريف بتاريخ 13 صفر 1439 هـ الموافق 03 /11 /2017 م

منبر الجمعة

2018-09-18

17 زيارة

لابد ان نعطي المراسيم الحسينية حقها من الاجلال والتعظيم ولا نقْدم على أي شيء يؤدي الى توهينها

النص الكامل للخطبة الاولى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي استعلنت حكمته في كل ما صنع، واستبانت قدرته في كل ما ابتدع، وظهر مكنون علمه في كل ما اخترع، والحمد لله الذي اصطفى اولياءه على جميع خلقه فأعلى قدرهم وميزهم بعظيم حبائه فرفع ذكرهم، وخصَّهم بجسيم بلائه؛ ليمتحن صبرهم ويضاعف اجرهم، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، اصطفاه من المصطفين وقربه من المقربين وبعثه هاديا للناس اجمعين صلى الله عليه وآله الطاهرين والصفوة من جميع المخلوقين.

اوصيكم عباد الله تعالى ونفسي الامارة بالسوء بتقوى الله تعالى والفزع اليه، فانه لا يخيب من استمسك بهذه العروة وتوسل اليه بالضحايا من أهل بيت نبيه التي نحرت في سبيله، والقرابين العظيمة التي بذلت في نصرة دينه ان يتقبل منكم اعمالكم وإحياءكم هذه الشعائر، تبتغون بها رضاه واحياء امر أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه لا يرد من تذرع اليه بهذه الوسيلة ولا يطرد من أتى اليه من هذا الباب، واخلصوا لله اعمالكم وانزلوا به امالكم ولتصدق افعالكم اقوالكم.

ايها الاخوة الزائرون ايتها الاخوات الزائرات عظم الله اجورنا واجوركم بمصاب سيد الشهداء (عليه السلام)، يتوافد الملايين من عشاق أهل البيت (عليهم السلام) والامام الحسين (عليه السلام) الى مدينة كربلاء المقدسة قاصدين الوصول الى قبر سيد الشهداء عليه السلام لزيارة الاربعين، واود ان اتعرض في الخطبة الاولى الى بيان ما ينبغي ان يلتزم به الزائرون في هذه الزيارة لتحقيق الاهداف المرجوة.

لا شك ان الزائرين في هذه الزيارة يتحملون الكثير من المعاناة والمشقة عند مجيئهم، لاسيما القادمين من بلدان بعيدة، والقادمين مشيا على الأقدام عبر مئات الكيلومترات، والكثير منهم يعرِّض نفسه للمخاطر، فلابد له ان يلتفت الى الاهداف التي تكمن وراء مجيئه مشيا وتحمل هذه المخاطر والمعاناة، ولا بد له من أن يكون على وعيٍّ بالثمار التي يرجوها من وراء هذه الزيارة، وماهية الوسائل التي يصل بها الى ما يريده الله تعالى منه ورسوله والائمة الاطهار والامام الحسين عليهم السلام أجمعين، ويحرص على تحقيق هذه الاهداف، حينئذ يمكنه القول: (نحن الزائرين حينما اجهدنا انفسنا وتحملنا المخاطر جنينا الثمار الأخروية والدنيوية وحصلنا على منالنا ومرادنا)

ومن الاهداف المرجوة من زيارة الامام الحسين (عليه السلام) الجيرة بالذكر ما يأتي :-

اولا- كما تقرؤون وتسمعون هو تخليد ذكر الائمة (عليهم السلام) وذكر الحسين (عليه السلام) اعلاء لشأنه.

ثانيا- يأتي الزائر الى الامام الحسين لكي يجدد معه العهد في الولاء والطاعة والنصرة له، فيقول حينما يصل من خلال الزيارة: (انني اجدد معك العهد يا ابا عبد الله، انني معك على العهد لنصرتك وان اقف معك على استعداد وان اضحي من اجل ادامة هذه المبادئ التي جسدتها).

