×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءالأدب الحسينينفحات إسلاميةخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

النثر في ثورتي التوابين والمختار الثقفي وتأثره بالنص القرآني

المقدمة

تعددت الحركات النهضوية على مرّ العصور والأزمان، وتميّزت كُلّ واحدة عن الأُخرى ـ سلباً أو إيجاباً ـ بمميزات تخصُّها، وتفاوتت هذه الخصائص بلحاظ الزمان والمكان والأشخاص، وكذلك من حيث الأهداف والمبادئ...

وقد امتازت الثَّورات الإسلاميّة العربيّة آنذاك بطريقتها في شحذ الهمم لبلوغ الغاية؛ حيث كانت الخطابة من أهمّ الطرق التي تساهم في النّصر عسكريّاً وإعلاميّاً، مستلهمين ذلك من سليقتهم العربية الصحيحة.

وإذا استلهمت أيُّ ثورة وضعها المعنوي والحركي من منبع الإسلام الحقيقي وهو القران الكريم، فإنَّ ذلك سينعكس على واقعها، وخصوصاً في الخطابيات، ولو أُضيف لهذا الشعور بالمسؤولية والاعتراف بالتقصير والندم على أخطاء الماضي، فإنَّ وضعها سيزداد قوّة وإصراراً معنويّاً وخطابيّاً لتغيير المستقبل، وهذا ما حصل لثوار وقادة ثورة التوابين، وكذلك ثورة المختار في الجملة، وقد بانَ كُلّ ذلك على خطاباتهم وتأثرهم بالقران الكريم مع شعورهم بالمسؤولية.

ومحور بحثنا هو دراسة هذه الخطابات وموادّها، وطريقة نثرها، وأساليبها في التعبير، مستعينين ببعض الشواهد على ذلك. لذا سنقسّم البحث على محورين رئيسين بعد ذكر تمهيد للبحث نتعرّف فيه على مفهوم النثر الفني ووظيفته، وسيتناول المحور الأوّل أنماط النثر الفني في ثورة التوابين وثورة المختار الثقفي، ونتحدث في المحور الثّاني عن أثر القران الكريم في ثورة التوابين وحركة المختار الثقفي.

تمهيد: النثر مفهومه ووظيفته

مفهوم النّثر

النّثر في اللغة: مصدر للفعل نثر بمعنى فرّق، ويأتي النّثار بمعنى النّثر، وهو الفتات المتناثرة من المائدة، جاء في القاموس المحيط: ( (نثر الشيء نَثَرهُ ويَنثُره نثراً ونثاراً: رماه متفرّقاً كنثره فانتثرَ وتنثّر وتناثر والنّثارة بالضّم والنّثر بالتّحريك ما تناثر منه، أو الأُولى تخصُّ ما ينتثر من المائدة فيؤكل للثّواب))  [1] ، ويذكر الزمخشري في أساس البلاغة للفظة   نثر   معنى آخر يدلُّ على كثرة الكلام، يقول: ( (رجل نثر: مهذار ومذياع للأسرار))  [2] .

 وقد دخلت هذه اللفظة البيئة الثقافيّة الأدبيّة بنفس المعنى، أي: الكثير والمتفرق من الكلام، ثم أخذت تقتصر على الكلام الأدبي الذي يرتفع على الكلام العادي في التّعبير والمعنى  [3] .

واستخدم النقّاد والأُدباء فيما بعد هذا اللفظ في المفهوم ذاته، فعرّفه الدكتور شوقي ضيف بأنّه: ( (الكلام الذي لم يُنظَّم في أوزان وقوافٍ، وهو على ضربين: أمّا الضّرب الأوّل فهو: النثر العادي الذي يُقال في لغة التخاطب، وليست لهذا الضّرب قيمة أدبيَّة إلّا ما يجري فيه أحياناً من أمثال وحِكَم. وأمّا الضَّرب الثاني فهو: النثر الذي يرتفع فيه أصحابه إلى لغة فيها فنّ ومهارة وبلاغة، وهذا الضرب هو الذي يُعْنى النقّاد في اللغات المختلفة ببحثه ودرسه وبيان ما مرَّ به من أحداث وأطوار، وما يمتاز به في كُلّ طور من صفات وخصائص، وهو يتفرّع إلى جدولين كبيرين، هما الخطابة والكتابة الفنيَّة، ويسمّيهما بعض الباحثين باسم النثر الفني))  [4] .

وظيفة النثر

يقوم النثر الفني بإداء وظيفتين مهمّتين، هما: اللّذة، والإفادة.

 وقد جمع بعض النقَّاد بينهما، وذهب بعضهم إلى التفريق، فيما ذهب فريق ثالث إلى جانب الإفادة وحدها  [5] .

 إنَّ الجمع بين اللّذة والإفادة يُعدُّ الأقرب إلى طبيعة الأدب، ونظرته إلى وظيفة النّثر الفنّي في التراث الأدبي؛ من الخطابة والرّسالة والمقامة التي تدور في إطار نفع المجتمع وخدمته؛ بإسهامها في التّعبير عن جوانبه الاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة والثقافيّة، وإلى جانب هذه الوظيفة فقد وفّت الكتابة بأشكالها المتعدَّدة بالحاجات الجماليّة التي تُحقّق المتعة  [6] .

ومن هذه الإبانة الدلاليَّة الموجزة لمفهوم النثر ووظيفته سيمضي البحث لتتبع أنماط النثر الفنّي خطباً ورسائل، وعهوداً ووصايا، بأطوارها ومراحلها منذ العصر الجاهلي إلى ثورة التوابين وإمارة المختار الثقفي؛ لتسليط الضوء على مدى الرُّقي الفنّي الذي وصل إليه النثر في هاتين الحقبتين.

المحور الأول: أنماط النثر الفنَّي في ثورة التوابين وإمارة المختار

كان النثر الفنّي في هاتين الحقبتين ذا قصديّة عالية من ناحية الأُسلوب والأفكار؛ إذ وظّفه الخطباء والمترسّلون من أجل دعوتهم، فكان الخطيب أو المترسّل يستعين بكل قدراته اللّغويّة والأُسلوبيَّة وملكاته البيانيّة والبلاغيَّة من أجل التّأثير في السَّامعين، والأخذ بجوامع قلوبهم، فكان نتاجهم الأدبي يرتقي بحقٍّ إلى النَّمط العالي في الأداء، وهو ضرب يستحق أَنْ يُدرس دراسة أُسلوبيَّة من خلال تحليل وظائف أصواته وأبنيته وتراكيبه؛ لأنَّ وظيفة الأُسلوبية دراسة الاختيارات اللغوية الخاصَّة التي يستعملها المنشئ في النص، والتي يتميز بها من غيره من المنشئين  [7] ، وفيما يلي نستعرض أنماط النثر في هاتين الثورتين:

النمط الأول: الخطابة

 ينبغي أن نتعرّف إلى أدبيات الإسلام إجمالاً ـ قبل بيان خطابة حُقبتي ثورة التوابين وإمارة المختار ـ وطريقة صُنعه للخطابة بعد ما كانت الخطب الجاهلية طاغية، وكيف أنه قد أزالها، بما فيها خُطب المفاخرات والخصومات، وسجع الكهّان، ليُنذر بتحوُّل مهمّ في فنّ الخطابة الذي أصبح مسايراً للحياة الاجتماعية في عصر صدر الإسلام.

الخطابة في الإسلام

عندما جاء الإسلام أوْلى المسلمون وفي مقدّمتهم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وآله الخطابة عناية خاصة، لما لها من سمات وخصائص تجعلها خير وسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام؛ لأنها كانت تستوعب أُسلوب المناظرة والمناقشة، والمحاجّة والإقناع، وهذه كلها مهمّة في البيان والإبلاغ.

‏ولما هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وآله إلى المدينة أصبحت الخطابة من وسائل بيان التشريعات الإلهية، والوعظ والإرشاد وتنظيم حياة المسلمين، وعندها حظيت الخطابة في هذا العصر بالتطوُّر والازدهار مقارنة بحالها في عصر ما قبل الإسلام؛ إذ حدث تغيُّر وتحول في هيكلها وأساليبها ومعانيها.

‏وقد تلمّس الباحثون الأسباب التي أدّت إلى تطوّر الخطابة وازدهارها في هذا العصر فوجدوها تكمن في عدة أسباب، منها:

* أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله ( (اتَّخذها بعد الهجرة أداة لإيضاح تعاليم الإسلام ووعظ المسلمين))  [8] .

* وكذلك أصبحت فرضاً مكتوباً في صلاة الجُمَع والعيدين، وفي مواسم الحج ( (وبذلك عَرَفَ العرب ضرباً مُنظَّماً من الخطابة الدينيَّة لم يكونوا يعرفونه في الجاهليَّة))  [9] .

* كذلك كان لوجود القرآن الكريم الأثر الكبير الذي أدَّى ( (إلى تطوُّر الخطابة وارتقائها في العصر الإسلامي وفي العصور التي تَلَتْهُ))  [10] .

 ومن أهمّ تلكم الخصائص اشتمال الخطابة على الوحدة الموضوعية التي كان النثر الجاهلي يفتقر إليها، فكان الخطيب يبدأ خطبته بالتحميد والثناء على اللهU، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله  [11] ، ويعقبها بعبارة   أمَّا بعد   ثم ينتقل إلى الغرض من خطبته، ولعلَّ هذه العبارة كانت مستمدَّة من خطب العصر الجاهلي  [12] ، فيمكن عدّها تقليداً فنيَّاً.

‏ولقد أثّر القرآن الكريم في أدب صدر الإسلام بصورة عامّة من خُطب ورسائل، لذلك كان المنهل العذب الذي ترتوي الخطابة منه، وعندها اغترف الخطباء من معينه ووشّحوا كلامهم بلآلئ آياته فأخذوا يقتبسونها اقتباساً، ويحاكونها من حيث الأُسلوب والأفكار والمعاني، وهذا بحدّ ذاته تطوّر كبير لم يألف العرب قبل الإسلام مثله؛ لأنَّ الأُسلوبَ القرآني قد امتاز بأجمل طابع، وأحكم صورة، وأروع سمت بما تهيأ له من حِكَم عالية، ومعان سامية، وحسن ارتباط بين المعاني، وعذوبة محببة في الألفاظ، ويكفي فيه أنَّه أُسلوب ربِّ العالمين وخالق الخلق أجمعين، ‏جلّت قدرته  [13] .

وهكذا أثّر القرآن الكريم في أدب صدر الإسلام بصورة عامة من شعر ونثر، وبذلك فإنَّ كلّ تغيير حدث في الأدب إنّما كان مصدره الأوَّل القرآن الكريم ‏الذي كان وحده مصدر ثقافة المسلمين الدينيّة والعقلية والاجتماعية والأدبية، وهو الذي أحال خشونة الطباع عذوبةً وسلاسةً، وبدّل حُوشيَّة الألسنة سهولة ووضوحاً وبلاغة  [14] ، كما أنَّه أثَّر في أدب العصور الأُخرى التي تلته.

الخطابة في ثورة التَّوابين وإمارة المختار

ازدهرت الخطابة في العصر الأُموي ازدهاراً واسعاً، وكان وراء هذا الازدهار عدَّة أسباب مختلفة؛ منها السياسي، والديني، والعقلي  [15] :

1ـ السبب الديني: حيث شهد العصر تأسيس المدارس الدينيّة في مختلف البلدان الإسلاميّة، ليتعلَّم الناس فيها أُصول دينهم وفروعه، وكان العلماء القائمون عليها كثيراً ما يتحاورون في وجهات نظرهم  [16] ، ولم تلبث أن تمخَّضت عن ذلك الجدال فرق متعدَّدة ومذاهب مختلفة، ( (فكان ذلك باعثاً على ظهور المناظرات، وهي فرعٌ مهمٌ من فروع الخطابة))  [17] .

2ـ وأمَّا السبب العقلي، فمرده إلى عناصر الثقافات الأجنبية التي أخذ العقل العربي ينهل منها منذ هذا العصر؛ ممّا فتق فيه الحجاج والجدل  [18] .

3ـ أمَّا السبب الأهم ـ الذي أدى إلى ازدهار الخطابة على نحو ملحوظ ـ وهو السبب السياسي المتمثل بكثرة الأحزاب السياسيّة التي عارضت الدولة الأُموية؛ ممّا أسفر عن توالي الثورات ضد هذه الدولة، فهناك النظرية الحقة التي ترى أن الخلافة حق إلهيّ اختاره الله تعالى لأهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله، وهم الورثة الحقيقيون وفقاً للقرآن والسنّة، وفي مقابل ذلك يرى الحزب الزبيري أنَّ الخلافة تقع في قريش، ويجب أن تكون في أحد أبناء أكبر الصحابة؛ وصاروا يدعون لابن الزبير، في حين ظهرت جماعة أُخرى ترى أنَّ الخلافة حق مطلق لعامة المسلمين، فهي لا تقتصر على فئة دون أُخرى، وهذه الجماعة هم الخوارج، وظهر غير هذه الجماعات كثيرٌ ممن عارض الأُمويين.

ومن الطبيعي أنْ يكون لكل فرقة من هذه الفرق شعراء أو خطباء يدافعون عن قضيَّتهم، ويدحضون آراء خصومهم، بل ( (ليس هناك حزب ولا ثورة ـ كبيرة أو صغيرة ـ إلّا وخطباء كثيرون ينبرون للترويج لهذا الحزب، أو تلك الثورة))  [19] .

ومن الواضح أن حُقبتي التوابين والمختار تقع ضمن هذا العصر؛ فإنَّ السبب السياسي الذي ذكرناه هو الذي أدّى إلى ظهور النثر بصورة عامة من خُطب ورسائل، بل إنَّ النثر الفني فيهما هو وليد التحولات السياسيّة التي شهدتها تلكم الحقبتان والعصر الأُموي بصورة عامَّة.

أمَّا ثورة التوابين، فإنَّ البحث قد عرض لأسباب ظهورها، وهي الممارسة القمعية للأُمويين تجاه آل بيت الرسول صلى الله عليه وآله، وإقدامهم على قتل الإمام الحسين  علیه السلام وأهل بيته، بصورة وحشيَّة يندى لها جبين التاريخ، فشعرت جماعة بعد مقتله  علیه السلام بالندم؛ لأنَّهم كانوا قد دعوه للخروج إليهم ووعدوه المناصرة والبيعة ولم يوفوا بوعودهم، فلاحظ بعضهم أنَّ هناك شبهاً عظيماً بينهم وبين توابي بني إسرائيل؛ فتدبَّروا أمرهم، وأخذوا يهيئون لحركة يتوبون بها، وبدأت حركتهم سريَّة، فجمعوا الأنصار معتمدين بما لهم من قدرة على الإقناع والبيان، حيث كان في زعمائهم الخطيب والشاعر والدَّاعية  [20] .

وقد تجمّع هؤلاء القوم وألقى كل واحد منهم خطبة خيّم طابع الندم عليها، كما أنّ خُطبهم لم تقتصر على تجمعاتهم، بل كانت موزَّعة على فترات اجتماعهم إلى ساعة استشهادهم، ومن الطبيعي أن يكون للطرف الآخر   النقيض   خُطبٌ أيضاً، فكانت تلك الخطب موزّعة بين التوابين ومناوئيهم وفقاً لتدرجها الزمني وعلى النحو الآتي:

الفريق الأول: التوابون وأنصارُهم وهم:

1ـ المسيب بن نجبة الفزاري، من رؤوس التوابين، وله خطبتان.

2ـ رفاعة بن شداد البجلي، من رؤوس التوابين، وله خطبة واحدة.

3ـ سليمان بن صُرَد الخزاعي، من رؤوس التوابين، وله خمس خُطب.

4ـ عبد الله بن وال التميمي، من رؤوس التوابين، وله خطبة واحدة.

5ـ عبد الله بن سعد بن نفيل، من رؤوس التوابين، وله خطبة واحدة.

6ـ خالد بن سعد بن نفيل، وله خطبة واحدة.

7ـ عبد الله بن الحنظل الطائي، وله خطبة واحدة

8ـ سعد بن حذيفة بن اليمان، وله خطبة واحدة.

9ـ عبيد الله بن عبد الله المري، وله خطبة واحدة.

10ـ صخير بن حذيفة بن هلال، وله خطبة واحدة.

الفريق الثاني:   المناوئون   وهم:

1ـ عبد الله بن يزيد، الوالي الزبيري على الكوفة، وله خطبتان.

2ـ إبراهيم بن محمد بن طلحة، الوالي الزبيري على خراج الكوفة، وله خطبة واحدة.

3ـ عبد الملك بن مروان، خليفة أُموي في الشام، وله خطبة وحدة.

ومن الجدير بالذكر: أنَّ الخطب الخاصَّة بالتوابين تتراوح بين الطّول والقصر، بحسب الحاجة والمقام، فقد يطول بعضها لحاجة الخطيب إلى التفصيل والتماس الحجج وضرب الأمثال، حتّى يتمَّ له إقناع الجمهور، وهذا واضح في خطبتي عبيد الله المري، والمسيب بن نجبة الفزاري، وخطبة ابن صُرَد الأُولى  [21] ، وقد تقصر الخطب كثيراً حتَّى تكاد تكون رأياً من الآراء يُبديه الخطيب في أمر يعرضه لأصحابه، وهذا كما في خطبة ابن صُرَد الخامسة، أو خطبة عبد الله بن الحنظل الطائي التي لم تتجاوز بضع كلمات  [22] .

أمَّا الخطابة في إمارة المختار الثقفي، فبلغت اثنتين وعشرين خطبة، وهي كذلك موزَّعة بين المختار ومناصريه من جهة، ومناوئيه من جهة أُخرى، كالآتي:

1ـ المختار الثقفي، وله عشر خُطب.

2ـ عبد الرحمن بن شريح، مناصر، وله ثلاث خُطب.

3ـ محمد بن الحنفية، وله خطبتان.

4ـ يزيد بن أنس، وله خطبة واحدة.

5ـ إبراهيم الأشتر، وله خطبتان.

المناوئون:

1ـ عبد الله بن مطيع، الوالي الزبيري على الكوفة، وله ثلاث خُطب.

2ـ مصعب بن الزبير، الوالي الزبيري على البصرة، وله خطبة واحدة.

‏ النمط الثاني: الرسائل الفنيّة

لنستوضح كيفية الرسائل الفنيّة التي كانت في زمن الجاهلية، وعصر صدر الإسلام، ومن ثمّ نُعرّج على رسائل أصحاب ثورة التوابين، وكذلك الرسائل الفنيّة للمختار الثقفي آنذاك.

الرَّسائل الفنيّة بين الجاهليَّة وعصر صدر الإسلام

لا توجد بين أيدي الباحثين وثائق صحيحة تدلُّ على أنَّ الجاهليين عرفوا الرَّسائل الأدبية وتداولوها، وهذا لا يعني أنَّهم لم يعرفوا الكتابة، فالكتابة ـ رسماً وخطَّاً ـ كانت معروفة لدى العرب قبل الإسلام، وهي لا ترقى إلى ما قبل مائة وخمسين عاماً، فوجودها مقرون بوجود الشعر، إذ إنَّهما جناحان لطائر الكلمة  [23] .

فالكتابة معروفة آنذاك إلّا أنَّ صعوبة وسائلها جعلتهم لا يعتمدونها في الأغراض الأدبيَّة والنثريَّة والشعريَّة، ( (ومن ثمَّ استخدموها فقط في الأغراض السّياسيَّة والتّجاريَّة))  [24] ، وكانت رسائلهم ( (يغلب فيها الإرسال، وتتَّصف بالإيجاز والوضوح والصدق))  [25] .

وإذا ما وصلنا إلى العصر الإسلامي، فإنَّنا نجد أنَّ الرَّسائل قد لقيت حظَّاً من الاهتمام من لدُن الرَّسول صلى الله عليه وآله، فقد كان الرَّسول الكريم صلى الله عليه وآله يكاتب الملوك والأُمراء بكثير من الرسائل، ويدعوهم فيها إلى الإسلام الحنيف  [26] ، وكان كثيراً ما يكتب عهود الأمان والمعاهدات بينه وبين المشركين أو غيرهم من الديانات الأُخرى، وكان صلى الله عليه وآله في معظم هذه الرَّسائل أو العهود لا يعتني بتحبير أو تزويق فنّي، بل كان يؤدي غرضاً سياسيَّاً في صورة موجزة من غير تكلّف أو صنعة  [27] ، وهي بذلك قد خلت من السَّجع والبديع اللّفظي وكانت ( (أقرب إلى لغة المحادثة والتَّخاطب))  [28] .

‏وكذلك الحال في الحقبة التي تلت زمن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، إذ لم يُطلب في الرسائل التي كتبها الحكّام آنذاك أيّ ضربٍ من ضروب التَّزيين والتَّنميق، فهي كالرَّسائل التي عهدناها في حياة الرَّسول صلى الله عليه وآله، رسائل أدَّت دورها ببساطةٍ ويُسْرِ على المستوى اللّغويّ دون صنعةٍ ولا غموض ولا كهانةٍ ولا لبسٍ  [29] .

الرَّسائل الفنيّة في ثورة التَّوابين وإمارة المختار

‏تميَّزت الرَّسائل في العصر الأُموي بكثيرٍ من الخصائص الأُسلوبيَّة والسّمات الفنيَّة، وهذه الخصائص والسّمات كانت امتداداً لرسائل عصر صدر الإسلام، فقد توافقت في شكلها العام من حيث البناء ومن حيث بعض الأساليب الفنية  [30] ، ولكن سمات التَّطور والإنضاج الفنّي ما لبثت أنْ طرأت على كثير من تلك الرَّسائل فيما بعد.

وكانت هناك العديد من العوامل التي أدَّت إلى هذا التَّطور الفنِّي، منها: تشعُّب مواضيع الرَّسائل، وتنوّع أغراضها، وتولّي الكتّاب إنشاء رسائلهم بأُسلوبهم الفصيح، وكان الكتّاب قد حظوا بالمكانة الرفيعة من الحكّام؛ الأمر الذي جعلهم يتنافسون فيما بينهم في الافتنان بأساليب الكتابة.

 وكان لأُسلوب القرآن الكريم في نفوس هؤلاء أثره البالغ، حتى أصبح المَعين الذي تنهل منه الرَّسائل كثيراً من معانيها وصورها  [31] .

كلُّ هذه العوامل أدَّت إلى تطوّر فنّ الرَّسائل في هذا العصر؛ مما جعلها تتميز بعدَّة خصائص أُسلوبيَّة يجب أن نُشير إليها؛ لأنّ هذه الخصائص هي عينها ـ في الغالب ـ خصائص الفنّ التَّرسُّلي في حُقبتي التَّوابين والمختار، ومن هذه الخصائص ما يلي  [32] :

1ـ شيوع استعمال السجع وتعمّده أحياناً، وهذا الملمح مهمٌّ جدَّاً في رسائل هذا العصر؛ لأنَّه ‏يدلُّ على إنضاجها وتطوّرها، وقد اتضح ذلك كثيراً في المكاتبات الفنيّة الرَّسمية وغير الرَّسمية، إذ حرص بعض المترسّلين على تعمّد استعمال حلية السَّجع لما يحقّقه من تنغيم وإيقاع في رسائلهم، وخير من مثّل هذا الجانب المختار بن أبي عبيد؛ لأنَّه تعمّد ذلك في مكاتباته وخُطبه.

‏2ـ اتّشاح الرَّسائل بغريب اللّفظ، وهذا من السّمات الأُسلوبيَّة التي تميَّزت بها رسائل هذا العصر، بل هي ظاهرة دلَّت على التّأنّق والإعداد لرسائل العصر الأُموي، وتتمثَّل هذه الميزة الأُسلوبيّة كثيراً في بعض رسائل المختار الثقفي.

3ـ الإيقاع والتنغيم الموسيقي؛ إذ حرص المنشئون على إظهار عناصر الإيقاع وألوان التَّنغيم الصَّوتي؛ كي يجعلوا نثرهم بالموقع الذي تهشُّ إليه النَّفس، فعمدوا إلى تحقيق هذه الغاية باستعمال صيغ معيَّنه، والجنوح إلى التَّوازن والتَّرادف وغيرها، وهذا واضح في معظم رسائل هاتين الحقبتين، كما في رسالة ابن صُرَد إلى سعد بن حذيفة، ورسالة المختار إلى الأحنف بن قيس  [33] .

‏4ـ الجنوح إلى الإطناب وبسط المعاني وتفريعها، وهذا ما تمثَّل في رسالة سليمان بن صُرَد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان.

‏5ـ استعمال التَّحميدات في فصول الرَّسائل، ويقصد بالتَّحميدات: إظهار الثَّناء والحمد لله، وهي ظاهرة فنيَّة متأتّية من العصر الإسلامي، بل سمة واضحة في جميع الرَّسائل التي احتوتها هاتان الحقبتان، وهكذا تكون الرَّسائل التي وصلت إلينا من هاتين الحقبتين غير مختلفة في طابعها عن خصائص الرَّسائل في العصر الأُموي؛ فالرَّسائل التي وصلت إلينا من حُقبة التَّوابين خمس رسائل، وهي على النحو الآتي:

أ   سليمان بن صرد الخزاعي، رسالتان.

ب   سعد بن حذيفة اليمان، رسالة واحدة.

ج   المثنى بن محزبة العبدي، رسالة واحدة.

د   عبد الله بن يزيد، رسالة واحدة.

أما حُقبة المختار الثقفي، فقد أُثِر عنها ثماني عشرة رسالة، بحسب ما روتها كتب التاريخ، وكانت هذه الرَّسائل موزَّعة بين المختار ومناصريه ومناوئيه، وهذه الرَّسائل قد توزَّعت بحسب تدرَّجها الزَّمني على النحو الآتي:

أ   المختار بن أبي عبيد الثقفي، اثنتا عشرة رسالة.

