×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

نبضات.. بين حرف ولون

جاء الفن الاسلامي كأي مسيرة فنية ثقافية اخرى رافعا شعار التجديد.. معلنا الثورة على واقعية الفنون في الحضارات السابقة للإسلام ومستمدا منها في الوقت عينه الكثير من الافكار والثقافات المتنوعة، فالمطلع على الفنون في حضارات العالم السابقة للحضارة الاسلامية، يجد ان اساليب الفن الماضية جاءت بلكنة واقعية , اشتملت على فنون التصوير والنحت وغيرها من الفنون التي عالجت الاشكال بواقعية مفرطة , حتى مجيء الاسلام وتأسيس مدرسته الجديدة في الفن  التي بنيت على اسس العقيدة الاسلامية  بفنون الخط العربي والزخرفة الاسلامية  وفن العمارة وصولا لفنون ألتصوير لتحل أول مدرسة حديثة وهي المدرسة التجريدية وهي تنطق بلغة مفهومة تنشر مبادئ امتنا الاسلامية  وثقافتها العصماء على يد مثقفيها وفنانيها الذين لطالما رفعوا شعار الاسلام في منجزاتهم الابداعية الاسلامية الناطقة.

اللوحة من المنجزات الابداعية للفنان العراقي المغترب " جاسم محمد " وهو من مواليد العراق 1970 م عضو نقابة الفنانين وجمعية التشكيليين العراقية فضلا عن عضويته في جمعية الخطاطين العراقيين،وقد بدأ الفنان مشواره الفني كرسام وخطاط ليتمكن من توظيف الحرف في لوحاته التشكيلية الحروفية وإبراز جمال الحرف العربي تشكيليا برؤى حداثوية، مستفيدا من طواعية الحرف لإبرازه كعنصر تشكيلي مميز في اغلب لوحاته الفنية.

احب جاسم محمد الرسم والخط العربي منذ دراسته الابتدائية وبدأت تجاربه الاولى حينها، حتى تطور بمساندة عائلته وأساتذته في المدرسة والذين اسهموا بصقل مواهبه وتنمية ملكته الفنية.

تتلمذ في مجال الخط على يد الاستاذ الخطاط عباس البغدادي واستمر في ابداعاته الفنية كرسام وخطاط حتى تطورت اعماله ليتمكن من توظيف الحرف في لوحاته التشكيلية في منحى إبراز جماليات الحرف العربي حسب رؤيته وأسلوبه الخاص، لينتج اعمالا فنية تشكيلية تحمل بصمته الخاصة في مجال حروفيات الفن التشكيلي، ليثري ساحة الفن بإنجازاته الابداعية المميزة التي اصبحت سفيرا للحرف العربي في العديد من البلدان الاقليمية والدولية.

اللوحة اعلاه احدى الاعمال الفنية المميزة التي جسدت الحرف العربي ضمن سلسلة اخاذة من ابجديات الفن والجمال التي عرضها الفنان في معرضه الشخصي الثالث في العاصمة الاردنية عمان، اتى الفنان بتفاصيل اللوحة وهي تحمل روحية اسلامية خاصة، استلهم فيها الحرف واعتمده أسلوبا اتى بمزيج بين الخط والرسم الالوان، حيث وظف جاسم الحرف كعنصر تشكيلي غائر في جسد اللوحة وبهيئة تجريدية مبهمة من خط الثلث المميز وركز على إبراز جمالياته من خلال حرصه على ضبط قواعده وأصوله في تنفيذ حروفياته كقيمة رمزية وتعبيرية كباقي لوحاته الاخرى.