 

ثالثا- ان تكون هذ الزيارة وما يجري فيها خلال الطريق والوصول الى هذا المقصد موسما تربويا تربّى بها النفوس على الاخلاق الفاضلة والمبادئ التي جسَّدها الامام الحسين (عليه السلام) وبذلك تكون الزيارة بمثابة خطوة في مجال تربية النفس على الاخلاق الفاضلة والمبادئ التي ارادها الامام الحسين (عليه السلام) ان تبقى حيةً دائمة لدى الزائر.

لذلك ينبغي أن لا يكون يوم خروجنا من زيارة الامام الحسين كيوم خروجنا من ديارنا لزيارته، هذه الرحلة الشاقة لابد ان نخرج منها بثمار عظيمة نرتقي بها في تحمل واداء هذه المبادئ مع الامام الحسين عليه السلام.

ومن الجدير بالذكر، بعض الامور التي نحتاج اليها للوصول الى هذه الاهداف التي يريدها الله تعالى منا من خلال هذه الزيارة، فليس الهدف هو المشي والبكاء والحضور انما هذه وسائل توصلنا الى الاهداف, هناك اهداف لابد ان يصل اليها الزائر واذا وصل اليها حقق هذا المراد، ومنها:-

أولا- إن لمرقد الامام الحسين (عليه السلام) فيه النفس القدسية للإمام والروح الطاهرة له، فلا بد للزائر أن يـأتي اليه متحليا بروحٍ طاهرة ونفس غير ملوثة، فربما حين خروجه من بيته يكون مقترفا لكثير من الذنوب والمعاصي، فلا بد له ومن نقطة انطلاقه أن يبدأ بالتوبة الصادقة من هذه الذنوب، ومراجعة نفسه، فخير الخطائين التوابون، الذين كلما أذنبوا تابوا الى الله وعقدوا العزم على ان لا يعودوا الى المعاصي بعد ندمهم عليها.

ثانيا – وهو الامر الأكثر أهمية وهو الاخلاص لله تعالى في كل شيء في مسير الزائر وفي بكائه وفي مشاركته في مواكب العزاء ومواكب الخدمة واقامة الشعائر، كل ذلك يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى ، وأن لا يطلب الانسان بذلك جاهاً ولا مدحاً ولا اطراءً، وحتى لا يقال:- أنه حسيني، وأن هذا الموكب افضل من هذا الموكب.

فهذه هي الامور التي نستكشف منها الاخلاص لله تعالى في كل شيء في مسيرنا وقيامنا بمواكب العزاء وباقي الشعائر كل هذه الامور، فلتكن خالصة لوجه الله تعالى، فبركاتها وفيوضاتها الهية وذخرها لكم يوم القيامة.

فعندما يتنزه الزائر عن كل ما من شأنه أن يحول إخلاصه لغير الله، ويبتعد عنه، كالرياء والتفاخر أمام الاخرين وكأن يقول إن موكبي الخدمي أفضل من موكب فلان، يحقق المراد والأهداف من هذه الزيارة المباركة.

ثالثا- الالتفات الى ان هذه المشي وهذا العزاء وهذه المواكب وغيرها لها قدسية وعظمة عند الله تعالى، فلابد ان يعطيها الزائر حقها على انها من القدسية والاجلال والتعظيم.

فنحن نأتي لزيارة الامام الحسين (عليه السلام) من اجل ان نجدد ذكره نحيي مبادئه وتعاليمه التي هي مبادئ وتعاليم إلهية ونحيي اخلاقه، فكل ذلك له قداسة وعظمة عند الله تعالى، ولابد ان نعطي هذه المراسيم حقها من الاجلال والتعظيم ولا نقْدم على أي شيء يؤدي الى توهينها وعدم اعطائها حقها.