ب   محمد بن الحنفية، ثلاث رسائل.

ج   عبد الرحمن بن سعيد بن قيس  [34] ، رسالة واحدة.

د   عبد الله بن الزبير، رسالة واحدة.

هـ   عبد الله بن عمر، رسالة واحدة.

وقد تفاوتت هذه الرَّسائل كذلك من حيث الطّول والقصر، فقد تكون الرّسالة قصيرة جدَّاً كما في رسالة المختار إلى عبد الله بن عمر  [35] ، ورسالة الأخير إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن طلحة  [36] ، وكذلك رسالة عبد الرحمن بن سعيد إلى المختار وردّ المختار عليه  [37] .

وقد تقتصر هذه الرَّسائل حتَّى تتحوَّل إلى إشارة خاطفة، أو رأي من الآراء، أو توجيه يوجهه المرسل، كما في رسالة المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد التي لم تتجاوز بعضاً من الكلمات  [38] . ولعلَّ السبب يعود إلى الظروف المحيطة بكلٍّ من المرسل والمرسل إليه.

النمط الثالث: العهود والوصايا في ثورة التوابين وإمارة المختار

تُعرف العهود بأنَّها: ( (تكاليف تجيء في صَفِّ المبايعات، ومرابط المواثيق، يُقصد بها ضمان القول بالاتفاق، والتَّعاون، والنّصرة، أو التَّهادُن))  [39] .

ولقد وُجِدَت العهود في العصر الجاهلي على شكل نوع من التَّحالف بين القبائل  [40] ، لكن لقلَّة الكتابة والتَّدوين كان أكثرها يبقى عالقاً في ذاكرة الأطراف المتعاقدة، ودخلت مرحلة التدوين حينما جاء الإسلام؛ لأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وآله أقام دولة مستقرَّة كَثُر فيها التَّدوين، وأصبحت الحياة تتطلَّب ذلك  [41] .

ثم استمرَّت كتابة العهود في العصر الأُموي ـ عصر التَّوابين وإمارة المختار الثقفي ـ ولم تخرج عما كانت عليه في عصر قبل الإسلام أو الإسلامي، ولقد وصل إلينا من هذه العهود الدُّعاء الذي ردَّدته جماعات التَّوابين يوم الوقوف على قبر الإمام الحسين  علیه السلام قبل مواجهة العدوّ، فكان ذلك كالعهد قَطَعَه التّوابون على أنفسهم، يُشْهِدُون الله فيه على أنّهم خرجوا ثأراً للحسين  علیه السلام، وتوبة من عظيم جرمهم  [42] .

ومنه الكلام الذي ردَّده المختار الثقفي على قبر الإمام الحسين  علیه السلام، وهو أيضاً كالعهد الذي قطعه متوعّداً بالثأر لدمه  علیه السلام  [43] ، ويتميز هذان العهدان بكونهما قد جاءا شفاهاً، يضمِّن القائلان قولهما بالنُّصرة للإمام الحسين  علیه السلام، والأخذ بثأره من قاتليه، يرافق ذلك الشّعور بالنَّدم على قتله، والتباكي المثير للأشجان، والاستشعار بعدم جدوى الحياة، والاستعداد للشَّهادة.

أمَّا العهد الذي قطعه المختار بالأمان لعمر بن سعد بن أبي وقاص فقد جاء مكتوباً، ولم يخرج هذا العهد عن كُتب العهد المعروفة في الإسلام  [44] .

أمَّا الوصايا، فأغلبها جاء في هاتين الحقبتين ضمن الخطب والرَّسائل، وفيها يبدو الخطيب أو المترسّل، موصياً واعظاً، وهذا يشابه ما كانت عليه بعض خُطب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، كخطبته في حُجَّة الوداع، حيث اشتملت على مجموعة من الوصايا، ومن هذه الخطب والرَّسائل التي جاءت مفعمة بالوصايا هي بعض خُطب سليمان بن صُرَد، ورسالة عبد الله بن يزيد إلى ابن صُرَد، وخطبة يزيد بن أنس في أصحابه، وخطبة إبراهيم بن الأشتر  [45] .

ولقد أُثِرت أربع وصايا خالصة، أي: لم تقع ضمن خطبة أو رسالة وهي: وصيّتان للمختار إلى إبراهيم الأشتر  [46] ، ووصيَّة المختار إلى يزيد بن أنس  [47] ، ووصيَّة ليزيد بن أنس لأصحابه  [48] .

المحور الثاني: أثر القرآن الكريم في نثر التوابين والمختار الثقفي

يُعدُّ القرآن الكريم المورد العذب الذي ينهل منه الأُدباء والكتّاب والشعراء، بل مصدر ثقافة المسلمين الدينيَّة والعقليَّة والاجتماعيَّة والأدبيَّة؛ ذلك لأنَّه ( (أحال خشونة الطّباع عذوبةً وسلاسةً، وبدَّل حوشيَّة الألسنة سهولةً ووضوحاً وبلاغةً، وأورث العرب دقَّة في التَّفكير، وقوَّة في التَّعبير، وجمالاً في التَّصوير، ورقَّة في الأُسلوب، وروعة في الحجَّة))  [49] . 

ومنذ أن نزل في أُمَّة العرب بهرهم بيانه وأُسلوبه، وأَخذ بألبابهم بحسن وقع جرسه، وأسرَّ نفوسهم بجمال لفظه وبراعة صوره وروعة أدائه، ثم كان شغف العلماء والمفكرين كشف السّر الذي يحمله إعجازه، فأينعت الآراء والأفكار.

 وأفضل مَن وصف هذا الكتاب العظيم ـ سيد البلغاء وربيب مدرسة القرآن والنبوة ـ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  علیه السلام، إذ وصفه في خطبة له بقوله: ( (ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يُدرَك قعره، ومنهاجاً لا يضلُّ نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه، وفرقاناً لا يخمد برهانه... جعله الله ريَّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء... وبرهاناً لمن تكلَّم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاجّ به... وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى))  [50] .

 فمنذ أن نزل القرآن الكريم على قلب الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وآله كان له الأثر البالغ في النَّثر العربي، إذ أصبح معيناً للأُدباء ينهلون ويقتبسون منه، ويسعون إلى محاكاة أُسلوبه. فأصبح أثره في النثر أبرز منه في الشعر  [51] .

 وأيضاً كان أثره واضحاً في خُطب ورسائل العصر الأُموي، سواء من حيث الأُسلوب والصّياغة، أو من حيث الأفكار والمعاني؛ وذلك لكثرة الأحزاب السّياسيَّة واختلاف اتجاهاتها، وادّعاء كلّ فرقة أنَّ هدفها نصرة الدين، وإعلاء كلمته؛ لذا كانت الخطب والرَّسائل وغيرها من الفنون النّثريَّة مزدحمة بالأفكار الإسلاميَّة، والمعاني القرآنيَّة في هذا العصر  [52] . ومن هنا استحوذ هذا الكتاب السَّماوي على أداء الخطباء والمترسّلين.

وقد ذكر الجاحظ: أنَّ الخطباء ( (كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجُمع آيٌ من القرآن؛ فإنَّ ذلك ممّا يورث الكلام البهاء والوقار والرّقَّة، وسلس الموقع))  [53] ، وذكر أنَّ الخطبة التي تخلو من آيات القرآن قد سمّيت بالشّوهاء  [54] .

أما الرَّسائل، فلم تكن أقلّ شأناً آنذاك من الخطب في تأثرها بالقرآن الكريم واحتذاء أُسلوبه، وترسُّم معانيه، فقد برع المترسّلون في مكاتباتهم بالنّصوص القرآنيَّة، تأكيداً لما يسوقه الكاتب من آراء أو تقوية لحجَّةٍ ما  [55] ، وكانت هذه السّمة الأُسلوبيَّة في فنّ التّرسُّل هي امتداد لما عهده فنّ التَّرسُّل في عصر صدر الإسلام والمرحلة اللاحقة؛ إذ إنَّ الكُتّاب قد تأثَّروا بالقرآن الكريم وترك كتاب الله آثاراً واضحة في توجهات بلاغة العربي وفصاحته، فكان الاقتباس من آي الذكر الحكيم وكان الصدور عن الحسّ الديني العام، وكان التأثّر الواضح ببلاغته في تجنّب الغريب الوحشي مع الحرص على وضوح المقصد والإقناع  [56] .

 وعموماً، فقد كان تأثير القرآن الكريم متبلوراً في طرائق المترسّلين؛ إذ كان هذا واضحاً في رسائل أصحاب المذاهب ورؤساء النِّحل الدّينيَّة، حتى أضحى القرآن الكريم مَعيناً تنهل منه الرَّسائل كثيراً من معانيها، وتستمد من فيضه ذلك العطاء الخصْب  [57] .

وكان العامل السّياسي المتمثّل بكثرة الأحزاب السّياسيَّة من العوامل المهمَّة في كثرة التّراسلات الفنيَّة، وإنَّ هذه الأحزاب السّياسيَّة قد ارتبطت ارتباطاً مباشراً بالدّين؛ ذلك أنَّ كلّ حزب يدّعي أنَّه ناصرٌ له، فكان تأثير القرآن عندها واضحاً في تلك الرَّسائل، كما كان هذا واضحاً في الخطب.

وإذا كانت ثورة التوابين وإمارة المختار الثّقفي إنَّما قامتا على اعتبار سياسي عقائدي، فإنَّ غايتهما الأُولى والأخيرة هي التَّمسُّك بقيم القرآن والسنَّة النبويَّة، وإرجاع الحق إلى أهله الشَّرعيين.

ومن هذا المنطلق؛ كان القرآن الكريم هو المصدر الأوَّل من مصادر نثر هاتين الحقبتين، فأخذ الخطباء والمترسّلون فيهما يقتبسون من آياته، ويحتذون أُسلوبه، تأييداً لفكرة، أو دحضاً لرأي، أو تزييناً وتنميقاً لأُسلوب، وسوف نعرض هنا بعض أنماط التأثير القرآني في خُطب ورسائل هاتين الحقبتين، آخذين مصداق أصحاب ثورتي التوابين وإمارة المختار الثقفي، فنقول:

 أولاً: الاقتباس القرآني

الاقتباس في الّلغة مأخوذ من القبس، وهو: ( (شعلة من نار تقتبسها مِن مُعْظَم، واقتباسها الأخذ منها. وقوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾  [58] ... وفي حديث عليّ رضوان الله عليه: حتى أُورِي قبساً لِقابسِ، أي: أُظهر نوراً من الحق لطالبه... واقتبست منه علماً أيضاً، أي: استفدْتُه))  [59] .

وفي الاصطلاح، فقد عرَّفه القلقشندي  ت821ﻫ : ( (هو أن يُضمَّن الكلام شيئاً من القرآن، ولا ينبَّه عليه))  [60] ، ويجب أنْ لا يذكر فيه: قال الله. أو نحوه، فإنَّ ذلك حينئذ لا يكون اقتباساً  [61] ، وقد خُصَّ الاقتباس   بالقرآن الكريم   تميُّزاً له عن سائر الكلام  [62] .

والاقتباس من التَّعابير الجاهزة التي يستعملها النَّاثر داخل التركيب، وهي تؤدّي سمة جماليَّة ومعنويَّة داخل الأُسلوب، فهي من النَّاحية الجماليَّة تُضفي على الصُّورة ألواناً، ومن الناحية المعنوية تُضفي على الدَّلالة عمقاً وتأصيلاً  [63] .

وقد ورد الاقتباس بكثرة في خطب ورسائل الحقبتين؛ حتَّى أصبح ميزةً أُسلوبيَّة فنيَّة تشترك فيها معظم تلكم الخطب والرَّسائل، وفيما يلي ننقل بعض الخطب والرسائل الخاصة بكل حركة ـ التوابون وما يتعلق بإمارة المختار ـ التي فيها اقتباس قرآني، فنقول:

1ـ خُطب ورسائل ثورة التوابين

فأما ما يتعلق بالخطب، فمن قبيل ما جاء في خطبة سليمان بن صُرَد بقوله: ( (أُثْني على الله خَيْراً، وأَحمد آلاءَه وبلاءَهَ، وأشهدُ أنْ لا إله إلّا الله، وأنّ محُمّداً رسولُه، أمَّا بعدُ، فإنّي والله لخائفٌ إلّا يكون آخِرُنا إلى هذا الدَّهر الذي نَكِدَت فيه المَعيشة، وَعَظُمَت فيه الرَّزية، وشَمِلَ فيه الجَورُ أُولي الفضل مِن هذه الشيعة... ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتَّى يرضى الله... كونوا كالأُولى مِن بني إسرائيلَ؛ إذْ قال لهم نبيّهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾، فما فَعلَ القوم؟ جَثَوا على الرُّكب ـ والله ـ ومدُّوا الأعناق، ورَضُوا بالقضاء حتَّى حين عَلِمُوا أنَّه لا يُنجِيهم مِن عظيمِ الذَّنب إلّا الصَّبرَ على القتل، فكيفَ بِكُم لو قدْ دُعيتُم إلى مِثلِ ما دُعِيَ القوم إليه؟! اشحَذوا السّيوف، وركّبوا الأسنَّة، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾))  [64] .

لقد احتوت هذه الخطبة على اقتباسين قرآنيين، وهما:

أ   الاقتباس الأول الآية من سورة البقرة، من قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾  [65] ؛ إذ أراد الخطيب أن يستثمر من قصَّة النبيّ موسى  علیه السلام مع قومه، فكان غرضه أن يُشبّه قومه ونفسه بأصحاب موسى  علیه السلام؛ ومن هنا سمّوا أنفسهم بالتوابين؛ لأنَّهم تابوا من عظيم جرمهم، حينما دعوا الحسين  علیه السلام ولم ينصروه.

ب   الاقتباس الثَّاني من سورة الأنفال من قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّـهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾  [66] . وأراد بهذا الاقتباس أيضاً أن يشحذ الهمم قبل شحذ السيوف وتركيب الأسنة، لعلمه بتأثير الأُسلوب القرآني، فهو أقوى وأعمق في النفوس، كيف لا؟! وقد ( (بهر العرب رونقه، وخلب ألبابهم جرسه ووقعه، وملك نفوسهم ما فيه من جمال اللفظ، وبراعة الصورة وسموّ البيان وروعة الأداء))  [67] .

إنَّ هذا الأداء البديعي في اقتباس الآيات الكريمة ـ والمهارة في إحكام وضعها موضعاً ملائماً في الكلام ـ لهو دليلٌ واضحٌ على مَلَكَة الخطيب وإلمامه بمضامين القرآن، حتَّى نجدها قد ملأت قلبه، وانسابت على لسانه انسياباً.

وأما ما يتعلق بالرسائل، فقد جاء كذلك في رسائل سليمان بن صُرَد، من قبيل ما جاء في رسالته التي بعث بها إلى سعد بن حذيفة بن اليمان، والتي جاء فيها: ( (إنَّ أولياءَ الله مِنْ إخوانِكُم وشيعةِ آل نبيّكم، نظروا لأنفسِهِم فيما ابتُلوا به مِن أمر ابنِ بِنتِ نَبيّهم.... وبعينِ الله ما يَعْمَلون، وإلى الله ما يَرْجعُون، ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾))  [68] .

فالمهارة الفائقة للخطيب تكمن في وضع الآية ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾  [69] ، مع ما سبقها من كلام له فواصل مماثلة لفاصلة الآية المنتهية   بالواو والنّون ، وذلك كي يحقِّق الانسجام الصَّوتي بين العبارات، حتَّى تنساب متتابعة، من دون تعقيد أو تلكّؤ.

ويمكن تفسير كثرة الاقتباسات وتأثّر المنشئ وشغفه بأُسلوب القرآن الكريم بأنَّه كان صحابيَّا  [70] ، وهذا ينمُّ عن استيعابه وتذوّقه للنَّص القرآني، فإذا ما أراد شيئاً من القرآن لم يتكلّفه، بل يأتيه متّى ما أراده.

2ـ خُطب حركة المختار الثقفي

 ومن الاقتباس القرآني أيضاً ما في خطبة محمد بن الحنفية، حين قدِمَ عليه عبد الرَّحمن بن شريح يسأله عن صدق دعوة المختار الثقفي، فجاء في الخطبة: ( (فأمّا ما ذكرتُم ممّا خَصصنا الله بهِ مِنْ فَضلٍ، فإنَّ الله يؤتيهِ مَنْ يشاء والله ذو الفضلِ العَظيم، فلله الحَمدُ، وأمَّا ما ذكرتُم مِنْ مصيبتنا بحُسينٍ، فإنَّ ذلك كانَ في الذّكرِ الحكيم، وهيَ ملحمةٌ كُتِبَتْ عليه، وكرامةٌ أهْداها الله لهُ، رَفَعَ بما كان مِنها درجاتِ قومٍ عندهُ، ووَضَع بها آخرين، وكان أمرُ الله مفعولاً، وكانَ أمرُ الله قَدَرَاً مَقْدُورَاً...))  [71] . فنجد أنَّ الاقتباس القرآني قد وقع مرَّتين، الأوَّل قوله: ( (فإنَّ الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم))، وهو مأخوذ من قوله: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ  وَاللَّـهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾  [72] .

وأمّا الاقتباس الثاني نجده في قوله: ( (وكان أمر الله مفعولاً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً))، وهو من قوله: ﴿... وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا * مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّـهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾  [73] .

فنجد أنَّ هذا النَّص ـ بما احتوى من اقتباسات قرآنيَّة ـ قد كشف لنا عن جانب من جوانب تمرُّس الخطيب، وتمكُّنه في الاختيار والتوزيع، وذلك من خلال انتقاء اقتباسين متفرّقين يحملان دلالة متقاربة، وهما:

أ   يتحدَّث الأوَّل منها عن إيتاء اللهU فضله على مَن يشاء من عباده الصالحين، ويعني به فضل آل البيت من ناحية أنَّ الله شرَّفهم بمنزلتهم من النّبيّ صلى الله عليه وآله وفضله العظيم.

ب   وتحدَّث الثَّاني عن إتيان الكرامة والفضل للإمام الحسين  علیه السلام، واستشهاده من أجل إحياء دين الله القويم، فكان أمرُ الله الذي قضاه عليه مفعولاً، ويقول الدكتور محمد أبو موسى: ( (وقوله: ﴿  وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ قولٌ صِيْغَ على طريقة التَّوكيد، فهو كقولهم: ليلٌ أليَل، ويومٌ أيَوم، وظلٌ ظليل، فهو توكيد لنفاذ ما قدَّره الله وقضاه، وحين تقارن بين قوله في الآية السَّابقة: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ﴾، وقوله هنا: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾، تلحظ أنَّ الفاصلة الثَّانية أوكد من الأُولى؛ وذلك لأنَّ ما قرَّرته آية الفاصلة الثَّانية أشمل وأكثر للأعباء والصّعاب الّتي يواجهها النَّبيّون وأهل البلاغ؛ لأنَّها تشمل كلُّ ما يتّصل بذلك من أذىً، وعناء، فناسبها التَّوكيد الذي يقرّر أنَّ ذلك قدر هؤلاء وأنهم منتهون إلى الفوز حتماً))  [74] .

ومن هذا التَّحليل الذي قال به   الدكتور أبو موسى   يتَّضح لنا: أنَّ الخطيب كان حاذقاً في انتقائه لهذه الآيات المباركة، وإيداعها في خطبتهِ إيداعاً موفَّقاً، وما يتأتَّى ذلك إلّا لمن وعى آيات القرآن تأمُّلاً وتدبُّراً.

ثانياً: الاستشهاد بالآيات القرآنيَّة

 يختلف الاستشهاد بالآيات القرآنيَّة عن الاقتباس القرآني: بأنَّ الأخير تذكر الآية ولا يذكر أنَّها من القرآن، في حين أنَّ الاستشهاد يكون بقول المتكلّم:   قال الله   أو نحو ذلك، وقد أشار ابن معصوم المدني   ت1120ﻫ   إلى: أنَّه لا يكون الأخذ من القرآن اقتباساً إذا قال المتكلّم:   قال الله   أو غيره  [75] ، فإذا لم يكن الأخذ على هذه الشَّاكلة فلا يُسمّى اقتباساً، بل يكون استشهاداً بالآيات القرآنيَّة، وقد ورد مثل هذا الاستشهاد، في خطب ورسائل متفرّقة لأصحاب ثورة التوابين، من قبيل:

1ـ ما في خطبة المسيَّب بن نجبة الفزاري بقوله: ( (أمَّا بعدُ، فإنّا قدْ ابتُلينا بطولِ العُمر، والتَّعرُّض لأنواع الفِتن، فنرغبُ إلى رَبّنا ألّا يَجعلنا مِمَّن يقولُ لَهُ غداً: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾))  [76] .

فقد استشهد الخطيب بآي الذّكر الحكيم من قوله: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ  فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ  ﴾  [77] .

‏ فكان هذا الاستشهاد تنبيهاً للسَّامع بما تحمل هذه الآية من مضامين دلاليَّة وتذكيره بذلك الموقف الصعب الذي يقف فيه العباد أمام ربهم ليسألهم عما أقدموا عليه، وهنا أورده حتَّى يأخذ المتلقي مراجعة نفسه ومحاسبتها، بما بدر عنها من قصور أو ‏تقصير، وإذا ما عرفنا أن الخطيب كان يفرغ زفرات همومه وندمه على خذلانه ـ هو وأضرابه ـ وتقصيرهم تجاه قضية الإمام الحسين  علیه السلام يتبيَّن لنا سبب ذلك الاستشهاد بهذه الآية الكريمة دون سواها؛ لأنَّه يدعو ربّه ألّا يجعله يوم القيامة في ذلك الموقف الذي يسأل عنه العباد في تقصيرهم.

وكان يرى في ‏قتل قاتلي الحسين  علیه السلام والموالين لهم أو القتل في سبيل ذلك، السبيل الوحيد الذي يدرأ عنهم ذلك السؤال يوم القيامة، والرّضوان من الله، حيث قال: ( (لا والله، لاَ عُذْرَ دُون أنْ تَقْتُلُوا قاتِلَه والموالينَ عليه، أو تُقْتَلُوا في طلَبِ ذلك، فعسى ربّنا أن يَرضَى عَنَّا عِنْدَ ذلك))  [78] .

 2ـ في رسالة سليمان بن صُرَد إلى عبيد الله بن يزيد، كتب فيها مستشهداً بالآيات القرآنية: ( (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيم، للأمير عبد الله بن يزيد مِنْ سليمان بِنْ صُرَدْ ومَنْ معَهُ من المؤمِنين، سلامٌ عليك، أمَّا بعدُ: فقد قرأنا كتابَكَ، وفَهِمْنا ما نَويت، فَنِعَم ـ والله ـ الوالي... إنَّا سَمْعنا اللهU يقولُ في كتابِه: ﴿  إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ  وَيُقْتَلُونَ  وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ  فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ  وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  * لتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّـهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾  [79] ))  [80] . فقد استشهد المرسل بهاتين الآيتين الطَّويلتين إلى حدّ ما، وفي ذلك دليلٌ على إلمامه بالنّص القرآني، وحفظه آياته، وكان هذا شأن ابن صُرَد في ما يرتجله من خُطب أو ما يحبّره من رسائل.

ومن هذا الاستشهاد تتحقّق وظيفته الأُسلوبيَّة، ففي الوقت الذي يحقّق فيه وظيفة دلاليَّة، فإنَّه يحمل وظيفة نفسيَّة من خلال إقناع المتلقّي بمشروعيَّة قضيتهم التي عقدوا العزم عليها، وكان ذلك من خلال هذا الاستشهاد القرآني وبهذه الآيات التي يتحدث فيها اللهU عن الجهاد الذي سنَّه على المسلمين دفاعاً عن الحق في مواجهة الباطل.

ثالثاً: محاكاة أُسلوب القرآن الكريم

من صور التّأثير القرآني محاكاة أُسلوبه واستعارة عبارته وألفاظه وطرائق تعبيره، واستلهام معانيه، وكان هذا شائعاً في خُطب ورسائل الحقبتين، وهو دليلٌ على إعجاب الخطباء والمترسّلين بأُسلوب القرآن الكريم ورغبتهم بمحاكاته ( (ولا يتهيّأ ذلك إلّا لمن كانت آيات القرآن تنساب على لسانه انسياباً، وترسخ معانيه في ذهنه))  [81] ، وعندها نجد أنَّ محاكاة أُسلوبه ( (مظهر آخر من مظاهر التّأثّر القرآني، فقد بلغ من إعجاب الأُدباء بهذا الأُسلوب أن نهجوا نهجه في بعض عباراتهم إذ توخّوا محاكاة ألفاظه وتعابيره وطريقة أَدائِه))  [82] ، وكانت تلك المحاكاة على صورتين:

الأُولى: تعتمد على ألفاظ القرآن كما هي مع تصرُّف يسير في صياغتها، أي: إنّ الخطيب أو المترسّل يأتي ببعض الآيات الكريمة من النَّص القرآني، ويتصرَّف ببعض ألفاظها، تحويلاً إلى تراكيب جديدة تكون معزَّزة دلاليَّاً بتوظيف المعاني القرآنيَّة بألفاظها المنقولة من النّص.

 الثَّانية: تعتمد على معاني النَّص القرآني من دون صياغته، أي: يقوم الخطيب أو المترسّل على استمداد واستيحاء المعاني القرآنيَّة وإفراغها في بُنى تركيبية جديدة، ذات دلالات قائمة على المعاني المستلّة من ذلك النصّ  [83] .