حاول الفنان في هذه اللوحة توظيف الحروف بكل بهائها وتكاملها، حيث نقلها الى فضاء اللوحة لتكون جزءا متكاملا مع المنظومة اللونية للوحة وملمس السطح التصويري المنتمي بكيانه النهائي الى الفن الإسلامي المسند من روح الموروث للحرف وصياغته الشكلية، وقد حافظ جاسم في هذا العمل الفني على شكل الحروف المقروءة ولم يتجاوز واقعيتها البنائية وهندستها الشكلية توكيدا لروحانية الحرف وقدسيتها في ذاكرة ألمتلقي وتقربا من تجسيدها لروح الاية القرآنية المقدسة، فهو بخبرته المتراكمة يدرك القيمة الفنية التكاملية لعناصر البناء الفني للوحة والمغزى التشويقي لدى المتلقي المتأمل في محاولته لقراءة النص واكتشاف تركيبة فكرة اللوحة ومغزاها،

فالحروف في هذه اللوحة جسدت مضامين إنسانية في التعبير عن معناها ورمزيتها  بعيدا عن المتعارف عليه من صراحة القول ومباشرته في اللوحة الخطية التقليدية التي يأتي بها الخطاط اما بآي من الذكر الحكيم او حكمة معينة ان لم تكن ابيات من الشعر العربي  فضلا عن، ان الفنان لم  يبتعد ببساطة هذه الحروف عن التجريد المغرق في إذابة روح الحرف وتحويله رموز استلهامية فالمتأمل للوحة يرى في الوهلة الاولى ان ما يتوسط اللوحة من حروف هي اية قرآنية معينة، والواقع هو غير ذلك، فقد عمد الفنان الى الاخذ بذهن المتلقي لفهم معان تبتعد عن معنى ما تشتغل عليه هذه الحروف من مقاصد الجملة، فقد ذهب نحو بعدها الروحي الذي سخره الفنان بأسلوبه لصالح الحداثة التشكيلية.

من الملاحظ في تنفيذ العناصر المكونة لهذه اللوحة تأثر الفنان بالحداثة الفنية والأساليب التجريدية في الفن، فلو تأملنا اللوحة عن كثب لوجدنا ان صياغتها اتت بشقين متداخلين، الاول كإنجاز حداثي تجريدي من خلال تراكم تكويناتها اللونية المتفاوتة مابين الوان الاصفر والزيتوني ودرجات البني المختلفة، لتتداخل مع الشق الاخر لونا وشكلا والمتمثل بالخط العربي وحروفه المعبرة عن روح المعنى مضمونا وشكلا، من خلال خلق صور ذهنية ذات إيقاعات مستمدة من امتداد تاريخي موروث، فالحفر الغائر للتكوين الشكلي للحرف هو الامتداد الإبداعي الطبيعي لما انتجته الثقافة العراقية القديمة والتي استمد منها اغلب فنانينا ملهماتهم الفنية، منذ ابتكار الحرف الأول للكتابة محفورا على الصخور والألواح الطينية الكتابية، وما توارده التاريخ من تطور في صياغة الحرف والتفنن في تجويده لاستغلاله وظيفيا في الحياة الاجتماعية وصولا للوظيفة الدينية للحرف وقدسته بعد نزول القران الكريم  ،أي بمعنى اخر ان جاسم محمد قد صنع توليفة من التراث العراقي الاسلامي ممزوجة ببراعة مع مسلمات الحداثة الفنية بأفق دلالي يستند إلى إيقاع تكويني فني تستسيغه العين المعاصرة.

ومن الجدير بالذكر ان أغلب الدراسات المهتمة بتركيب الصورة الفنية وقيمتها الجمالية والبصرية أكدت على الدلالة بشكلها ألتأملي على ان لا تتجاوز هذه الدلالة احدى اهم وظائف الفن في ايصال روح الفكرة ومن ثم تأثيرها على المتلقي بشكل مباشر، وهذا ما نجح الفنان في ايصاله من خلال هذه اللوحة حينما حاول أن يجمع أشياء مدركة حسيا وخلق لها معادل موضوعي لها ليوافق بالمحصلة  بين الشكل والمضمون فضلا عن التوافق في توظيف الالوان بجمالياتها الفنية وبين تناسبية الحروف المستخدمة في وسط اللوحة واحتوائها على جملة العناصر الإيحائية الدالة على مضامين عديدة.

 

سامر قحطان القيسي

الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة