×
العربيةفارسیاردوEnglish
×
فارسیاردوEnglish
البث المباشر الزيارة بالإنابة الصور المرئيات موسوعة وارث الأنبياءنفحات إسلاميةالأدب الحسينيخطب الجمعةالمشاريع والإنجازاتواحة المرأةالأخبارالتقارير المصورةالتقارير والتحقيقاتفنون إسلاميةمتابعاترحلات ومطارات اتصل بنا

العتبة الحسينية المقدسة

فارسیاردوEnglish

الشاعر ابن الصيفي.., نشيدٌ في حضرةِ المجد

قِيلَ للأحنف بن قيس: ممن تعلّمت الحكم والحلم فقال: مِن حكيم عصره، وحليم دهره، قيس بن عاصم المنقري. وسُئل قيس بن عاصم نفس السؤال فقال: مِن الحكيم الذي لم تحل قطّ حبوته، والحكيم الذي لم تنفد حكمته، أكثم بن صيفي. ولما سُئل أكثم بن صيفي السؤال نفسه قال: مِن حليف الحِلم والأدب سيّد العرب والعجم، أبي طالب بن عبد المطلب.

وهؤلاء الثلاثة:  ــ الأحنف بن قيس، وقيس بن عاصم المنقري، وأكثم بن صيفي ــ هم أشهر حكّام العرب وحلمائهم على الإطلاق، وكان أحلم الثلاثة أكثم بن صيفي الذي اقتبس حكمه وحلمه من سيد قريش أبي طالب كما جاء على لسانه، وكانت العرب كلها تتقاضى عند أكثم ولاترد حكمه لشرفه ونزاهته وحكمته وكان: (من سادات العرب شريفاً حكيماً وفارساً شجاعاً ومستشاراً خبيرا) وكانت الملوك تراسله وتستمع منه النصيحة.

وقد أدرك أكثم الإسلام وهو شيخ كبير وتشرّف به فعندما بُعث النبي (صلى الله عليه وآله) بالنبوة بعث أكثم ابنه على رأس وفد من قومه ليطلعوا على أمر النبي الجديد فلما عادوا وأخبروه بأمر النبي عرف أنه أمر من السماء وإنه النبي الموعود فجمع وجوه قومه وخرج بهم قاصداً مكة للدخول في الإسلام لكنه مات في الطريق وقد أشهد قومه قبل أن يموت بأنه أسلم وأوصاهم باتباع النبي.

هذا السجل المشرق لأكثم بن صيفي الذي أضاء في رقعة التاريخ ازداد سطوعاً بسفر حفيده الشاعر (ابن الصيفي) الذي كان الرافد الدافق بإرث جده من الحكمة والبيان والإيمان والثبات على العقيدة والشعر فـ: (جُددت حماسة المتنبي وانبعث فخره في شعر ابن الصيفي، فضلاً عن عذوبة البحتري وجزالة الفرزدق وبديع أبي تمام حتى لقِّب بـ (ملك الشعراء). وعدّه الدكتور مصطفى جواد (المتنبي الثاني)، و (قد أثرت عربيته القُحّة في شعره وحملته على التشبه بالفرزدق. والمتأمل لشعره يرى ذلك الأثر ظاهراً عليه). هكذا وصفت المصادر الشاعر ابن الصيفي وأثره الكبير على الساحة الشعرية العربية.  

سيرة وإرث

ولد الشاعر شهاب الدين ابو الفوارس سعد بن محمد بن سعد التميمي المعروف بـ (ابن الصيفي) ــ نسبة إلى جده أكثم بن صيفي ــ في بغداد عام (492هـ)، وقد اشتهر أيضاً بلقب (حَيصَ بَيص) وسبب تلقيبه بهذا اللقب إنه رأى الناس ذات يوم في حركة مزعجة وأمرٌ مريج فقال: ما للناس في (حَيصٍ بَيص)؟ فاتخذ الناس ذلك لقباً عليه. ولا شك في أن لمُنافسه ومُهاجيه، هبة الله بن الفضل أثراً كبيراً في انتشار هذا اللقب ويدلنا على ذلك قول ابن الصيفي في إحدى هجائياته:

لـئـن أصـبـحـتُ بـيـنـكـمُ مُـضـاعـاً  ***  أبـيـعُ الـفـضـلَ مـجَّـانـاً رخـيـصــــا

وعـاقـنـيَ الـزمـانُ عـن الـمـعـالـي  ***  فـصـرتُ إلـى حـبـائـلـهِ قـنـيـصـــــا