ولقد كان بعض الخطباء والمترسّلين يستمدُّون من القرآن الكريم بعض المعاني، يُجرونها على ألسنتهم عامدين؛ ليفخّموا بها أقوالهم، ويجتذبوا نفوس سامعيهم، أو غير عامدين أن يقتبسوا هذه المعاني، وإنَّما جرت على ألسنتهم؛ لأنَّهم حفّاظ قد فهموا ما حفظوا  [84] .

وفيما يتعلق بالمحاكاة على نحو الصورة الأُولى، فقد كان في قول يزيد بن أنس الأسدي، في خطبة له محرِّضاً أصحاب المختار لملاقاة جند ابن مطيع الوالي الزبيري فقال: ( (يا مَعْشَرَ الشّيعة، قد كُنْتُمْ تُقْتَلون وتُقطَّعْ أيديكُم وأرجلُكُم، وتُسْمَل أعينكم، وتُرفَعون على جذوعِ النخلِ في حُبِّ أهل بيت نبيّكم؛ وأنتم مقيمون في بيوتكم، وطاعة عدوّكم...))  [85] .

فواضح أنَّ أُسلوبه كان مستمدَّاً من أُسلوب القرآن الكريم ومن الآية الكريمة لقوله: ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖفَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ ﴾  [86] .

وبهذا الاحتذاء الأُسلوبي للآية يؤكّد الخطيب مدى الظّلم الذي لحق بمعشر الشيعة من ولاة ذلك العصر، الذين نكَّلوا بهم وساموهم سوء العذاب، وهو بهذا يجتذب إليه أذهان السَّامعين لكي يلتفتوا لعُظم الخطر المحدق بهم، لو أنَّهم أدركهم أصحاب ابن مطيع، فالاستعداد لهم أوْلى، لكي لا تعود الصّورة المأساويَّة مرَّة أُخرى، ولم يجد الخطيب سبيلاً من إيصال الدَّلالات وتكريسها إلّا باحتذاء الأُسلوب القرآني الذي يتميَّز بالإبانة الموجزة المحكمة في قوَّة المنطق، وصدق الحجَّة وبلوغ الهدف.

وأما ما يتعلق بالمحاكاة في الصورة الثانية ـ وهو استمداد معانيه وإفراغها في بُنى تركيبية جديدة ـ فكانت في خطبة المختار حين شيَّع ابن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد: ( (إنْ اسْتَقَمْتُمْ فَبِنَصْرِ الله، وإنْ حُصْتُمْ حِيْصَةً فإنِّي أجدُ في مُحْكَمِ الكِتَابِ، وفي اليقينِ والصَّوابِ، أنَّ الله مؤيّدكم بملائكةٍ غِضَابٍ))  [87] . وواضح أنَّه أراد أن يثبِّت فؤاد ابن الأشتر وأصحابه، ويطمئنهم بأنَّ الله ناصرهم ومؤيّدهم بملائكة غضاب، فلم يجد بدَّاً من أن ينهل من معاني الآية الكريمة من قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ  إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾  [88] .

فالارتشاف من معاني القرآن الكريم وتوظيفها في هذا الموقف، كان له أثره البالغ في نفسيَّة السَّامع لثبات عقيدته على المجاهدة والصَّبر.

ولا تخلو الرسائل أيضاً من المحاكاة القرآنية كذلك، حيث جاء في رسالة المختار التي بعث بها إلى محمّد بن الحنفية قوله: ( (بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم. للمهديّ محمَّد بن علىّ، مِن المختار بن أَبي عُبَيد، سلامٌ عليكَ يا أيُّها المهديّ... فإنَّ الله بَعَثَني نِقْمَةً على أعدائِكم، فهم بيْنَ قتيلٍ وأسيرٍ... وقدْ بعثتُ إليكَ برأسِ عمر بن سعد وابنه، وقدْ قتلنا مَنْ شَرَكَ في دمِ الحسين وأهلِ بيته... ولَنْ يُعجزَ الله مَن بَقي، ولسْتُ بِمُنْجِمٍ عَنْهم حتَّى لا يبلغْني أنَّ على أديمِ الأرض مِنْهم أرمِيَّاً))  [89] .

 فإن قوله: ( (ولنْ يُعجز الله مَن بقي، ولست بمنجمٍ عنهم حتَّى لا يبلغني أنَّ على أديم الأرض منهم أرمِيَّاً))، فهو مستمدّ في معناه من قوله عز وجل على لسان نوح  علیه السلام: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾  [90] .

ومِمَّا تقدَّم نجد أنّ المختار قد صاغ ضروباً متفرّقة من معاني الآيات القرآنيّة، وذلك بما ينسجم مع مقتضيات المقام والحال التي هو في صدَدِها، وهو بهذا يكشف عن براعته في الإفادة من تلك المعاني القرآنيّة العالية، وتوظيفها بالكيفيَّة التي يريد، وإنَّ تلك الإفادة من المعاني والسعي إلى تكريسها لهو مظهر من مظاهر التأثير الكبير من الخطباء والمترسّلين في هذا العصر ببديع أُسلوب القرآن الكريم ونَظْمه وقوَّة معانيه ( (فهو يداور المعاني، ويُريغُ الأساليب ويخاطب الرّوح بمنطقها من ألوان الكلام لا من حروفه، وهو يتألَّف النَّاس بهذه الخصوصيّة فيه، حتى ينتهي بهم ممَّا يفهمون إلى ما يجب أن يفهموا))  [91] .

وقد جاء اجتماع النَّمطين معاً من محاكاة النَّص القرآني في رسالة سليمان بن صُرَد في قوله: ( (فَاصْبِرُوا ـ رَحِمَكُمُ الله ـ على البأساءِ والضرَّاءِ وحينَ البأسِ، وتوبوا إلى الله عن قريب... إنَّ التقوى أفضلُ الزَّادِ في الدّنيا، وما سِوَى ذلكَ يبورُ ويَفْنَى... أحيانا الله وإيّاكم حياةً طيّبةً، وأجارنا وإيَّاكم مِنَ النَّار...))  [92] .

فقد استمدَّ ابن صُرَد ضروباً مختلفة من آي الذَّكر الحكيم، ووشَّح بها أُسلوبه ليُضفي عليه حلّة بديعيَّة تجتذب إليها أسماع المتلقّين، فهو تارة يعتمد على آيات قرآنية في ألفاظها تصرّفاً جزئيَّاً، كما في قوله: ( (فاصبروا ـ رحمكم الله ـ على البأساء والضراء وحين البأس))، وهو مأخوذ من قوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ  أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا  وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [93] .

وتارةً يعتمد على معاني النّص القرآني من دون صياغته، فيفرغها في بُنى جديدة تحمل دلالات النص القرآني المعتمد، كمثل قوله: ( (إنَّ التقوى أفضل الزاد في الدنيا))، وهذا المعنى مأخوذ من قوله: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ  وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾  [94] ، أمَّا قوله: ( (أحيانا الله وإياكم حياة طيّبة))، فهو معنى مستمدٌّ ضمناً من قوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾  [95] .

فقد اعتمد ابنُ صُرَدْ على ألفاظ ومعاني آيات متفرّقة من القرآن الكريم، فأحكم رصفها وتسخيرها حتَّى يُضفي على أُسلوبه طابع الجزالة والرَّصانة؛ ليميل نحوه الأسماع، ويصرف إليه الأنظار، ويأخذ بمجامع القلوب، وفي هذا التَّنويع في التقاط أكبر عدد ممكن من الآيات دلالة واضحة على تأثّر المنشئ بآيات القرآن الكريم.

الخلاصة والنتيجة

إنَّ النثر الفنَّي قد نشط في ثورة التَّوابين وإمارة المختار الثقفي نشاطاً واسعاً؛ لمِا كان لزعمائهم ودعاتهم وأنصارهم من نتاج أدبي نثري فاعل، مثّلتهُ الخطب والرَّسائل والعهود والوصايا التي وصلت إلينا.

وكان لنتاج هاتين الحقبتين أثرٌ كبير في الأدب العربي، ولاسيما في حركة النّثر الفنّي وتطوّره في الدَّرس الأُسلوبي والبياني فيما بعد. تفاوتت الخطب والرَّسائل في حقبة التوابين وإمارة المختار طولاً وقصراً، وذلك بحسب القصد والموضوع والمقام. أفاد خطباء وكتَّاب هاتين الحقبتين من أُسلوب القرآن الكريم، في نثرهم، اقتباساً وتضميناً، محاكاة واحتذاءً، وهذا النَّثر لم يخرج عن نهج النَّثر الفنَّي في صدر الإسلام الذي سار عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وأقرَّه في خُطبه ورسائله من حيث الشّكل النَّثري، وهو ما ينمُّ عن إتقان البناء، ووحدة الموضوع، وإحكام المعاني.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

الكاتب: د. هاشم الزرفي

مجلة الإصلاح الحسيني – العدد الثامن

مؤسسة وارث الأنبياء للدراسات التخصصية في النهضة الحسينية

________________________________________

[1]     الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط مادة (نثر): ج2، ص138.