ومن الامور المهمة في تعظيم هذه الشعائر واعطائها حقها الطهارة في الوضوء، وإن مصطلح (طهارة) له دلالة مادية ومعنوية، وان يكون الزائر في حالة سكينة والوقار، ولا يأتي بأي شيء يؤدي الى توهين هذه الشعائر، فحتى بعض الكلمات التي تردد في مواكب العزاء او غيرها مما يؤدي ربما الى التوهين لقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، من هنا على الانسان المؤمن ان يلاحظ قدسية وعظمة هذه الشعائر ويؤدي حقها من التقديس والاجلال والتعظيم.

رابعا: التحلي بالأخلاق الفاضلة والتعامل الحسن مع بقية الزائرين وتوسيع الصدر لهفوات الاخرين إن ظهرت، ومساعدة المعوقين وكبار السن، فمتى ما جاء الزائرون متحلين بهذه الاخلاق في طريقهم الى الامام الحسين (عليه السلام) يكونون صادقين في ولائهم وفي زيارتهم.

هناك تزايد مستمر في أعداد الزائرين من خارج العراق ومن عشرات الدول، فبعضهم جاء لأول مرة لزيارة الامام الحسين، فكيف ينبغي ان يكون تعاوننا معه؟ لابد ان نتعامل معه بالتقدير والاحترام، علينا ان نعكس اخلاق الامام وأهل بيته (عليهم السلام) في سلوكنا معهم، حتى اذا رجعوا الى بلدانهم سيذكرون كيف ان زوار الامام الحسين يتحلَّون بأرقى مراتب الاخلاق الانسانية.

وعلى الإنسان المؤمن ان يلتفت الى اقواله وافعاله اثناء السير، وأن يهتم الاهتمام التام بالواجبات الشرعية بالشكل الذي يرضي الله لاسيما اداء الصلاة؛ لان (الصلاة عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها وان ردت رد ما سواها) لذلك لا يشغلكم شيء عن اداء الصلاة وينبغي ان تكون في وقتها. ويشعر المؤمن بأهمية الصلاة ويبادر بها في اول وقتها، فان افضل العبادات بعد معرفة الله تعالى هي الصلاة.

اخوتي المؤمنين اثناء المسير الى كربلاء اغتنموا فرصة وجود بعض المشايخ على طريق الحسين بسؤالهم دون أي تردد في الامور التي تتعلق بالصلاة والوضوء والامور الاخرى؛ لأنها فرصة لا تُعوض لتصحيح مسار العبادات وتعلم القراءة بصورة صحيحة، والاهتمام بحفظ النظام، وقبل كل شيء الاهتمام بالنظافة في كل مكان وعدم ايذاء الزائرين الاخرين وعدم الاضرار في الخدمات العامة وهذه الامور يجب على الزائر والخادم الحسيني الالتزام بها.

وصية الى النساء ان يجعلن زينب (عليها السلام) قدوة لهن في كل شيء في عفتها وحجابها والحفاظ على حشمتها وكرامتها، وان تصل الى هذه الكرامة بالتزامها بهذا الامور وابتعادها عن الملابس المثيرة، وعن الضحك وعن الثرثرة اثناء المسير؛ لان هذا الموسم موسم حزن وعزاء.

ونوصي الجميع بالحذر من المخططات الارهابية، فكما تعلمون انهم هزموا هزيمة ساحقة في جبهات القتال على يد من جسَّد صدق الولاء الى الامام الحسين عليه السلام حينما يقولون في الزيارة (اني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وموالٍ لمن والاكم ومعادٍ لمن عاداكم) وان ندعو الى هؤلاء الابطال وجميع المقاتلين بالنصر على أعدائهم.

نسأل الله تبارك وتعالى ان يوفقنا لأن نكون من السائرين على هذا الدرب كما يحب الله تعالى والامام الحسين (عليه السلام) وان يتقبل منكم الطاعات، انه سمع مجيب.

بسم الله الرحمن الرحيم

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4).

 

آخر المواضيع

الاكثر مشاهدة

قد يعجبك ايضاً