فـإنـي سـوف أوقـعـكـم بـبـأسـي  ***  وإن طـال الـمـدى فـي حَـيـصَ بـيـصـا

دخل ابن الصيفي مضمار العلم والأدب وله من العمر ثلاث عشرة سنة، ودرس مبادئ اللغة العربية والأدب، وسمع الحديث النبوي، ثم درس الفقه ومال إلى الأدب واستهواه الشعر فأجاده وطبع عليه فكان من أخبر الناس وأعلمهم بأشعار العرب واختلاف لغاتهم ولم يتخلّ عمره كله عن لغته الفصيحة المعربة، فكان قوي (العروبة) لايتكلم إلا باللغة الفصيحة المعربة وينطق بالحروف على حسب لغة الإعراب في عصر طغت فيه اللكنة في الكلام واللهجات الدخيلة، وقد ظهرت عروبيته في جميع أحواله فكان يلبس القباء والعمامة ويتزيّا بزي العرب العرباء ويتقلد سيفاً، وكان الشعراء البغداديون المعاصرون له كابن الفضل والخطيب ابي العباس العباسي يعيبون عليه عروبته ويهجونه منكرين عليه انتسابه إلى تميم فكان يفتخر بشعره في جوابه لهم ومن ذلك قوله:

إن شـاركَ الأدوانُ أهـل الـعـلـــــى  ***  والـمـجـدُ فـي تـسـمـيـةٍ بـالـلـسـانْ

فـمـا عـلـى أهـل الـعـلـى سـبَّـــــــةٌ  ***  إن بـخـورَ الـعـودِ بـعـضُ الـدُّخـانْ

والـرمـحُ لا يـرهـبُ أنـبـوبـــــــــه  ***  إلاّ إذا ركّـب فـيـه الـسـنــــــــــــانْ

أشـجـع وجّـد تـحـظ بـفـخـريـهـمـا  ***  فـكـل مـاقـد قـدّر الله كــــــــــــــانْ

كان ابن الصيفي يميل إلى ملوك بني مزيد الأسديين الشيعة بالحلة وأطرافها، ومدح الأمير دبيس بن صدقة المزيدي، وكان هذا الأمير خارجاً على بني العباس مبادياً لهم بالعدواة وقد حارب الخليفة المسترشد وقد هجا ابن الصيفي المسترشد والمقتفي وجاهرهما بالعداوة والمنابذة والهجاء ومدح الأمراء المزيديين وأشاد بهم، وكان معه على رأيه من المشاهير الشاعر محمد بن المؤيد بن عطاف الآلوسي وعبد القاهر السهروردي صاحب القبر المشهور ببغداد فقبض المقتفي على ابن الصيفي وأخُذ حافياً حاسراً وسجن في سجن اللصوص مع صاحبيه ثم أخرج بشفاعة شافع.

كان لابن الصيفي همّة لاتقلّ عن همّة المتنبي أفصح عنها في الكثير من شعره وجاهر بالعداوة لبني العباس وتحدّى طغيانهم وجبروتهم من ذلك قوله:

خُـذوا مِـن ذِمـامـي عـدَّة لـلـعـــــــــــــواقـبِ  ***  فـيـا قـربَ مـابـيـنـي وبـيـن الـمـطالـبِ

لـوائـي زمـانـي بـالـمـرامِ، وربَّـمــــــــــــــا  ***  تـقـاضـيـتـه بـالـمـرهـفـاتِ الـقـواضـبِ

عـلـى حـيـن مـاذدت الـصّـبـا عـن صـبـابـةٍ  ***  ذيـادَ الـمـطـايـا عـن عـذابِ الـمـشـاربِ

شيعيته وشعره

قال السيد محسن الأمين في (أعيان الشيعة) (ج7ص272): (كان ــ ابن الصيفي ــ شيعياً كما يدل عليه شعره الآتي في أهل البيت ودفنه في مقابر قريش مدفن الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)  ومدافن الشيعة وغير ذلك كقوله فيما تقدم وبالله أقسم وبنبيه وآل نبيه وأمور آخر).