[2]     الزمخشري، محمود بن عمر، أساس البلاغة مادة (نثر): ج2، ص248.

[3]     اُنظر: عباس، عرفة حلمي، ‏شوقي ضيف، نقد النثر النظرية والتطبيق: قراءة في نتاج ابن الأثير النقدي والإبداعي: ص212.

[4]     شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص15.

[5]     اُنظر: عز الدين، إسماعيل، الأدب وفنونه دراسة ونقد: ص7 وما بعدها. شوقي ضيف، في النقد الأدبي: ص46 وما بعدها.

[6]     عباس، عرفة حلمي، ‏شوقي ضيف، نقد النثر النظرية والتطبيق: قراءة في نتاج ابن الأثير النقدي والإبداعي: ص217.

[7]     اُنظر: الأُسلوبية علم وتاريخ (بحث): ص133.

[8]     النص، إحسان، الخطابة العربية في عصرها الذهبي: ص29 ـ30.

[9]     شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص52.

[10]    النص، إحسان، الخطابة العربية في عصرها الذهبي: ص32.

[11]    اُنظر: الزيات، أحمد، تاريخ الأدب العربي: ص128.

[12]    اُنظر: طليمات، غازي، مختار الأشقر، عرفان، الأدب الجاهلي قضاياه أغراضه أعلامه فنونه: ص684.

[13]    الخفاجي، محمد عبد المنعم، الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام: ص58.

[14]    المصدر السابق: ص44.

[15]    شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص63.

[16]    اُنظر: الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين: ج1ص243.

[17]    شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص65.

[18]    اُنظر: شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص65ـ66.

[19]    شوقي ضيف، العصر الإسلامي: ص410.

[20]    خُطب التوابين بعد استشهاد الإمام الحسين   علیه السلام، المغزى والأُسلوب (بحث): ص13.

[21]    اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص58ـ64.

[22]    اُنظر: المصدر السابق: ص62ـ68.

[23]    شلق، علي، مراحل تطور النثر العربي في نماذجه: ج1، ص120.

[24]    شوقي ضيف، العصر الجاهلي: ص398.

[25]    اليازجي، كمال، الأساليب الأدبية في النثر العربي القديم: ص23.

[26]    الشايب، أحمد، الأُسلوب دراسة بلاغية تحليلية لأُصول الأساليب الأدبية: ص113.

[27]    اُنظر: شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي: ص97ـ 98.

[28]    المقدسي، أنيس، تطوّر الأساليب النثرية في الأدب العربي: ص36.

[29]    خليف، مي يوسف، النثر الفني بين صدر الإسلام والعصر الأُموي دراسة تحليلية: ص37.

[30]    اُنظر: غانم، جواد رضا، الرسائل الفنيّة في العصر الإسلامي حتى نهاية العصر الأُموي: ص312.

[31]    اُنظر: المصدر السابق: ص313 ـ 314.

[32]    اُنظر: المصدر السابق: ص316ـ327.

[33]    الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين، أبو بحر التميمي، كان سيداً مطاعاً، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وآله، حدَّث عن الإمام علي  علیه السلام وأبي ذر الغفاري والعباس وغيرهم، توفّي سنة 76ﻫ في إمرة مصعب بن الزبير على العراق. للمزيد اُنظر: الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء: ج1، ص1038ـ1041.

[34]    وهو عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، أحد عمَّال المختار على الموصل، قام بمساندة جيش المختار الذي بعثه بقيادة يزيد بن أنس لقتال جيش عبيد الله بن زياد. للمزيد اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص39.

[35]    اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص122.

[36]    اُنظر: المصدر السابق.

[37]    اُنظر: المصدر السابق: ص127.

[38]    اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص128.

[39]    شلق، علي، مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه: ج1، ص189.

[40]    اُنظر: علي حب الله، المقدمة في نقد النثر العربي مشروع رؤية جديدة في تقنيات البحث والكتابة: ص60.

[41]    اُنظر: شلق، علي، مراحل تطوّر النثر العربي في نماذجه: ج1، ص189.

[42]     عربي، محسن، أثر حركة التوابين في الأدب، خُطب زعمائها ورسائلهم (بحث): ص268. واُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص589.

[43]    اُنظر: الخوارزمي، الموفق بن أحمد، مقتل الحسين للخوارزمي: ج2، ص187.

[44]    اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص60ـ61.

[45]    اُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص60ـ61. وص118ـ 119.

[46]    اُنظر: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص21ـ82.

[47]    اُنظر: المصدر السابق: ج6، ص40.

[48]    اُنظر: المصدر السابق: ج6، ص41.

[49]    الخفاجي، محمد عبد المنعم، الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام: ص44.

[50]    نهج البلاغة (شرح محمد عبده): ص377ـ378.

[51]    النص، إحسان، الخطابة العربية في عصرها الذهبي: ص41.

[52]    اُنظر: المصدر السابق: ص42.

[53]    الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتبيين: ج1، ص118.

[54]    اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص6.

[55]    اُنظر: غانم جواد رضا، الرسائل الفنيّة في العصر الإسلامي إلى نهاية العصر الأُموي: ص315.

[56]    خليف، مي يوسف، النثر الفني بين صدر الإسلام والعصر الأُموي دراسة تحليلية: ص65ـ66.

[57]    اُنظر: غانم جواد رضا، الرسائل الفنيّة في العصر الإسلامي إلى نهاية العصر الأُموي: ص314.

[58]    النمل: آية 7.

[59]    ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب مادة (قبس): ج11، ص11.

[60]     أبو العباس القلقشندي، أحمد، صبح الأعشى في صناعة الإنشا: ج1، ص237.

[61]    اُنظر: ابن معصوم المدني، علي صدر الدين، أنوار الربيع في أنواع البديع: ج2، ص217.

[62]    اُنظر: المصدر السابق: ج2، ص222.

[63]    انظر: الدسوقي، محمد، البنية اللغوية في النص الشعري درس تطبيقي في ضوء علم الأُسلوب: ص161.

[64]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص545. واُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة خُطب العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص60ـ61.

[65]    البقرة: آية54.

[66]    الأنفال: آية60.

[67]    الخفاجي، محمد عبد المنعم، الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام: ص54.

[68]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص556.

[69]    الشعراء: آية 227.

[70]    اُنظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام: ج3، ص127.

[71]    أحمد زكي صفوت، جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص79.

[72]    الحديد: آية21.

[73]    الأحزاب: آية37 ـ 38.

[74]    محمد أبو موسى، من أسرار التعبير القرآني دراسة تحليلية لسورة الأحزاب: ص349.

[75]    اُنظر: ابن معصوم المدني، علي صدر الدين، أنوار الربيع في أنواع البديع: ج2، ص217.

[76]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص552.

[77]    فاطر: آية37.

[78]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج5، ص553. واُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة خُطب العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص51.

[79]    التوبة: آية111ـ112.

[80]    أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص119ـ120.

[81]    حسين بيوض، الرّسائل السياسيّة في العصر العباسي الأوّل: ص185.

[82]    النص، إحسان، الخطابة العربية في عصرها الذهبي: ص199.

[83]    اُنظر: المناجيات وأدعية الأيام عند الإمام زين العابدين   علیه السلام دراسة أُسلوبية (رسالة ماجستير مخطوطة): ص158ـ 159.

[84]    الحوفي، أحمد محمد، أدب السياسة في العصر الأُموي: ص357.

[85]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص26.

[86]    طه: آية71.

[87]    اﻟﻤﺒﺮد، ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻳﺰﻳﺪ، الكامل في اللغة والأدب: ص666، والحيصة: الهروب. اُنظر: ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب: ج3،ص418، مادة (حيص).

[88]    آل عمران: آية124ـ125.

[89]    أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص129ـ130، ومنجم: مقلع. اُنظر: ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب: ج14، ص61، مادة (نجم). وأرميَّاً: أحداً. اُنظر: أبو بكر بن دريد، جمهرة اللغة: ج2، ص484.

[90]    نوح: آية 26.

[91]    الرافعي، مصطفى صادق، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: ص148.

[92]    الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري: ج6، ص556ـ557، واُنظر: أحمد زكي صفوت، جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة: ج2، ص115ـ 116.

[93]    البقرة: آية177.

[94]    البقرة: آية197.

[95]    النحل: آية97.