ولابن الصيفي العديد من القصائد والمقطوعات في أهل البيت أشهرها الأبيات الثلاثة التي يقارن فيها بين سجاياهم النبيلة وعفوهم وسماحتهم وبين غدر العباسيين ومكرهم وإجرامهم، ولهذه الأبيات قصة روتها المصادر التاريخية وهي كما رواها ابن خلكان في وفيات الاعيان بقوله: (قال الشيخ نصر الله بن مجلي رأيت في المنام علي بن ابي طالب فقلت له: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ثم يتمّ على ولدك الحسين في يوم الطف ما تمّ، فقال: أما سمعت أبيات ابن صيفي في هذا، فقلت: لا. فقال: اسمعها منه، ثم استيقظت فبادرت إلى دار ابن صيفي فخرج إليّ فذكرت له الرؤيا فشهق وأجهش بالبكاء وحلف بالله إن كانت خرجت من فمي أو خطى إلى أحد وإن كنت نظمتها إلاّ في ليلتي هذه ثم أنشدني:

مـلـكـنـا فـكـان الـعـفـو مـنَّـا سـجـيـةً  ***  فـلـمـا مـلـكـتـمْ سـالَ بـالـدمِ أبـطـــــــحُ

وحـلـلـتـمُ قـتـلَ الأسـارى وطـالـمـا  ***  غـدونـا عـن الأسـرى نـعـفُّ ونـصـفـحُ

فـحـسـبـكـمُ هـذا الـتـفـاوتُ بـيـنـنـا  ***  وكـلّ إنـاءٍ بـالـذي فـيـه يـنـضــــــــــحُ

ومن غرر قصائد ابن الصيفي في أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:

قـومٌ إذا أُخـذ الـمـديـح قـصـــــــــائـداً  ***  أخـذوه عـن طـه وعـن يـاسـيـــــــــــــنِ

وإذا عـصـى أمـر الـمـمـالـك خـــادمٌ  ***  نـفـذتْ أوامـرهُـم عـلـى جـبـريـــــــــــنِ

وإذا انـطـوى رمـق الأضـالع وفّـروا  ***  مـيـسـورَ زادهـمُ عـلـى الـمـسـكـيــــــــن

وإذا تـفـاخـرت الـرجـالُ بـسـيــــــــدٍ  ***  فـخـروا بـأنـزع فـي الـعـلـومِ بـطـيــــــنِ

الـمـسـتـغـاثُ إذا تـشـابـكـت الـقـنــــا  ***  وغـدت صـفـونُ الـخـيـلِ غـيـر صـفـونِ

ما أشـكـلـت يـوم الـجـدالِ قـضـيــــةٌ  ***  إلّا وأبـدلَ شـكّـهـا بـيـقـيــــــــــــــــــــــنِ

مـسـتـودعُ الـسـرِّ الـخـفـيّ ومـوضـعُ الــــــــخـلـقِ الـجـلـي وفـتـنـةُ الـمـفـتـــــــــــونِ

وفي البيت الأخير إشارة واضحة إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (عـلـمـني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب)

ومن مدائحه لأمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً قوله:

صـنـو الـنـبـي رأيـت قـافـيـتــــــــــــــــي  ***  أوصـاف مـا أوتـيـت لا تـســـعُ

فـجـعـلـت مـدحـي الـصـمـت عـن شـرفٍ  ***  كـل الـمـدائـحِ دونـه يـقــــــــــعُ

مـاذا أقـول وكـل مـقـتـســـــــــــــــــــــــمٍ  ***  بـيـن الأفـاضـل فـيـك مـجـتـمـعُ

بهذه الأشعار كان ابن الصيفي يجاهر في حبه وولائه لأهل البيت ويعدِّد فضائلهم وأفضليتهم على جميع الناس في دولة بني العباس كما كان يجاهر العباسيين بالهجاء، ويذكرهم بفضل العلويين عليهم. وشتان مابين مواقف أهل البيت عليهم السلام السمحاء وأخلاقهم العظيمة، ومواقف العباسيين الشنيعة وجرائمهم.

ومن أشعاره قوله وهو يضمّن أعلمية أمير المؤمنين على جميع الصحابة والناس واستغنائه عن الكل واحتياج الكل إليه كما يضمّن معجزة رد الشمس إليه في أرض بابل.

صـدوفٌ عـن الـزادِ الـشـهـيِّ فــــؤادُه  ***  رغـيـبٌ إلـى زادِ الـتُّـقـى والـفـضـــــــائـلِ

جـرئٌ إلـى قـولِ الـصـوابِ لـســــانُـه  ***  إذا مـا الـفـتـاوي أفـحـمـتْ بـالـمـســــــائـلِ

أعـيـدتْ لـه شـمـسُ الأصـيـلِ جـلالـة  ***  وقـد حـال ثـوب الـصـبـح فـي أرض بـابـل

توفي ابن الصيفي عام (574هـ) ببغداد ودفن في مقابر قريش عند الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) وهي مقابر الشيعة في وقتها

محمد الصفار